الإخوان المسلمون ومواجهة الفكر الشيوعي

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإخوان المسلمون ومواجهة الفكر الشيوعي


مقدمة

ينطلق الإخوان المسلمون من قاعدة إسلامية خالصة من أجل نشر التعاليم الإسلامية الصحيحة وسط الناس بوسطية واعتدال وتطبيق عملي كما جاء في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولذا فهم يبغضون كل فكر يعادي الإسلام.

لم يعادي الإخوان المسلمون أتباع الديانات السماوية الأخرى كونهم أتباع دين سماوي انطلاقا من قول الله تعالى:"لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" "الحشر:8"، كما لم يأمر الإسلام بمحاربة الآمنين، لكنه طالب أتباعه بمواجهة كل من يحارب الإسلام ويعاديه.

كما استخدم الإخوان الفكر في مواجهة الفكر وفضحه وتعريه حقيقته أمام الجميع ليحذره الناس، كما تعمل الحكومات الإسلامية على محاضرة أتباع الفكر المضل الذي يسعى لنشر الفتن وسط الشعوب الإسلامية، مثل الفكر الشيوعي الذي ولد من رحم كاره للدين عموما حيث يقول لينين في المؤتمر الثالث للشباب الشيوعي في أكتوبر 1920:" إننا لا نؤمن بالإله، ونحن نعرف كل المعرفة أن أرباب الكنيسة والإقطاعيين والبرجوازيين لا يخاطبوننا بإسم الإله إلا للمحافظة على مصالحهم" (1)

ظهرت بعض الأفكار الهدامة في ظل المستعمر والذي استطاع الغرب تزينها في نفوس الشعوب الإسلامية حتى وكأنها أصبحت من المسلمات التي لاغنى عنها، أو كأنها دين حقيقي يناهز التدين الإسلامي مثل البابية والبهائية أو الشيوعية التي عملت على إخراج الناس من دينهم لمجتمع يشاع فيه كل شيء ولا يفرق بين ما هو حلال وحرام.

وفى سبتمبر 1939م إندلعت الحرب العالمية الثانية، وانشغل العالم بها وخفت جذور الدعوة إلى الشيوعية لكن بعد إنتهاء الحرب، وظهور الإتحاد السوفيتى (حامى الشيوعية) بمظهر القوى العظمى، عاد المعتنقين لهذا المذهب فى الظهور والترويج له بمصر، وإثارة البلبلة وسط العمال وجموع الأمة، ولم يقف الإخوان مكتوفى الأيدى أمام هذا الفكر الهدام، فعملوا على كشف زيفة والتصدى له بالقول والفعل.

لمحة عن الشيوعية

الحركة الشيوعية بمصر والحرب العالمية الأولى

يرجع بداية العمل الشيوعى فى مصر إلى نهاية الحرب العالمية الأولى، عندما بدأت بعض العناصر الأجنبية بالإسكندرية نشر الفكر الشيوعى تحت إشراف جوزيف روزنتال، وانضم له بعض المصريين أمثال سلامة موسى، وعلى العنانى، ومحمود حسنى العرابى، وتشكل الحزب الإشتراكى المصرى، ثم تغيير إلى الحزب الشيوعى المصرى فى يناير 1923م، والذى تبنى سلسلة اضرابات واعتصامات عمالية، أدت للقبض على أعضاء الحزب الشيوعى والحكم عليهم بالسجن.

ولو نظرنا إلى الأسباب التى أدت لظهور الشيوعية لوجدنا أنها تمثلت فى:

  1. عدم رضاء الشباب عن نتائج ثورة 1919م والتى لم تحقق حلول للأزمة الاجتماعية ولم يقض عل الفوارق الطبقية والبطالة.
  2. أصداء ثورة أكتوبر 1917 الروسية فى مصر وانكباب بعض الشباب المصريين على التعرف على الفكر الشيوعى.

ولقد اتخذت الحكومة المصرية اجراءات للتصدي لهذا الفكر الهدام ففى 25 مايو 1926 أصدر أحمد زيور باشا رئيس الوزراء قانونا يطلق يد الوزارة فى تعقب الشيوعيين، كما منع البواخر السوفيتية من دخول الموانئ المصرية، وقام باعتقال بعض الروس وترحيلهم، وحظر استيراد الصحف والكتب الإشتراكية أو بيعها للجمهور. (2)

الحركة الشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ظهر بعث شيوعي جديد على يد مجموعة من الشباب اليهوديين المصريين أمثال هنري كورييل ومارسيل إسرائيل وقد انضم اليهم بعد ذلك بعض المصريين الذين شكلوا بداية الحركة الشيوعية بعد الحرب وكانوا جميعا ينتمون للطبقة البورجوازية الكبيرة ذوى الثقافة الأجنبية، حتى حدث الشقاق بينهما فانقسمت الحركة إلى عدة حركات.

لكن من الغريب كما يقول الدكتور رءوف عباس أن يهتم فقط البورجوازيين اليهود بأحوال الفلاحين والعمال المصريين دون غيرهم من الطوائف البورجوازية الآخرى، والتى تحركت نوازعهم الإنسانية فجأة لحال العمال، ويتسأل لماذا شباب البورجوازية اليهودية بالذات دون غيرهم من شرائح البورجوازية الأخرى الذين اهتموا بحال الفقراء والعمال؟ ولماذا لم يحدث ذلك إلا فى ظروف الحرب العالمية الثانية؟. (3)

غير أن الحكومة لم تترك المجال للشيوعيين ففى يونيو 1942م اعتقل البوليس هنري كورييل وبعض رفاقه لمدة ستة أو سبعة أسابيع وخرج بعدها وقد تأثر بالأحداث كما تأثر بالاعتقال فعمل على بناء التنظيم الشيوعى مرة أخرى ومن ثم أسس التنظيم الجديد فى أكتوبر 1943 واطلق عليها "الحركة المصرية للتحرر الوطنى" (حمتو)، وانضم له عدد من الشباب اليهود المنتمين إلى جنسيات أجنبية بمصر

وكان لذلك الأمر عدة أسباب:

  1. بُعد هؤلاء الشباب عن الحركة السياسية المصرية وعدم اهتمامهم بها.
  2. ارتباطهم الوجدانى بفرنسا خاصة لانتصار الحزب الشيوعى الفرنسى وقوته وتأثرهم بالنضال الأوربى.
  3. تأثرهم بالحركة السياسية المصرية للأجانب - خاصة البورجوازية منهم.

وبعد أن كون هنري كورييل كون أيضا هلل شوارتز تنظيم "أسكرا" والذي كان يضم أعضاء أجانب فحسب بخلاف حمتو الذي وافق على ضم مصريين وقد أصدر هذا التنظيم فيما بعد جريدة الجماهير، كما كون مارسيل اسرائيل تنظيم "تحرير الشعب"، وكان أصحاب هذه التنظيمات يميلون للثقافة الفرنسية، وكان الإختلاف فيما بينهم السمة البارزة بينهم. (4)

لقد عملت الحركة المصرية للتحرر الوطنى على ضم المصريين دون أخواتها من المنظمات الشيوعية الأخرى، وقد تسمى الشيوعيين بأسماء حركية يتعارفون بها فيما بينهم مثل هنرى كوربيل وكان اسمه (يونس) ومحمد شطا فكان اسمة (حميدو -وكان من أنشطهم)، وسيد سليمان رفاعى الذى سمى نفسه بدر، ولقد انضم إلى الحركة بعض المصريين الذين نشطوا وسط العمال والطلبة لتجنيدهم.

ولقد أنفقت الأموال الكثيرة على قسم النشرات والمجلات العلنية والنشرات السرية، وقد تسأل الدكتور رؤوف عباس عن هذه الأموال ومن أين جاءت؟ ومن كان يمدونهم بها؟ (5). ومع مرور الأيام ازدادت حدة الشقاق بين المنظمات الشيوعية فى محاولة كل واحدة أن تضفى على نفسها مشروعية، ومحاولة كسب اعترافات الشيوعية العالمية بها.

ولقد عمل الشيوعيين على استغلال كل الامكانيات والأحزاب لتسخيرهم من أجل الاختفاء والتستر خلفهم ومن ثم سعت الحركة المصرية للتحرير الوطنى (حمتو) للإندماج في الطليعة الوفدية، وبعد فترة أصبح لهم تأثير على النماذج الوفدية، وظل الوضع حتى كان يوم 11 يوليو 1946م عندما قام البوليس السياسى بتوجيه ضربة قوية للشيوعيين وأعوانهم بالقبض على هنرى كوربيل وأكثر من مائتى شخص من الكتاب والقيادات الطلابية والعمالية، فيما عرف بقضية "المؤامرة الشيوعية الكبرى".

وبعد خروج هنري من السجن بسبب جنسيته الأجنبية عملت المنظمات الشيوعية على التوحد فى عام 1947م، فاتحدت كلا من الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى (حمتو) وأسكرا، أما باقى المنظمات فبلغ الشقاق والتراشق بالألفاظ واتهام كل منظمة للأخرى بالعمالة والبوليسية مبلغا كبيرا وانعدمت الثقة فيما بينهم

مما أدى إلى تفكك كثير من هذه المنظمات ودخول أفرادها تحت منظمة حمتو وأسكر، والتي أصبحت الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى (حدتو) والتى ضمت أمثال هنري كورييل ومحمد شطا وشهدي عطية الشافعي (كان اسمه الحركى سليمان) وعبد المعبود الجبيلي (عادل) وأحمد حمروش وخالد محي الدين، لكن باقى الكتل الشيوعية مثل العصبة الماركسية والفجر الجديد وتحرير الشعب وهى منظمات شيوعية أخرى لم تندمج مع حدتو فقد قامت بعمل جبهة معارضة ضد حدتو.

لم تستمر الوحدة كثيرا حيث دب الشقاق بين الأفراد وذلك بسبب عدة أسباب:

  1. شعور العمال بالاغتراب بين صفوف المثقفين والأجانب.
  2. مناداة بعض العناصر المصرية بالتخلص تماما من العناصر القيادية الأجنبية مثل هلل سوارتز وهنرى كوبيل
  3. اختلاف حمتو وأسكر حول قضية تقسيم فلسطين، حيث وافقت حمتو على التقسيم ومناصرة اليهود بينما كانت أسكرا ترفض ذلك وتعمل على مقاومة الصهيونية.

ومن ثم تفجرت الخلافات وخرجت عن حدتو عدة منظمات جديدة كمنظمة نحو منظمة بلشفيه وصوت المعارضة والعادليون، ومما دفعهم لذلك كون حدتو محترقة من جانب البوليس السياسى حيث أصبحت كل تنظيماتها وأوراقها مكشوفة له ومن ثم اعتقلوا جميعا فى مايو 1948 وبعد خروجهم من المعتقل بلغ الشقاق بينهما مداه مما أدى إلى انفاصل الوحدة وخرجت على إثر ذلك عدة منظمات أخرى مثل نحو حزب شيوعى مصرى (نحلم) وعمال ثوريون وغيرها من التنظيمات. (6)

علاقة الشيوعيين بالوفد وأثرها على حزب الوفد والحركة الوطنية

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حاولت الحركة المصرية للتحرر الوطنى (حمتو) أن تدخل غمار العمل الوطنى لامتلاك زمام المبادرة على الساحة السياسية بين صفوف الطلبة والعمال، فقامت بتوزيع عشرين ألف نسخة من المنشورات على الطلبة والعمال والجنود دعوا فيها للخروج إلى النضال ضد الامبريالية، وكانت الحركة تظن أن باستطاعتها امتلاك زمام المبادرة على ساحة السياسية بين صفوف الطلبة والعمال

لكنها أدركت أنها أعجز على قيادة النضال بمفردها، ولم يستجب أحد لدعوة الحركة، ولذا دعت إلى عقد مؤتمرات جماهيرية والتي لقيت استجابة من يسار الوفد والطليعة الوفدية فقام هؤلاء بدور جيد فى تعبئة بعض الطلبة. حتى أنه فى يناير 1946م تكونت اللجنة الوطنية للعمال والطلبة من الشيوعيين والوفدين. (7)

يقول طارق البشري:

"أنه خلال المدة من 1943م إلى 1945م ظهرت عدة مجموعات شيوعية كان فى مقدمتها الطليعة التى تكونت من طلبة ومثقفين وفديين". (8)

ولقد نشط الشيوعيين وسط الطلبة من خلال لجنة الطلبة التنفيذية العليا والتى كان يقودها عناصر طليعية من شباب الوفد، كما تكونت بين العمال لجنة تعمل خلالها، وكان النشاط الأساسى لطليعة العمال يظهر فى صفوف الوفد. ولقد برز نشاط الشباب اليسارى فى الوفد من خلال جريدة الوفد المصرى والتى كانوا يعملون من خلالها ويتخذونها منبرا لتوصيل أفكارهم ومهاجمة خصوصهم.

غير أن هذه العلاقة وهنت وضعفت اللجنة الوطنية للعمال والطلبة لا بسبب انسحاب الإخوان منها فحسب، لكن بسبب الضعف الداخلى المتعلق بتنظيمها ذاته، حيث سيطر عليه التلقائية والتحرك بغير توجيه منظم فلم يكن لديه منهجية ولا خطة مستقبلية ومن ثم ظهرت عوامل الضعف بين جنباته

والدليل أن مظاهرات 21 فبراير و 4 مارس لم تكن من تنظيم هيئة بعينها أو خضعت لترتيب دقيق، وأن المنظمات التى اشتركت فى توجيه هذه الاضرابات بعضها شعبيا وبعضها فاشيا فى نفس الوقت، وأن الدافع وراء تكوين اللجنة الوطنية هو دافع تلقائى حماسى من عدة هيئات لكل هيئة تاريخها وأسلوبها فى العمل المختلف عن الآخر. (9)

يقول شهدى عطية الشافعى لم تعمر اللجنة الوطنية للعمال والطلبة إلا بضع شهور، ووقعت فى أخطاء تدل على عدم نضجها النضج الكافى، فقد استمر نشاطها قاصرا على المدن بين صفوف الطلبة والعمال والحرفيين فلم تمتد إذ ذاك إلى الفلاحين، كما أنها لم تحسن تنظيم صفوفها والتوغل وسط الشعب فكانت لجنة علوية فقط ليس لها لجان فى كل مصنع وشارع وحى، كما أن أهم ما عابها انقسامها على أنفسها وعدم الوحدة بين قيادتها. (10)

ونتج عن ضعف الحركة أن البوليس السياسى استطاع اختراقها والقبض على هنرى كورييل والسيد سليمان رفاعى وغيرهم من الشيوعيين وتولت النيابة التحقيق معهم، ونشط البوليس السياسى فى ضرب أوكارهم، والقبض على أعضائهم، فقد استطاع البوليس القبض على 120 صهيونى وبعض الشيوعيين وضبط أوراق هامة تدعوا لإثارة الشغب في إجتماعات متفرقة جمعت بعض الشيوعيين مع عناصر صهيونية. (11)

جهود الإخوان في صد المد الشيوعى بمصر

لم يغفل الإخوان عن الشيوعية -لا لكونها مذهب مادى بل لكونها تلغى الدين وتدعوا إلى الإباحية والإلحاد - ومن ثم نشط الإخوان فى تعريف الناس بخطرها عبر كل الوسائل المشروعة من الكتابة في الصحف ومناشدة المسئولين ورجال الدين للتصدي لهذا الخطر، فكتبوا فى صحفهم تحت عنوان:(فليحذر الإخوان – انقلاب خطير يهدد العالم)

جاء فيه:

عاملان قويان يلوحان بسلاح الخطر ويهددان كيان المجتمع ولو صحت حركة واحدة منهما لهدمت المساجد وعطلت العبادة وأبيحت الأعراض، وأن هذان العاملان هما الشيوعية والتى اندس دعاتها وسط الشعوب ولبسوا أثوابا كاذبة يتوارون خلفها، والاشتراكية التى يدعوا أنصارها إلى إباحية منكرة وإلى الإشتراكية فى كل شىء.
ثم وضحت المجلة إلى أن المنهج السديد فى مقاومة هذه الأفكار ليس بكتابة المقالات أو المحاضرات لكن بالعمل المنتج السريع، ولبى الإخوان ذا النداء فعملوا على التصدى لها وتعريف الناس بخطرها. (12)

وعندما أطلت الشيوعية مرة أخرى برأسها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وفور تشكيل إسماعيل صدقى وزارته عمل القصر على منح الشعب بعض الحريات لمحو آثار حادث كوبري عباس، فتسابقت الأحزاب والهيئات على كسب الجماهير، فوسع الوفد جبهته فضم العمال والطلاب فى لجنة واحدة وهى اللجنة الوطنية للعمال والطلبة، وتحالفوا مع الشيوعيين ضد الإخوان بعد رفض الإخوان العمل تحت قيادة مشتركة من الوفديين والشيوعيين لعدم إيمانهم بالفكر الشيوعى.

يقول الدكتور زكريا بيومي:

لما كان كل من الوفد والشيوعين يدركون أن الإخوان لن يعملوا تحت قيادتهم، فقد اتهموا الإخوان برفض الانضمام إليهم وأنهم يعملون لحساب صدقى فى خطوة من الوفد لمصادرة الحركة الوطنية لحسابه، وكانت علاقة الشيوعيين بالإخوان متأثرة بعلاقة الوفد بهم بحكم التحالف بين اليسار الوفدي والشيوعي وباختلاف المنهج والفكر عن الإخوان. (13)

لم يغفل الإخوان نشاط الحركة الشيوعية حيث كتبوا عبر صحفهم وفضحوا المخططات الشيوعية، فكتب عبد الحكيم عابدين تحت عنوان (على مفترق الطرق- اسلامية قرآنية – تهدى الناس سواء السبيل) وضح فيه أن الشيوعية لا تعمل على وحدة الشعوب بل تفرق بين الأجناس من حيث الدين واللون. (14)

وفى حوار أجراه مستر سبنسر المراسل الحربى الأمريكى مع الأستاذ البنا أوضح الإمام البنا أن الشيوعية كمبدأ فإن فلسفة الإسلام وتشريعه يغنى الأمة عما تنادى به الشيوعية، بل الإسلام يعتمد على الإقناع لا على العنف وهو ليس مخدرا للأمم أو داعيا إيها إلى التواكل بل عمل على أن يحصل كل فرد على حقوقه.

وتوالت الكتابات فى مجلات الإخوان لتكشف مخطط الشيوعية للناس، فتحت عنوان (ارجعوا إلى الإسلام)

كتب عبد العزيز الزهيرى يقول:

لقد باءت ديمقراطية أوربا واشتراكيتها وشيوعيتها بخذلان مبين، لأنها مبادئ لا ترتكز على شعور إنساني كريم وإنما دعا إليها وبشر بها ما ملأ قلوب الناس من أحقاد، وأن الشيوعية تعتمد على إضرام نيران البغضاء فى القلوب بين طبقات المجتمع.
ولقد طالب الإخوان بسوريا ومصر بإتخاذ إجراءات عملية لرفع شأن الفقير والعامل وإعانت المزارع على تحسين معيشته وكفل الرفاهية لجميع طبقات الأمة، وفرض الضرائب التصاعدية على رؤوس الأموال الضخمة وتحديد الملكيات الكبيرة مع تعويض أصحابها، واستغلال مبالغ الثروة فى البلاد، ولا ندع للشيوعية محالا وإلا لأنحلت العقيدة وتلاشت القومية وماتت الوطنية والعيش على هامش الحياة واتباعا لروسيا، وأن الشيوعية ماهى إلا ثوب الاستعمار المبتكر فى القرن العشرين. (15)

وكتب عبد العزيز كامل سلسلة مقالات تحت عنوان (الدين فى الميزان) شرح فيها كيف بدأت فكرة الشيوعية والاشتراكية فى ذهن كارل ماركس؟ والسبب الذي دفعه للدعوة لها؟ وأسباب نبذه للدين؟

حيث قال عنه:

"إنه لا يخلق الإنسان ولكن الإنسان هو الذى يصوغ الدين وإن الدين عبارة عن صدى الألم الذى يتردد فى نفس المظلومين كما أنه الأفيون الذى يخدر الناس ويجعلهم يرضخون للمظالم التى يلقيها على عاتقهم النظام القائم وعلى ذلك لن يكون الناس سعداء حقا إلا إذا حرموا من هذه السعادة الوهمية وذلك بإلغاء الدين"
وكان كره ماركس للدين بسب المجتمع الذى وجد فيه حيث كانت فئة كبار المال كانوا مسيطرون على كل الثروات وليس ذلك فحسب بل استعبدوا الناس، واستنزفوا قوتهم حتى إذا عجز الفرد منهم ألقى خارج العمل، وكان رجال الدين يقتصر دورهم على الموعظة وتبشير هؤلاء البؤساء بالجنة وأنهم لو عصوا سادتهم أغضبوا الرب، ومن ثم كانت نظرة ماركس إلى الدين أنه يخدم الطغاة والظالمين وأن الدين تخدير لهذه الجموع البائسة. ثم أخذ الكاتب يوضح ما جلبته الشيوعية على روسيا نفسها من خزى وفوارق طبقية وأحقاد. (16)

ولقد عاب الإخوان على الوزارء الضربات الأمنية التى حاولوا القضاء بها على الشيوعية لأنها جاءت بردود فعل عكسية وعرفت الناس بالشيوعية وجعلتهم تتعاطف معهم لا لشيء إلا أنهم ربما يكونوا مظلومين، وطالب الإخوان الحكومة بإعطاء العامل حقه وأن ترعى شئون المحتاج قبل أن تظلمهم ومن ثم تقطع الطريق على الشيوعية فلا يجد منفث لها في بلادنا. (17)

ولقد نشرت مجلة الإخوان ما كتبته مجلة المنار السورية تحت عنوان (الإخوان المسلمون فى مصر بين الوفديين والشيوعيين) تحدثت عن نشأت الإخوان وكيف بلغت قوتها وأسباب خصومة الوفد للإخوان حيث ذكرت أنها تتركز فى خوف الوفد على زعامته الشعبية من أن يفقدها لصالح الإخوان خاصة بعد سياسة زعماء الوفد الحزبية الهدامة وإخفاقهم فى الحكم مما نفر الناس منهم وكان هذا الدافع لخصومة الوفد للإخوان، ثم تحدثت المجلة عن سر العداء بين الشيوعية والإخوان فذكرت أن الشيوعيين يأتمرون بأمر موسكو، كما أنهم دعاة إلحاد وفوضى وهذا على خلاف الإخوان الذين يأتمرون بأوامر شرع الله ويدعون إلى الإيمان وسمو الأخلاق.

ولقد انتقل الحال إلى الطلبة ففى الجامعة وقف الطلبة الشيوعيين يهتفون "لا إسلام فى الجامعة" فتصدى لهم طلبة الإخوان ودارت معركة كبيرة بينهما. (18)

ولم يقتصر الإخوان أن يكونوا فى ميدان محاربة الشيوعية وحدهم بل آزروا وشجعوا كل من يبين حقيقة الشيوعية ويطالب بتقويضها، ففى موقف لمحمود حسن باشا عميد السفراء المصرين بالخارج وسفير مصر فى واشنطن سابقا والذى ذكره لمندوب الأهرام حول كيفية التصدى للشيوعية عن طريق رفع مستوى المعيشة ومعاملة العمال والفلاحين معاملة إنسانية وأنها أنسب الطرق للتصدى للشيوعية، ففى هذا الموقف شجع الإخوان سعادة السفير بل أعادوا نشر حديثه مرة أخرى فى صحيفتهم تحت عنوان (فى سبيل المستضعفين).

وعندما حاول العمال الشيوعيين تعطيل العمل بدون سبب ومحاولة التخريب فتصدى لهم العمال عامة بمعاونة عمال الإخوان ومنعوهم من فعل شىء يسيء للعمال ولمصانعهم وكان ذلك فى شركة الغزل والمنسوجات بكرموز. (19)

ولقد أوضح الإخوان الأسباب التى تدفع الناس لإعتناق الشيوعية، فإعتناقهم لها ليس عن إيمان وإقتناع لكن بسبب الوضع الاجتماعى الذى يحبونه، والفوارق الطبقية الموجودة داخل نسيج الأمة، وأن الشيوعية تلعب على هذا الوتر، وأن دعاتها ينتشرون وسط الطبقات الفقيرة المغلوبة على أمرها لنشر هذا الفكر وقد انتهزوا هذه الفوارق لنشر بذور الفتنة والحقد والشقاق بين هذه الطوائف، وأن العلاج لهذه الأمراض المستعصية هى بتطبيق شرع الله وإخراج الأغنياء لزكاة مالهم وتوزيعها على الفقراء. (20)

وفى حوار لصحيفة روز اليوسف مع الإمام البنا حول الشيوعية وجهت له المجلة سؤالا يقول هل ستجد الشيوعية مكان لها فى الدول الإسلامية؟

قال:

" فى الإسلام ما يغنى الشعوب الإسلامية من كل ما سواه من المبادىء.. وخصوصا وهو قد اهتم بالتقريب بين الطبقات، ورعاية المساواة والعدالة الاجتماعية وإشراب ذلك بروح العطف والتكافل.. ولوطبقت مبادىء الإسلام تطبيقا صحيحا، لما وجدت المبادىء الشيوعية أو غيرها أى مجال" (21)

كما أفسحت صحف الإخوان المجال للعلماء والكتاب لتوضيح حقيقة الشيوعية وأضرارها، فقد كتب فضيلة الشيخ أحمد الشرباصي تحت عنوان (منبر الجمعة) (كيف نقضى على الشيوعية؟ الإسلام كل لا يتجزأ) وضح فيه أنه خير الأمور ما قام به ولاة الأمور من مهاجمة أوكار الشيوعيين والقبض عليهم، ولجوئهم للأزهر الشريف لمساعدتهم فى القضاء على الشيوعية

غير أنه أكد أن هذا وحده لا يكفى ولابد من القضاء على الفوارق الطبقية الموجودة فى نسيج المجتمع، وإخراج الأغنياء لزكاة أموالهم وتوزيعها على الفقراء، وأن يعتنوا بهم أثناء عملهم، وتوزيع الثروة توزيعا عادلا ففما يكون دافعا لإغلاق الباب أمام الشيوعية. (22)

ولقد هاجم الشيوعيين تحركات الإخوان، وطالبوا الحكومة بحل جماعة الإخوان وذلك عبر صحيفة الجماهير اليسارية، وظلوا يطالبون بذلك ولقد كانوا من أكثر الناس فرحا بسبب القرار الذي أصدره النقراشي حينما حل الإخوان في 8 ديسمبر 1948م، لكن لم يدم الحال لهذه التنظيمات الشيوعية حيث انهارت بعد سقوط الملكية وهروب هنري كورييل لفرنسا، غير أن الشيوعيين المصريين حملوا مشعلها من جديد حتى بعد سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1989م.

المراجع

  1. وحيد الدين خان: الإسلام يتحدى، الطبعة التاسعة، مرسسة الرسالة، بيروت، 1985م، صـ26.
  2. رؤوف عباس: أوراق هنرى كوبيل والحركة الشيوعية المصرية، ترجمة عزة كامل، الطبعة الأولى، سينا للنشر القاهرة 1988م، صـ18، 15.
  3. المرجع السابق صـ23.
  4. المرجع السابق صـ26.
  5. المرجع السابق صـ33.
  6. المرجع السابق صـ34.
  7. المرجع السابق صـ35
  8. طارق البشري: الحركة السياسية فى مصر 1945- 1952، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1972 صـ82.
  9. طارق البشري: المرجع السابق، صـ83- 110.
  10. شهدى عطية الشافعى: تطور الحركة الوطنية المصرية 1882-1956، الطبعة الأولى، مطبعة الدار المصرية للطباعة والنشروالتوزيع 1957، صـ108.
  11. جريدة الإخوان المسلمون اليومية: العدد 180، السنة الأولى،11 محرم 1366هـ، 5 دبسمبر 1946م، صـ4.
  12. مجلة الإخوان المسلمين: العدد 39، السنة الثانية، 1 ذو الحجة 1353هـ، 8 مارس 1935م، صـ3.
  13. زكريا سليمان بيومي: الإخوان المسلمون والجماعات الإسلامية فى الحياة السياسية المصرية 1928- 1948، ط2، مكتبة وهبة، القاهرة، 1991م، صـ190.
  14. جريدة الإخوان المسلمون اليومية: العدد 201، السنة الأولى، 6 صفر 1366هـ، 30 فبراير 1946م، صـ3.
  15. مجلة الإخوان المسلمون: العدد 112، السنة الرابعة، 28 شعبان 1365هـ، 27 يوليو 1946م، صـ8.
  16. مجلة الإخوان المسلمون: العدد 135، السنة الخامسة، 26 صفر 1366هـ، 18 يناير 1947م، صـ4.
  17. مجلة الإخوان المسلمون: العدد 188، السنة السادسة، 4 ربيع ثان 1367هـ، 14 فبراير 1948م، صـ5.
  18. مجلة روزاليوسف: العدد 1023، 10 ربيع الأول 1367هـ، 21 يناير 1948، صـ11.
  19. مجلة الإخوان المسلمون: العدد 198، السنة السادسة، 29 جماد ثان 1367هـ، 8 مايو 1948م، صـ10.
  20. مجلة الإخوان المسلمون: العدد 193، السنة السادسة، 23 جماد أول 1367هـ، 3 أبريل 1948، صـ20.
  21. روزاليوسف العدد 946، 13 يوليو 1946م، 3 رمضان 1365هـ، صـ12.
  22. مجلة الإخوان المسلمين: العدد 195 السنة الثالثة، 6 جماد ثان 1367هـ، 10 أبريل 1948م، صـ11.