الإمارات وتغيير الأنظمة بالقوة
مقدمة
الإمارات العربية المتحدة إحدى الدول العربية في شبة الجزيرة العربية والتي تقع على الخليج العربي، حيث كانت في وقت سابق متحدة في كيان مع دولة عمان قبل أن يبسط الاحتلال البريطاني نفوذه على المنطقة، حتى أن المنطقة كانت تُعرف حتى الخمسينات من القرن العشرين باسم إمارات ساحل عمان.
كان السكان يقطنون في قرى صغيرة متناثرة على ساحل رأس الخيمة والشارقة ودبي وأبوظبي، وبنوا حصونًا لحماية أنفسهم في مناطق التجمع السكاني الرئيسية، أما عماد الاقتصاد فكان صيد السمك واللؤلؤ قبل أن تشهد نموا اقتصاديا حيث تأتي الإمارات في المرتبة السابعة في العالم من حيث احتياطاتها النفطية، كما تمتلك واحداً من أكثر الاقتصادات نمواً في غرب آسيا.
ترجع تسميتها إلى الإمارات السبع التي شكلت اتحاداً فيما بينها، وهي:
- إمارة أبوظبي وإمارة دبي وإمارة عجمان وإمارة الشارقة وإمارة رأس الخيمة وإمارة أم القيوين وإمارة الفجيرة، وذلك بعد اتفاق السميح عام 1968م والذي نادى به الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وراشد بن سعيد آل مكتوم، وبالفعل استقلت البلاد في 2 ديسمبر عام 1971م تحت قيادة آل نهيان وآل مكتوم، ويرأس البلاد اليوم الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، إلا أن محمد بم زايد يعتبر الحاكم الفعلي للبلاد والمتصرف في شئونها.
الإمارات والإسلاميين
ترتبط البدايات الأولى لوجود "الإخوان" في دولة الإمارات بفترة الستينيات من القرن الماضي، حينما سافر إليها العديد من الإخوان المصريين وعلى رأسهم الأستاذ عبد البديع صقر حيث نشطوا في المجال التعليمي، وبرز معهم الشيخ الإماراتي عبد الله بن على المحمود والذي أصبح أول مدير للشئون الإسلامية والأوقاف بالشارقة، ونائبه في الإدارة حينها كان الشيخ الأزهري عبد الودود شلبي، أحد رموز الإخوان في مصر
وساعد على انتشار الفكرة عودة بعض الطلبة الإماراتيين في أواخر الستينيات من دراستهم في مصر والكويت حيث تشكلت جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي عام 1974م على يد سلطان بن كايد القاسمي، ومحمد بن عبد الله العجلان وآخرين، وأصبح لها مجلة الإصلاح كناطق لها، وفي عام 1977م 1979م تم اختيار وزيرين من جمعية الإصلاح وهما "محمد عبد الرحمن" البكر وزيراً للعدل والشئون الإسلامية والأوقاف، وسعيد عبد الله سلمان، وزيراً للتربية والتعليم.
كان نشاط الإخوان في المناحي التعليمية خاصة أمرا ملحوظا، غير أنه منذ أن تولى محمد بن زايد نائب ولاية العهد وقد بدأت سلسلة من الصدمات بين الطرفين بدأت بوقف مجلة الإصلاح عام 1989م، وبلغ الصدام ذروته بعد ثورات الربيع العربي والتي أفزعت حكام الخليج
وزاد الأمر في الإمارات بعد عريضة الثالث من مارس 2011م والتي أعلنها أفراد من جمعية الإصلاح، حيث طالبوا فيها بإجراء انتخابات لأعضاء المجلس الوطني الاتحادي، وبتعديل دستوري يكفل له الصلاحيات التشريعية والرقابية الكاملة، فتم القبض على العديد وتقديمهم إلى المحاكمة وحظر نشاط العديد من الجمعيات والحركات الإسلامية في الإمارات وخارجها في إذانا لإعلان الحرب ضد الربيع العربي. (1)
ذكر بعض المحللين أن التغيير الشديد حدث على يدي محمد بن زايد والذي تشبع بالكراهية للتيار الاسلامي عموما والإخوان خصوصا على يدي مدربيه أمثال فؤاد علام والذين استعانت بهم الإمارات في الثمانينيات لإعادة هيكلة أجهزة الإمارات الأمنية.
شنت الإمارات حربا على دول الربيع العربي عامة والإسلاميين خاصة خوفا على مركزها وتنفيذا لسياسة غربية عملت على اجهاض هذا الربيع وتوفير الحماية التامة لدولة إسرائيل بمساعدة عربية وهو ما تحقق في المال الخليجي. لقد اتضحت رؤية الإمارات ما بعد الربيع العربي في تصريح لقائد العام لشرطة دبي ضاحي خلفان من "مؤامرة دولية" للإطاحة بحكومات دول خليجية، وقال إن المنطقة يجب أن تستعد لمواجهة أي خطر من المعارضين الاسلاميين، وكذلك من سوريا وإيران.
وهو ما دفع الإمارات لشن حملات اعتقالات داخل أراضيها قبل أن تخطط لإحداث تغيرات في دول الربيع العربي خاصة الدول ذات الاستراتيجية العالية في مسعى للسيطرة الاقتصادية على مقدرات هذه الدول ولضمان عدم مطالبة الشعوب الباقية بالتغيير، وهو ما تعاونت عليه السعودية والإمارات.
الربيع العربي
زخر عام 2011م بتدافع الأحداث التي أحدثت زلزال على الساحة في الشرق الأوسط دون أن يتنبأ بها أحد بهذه الصورة التي دفعت الشعوب في العديد من الدول العربية إلى الخروج وإحداث التغير.
ففي 17 ديسمبر 2010م تحرك الزلزال الشعبي تنفيسا عن غضبا مكبوتا في النفوس تضامنًا مع الشاب محمد البوعزيزي الذي قام بإضرام النار في جسده تعبيرًا عن غضبه على بطالته ومصادرة العربة التي يبيع عليها من قبل الشرطة. ثم كانت الدعوات في مصر بالخروج اعتراضا على سياسة الشرطة والتي تحولت لدعوات لخلع النظام في 25 يناير من عام 2011م.
ثم سرعان ما انتقلت رياح التغيير إلى اليمنين في 11 فبراير من عام 2011م حيث كانت بداية الصراع المسلح بين القبائل والشعب من جهة ونظام علي عبد الله صالح ومن خلفه بعض دول الخليج من جهة أخرى، إلا أنها انتهت في نهاية المطاف بخلع النظام، إلا أن دول الخليج وخشية من امتداد الربيع لها دعمت علي عبد الله صالح ثم الحوثين قبل أن يصبحا عدوين لدودين
ولم تترك الرياح ليبيا التي وقعت بين ثورتين حيث تحركت الجموع في 17 فبراير من نفس العام حيث كانت الثورة الأعنف بين الشعب والنظام والتي استطاعت أن تخلع نظام القذافي، ثم كانت ثورة السوريين في 15 مارس من نفس العام والتي أصبحت ساحة حرب بين العديد من الدول الداعمة لبشار الأسد وحركات جهادية لا يعرف الهدف من أعمالها. (2)
موقف دول الخليج من الربيع العربي
أحدثت ثورات الربيع العربي هلعا في نفوس حكام الإمارات خاصة والخليج عامة مما دفع دول الخليج في اتخاذ اجراءات دستورية في ذات طابع اصلاحي.
وفي في بداية الحراك العربي حدثت مطالبات اصلاحية في كل من سلطنة عمان والبحرين وطالبت بعض الفئات في السعودية بتحسين اوضاعهم اما في الكويت فقد طالب المعارضون بوقف الاصلاحات الدستورية التي اقرها سمو أمير البلاد ومن ضمنها تغيير عدد الاصوات من 4 أصوات للناخب الى صوت واحد.
غير أن الدبلوماسية لم تستمر كشعار لدول الخليج نحو دول الربيع العربي بل أفصحت هذه الدول عن موقفها من الربيع العربي خاصة بعدما وضعت استراتيجيتها مع الغرب على اجهاض الربيع العربي وإسقاط حكم الإسلاميين خاصة في مصر وتونس .
يقول عباس الضالعي:
- سياسة دول الخليج وخاصة بلاد الحرمين ودولة الإمارات سياسة عدائية لحق الشعوب في التغيير وبسبب هذه المواقف نلاحظ مدى حجم الغضب والكره والسخط من حكومات السعودية والإمارات والكويت والبحرين، ومدى التعاون الوثيق مع إسرائيل التي فزعت هي أيضا من الربيع العربي. (3)
إلا أن البعض استبعد أن تصل رياح التغيير الربيعي إلى دول الخليج لأسباب منها نظام القبيلة هو السائد، وحكم القبيلة متوارث، ووجود النفط الذي يعط الركيزة الاقتصادية لهذه البلدان. حيث اعتبر الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم - نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة - رئيس مجلس الوزراء وحاكم دبي، أن دول الخليج في مأمن من التغيرات التي أطلقها ما يُعرف ب"الربيع العربي".
لكن المطلعين والمراقبين للشأن الخليجي يرون أن دول الخليج لن تكون بمنأى عن رياح التغيير في المنطقة. بل إن بعضا منهم يدعو حكومات هذه الدول ونخبها السياسية إلى استباق رياح التغيير بإجراء إصلاحات عميقة وحقيقية وجذرية، ذاهبين إلى أن هذا هو ما جرى في قطر.
لكن المراقبين يسجلون أن دول الخليج بمجملها بدأت تقود ثورة مضادة حيث يقول الباحث السعودي د. فؤاد ابراهيم:
- " أن السعودية وهي الدولة الخليجية الأكبر تقود اليوم تيار الثورة المضادة بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما شهدنا نتائجه في تورط السعودية وقطر والإمارات في الثورة التونسية والثورة المصرية وفي البحرين واليمن و ليبيا التي جسد التدخل فيها مثالا صارخا للثورة المضادة، كما شهدنا تأثيرات هذه الثورة المضادة في اليمن عبر ما يسمى بالمبادرة الخليجية التي هي عبارة عن مشروع لإجهاض ثورة اليمن واحتوائها". (4)
الإمارات واستراتيجيتها في دول الربيع العربي
لم تكتفِ الإمارات – الدولة الأكثر عداءً للربيع العربي ودعمًا للثورات العربية المضادة – بالكثير من الجهود داخل أراضيها لقمع المعارضين، من اعتقال وتعذيب وسحب جنسيات وترحيل كل من تشك في كونه معارضًا للنظام الحاكم، بل إن جهد هذه الدولة تخطى حدودها ليشمل الدعم المالي والعسكري للثورات المضادة.
كان للعداوة الشديدة التي يكنها نظام الحكم في الإمارات ضد الإسلاميين أثرا في شدة رد الفعل الإماراتي على ثورات الربيع العربي والعمل بالتعاون مع إسرائيل والغرب على إجهاضه وإحداث انقلابات وتغيرات في هذه الدول، حيث يرى بعض المحللون والدبلوماسيون أن السلطات الإماراتية تدرك جيدا أن الاسلاميين هم الجماعة الوحيدة التي تملك القدرة على حشد معارضة حقيقية بين السكان.
ويقول الكاتب الإماراتي احمد أميري:
- أنه في حال استجاب النظام الإماراتي لإخوان الإمارات وأجروا انتخابات برلمانية فإنهم المنظمة الوحيدة التي لها صوت واحد في الإمارات وبالتالي ستفوز بنسبة مئة في المئة، وتساءل أميري عما اذا كان الإخوان في حالة الفوز سيتركون القوانين دون تغيير أم سيتجهون لتعديلها وفقا لرؤيتهم. (5)
كان من الواضح أن سياسة الإمارات الخارجية ترتكز على محورين رئيسيين: الاحتماء من إيران، ومحاربة الإسلام السياسي بشتى صوره، مستهدفة الإخوان المسلمين بشكل أساسي.
مصر والانقلاب العسكري
ظلت الإمارات تتعامل بحذر مع ثورات الربيع العربي، داعمة في الوقت ذاته الأنظمة القديمة التي كانت تحكم في محاولة لإعادتها للمشهد مرة أخرى، غير أن الخريطة كانت تنحى منحى جديد في مصر حيث سيطر الإسلاميين على البرلمان ومجلس الشورى ورئاسة الجمهورية، مما دفع الإمارات لاستنفار كافة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية للتعاون مع الأجهزة الاسرائيلية والغربية في التحضير للانقلاب على الإسلاميين في مصر، بعدما فتحت خزائنها أمام الكل ليغرف منها للعمل على الاطاحة بالنظام الإسلامي.
لقد رأى الإماراتيون أنّ انبثاق الإسلام السياسي والديمقراطية العربية، يشكّل تهديداً مباشراً لوجودهم، وبالتالي قرروا انفاق مليارات الدولارات للحدّ من زخمها. كانت الإمارات العربية المتحدة من بين أولى الدول التي اعترفت بانقلاب الجنرال عبدالفتاح السيسي عام 2013، وأغدقت عليه مليارات الدولارات نقداً وقدمت لنظامه الدعم السياسي، فضلاً عن ذلك
تم تشجيع مؤتمر الاستثمار لعام 2015 والذي نظمته مصر في شرم الشيخ من قِبل الإمارات العربية المتحدة حيث أعلن فيه رئيس مجلس الوزراء وحاكم دبي الشيخ محمد بن راشد أن بلاده دعمت مصر بأكثر من أربعة عشرة مليار دولار حتى الآن، وهو ما أكده السفير القطري لدى تركيا، سالم آل شافي، إن الإمارات قامت بدعم الثورات المضادة في العالم العربي بهدف استعادة أنظمة ديكتاتورية، على اعتبار أن من شأن هذه الأنظمة أن توقف مد الثورات.
تصاعد موقف الإمارات نحو دول الربيع العربي والعمل على اجهاض الربيع العربي وشجع قوتها المالية ذلك واعتلاء ترمب سدة الحكم في أمريكا وهو المعروف عنه بغضه الشديد للتيار الاسلامي ولثورات الربيع العربي ويشجع على التحولات والانقلابات العسكرية في مثل هذه الدول. (6)
لقد أضحى موقف الإمارات من الانقلاب في مصر واضحا لدى وعى الشعب بحقيقة ما قامت به من تحركات للعودة بالبلاد إلى أسوء ما خلفه مبارك مقابل دعمها المالي للانقلاب العسكري المصري.
يقول الباحث التونسي محمد هنيد:
- لقد دعمت دولة الإمارات باكرا قوى الثورة المضادة ممثلة أساسا في الأذرع المالية والأمنية والعسكرية والسياسية للأنظمة التي ضربتها أمواج الثورات، حيث آوت مبكرا عددا هائلا من القيادات التابعة للنظام القديم بدول الربيع، وشكلت بسرعة غرف عمليات معقّدة لإجهاض الثورات وضرب المسارات الانتقالية وإعادة المنظومات القديمة إلى سدة الحكم.
- نجحت هذه الغرف في إجهاض أمّ النماذج الثورية متمثلة في الثورة المصرية، عندما دعمت أبو ظبي -وكذلك السعودية- تدمير أول نموذج للحكم المدني الديمقراطي في مصر، بسجن الرئيس المنتخب محمد مرسي، وإحلال الحاكم العسكري الانقلابي مكانه، وسط بُركة كبيرة من دماء المصريين وأشلائهم المحترقة في شوارع القاهرة وساحاتها. (7)
لقد كان النظام الإماراتي النموذج الأشد نتوءا وبروزا في المشهد، بسبب تعنتها في لعب دور الريادة ضمن فريق الثورات المضادة، والسعي المحموم إلى الإطاحة الدامية بتجارب الثورات العربية السلمية.
وذكر موقع فرانك (Fanack) الهولندي في تقرير له عن سبب معاداة الإمارات للإسلاميين:
- "لا يوجد سبب واضح لهذه العداوة الشديدة والكراهية العميقة التي تبديها الإمارات للإخوان سوى شخصية محمد بن زايد وطريقة تفكيره"
مضيفة:
- "ذلك أنه بما رآه من إقبال الناس على فكر الجماعة ومن رواج منهجهم في الإصلاح والتغيير وقدرة أعضائها في بلاده على التأثير على المسؤولين في الحكومة، فقد تشكلت لديه قناعة راسخة بأن الحركة تشكل تهديداً وجودياً على ملكه". (8)
الإمارات وتخريب اليمن
منذ أن ترسخت أقدام الدولة السعودية في عهد الملك عبد العزيز آل سعود وهو يعتبر اليمن أمتداد قومي لبلاده، ولذا تعامل معها ومع سياستها على هذا الوضع، وظل ملوك السعودية يسيرون على هذا المنهج.
وحينما اندلعت ثورة اليمن في 11 فبراير 2011م هلع النظام السعودي بقيادة الملك عبد الله بن عبد العزيز فوضع الخطط بمعاونة مخابراته على اجهاض الثورة، وقام باحتضان الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح الذي نادى شعبه بإسقاطه
وأضفى عليه الحماية والعلاج من اصابته وعاونه على العودة لليمن في محاولة للسيطرة على مقاليد الحكم من جديد، غير أن قوة الحوثين فرضت نفسها على المشهد، وبعد أن كان عبد الله صالح الخادم للسعودية تحول ضدهم وتعاون مع الحوثين في الحرب التي اندلعت بين الطرفين وما زال يتجرع مرارتها الشعب اليمني.
حينما أعلنت السعودية الحرب في 25 مارس 2015م شاركت الإمارات بهدف بسط نفوذها على العديد من المدن الساحلية اليمنية وضمها للامتداد الجيوسياسي لدولتها ومحاصرة سلطنة عمان العدو اللدود لها.
يقول نيل باتريك:
- شاركت الإمارات في الحرب اليمنية بغية مجابهة الفكر الوهابي في السعودية، وتحجيم دور إيران في المنطقة، وتعمل على تعزيز مجموعات انفصالية مختلفة في جنوب اليمن تتسبب بدورها في إضعاف اليمن أكثر فأكثر.
ويضيف:
- يسدي الإماراتيون نصيحة إلى السعوديين بالعودة إلى دعم الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، اعتقاداً منهم بأنه يمكن اللعب على وتر خلافاته المتعاظمة مع الحوثيين، حلفائه التكتيكيين، والمساهمة في تحوّلها إلى قطيعة دائمة بين الطرفَين.
يخشى السعوديون، الذين لا ينشرون قوات برية في اليمن، أن تتمكّن الإمارات من انتزاع مواطئ قدم استراتيجية ومن تقويض النفوذ السعودي في الفناء الخلفي التقليدي للمملكة. (9)
لقد سعت الإمارات إلى دعم علي عبد الله صالح في محاولة للعودة به لكرسي الرئاسة، وحينما فشلت تواصلت مع نجل الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح والحوثيين حيث جاءت في تسريبات سابقة ذكرت أن عبد الله بن زايد وزير الخارجية الإماراتي اتصل شخصيًا بـ أحمد علي عبد الله صالح نجل الرئيس اليمني المخلوع، وبلغه عبر الهاتف استعداد الإمارات لدعم ترشيحه للرئاسة في 2014، وأن الإمارات ستقدم المليارات لدعم ترشيحه. (10)
تعمل الإمارات جاهدة على السيطرة على الحديدة وسقطري وأمهرة من أجل توسيع نفوذها الاقتصادي، وكبح جماح المدن المنافسة لموانيها المتمثل في أبو ظبي ودبي، ولذا أصبحت الإمارات واستراتيجيتها في اليمن واضحة للجميع حتى أمام السعودية الشريك الأساسي في حرب اليمن والتي كانت ترغب فحسب في اعادة الرئيس عبد ربه منصور هادي وتأمين مصلحها في اليمن.
الإمارات ومليشيات ليبيا
أسهمت الإمارات ومصر بشكل رئيسي في دعم حفتر، بدعم الحملة العسكرية ضد القوات الحكومية المدعومة أممياً، وهو ما جعل ليبيا ساحة للنزاع الجيوسياسي بين القوى الإقليمية والدولية، حيث يتحجج حفتر أنه يخوض معاركه لمواجهة "الإسلاميين الإرهابيين"، بالشراكة مع الإمارات التي تعادي بكل قوة جماعات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط.
يقول عضو لجنة الحوار في الاتفاق الليبي، جمعة القماطي، في تصريحات صحفية:
- "إن الإمارات لديها دوافع سياسية واقتصادية في ليبيا، وتسعى لأن تكون نموذجاً اقتصادياً قوياً متصدراً في المنطقة".
وأضاف:
- "ما إن تتحقق الإمكانات الأمنية والسياسية للنموذج الليبي، فسيصبح قوة منافسة للإمارات؛ لما تملكه ليبيا من عوامل قوة تفوق بكثير الإمارات، وفي تفسيري هذا ما يجعلها تدعم العمل المسلح من أجل فرض حكم فردي لن يجعلها قوة منافسة" (11)
وتكشف صحيفة نيويورك تايمز أن الإماراتيين بالتعاون مع الجيش المصري هاجموا ليبيا. وقالت غرفة عمليات ثوار ليبيا في بيان لها:
- "حسب المعلومات التي حصلنا عليها فإن الأمن الإماراتي شكل خليتين على مستوى عالٍ جدًا، الأولى أمنية تعمل على إسقاط النظام الليبي الجديد، ومواجهة المد الإسلامي، وإسقاط المؤتمر الوطني. أما الخلية الثانية فهي خلية (إعلامية) متخصصة تعمل خارج وداخل ليبيا وتتخذ من العاصمة الأردنية عمان مقرًا لها" (12)
الإمارات والعبث في المشهد التونسي
تحمل تونس خصوصيات بالغة الأهمية بالنسبة للقوى العربية الإقليمية، وذلك من زوايا كثيرة ومتعددة؛ فتونس هي - بلا منازع - مهد الربيع العربي ومسقط رأس ثوراته، التي قدمت نموذجا عالميا في قدرة القوة الشعبية السلمية على إسقاط رأس النظام الاستبدادي وتهديد بقية النماذج. وقدمت منوالا سرعان ما نسجت عليه شعوب ليبيا ومصر وسوريا.
وهذا السبب يشكل أهم الأسباب التي جعلت غرف العمليات الإماراتية تراهن بقوة على وأد التجربة التونسية، خاصة بعد نجاحها في نسف الثورة المصرية. دعمت الإمارات كل أذرع الدولة العميقة في تونس إعلاميا وسياسيا وماليا؛ فنجحت إعلاميا في تأسيس شبكة هامة من الصحف والقنوات التلفزيونية والإذاعات والمواقع الإلكترونية، التي تدعمها بشكل مباشر عبر مجموعة من رجال الأعمال، وبالتمويلات التي لم تعد تخفى على أحد.
وتظهر الوثائق المسربة أخيرا عن محاولات كبيرة لتكوين "حزام برلماني"، والتأثير على القرارات السيادية للدولة، بل دعم بعض المرشحين في انتخابات الرئاسة. (13)
بل أن تونس أفصحت عن ضبطها لشبكة تجسس لصالح دولة الإمارات يقودها المصري محمد السماحي، والذي كان يدير خلية تجسس مكونة من سياسيين، ورجال أعمال تونسيين تعمل لصالح أجهزة مخابرات مصرية وسعودية وإماراتية، وكانت تهدف إلى الإطاحة بحكومة يوسف الشاهد.
ولم يتوقف الأمر على ذلك بل ذكر موقع "موند أفريك" الفرنسي:
- أن وزير الداخلية التونسي المقال لطفي براهم خطط للانقلاب على الرئيس السبسي في يونيو 2018م، بالتعاون مع الإمارات، مما دفع بعشرات المواطنين ضد أبوظبي ودعوا لطرد سفيرها.
وقد ساعد على إفشال هذا المخطط – كما ذكر الصحافي الفرنسي نيكولا لوبو- إلى المخابرات الفرنسية والألمانية والجزائرية والذين أطلعوا المخابرات التونسية على المخطط الذي يقوم به وزير الداخلية لطفي براهم.
ويضيف الصحافي:
- "أن وثيقة سرية مسربة تصور براهم كمركز القوة في شبكة أمنية شابة وجريئة تحن إلى فترة الحكم السابق تحت النظام الدكتاتوري"، وإعداده لخطة ترمي إلى إبعاد إسلاميي حركة النهضة بشكل نهائي من المشهد السياسي التونسي. (14)
لم تنجح الإمارات في تحقيق انقلاب حاسم في تونس للتفاهمات بين جميع الأطياف، وبسبب طبيعة المؤسسة العسكرية التونسية التي عُرفت باستقلاليتها عن المؤسسات السياسية وعن الارتباط بالقوى الأجنبية والتي ساهمت بشكل كبير في منع الانقلاب على مسار انتقالي وليد ومنعت انخراط التجربة في حمامات الدم على غرار النموذج المصري مثلا.
الإمارات والحفاظ على بشار الأسد
عندما انطلقت الثورة السورية في مارس 2011م، لم تأخذ أبوظبي موقفاً حاسماً من الثورة السورية في بدايتها، بل ظلت متردّدة لبعض الوقت، لكنها كانت تتعاون مخابراتيا مع نظام الأسد، وتعمل بكل قوتها على الحفاظ على النظام السوري، وتأييدها التدخل الروسي، وتغذية الصراع داخل المعارضة السورية والتورط في اغتيال بعض قادتها بأذرع موالية لها عن طريق محمد دحلان.
حيث أكد وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش على أن بلاده لا تريد تفكيك المؤسسات الحكومية السورية، وضرورة وجود مرحلة انتقالية، وهو ما يعني دعم الإمارات لبشار الأسد ونظامه.
وكشفت "رويترز" عن تورط الإمارات في تزويد نظام الأسد بالنفط والغاز بعد فرض العقوبات الغربية على الأسد 2011 و2012، بل أن الأكاديمي السعودي الدكتور خالد الدخيل، انتقد الدور الإماراتي بشدة، معتبرا أنه لا يمكن أن تكون ضد الإرهاب، وفي الوقت نفسه مع بقاء الأسد حاكمًا لسورية. (15)
الإمارات وانقلاب عمان
لم تتوقف انقلابات الإمارات على دول الربيع العربي ودعم الأنظمة الديكتاتورية بل سعت لعمل انقلابات في الدول التي تنافسها اقتصاديا مثل سلطنة عمان.
حيث تشير التقارير إلى وجود أطماع قديمة لحكام الإمارات، خصوصاً في السنوات العشر الأخيرة. ففي العام 2011 تمكّنت السلطات العمانية من إحباط محاولة انقلاب للإطاحة بالسلطان قابوس بن سعيد؛ عندما اكتشفت خلية التجسّس التي تضم مدنيين وعسكريين لتثبيت نظام موالٍ للإمارات في السلطنة العمل على الاطاحة بالسلطان قابوس وقتله، غير أن أمير الكويت سارع بالتدخل لرأب الصدع بين الجانبين.
واشارت مصادر خليجية الى
- " ان حكام ابو ظبي يمثلون الصقور من بين حكام الإمارات وهم الذين يقودون مشروعا امنيا وسياسيا خطيرا ضد نظام السلطان قابوس ، وابناء الشيخ زايد يتفقون في ضرورة احداث تغيير كبير في مرحلة مابعد السلطان قابوس ، لضمان كسب شخصيات قيادية في سلطنة عمان يكونون واقعين تحت تأثير القرار السياسي في دولة الإمارات، تمهيدا لضم سلطنة عمان الى دولة الإمارات في كيان كونفدرالي او فدرالي موحد".
واكدت المصادر أن العمانيين يدركون ان ولي عهد حاكم ابو ظبي ونائب القائد العام للقوات المسلحة محمد بن زايد هو من يقف وراء المشروع الامني والسياسي. والسلطان قابوس والمقربون منه يدركون ان التسلح الإماراتي بهذا الشكل الذي يصفه العمانيون "بجنون التسلح " يشكل تهديدا مباشرا لسلطنة عمان بالرغم من ان المسؤولين الإماراتيين ابلغوا العمانيين رسائل مطمئنة بان هذا التسلح ليس موجها الى سلطنة عمان ، وانما لمواجهة إيران. (16)
الغريب أن سلطنة عمان اكتشفت محاولة أخرى في نوفمبر من عام 2018م حيث كشف صحفيون وناشطون عمانيون عن بدء السلطات العمانية محاكمة خلية تضم مواطنين إماراتيين متهمة بالتجسس لحساب أبوظبي.
وعلّق الإعلامي العماني نصر البوسعيدي بقوله:
- "أعلم بأن مراهقات الأشقاء تزداد وقاحة! ونعلم أكثر بأن هناك من يسلّم اقتصاد البلاد لهم"، مضيفاً: "لتبدأ المحاكمات ببتر الخونة مهما علت سلطتهم!! ومن ثم بتر مرضاهم وعفنهم". (17)
الإمارات وانقلاب تركيا
نقل موقع "ميدل ايست آي" البريطاني الإخباري عن مصدر مقرب من المخابرات التركية، أن الإمارات ساهمت في تحضير محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، بوساطة القيادي الفلسطيني محمد دحلان الذي وقع في يوليو من عام 2016م.
وبحسب "روسيا اليوم"، فقد ادعى المصدر لـ"ميدل ايست آي" أن القيادي الفلسطيني المفصول من حركة فتح محمد دحلان حوّل أموالا إماراتية إلى الانقلابين الأتراك قبل أسابيع من إخفاق محاولة انقلابهم، وكان يؤدي أيضا دور الوسيط بين الحكومة الإماراتية والداعية فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة.
كما فسر الكاتب التركي، محمد أجات، أن تصريحات وزير خارجية بلاده، مولود جاويش أوغلو، التي ألمح فيها إلى دور لبلد مسلم في أحداث انقلاب تركيا، حيث كشف عن أن البلد المقصود هي الإمارات.
وأشارت صحيفة "ديلي صباح" إلى ظهور غولن على تلفزيون الغد الذي يملكه دحلان بعد محاولة الانقلاب، حيث دعا الغرب إلى الإطاحة بأردوغان، وأشارت إلى وجود رسائل مسربة للسفير الإماراتي لدى الولايات المتحدة الأمريكية يوسف العتيبة ألمحت إلى مشاركة أبو ظبي بمحاولة الانقلاب في تركيا.
وذكر الكاتب في صحيفة يني شفق التركية محمد أسيت إن دولة الإمارات العربية المتحدة أنفقت ثلاثة مليارات دولار للإطاحة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان والحكومة المنتخبة ديمقراطيا في تركيا. (18)
الإمارات وثورة الجزائر
تحركت جموع الجزائريين معترضين على العهدة الخامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، غير أن ذلك أقلق الغرب وبعض الدول الديكتاتورية في الشرق الأوسط كالسعودية والإمارات ومصر، حيث عملوا على اجهاض الثورة. حيث ذكر جورجيو كافيرو في مقال له على موقع "لوبي لوك" الأمريكي، إن الاحتجاجات الشعبية في الجزائر ترفع منسوب الخوف في السعودية والإمارات، بسبب ما يمكن اعتباره موجة ربيع عربي ثانٍ.
من جانبه، قال بروس ريدل، المحلل السابق بوكالة الاستخبارات الأمريكية وفي السياق الجيوسياسي، إن المسؤولين في السعودية والإمارات يشعرون بالقلق من الإسلاميين الجزائريين الذين تربطهم علاقات طيبة مع كل من قطر وتركيا، وما قد يشكله ذلك من خطر على أبوظبي والرياض في حال وصولهم إلى السلطة.
وتسعى الإمارات لتمكين قادة الجيش من السلطة بعدما استطاعت الثورة الاطاحة بعبد العزيز بوتفليقة من رأس السلطة. (19) لم يقتصر دور الإمارات على تغيير الأنظمة والتحكم فيها – معتمدة على الطفرة المالية والاقتصادية لديها – على دول الربيع العربي، لكن هذا الدور اتسع جغرافياً حيث شمل تقريبا كامل المساحة العربية سواء منها ما شملته رياح الربيع العربي أو تلك التي لم تشملها.
المراجع
- خالد عبدالرحيم السيد: دول مجلس التعاون الخليجي والربيع العربي، طـ 1، دار الشرق للطباعة والنشر، الدوحة قطر، صـ 63 وما بعدها
- ميلاد مفتاح الحراثي ومحمد عبد الغفور الشيوخ: ثورات الربيع العربي و تأثيرها على ظاهرة الاسلام السياسي وعمليات الاصلاح في الوطن العربي، مركز الكتاب الأكاديمي، طـ1، 2016م، صـ 34 وما بعدها.
- عباس الضالعي: حكومات الخليج العربي والخوف من الثورة
- ملهم الملائكة: هل يزور الربيع العربي دول الخليج العربية؟
- دينا عادل: الإمارات تضيق الخناق على الاسلاميين
- سعد محيو: حكومات مُتوجّسة ومجتمعات متحفزة
- محمد هنيد: الإمارات وانتهاك سيادة الدول والثورات
- كيف تحولت إمارات "الشيخ زايد" المحبة للإسلاميين إلى إمارات "محمد بن زايد" المحاربة لهم
- نيل بارتريك
- ساسة بوست: كيف أجهضت الإمارات الربيع العربي؟
- خليفة حفتر".. من هو وما تاريخه مع الانقلابات؟
- ساسة بوست: كيف أجهضت الإمارات الربيع العربي؟، مرجع سابق.
- محمد هنيد: الإمارات وانتهاك سيادة الدول والثورات، مرجع سابق.
- أمين زرواطي: فرنس 24
- الإمارات .. دور مشبوه في سوريا
- العلاقات بين الإمارات وسلطنة عمان توترت بعد محاولة الانقلاب الفاشلة ضد السلطنة
- أيمن الأمين: مرجع سابق
- الإمارات أنفقت ثلاثة مليارات لدعم انقلاب تركيا .
- منال حميد: قلق إماراتي سعودي من الاحتجاجات في الجزائر