الذين يبغونها عوجا

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الذين يبغونها عوجا


بقلم : أ.د/ عبد الرحمن البر

عميد كلية أصول الدين والدعوة بالمنصورة وعضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين وعضو الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين

جاءت الرسالات السماوية لإقامة العدل في الأرض والهداية للتي هي أقوم في كل شيء وعدم التأثر بالرأي والهوى أو الميل مع المشاعر والأهواء حتى مع المخالفين ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، وقد أنزل الله القرآن عنوانا لهذه الاستقامة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً. قَيِّماً﴾ أَيْ مُعْتَدِلًا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وهذا الكتاب العظيم هو الضامن لهذه الاستقامة بهدايته إليها في كل الشؤون ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. ولهذا كان المؤمنون بهذه الرسالة بحق أحرص الناس على هذه الاستقامة، وأبعد الناس من التلون والالتواء، وأكثر الناس اجتهادا في حماية حقوق الجميع بمن فيهم المخالفون لهم.

وفي المقابل نجد في كل وقت أعداء الرسالات ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيد﴾ ومعنى ﴿يَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أيْ يلتمسون الاعوجاج فِي دين الله ويَطْلِبُونَ غير سَبِيل القَصْدِ، ويطلبون للشريعة عوجا وتناقضا يظهر فيها،وَيُحِبُّونَ أَنْ تَكُونَ سَبِيلُ اللَّهِ عِوَجًا مَائِلَةً جائرة مع أنها مُسْتَقِيمَةٌ فِي نَفْسِهَا، لكنهم يريدون أن يحدثوا فيها عوجا وانحرافا ليصرفوا الناس عنها بعد إيمانهم بها وانقيادهم لها، ويجتهدون في إِلْقَاء الشُّكُوكِ وَالشُّبُهَاتِ فِي قلوب الناسبِكُلِّ مَا يَقْدِرُون عَلَيْهِ مِنَ الْحِيَلِ، ويسعون فِي صَدِّ الناس وَمَنْعِهِم مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْمَنْهَجِ الْقَوِيمِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، ويريدون زيغًا وميلا عن الاستقامة في كل الأمور، ويتعمدون تحريفًا للحقائق وتبديلا بالكذب والزّورلِمُوَافَقَةِ أَهْوَائِهِمْ، وَقَضَاءِ حَاجَاتِهِمْ وَأَغْرَاضِهِمْ، فهم يريدون الطريق العوجاء ولا يريدون الطريق المستقيم، ويريدون العيشَ في ظل هذا العِوَج، ويرون أن في أجواء الانحراف والفساد ما يساعدهم على تحقيق رغباتهم، لأنهم لا يملكون أن يصلوا إلى غاياتهم من الاستئثار بخيرات الأرض، ومن الكسب الحرام، ومن استغلال الناس وغشهم واستعبادهم، لا يملكون أن يصلوا إلى غاياتهم هذه في نور الإيمان بالله، وفي ظل الاستقامة على هداه. ومن ثم يصدون أنفسهم ويصدون الناس عن سبيل الله، ويبغونها عوجاً لا استقامة فيها ولا عدالة. وهذه طبيعة في بعض الناس تشبه طبائع الجراثيم الضارة التي دائما ما تنمو وتتكاثر في ظل أجواء النتن والعفن، فإذا طلعت عليها الشمس بضيائها، ووصلت إليها حرارتُها التي تحيى الموتى ماتت، لذلك هي لا تريد أن تحيا في الضوء أو أن تظهر في العلن، حتى أن الله تبارك وتعالى يخبرنا أنهم يقدمون أنفسهم للناس على أنهم مصلحون، فيقول عز وجل ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلاَإِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَوَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾.

والعجيب أن هذه النوعية التي خالفت الفطرة وخالفت الطبيعة وخالفت الشريعة، هذه النوعية ترى أن من أوجب واجباتها وأهم مهماتها محاربةَ كلِّ دعوات الاستقامة وكلِّ أدوات الإصلاح، و﴿يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِوَلاَيُصْلِحُونَ﴾، وأعجب من ذلك أنهم يحاولون ترويج أنفسهم على أنهم مصلحون بل أصحاب مشروع إصلاحي، وربما صدقوا كذبهم على أنفسهم واتهموا أصحاب الاستقامة بالسفاهة ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾

ومن العوج الذي يمارسه أكثر المفسدين تحريض جماهير الأمة على دعاة الإصلاح، كما فعل فرعون حين قال ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىوَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ وحيثيات التحريض الذي قام به فرعون هو زعمه ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ﴾. إن من نكد الزمان أن يرفعَ راياتِ الإصلاح زعيمُ المفسدين، أو أنْ ترفع راياتِ الفضيلة والعفة قوَّادةٌ بغِيٌ، هذا ما حدث في كثير من فترات الزمان، ففرعون الذي وصفه الله بأنه ﴿كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ وبأنه ﴿كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ هو الذي ينادي الجماهير إلى اتباعه؛ بدعوى أن موسى عليه السلام يريد أن يُظهر في الأرض الفساد! وأعجب العجب أن يستجيب بعض الناس لهذا العوج كما فعل الملأ من قوم فرعون حين دعاهم ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾، فكانت النتيجة هلاكه وهلاكهم ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ .

وهذا هو الذي فعله كلُّ أعداء الرسالات والمصلحين في كل زمان ومكان، فهم دائما يقعدون بكل صراط يخوفون الناس ويصورون دعاة الإصلاح للجماهير على أنهم دعاة إفساد؛ ليحولوا بين الجماهير وبين سماع الحق، وليحولوا بين الناس وبين معرفة الخير من الشر، وقد عاب القرآن اليهود الذين كانوا يعرفون الحق تماما ومع ذلك يصدون عنه ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾

ألا ترى عزيزي القارئ أن كثيرا مما يجري الآن في الساحة السياسية المصرية مما يدخل تحت عنوان ﴿يبغونها عوجا﴾، فهم لا يرون جميلا في هذه البلاد إلا شوهوا صورته، ولا ناجحا على الحقيقة إلا عملوا على تشويه سمعته، وحتى حين اختار الشعب بمحض إرادته الحرة نوابه لمجلس الشعب سفهوا الشعب وسفهوا اختياره ورموه بالجهل وتذكروا أمِّيته، وادعوا أنه غير قادر على التمييز بين البرامج والمرشحين، وأنه يمكن شراء أصواته ببعض المواد العينية البسيطة.

وقد كشف الشعب عن ذكاء عظيم حين رد عمليا على أولئك الذين يبغونها عوجا، فخرج في مراحل العملية الانتخابية الثلاث بكثافة غير عادية واختار الأقرب إلى قلبه وهويته وفطرته، ولقن درسا كبيرا لأولئك الذين حاولوا الالتفاف على إرادته وإشغاله حينا بالدعوة إلى (الدستور أولا)، وحينا بالدعوة إلى (المبادئ فوق الدستورية)، وحينا بالدعوة إلى تجاوز صلاحيات البرلمان المقبل والقفز على حقوقه بوضع معايير وضوابط للهيئة التأسيسية بزعم الخوف من أن يأتي تمثيلها معبرا عن اتجاهات بعينها... إلخ.

وقد كان هذا الشعب أوعى وأذكى حين لم ترهبه كل محاولات التخويف من الخروج إلى اللجان الانتخابية، ولم يلتفت إلى كل محاولات إشعال الفتنة بين مكونات الأمة، ولم يقبل بالادعاءات التي وجهها الذين يبغونها عوجا للتيار الإسلامي عموما والإخوان المسلمين خصوصا بأنهم خذلوا الثورة وخانوا دماء الشهداء (زعموا!) وخرج الشعب معلنا ثقته الكاملة في التيار الإسلامي الذي ائتمنه على أصواته، ووثق ببرنامجه لمستقبل مصر.

لهذا فأنا على ثقة من أن الذين يبغونها عوجا لن يستطيعوا أن يُفشلوا فرحة الشعب المصري بثورته المباركة في الخامس والعشرين من يناير، ولن يقبل تلك الدعاوى الزائفة بأن الانتخابات قد زورت، فيما القاصي والداني المصري وغير المصري يشهد بأنها أول انتخابات حقيقية معبرة تعبيرا حقيقيا عن إرادة الشعب، ولن يسمح الشعب لأولئك الذين يتداعون إلى الوقوف أمام مجلس الشعب يوم الثالث والعشرين من يناير لمنع نواب الشعب من ممارسة دورهم في أول برلمان حر تعرفه مصر. وسيبقى أصحاب رسالة الحق والخير والفضيلة مستقيمين على الحق قائمين بالقسط لا يضرهم من خذلهم أو ناوأهم ولا يوقف مسيرتهم أولئك الذين يصدون عن الحق ويبغونها عوجا. والله أكبر وتحيا مصر.

المصدر