حسن البنا وهوية مصر المتنازع عليها
مقدمة
"لو لم يكن للشيخ حسن البنا من الفضل على الشباب المسلم سوى أنه أخرجهم من دور الملاهي في السينمات ونحو ذلك والمقاهي، وكتَّلهم وجمَّعهم على دعوة واحدة، ألا وهي دعوة الإسلام؛ لو لم يكن له من الفضل إلا هذا لكفاه فضلاً وشرفًا. هذا نقوله معتقدين، لا مرائين، ولا مداهنين"
عبارة نطق بها العلامة المحدث الشيخ الألباني تعبير عما أحدثه الشاب الداعية حسن البنا من تغييرا في نفوس الشباب، حيث أيقظ الوعي لدى الشعوب، وبذل جهدا كبيرا في التوعية لتعزيز الهوية الإسلامية، والإسهام في بث روح الحرية والاستقلال، وتصدى لعنف التحدي التغريبي الذي يهدد الهوية الإسلامية بالمسخ والنسخ والتشويه.
فمنذ ظهور الإسلام وانتشاره بين الأمم والعداء قائم بينه وبين بعض أنصار الديانات الأخرى الذين كانوا يستغلون الدين في الثراء أو السيطرة على الناس، إلا أنهم في فترة قوة الدولة الإسلامية الأولى فضلوا التقوقع وعدم الصدام المباشر.
لكن مع مرور الزمن وانتشار عوامل تأكل قوة الدولة الإسلامية وتشرزمها وضعفها، أفصحت هذه الدول عن نيتها في تفتيت الأمم الإسلامية والعمل على تشكيكها في دينها وطمس هويتها، حيث استمر هذا النهج مستمر مع ظهور حركات التقدم الغربي وعمل على بسط قوته ونفوذه – خاصة على الدول الإسلامية – من أجل أولا طمس الهوية الإسلامية ونشر التغريب بين أبنائها.
فكانت أول سياسة وضعها المحتل لطمس الهوية الإسلامية؛ أن أهملوا الأزهر والتعليم فيه، وعملوا على القضاء على اللغة العربية وإحلال كل ما هو غربي؛ فنشروا التنصير وسط الأمة وساعدهم على ذلك حالة الجهل التي كانت تحياها الأمة وسار كثير من رجال الثقافة في ركاب الحضارة الغربية، والتي انبهروا بزيف حضارتها.
كما عمد المحتلون الإنجليز إلى إنشاء مدارس أهلية تكون بديلة عن الأزهر، وجعلوا تبعية هذه المدارس إلى وزارة المعارف. وإمعانًا في طمس هوية هؤلاء الطلاب جعلوا الدين في تلك المدارس مادة غير أساسية (حتى الآن)، فهي مادة بلا امتحان ولا تؤثر في رسوب أو نجاح الطلاب، كما طغت اللغة الإنجليزية على اللغة العربية.
مفهوم الهوية
يقول فؤاد قنديل:
- الهوية هي الملامح الأساسية لكل كائن حي وهي الثابت المطلق الذي يشير إلى كيانه المحدد ، فكل شخص له هوية يعرف بها ويتميزعن غيره على أساسها ، وكذلك الدول بل والمؤسسات الكبري ، فهوية أية أمة المنبثقة من سماتها الخاصةهي التي تحدد شخصيتها وتمنع من وقوع أي لبس أو خلط بشأن وجودها المتفرد.
وفي إطار هذه الهوية تعمل القطاعات المختلفة في تناسق وتوافق بحيث يتشكل بناء متماسك ينضوي تحته الجميع ويستطيعون العمل في خدمة فكر الحاضر والمستقبل دون تنازع ، مثل نهر له منبع ومصب ومجري وضفاف وغاية يمضي نحوها مهما كانت العقبات. يعتمد رسوخ مفهوم الهوية على ثوابت معنوية وأخري مادية
منها:
- الثوابت المعنوية: الولاء للوطن . اللغة .التاريخ. الحرية .العقيدة.منظومة العدل . الأصالة.الضمير.الكرامة .العلم والمعرفة . الفنون والآداب.الحفاظ على التراث .حقوق الإنسان. تقدير النابغين وأصحاب المواهب في كل المجالات.
- الثوابت المادية: الحفاظ على الموارد الطبيعية (الأنهار والبحيرات). الآثار . الممتلكات العامة والخاصة.
هل مصر فرعونية؟
إن لم يستطع المحتل البريطاني في مصر من تحقيق هدفه بشكل كامل، أو بصورة من الصور مثلما فعل المحتل الفرنسي في المغرب العربي، إلا أنه نجح في ترك أعوان له على رأس السلطة تنفذ أجندته في العمل على طمس الهوية الإسلامية، ليس من خلال التغريب الذي كان يسعى له المستعمر وفشل لكن من خلال إثارة النعرة الفرعونية، وأن مصر فرعونية الهوية، وهي هوية وجدت صداها لدى البعض ولم ينشغل بها البعض لعدم إدراكه ما يروجه النظام الحاكم.
منذ أن خرج المحتل من مصر في منتصف الخمسينات وعلت نبرة إن مصر فرعونية تاريخيا وهوية، وأن مصر ليست عربية، حيث تبني هذه الفكرة بعض العلمانيين والقوميين وعاونهم على ذلك الأنظمة العسكرية من أجل مواجهة المد المطرد للحركات الإسلامية المعادية للأنظمة العسكرية.
فكتب مثلا إيميل شكر الله تحت عنوان (مصر ليست عربية ولا إسلامية) يقول:
- فلا معنى لتسمية مصر جمهورية مصر العربية وذلك لأنها ليست عربية في الأصل ولا في الصورة ولأن المصريين لا يتحدثون العربية، فمصر اسمها مصر ولغتها هي اللغة المصرية حتى ولو كانت بحروف عربية. وليس من العدل والإنصاف ان نسمي مصر اسلامية لأن الغالبية من السكان يدينون بالإسلام وكأن المسيحيون السكان الأصليين للدولة لا وجود لهم هل هذا الكلام يستقيم مع حقوق المواطنة وقيم المساواة في القرن الحادي والعشرين؟. (1)
الغريب أن بعض المصريين عقدوا مؤتمرا عام 2004م طالبوا فيه الحكومة المصرية بإخراج مصر من الجامعة العربية لكونها ليست عربية، وأنها تتحمل مشاكل العرب، وقد نشرت صحيفة الأسبوع المصرية ورئيس تحرير مصطفى بكري وقائع هذا المؤتمر.
لدرجة أن بعض الشعارات انتشرت في شوراع مصر في عهد السادات (والتي لم تكن محض صدفة) تقول أن مصر ليست عربية ولا إسلامية. بل رأينا عادل محمد السامولي- رئيس مجلس المعارضة المصرية بجنيف – يصرح بأن الدستور المصري باطل لأن الهوية المصرية ليست عربية حيث أن الهوية المصرية تعود إلى 7000 عام.
بل إن شخصيا يدعى رمضان عبد الرحمن علي – لم أجد له إلا بعض المقالات على موقع الحوار المتمدن – يكتب تحت عنوان (مصر ليست عربية ولن تكون):
- إن مصر ليست عربية ولن تكون، وإن السبيل الوحيد لإنقاذ مصر وتاريخها هو أن تستقل مصر استقلال تام عن العرب بكل أدب واحترام، إلى أن تستقدم مصر أبناءها من الدول العربية ومتعلقاتهم وكذلك الدول العربية يستقدمون أبناءهم ومتعلقاتهم من مصر، دون مضايقات من الجانبين أو المساس بكرامة أي إنسان حتى يكون انفصال حضاري وأن تقوم مصر بإنهاء دور الجامعة العربية في مصر، وأن تجتمع هذه الدول دون مصر لتختار دولة يقام بها الجامعة، ونقوم نحن كمصريين بتدريس أبناءنا لغة أجدادنا التي اندثرت على أيدي العرب واندثر تاريخ وحضارة مصر ودور مصر. (2)
بل كتب طه حسين في مجلة "كوكب الشرق" في أغسطس 1933:
- "إن الفرعونية متأصلة في نفوس المصريين، وستبقى كذلك بل يجب أن تبقى وتقوى، والمصري فرعوني قبل أن يكون عربياً، وأؤكد قول أحد الطلبة القائل: لو وقف الدين الإسلامي حاجزاً بيننا وبين فرعونيتنا لنبذناه".
وفي عهد السيسي يروج للأمر على قدم وساق، بل إن حفل نقل الموميات كان يهدف للترويج لذلك، ومحاولات إلغاء الديانة من خانة الرقم القومي ووضع مكانها زهرة اللوتس هى محاولات لطمس هوية مصر والتي يقولون إن أغلبيتها إسلامية ولغتها عربية.
حتى إن نظام السيسي استعمل بعض الدعاة التابعين له مثل خالد الجندي الذي قال:
- لا يجب أن يتحدث اللقطاء عن الآباء قائلًا: "إن آباءنا هم الفراعنة ونحن نفتخر بهم، وكان في الفراعنة مسلمون والذين شغبوا هذه المعلومة جهلة لا يقرأون القرآن، ولا يعرفون التاريخ العظيم لهذه البلد لأن الفراعنة مثل أي مجتمع بهم كفرة ومؤمنين ومن يعمم أنهم كفار فهو جاهل أو متسلف".
وأضاف:
وعلى أصداء الحدث أعلنت مسؤولة في وزارة التربية والتعليم، أنه سيتم تدريس بعض الرموز الفرعونية والهيروغليفية لطلاب الصف الرابع الابتدائي، بل رصدنا مطالبة البعض بعودة ارتداء الملابس الفرعونية القديمة.
واضحا من هذه الدعوات العمل على إضعاف الروابط بين المسلمين بعضهم البعض وتغليب روح القومية، بحيث تكون مثلا الأفضلية للمصري أين كان ديانته أو لغته على المسلم من بلد أخرى، وإذا تعارضت مصلحة المسلمين مع بعض القوميين يجب علينا الانحياز للقوميين لا للمسلمين (إلا إذا كانوا على خطأ فيجب مقاومتهم).
هذه الدعوات تميع القضية الوحدة العربية أو الإسلامية وتجعلنا في عزلة عن الأخرين.
والسؤال: لماذا دول أوروبا تعيش في وحدة واتحاد رغم اختلاف لغتهم وديانتهم؟
لماذا كندا تعيش كدولة واحدة متماسكة وقوية رغم أنها تنقسم شقين بين إنجليزية وفرنسية؟
لماذا اليهود متماسكون رغم وجودهم في العديد من الدول؟
لماذا المسيحين الأرثوذكس يتوحدون تحت الكنيسة الشرقية رغم اختلاف لغتهم وألوانهم؟
ولمذا المسيحيين الكاثوليك متوحدون تحت كنيسة واحدة بالفاتيكان رغم اختلاف لغتهم وألوانهم وبلادهم؟
ولماذا الشيوعية انتشرت في البلاد العربية وتبناها البعض على حساب قومية بلاده؟
ولماذا .. ولماذا... ولماذا؟
أسئلة لن يستطيع المطالبين مصر وشعبها بالتخلي عن عروبتها أو إسلامها الإجابة عليها لكنها دعوات تزكيها النعرات القومية القصيرة، والدليل حتى من واقعهم أن من وقف بجوار مصر في كثير من المحن كانت الدول العربية وأخرها بعد الانقلاب العسكري في مصر عام 2013، فقد سارعت الإمارات والسعودية والكويت لمساعدة مصر، نعلم انها لم تساعدها من اجل شعبها لكن من اجل دعم النظام الانقلابي الذي خشى أن تعيش مصر حكم ديمقراطي مدني.
البنا وهوية مصر المتنازع عليها
نظر الأستاذ حسن البنا إلى مثل هذه الدعوات القديمة الحديثة إلى أنها تقوقع مصر وشعبها على نفسها وتقطع صلاتها حتى الإنسانية بالروابط العربية والإسلامية، وتهدف لاعلاء القومية المصرية أو الفرعونية.
وإن كان حسن البنا لم يرى في الاعتزاز بالمصرية لأنها من الوطنية التي حث عليها الدين الإسلامي الحنيف، إلا أنه خشى من أن يكون خلف هذهه الدعوات مقاصد لفصل مصر عن واقعها وأن غالبية سكانها حاليا مسلمين وأن لغتها الحالية العربية مع احترام الأقليات الموجودة على أراضيها.
ففي حوار صحفي لصحيفة القلم الصريح (صحيفة لبنانية ملك ألفرد أبو سمرا صدرت عام 1931م وتوقفت عام 1971م) سأل الصحفي الأستاذ حسن البنا عن رأيه فى معنى قول حزب مصر الفتاة "الله أكبر والمجد لمصر"، فكان رده: أما المعنى فكان حريًّا بك أن تسأل عنه إخواننا الذين اتخذوا هذه العبارة شعارًا لهم حتى تعرف عنها ماذا يريدون بها.
على أنى أستطيع أن أقول:
- إننى أفهم من هذه العبارة التقديس لله والتمجيد لمصر، أما إن فى ذلك ما يخالف الشريعة الإسلامية فالذى أعلمه – وفوق كل ذى علم عليم – أنه ليست هناك مخالفة، وليس فى ذلك إثم. فأما التقديس لله فقربة يثاب فاعلها، وذكر كريم يرجى به رضوان الله
- وأما تمجيد مصر فليست مصر إلا وطنا من أركان الإسلام، بل هى زعيمة أوطانه، وهى فلذة كبد الأرض الإسلامية، وهى من الوطن الإسلامى الغالى فى الصميم، فتمجيدها تمجيدًا له، وتخليصها يستتبع تخليصه، والغيرة عليها وحياطتها واجب محترم فى عنق كل مسلم فضلاً عن المصريين أنفسهم، وهم أول من يفرض عليه هذا الواجب بحكم الوضع الطبيعى. فماذا فى هذا مما يخالف الشريعة؟. (4)
ثم يرد على الأفكار التي كانت تدور في أذهان البعض ويترجمها أخرين حاليا أقوالا من أن مصر لا صلة لها بالعرب، حيث يقول: نعم: قد يقولها بعض الناس ويقصدون بذلك أنهم لا يعرفون لهم وطنًا إلا مصر بحدودها هذه الجغرافية، ويريدون بذلك أن يتخلصوا من خدمة بقية الأرض الإسلامية والعطف عليها والحنين إليها والعمل لتخليصها، فإذا وجد هذا الصنف -ولا أظنه موجودًا ولا أظن الكلمة تؤدى إلى هذا الهروب - فإن هذه النية آثمة، وهى تصطدم بأخوة المسلمين وشمول الوطن الإسلامى لكل شبر أرض فيه مسلم يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. (5)
بل إن حسن البنا دعى للاعتزاز بمصريتنا ومظاهرها وعدم الانسياق لدعوات التغريب وكان أبسطها في تبديل لبس الطربوش بالقبعة الغربية، فكتب برقية قال فيها: رفعة رئيس الديوان الملكى بسراى رأس التين: "أرجو أن ترفعوا إلى جلالة الملك المحبوب رجاء الإخوان المسلمين - بل رجاء كل مسلم فى مصر- ألا تكون القبعة غطاء الرأس فى الجيش" (6)
كما شدد على حق المواطنة بين الشعب وأنه تربطه أواصر المحبة، حيث قال:
- إن الإسلام أوصى خيرا بكل الأديان ونحن نشجع كل حركة تقوم على أساس الدين الصحيح، حتى ولو كان اليهودى، فنحن نحترم الدين اليهودى، وإن كنا نعادى الصهيونية .. وجميع الأديان متفقة فى أسسها ومثلها العليا، وعلاقتنا حتى اليوم علاقة طيبة مع كثير من إخواننا من أصحاب الأديان الأخرى". (7)
ومع الدعوة لحماية هوية البلاد من التغريب إلا أنه أكد على حقوق الأقليات والأجانب في مصر وأن الإسلام يكفل لهم حرية العبادة والعمل والعيش
حيث قال:
- إن نظرة الإسلام الأساسية العملية فى هذا الموضوع هى نظرة التسامح الكامل والوحدة الكاملة، والرسول عليه الصلاة والسلام أقر المصلحة الوطنية كرباط متين؛ فقد تحالف مع اليهود فى سبيل الدفاع عن المدينة المنورة، وقد قال الله تعالى فى كتابه: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ "الممتحنة: 8"، هذا إلى أن جانب الروح العام فى الإسلام لتقديس الأديان جميعًا يجعلنا لا نشعر بوجود مسلم وغير مسلم، بل الجميع يتعاونون على خير الوطن. (8)
مصر بين القومية والإسلامية
حاول فريق على مدار الزمن أن يعزل مصر عن عروبتها وإسلاميتها، معتبرا أنها في الأسلامية فرعونية أو قبطية، على الرغم أن جميع الدول والشعوب طرأ عليها تغيرات حضارية إذا اندرجت تحت حضارة كبيرة وقوية.وهو المبدأ الذي يتمسك به حسن البنا أن مصر دولة عربية إسلامية انخرطت تحت الحضارة الإسلامية التي انتشرت وأثرت في شعوب بعض المناطق وحمت الأقليات الموجودة على أراضيها على مدار الزمن، لولا التطبيق الخاطئ لمعاني الإسلام في فترات معينة.
ولقد كتب البنا موضحا هذا الاتجاه تحت عنوان (مصر عربية .. فليتق الله المفرقون للكلمة) يقول:
- "يريد الدكتور طه حسين أن يجعل الأمة العربية ضمن الأمم التى غزت مصر، فأذاقتها صنوفًا من العدوان وألوانًا من العذاب، حتى تغلبت مصر فالتهمت العرب فيمن التهمت من الأمم من فرس ويونان وترك وفرنسيين وإنجليز ورومان.
- وتلك فكرة لا ينفرد بها الدكتور طه وحده، بل نادى بها من قبله الأستاذ سلامة موسى، وحمل لواءها كل من يحمل ضغنًا على العربية وحفيظة على الإسلام، ومن الأسف أن خصوم هذا البلد الطيب أهله قدروا على تزيين هذه الفكرة بنعوت جميلة وألفاظ زائفة استخدمها هؤلاء الحانقون على العرب والإسلام
- فزينوها بدورهم لكثير من الشبان، فوقعوا فى حبالتها، وأخذوا يهرفون بها، ومما يؤلم أنها راجت حتى على كثير من الرجال ولم تظل فكرة خيالية، بل برزت إلى حيز الوجود فى مظهرين هامين لا تزال الأمة على ذكر من المناقشة التى دارت حولهما، وهما تمثال نهضة مصر وضريح المغفور له سعد باشا.
- هذه الفكرة التى يحمل علمها بعض الكتاب فى مصر بحسن نية أو بسوء نية خطأ محض، خطأ تاريخى وخطأ اجتماعى وخطأ فى جانب القومية المصرية لا يغتفر، وهى فكرة دسها الأجانب للقضاء على قوة الشرق ووحدته.
- فأما أن الفكرة خطأ تاريخى؛ فلأن حكم التاريخ مضى بأن الاستعمار العربى لا يقاس بغيره من استعمار الأمم؛ لأن استعمار الأمم إنما يقصد به الفتح والغنيمة واستبداد الأمة الفاتحة بالأمة المغلوبة، أما الاستعمار العربى فهو استعمار ثقافى إرشادى روحى مهمته تمثيل الشعوب، وصبغها بالصبغة العربية الإسلامية
- حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فالعرب أمة طَوّعها الله لهداية العالم، ولنشر القرآن العربى بين ربوعه، وإيصال الهداية المحمدية إلى كافة البشر ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ "البقرة: 143"؛ ولهذا كان الفاتح العربى مثال الوفاء والعدالة، لا تمضى عليه فترة قصيرة حتى يمتزج بالأمم التى افتتح بلدانها فيكون منها وتكون منه، وهناك تمحى الفوارق والأنساب والعصبيات، ولا تبقى إلا الأخوة حول القرآن العربى واللسان العربى والهداية المحمدية.
- هذا ما يقوله التاريخ ويؤيده الواقع، فإن مصر وطرابلس وتونس والجزائر والمغرب الأقصى لم تر الحكم العربى إلا بهذه الصبغة، بل الأندلس على قصر مدة العرب فيها ازدهرت بالحضارة العربية، واصطبغت بالصبغة العربية، وسرى فيها لسان العرب وعاداتهم، وما كنت ترى فارقًا بين الفاتحين والسكان الأصليين، ولو استمر حكم العرب فى الأندلس إلى الآن لكان من شبه جزيرة أيبيريا جبهة عربية فى غرب أوروبا لا تقل غيرة وحماسة للعروبة عن العراق والشام.
- على أن التاريخ يحدثنا بوحدة فى الدماء واللغات بين سكان جزيرة العرب وسكان وادى النيل فى القديم والحديث، ولا ننسى أن كثيرًا من سكان الصعيد وسكان الشرقية والبحيرة والفيوم يعلمون إلى الآن أنسابهم العربية، وينتمون إلى قبائل عريقة فى العروبة، وذلك تعبير مجمل له تفصيل لمن أراد الاستقصاء.
- وأما أن هذه الفكرة خاطئة اجتماعيًا؛ فلأن الأمة إنما تتكون قوميتها من لغتها ودينها وعاداتها وثقافتها وما إلى ذلك من مظاهر الحياة، فهل يرى الدكتور طه وغيره أن لمصر لغة غير اللغة العربية، وأن لها دينًا غير الدين الذى حمل لواءه العرب؟ وهل يرون أننا نستطيع أن نتخلى عن اللغة العربية والقرآن العربى والشعور العربى، ونحل محل ذلك كله لغة ودينًا وثقافة تختص بمصر والمصريين؟ وما هى يا ترى هذه اللغة، وما هذا الدين، وما تلك الثقافة؟ لعل القوم يقصدون الهيروغليفية ودين أبيس وآمون وهورس وفتاح.
- يا قوم اتقوا الله وخذوا فى سبيل الجد، ودعوا هذا العبث، فإن الأمة فى حاجة إلى أن تصرفوا جهودكم فى معالى الأمور إن كنتم تستطيعون. وأما خطأ الفكرة من ناحية القومية المصرية؛ فلأن تمسكنا بالقومية العربية يجعلنا أمة تمتد حدودها من الخليج الفارسى إلى المحيط الأطلسى، بل إلى أبعد من ذلك، ويبلغ عددها أضعاف أضعاف الملايين المحصورة فى وادى النيل، فأى مصرى يكره أن تشاطره هذه الشعوب التى تظلها العربية شعوره وآماله وأفراحه وآلامه؟!
- إن من يحاول سلخ قطر عربى من الجسم العام للأمة العربية يعين الخصوم الغاصبين على خضد شوكة وطنه، وإضعاف قوة بلاده، ويصوب معهم الرصاصة إلى مقتل هذه الأوطان المتحدة فى قوميتها ولغتها ودينها وآدابها ومشاعرها ومطمحها.
على كل منا أن يعتقد أنه حارس للأرض التى نشأ عليها يذود عن حياضها، ويطالب بحقوقها، ويعمل لإعزازها، فهو مصرى أو عراقى أو شامى بالنسبة لهذه الأرض، وعليه كذلك أن يعتقد أنه عضو فى جسم أمة عظيمة وحد بينها اللسان والدين والشعور والمطمح" (9)
ثم يوضح مفهوم الهوية الإسلامية وأثرها على الشعوب ومزاعم القوميين حيث يقول:
- ها أنت ترى قومًا يفهمون من القومية عصبية الدم وعنصرية الجنس، فيجعلون ذلك أساس وحدتهم ورمز جامعتهم، ويحوكون مطالبهم من خيوط هذه الوحدة وتلك الجامعة، ونسوا أن الناس لآدم وآدم من تراب
- وأنت إذا سموت بالجنس فقد وصلت إلى مصدر الأنواع قبل الاشتقاق فرأيت الكل أكفاء، وإن قلت: إن البيئات الطيبة والحوادث الكونية جعلت لكل أمة خواصها ومميزاتها العنصرية. قلت لك: إن الرقى الفكرى والتقدم النفسى، وهذا التقلب البادى من الإنسان على عناصر الطبيعة وقواها سيؤدى بالناس إلى تقدير هذه الصلة فيما بينهم، وجعلها يومًا من الأيام مبدأ لهم وجامعة تجمعهم، وذلك ما ينادى به علماء الاجتماع الآن.
- وها أنت ترى قومًا آخرين يفهمون من القومية الحدود الجغرافية والرقعة الأرضية فيجعلون ذلك مطمح أنظارهم وقبلة آمالهم، وهؤلاء قد تقيدوا بغير قيد وارتبطوا بغير رباط، فما كانت الأرض إلا عرضة المد والجزر تتسع وتضيق مع الظروف والحادثات.
- إن الذين ينادون بالعنصرية الجنسية لا يفيدون العالم شيئًا، وهم فى الوقت نفسه يذكون نار الأحقاد والخصومات فى وقت يرجو العالم فيه الهدوء والسلام، والإسلام لا يقرهم على هذا المذهب من الآراء، بل يناديهم كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ "الحجرات: 13" (10)
إن النداءات التي تحدث حاليا والتساؤلات التي تجري حاليا ويدلي فيها كل فريق بدلوه محاولا ترجيح حجته سأل عنها حسن البنا أيضا مما دل على أنها ليست وليدة لكنها منذ زمن طويل وهي تحدث
حيث قال:
- قال محدثى: إنكم معشر الإخوان المسلمين تقولون إن فكرتكم إسلامية .. ولكن أحب أن أدلكم على ما هو خير من ذلك وأقرب مثالا؛ أن تجعلوا لب دعوتكم المعنى الوطنى الخالص، المصرى الخالص، القومى الخالص، فإنكم بذلك تستطيعون أن تظفروا بهدف محدد، وتستطيعون كذلك أن تنفوا كثيرا من الشبهات والظنون، وأن تسايروا الفكرة العالمية التى ترحب بالجهاد الوطنى وتنفر من كل نزعة دينية، وتستطيعون كذلك أن تطمئنوا غير المسلمين من المواطنين فتزول بذلك من طريقكم عقبات كثيرة يتعبكم ولا شك أن تزيلوها بغير هذا السبيل.
- وأنتم تعلمون أن أوروبا وأمريكا والدول الغربية المتمدينة تنفر كل النفور من مثل هذه الدعوات، وأن المعاهدات المعقودة بيننا وبين هذه الدول وآخرها معاهدة "مونترو (11)" – مثلا - تأبى علينا أن نسير فى هذه الطريق، فلهذا أحب أن تعدلوا عن نسبة فكرتكم إلى الإسلام ولتجعلوها فكرة قومية وطنية؛ فإن هذه الجهود الجبارة التى يبذلها شباب الإخوان حرام أن تضيع هكذا من غير طائل وأن تتحطم على صخرة هذه العقبات. (12)
- ثم يوضح ما يرنوا إليه الحكام وسعيهم في فرضه على شعوبهم فيقول البنا: يجد مبدأ القومية من زعماء الأمم وقادة الشعوب من يناصره ويقدسه ويبثه بكل وسيلة فى نفوس الناس، ويضع المناهج والبرامج لينشأ الجيل القادم جيلاً مقدسًا لقوميته معتزًا بعصبيته، ولا يقفون عند النداء، بل يستخدمون التاريخ والذكريات، والقوة إذا احتاج الأمر فى تثبيت هذا المبدأ فى نفوس شعوبهم. (13)
لقد وضح حسن البنا منازل وترتيب عناية الفرد المسلم بوطنه حيث جعل وطنه الذي ولد ونشأ على أرضه هو أولة باهتمامه في المقام الأول ثم الوطن الإسلامي الأكبر بعد ذلك، وليس كما يدعى القوميين أن الإسلام أهدر القومية الوطنية، فيقول حسن البنا: ولقد وسع الإسلام حدود الوطن الإسلامى، وأوصى بالعمل لخيره، والتضحية فى سبيل حريته وعزته
فالوطن فى عرف الإسلام يشمل:
- القطر الخاص أولاً.
- ثم يمتد إلى الأقطار الإسلامية الأخرى فكلها للمسلم وطن ودار. (14)
ويؤكد ذلك في موضع أخر فيقول:
- وضح إذن أن الإخوان المسلمين يحترمون قوميتهم الخاصة، باعتبارها الأساس الأول للنهوض المنشود، ولا يرون بأساً بأن يعمل كل إنسان لوطنه، ثم هم بعد ذلك يؤيدون الوحدة العربية باعتبارها الحلقة الثانية في النهوض، ثم هم يعملون للجامعة الإسلامية باعتبارها السياج الكامل للوطن الإسلامي.
وفي رد قوي على مدعي أن الإسلامية والعربية تنقص حق الأقليات وأصحاب الديانات الأخرى يسوق حسن البنا البراهين أن الإسلام دستور مقدس يحمي حق الأخرين مثلما يحمي حق المسلمين، ولا يعرف الظلم ضد أحد على حساب أحد، وأمر أتباعه بالسلام مع الجميع إلا من سعى لضرر الأمة الإسلامية أو المسلمين
فيقول البنا:
- إن الإسلام الذى وضعه الحكيم الخبير الذى يعلم ماضى الأمم وحاضرها ومستقبلها قد احتاط لتلك العقبة وذللها من قبل، فلم يصدر دستوره المقدس الحكيم إلا وقد اشتمل على النص الصريح الواضح الذى لا يحتمل لبسًا ولا غموضًا فى حماية الأقليات، وهل يريد الناس أصرح من هذا النص: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ "الممتحنة: 8"؟
فهذا نص لم يشتمل على الحماية فقط، بل أوصى بالبر والإحسان إليهم، وأن الإسلام الذى قدس الوحدة الإنسانية العامة فى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ "الحجرات: 13" (15)
أخيرا
لقد حث حسن البنا إخوانه في مؤتمراته وخطبه وكتاباته وتربيته على الاعزاز بمصريتهم، والانتماء الوطني لبلادهم، إلا أنها لا تصل لدرجة العصبية المقيتة التي تعزل الشعب عن بقية الشعوب الإسلامية التي انصهرت في الحضارة الإسلامية منذ أكثر من 1400 سنة، وأنه على الشعوب أن تعيش واقعها لا أن تتغنى بماضيها، والواقع يجعل الشعب المصري – كغيره من الشعوب العربية والإسلامية – شعب يدين أغلبيته بالإسلام دينا، وله حقوقه وعليه واجباته نحو الشعوب الإسلامية.
وإن التطبيق الخطأ لمعنى الإسلامية أو العربية يكون سببا للدعوات لفك الاتباط بإسلاميتنا أو عروبتنا، فالحكام الذين تسلطوا على الشعوب العربية والإسلامية من بعد الإستعمار عمدت إلى إضعاف شعوبها ودولها فظهرت الشعوب الإسلامية متناحرة متباغضة تابعة للغرب بسبب حكامها وبعض الذين يدورون في فلكها.
واستدعاء الهوية الفرعونية ليس وليد اللحظة، غير أن اليقظة الإسلامية وجهود المفكرين والمصلحين، حالت دون تغلغل هذه النعرة في الشعب المصري، الذي كان ينظر إلى الحضارة الفرعونية على أنها ماضٍ عريق له جوانبه المضيئة، وليس على أنه هوية تصبغ الحياة المصرية.
المراجع
- إيميل شكر الله: مصر ليست عربية ولا إسلامية، 15 أغسطس 2012م
- رمضان عبد الرحمن علي: مصر ليست عربية ولن تكون، الحوار المتمدن-العدد: 2682 – 19 يونيو 2009م
- صحيفة الوطن: 8 أبريل 2021م
- مقال بعنوان الله أكبر والمجد لمصر: القلم الصريح – العدد 13 السنة الأولى، 27 ذو الحجة 1357هـ - 16 فبراير 1939م.
- المرجع السابق.
- بين القبعة والطربوش فى الجيش: مجلة النذير، العدد (20)، السنة الثانية، 15 جماد أول 1358ه - 4 يوليو 1939م، صـ21.
- إحسان عبدالقدوس حوار مع البنا: مجلة روز اليوسف، العدد900، بتاريخ سبتمبر 1945،صـ 6-7.
- الإخوان المسلمون النصف: العدد 88، السنة الرابعة، 29 صفر 1365، 2 فبراير 1946م، صـ7.
- حسن البنا: مصر عربية .. فليتق الله المفرقون للكلمة، جريدة الإخوان المسلمين: العدد (15)، السنة الأولى، غرة جمادى الثانية 1352ه - 21 سبتمبر 1933م، صـ1-3.
- حسن البنا: قومية الإسلام، جريدة الإخوان المسلمين: العدد (29)، السنة الأولى، 8 ذو القعدة 1352ه - 22 فبراير 1934م، صـ1-3.
- معاهدة عقدت فى 8 مايو 1938 فى مدينة مونترو السويسرية بين مصر والدول صاحبة الامتيازات التشريعية والمالية والقضائية لهذه الدول
- حسن البنا: بين القومية والإسلامية، المرجع السابق، العدد (28)، السنة الثانية، 7 صفر 1363/ 12 فبراير 1944، صـ3.
- حسن البنا: العدد (8)، السنة الأولى، 11 ربيع الثانى 1352ه - 3 أغسطس 1933م، صـ1.
- حسن البنا : إلى الأمة الناهضة، المرجع السابق، العدد (40)، السنة الرابعة، 29 شوال 1355ه - 12 يناير 1937م، ص1-3.
- حسن البنا: المرجع السابق، العدد (43)، السنة الرابعة، 20 ذو القعدة 1355ه - 2 فبراير 1937م، صـ1.