حقيقة قضية التنظيم الدولى عام 2009
مقدمة
نشأة جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928م وسرعان ما آمن بها الكثير من الشعب المصري وأصبحوا أعضاء فيها لوسطيتها في فهم الإسلام، ولشمولية منهجها الذي لم يفرق بين السياسة والاقتصاد والاجتماع وغيرها من مناحي الحياة.
لم تكن دعوة الإخوان دعوة محلية حيث لم يرجوا مؤسسها الشيخ حسن البنا أن تقتصر على مصر فحسب، بل اعتبرها دعوة عالمية لإعادة العمل بالمنهج الإسلامي الوسطي، والوحدة بين أفراد الشعوب العربية والإسلامية من أجل نيل الحرية عن المحتل الغربي، وللحفاظ على الهوية الإسلامية التي سعى الغرب وأعوانه في الشرق من طمسها واستبدالها بدين يتماشى مع مبادئ وأفكار الغرب وحضارته.
يتفق الجميع على أن حسن البنا لم يؤسس جماعة الإخوان المسلمين لكي يحصرها في نطاق جغرافي محدد لكنه كان يهدف لأستاذية العالم وسيادة الإسلام وتعاليمه
حيث يقول في رسالة المنهج:
- "بيان الدعوة فى وضوح ومصارحة الناس بها، وتوجيهها إلى كافة هيئات الشعب، على أن تتبع الخطوات القولية بخطوات عملية.. والعمل على نشر الدعوة خارج القطر، وتوثيق الصلة بالهيئات العاملة هناك" (1)
ظلت أقوال وكتابات ورسائل وأفعال الشيخ حسن البنا تؤكد هذا المعني بأن الدعوة لن تحصرها حدود جغرافية فيقول
- "يعتبر الوطن الإسلامي وطنًا واحدًا مهما تباعدت أقطاره وتناءت حدوده. وكذلك الإخوان المسلمون يقدسون هذه الوحدة، ويؤمنون بهذه الجامعة، ويعملون لجمع كلمة المسلمين، وإعزاز أخوة الإسلام، وينادون بأن وطنهم هو كل شبر أرض فيه مسلم يقول: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" (2)
وعلى الرغم من انتشار القوميات في عقول ونفوس كثير من العرب وغيرها من الدول الإسلامية منذ نهاية القرن التاسع عشر، حتى أصبح البعض ينادي بوطنه فوق الجميع، أو أننا ننتسب للفراعنة أو للعرب او للترك وغيرها من القوميات التي غرسها المحتل الغربي ليزيد الفرقة بين المسلمين حتى تكلل جهده باسقاط الخلافة الإسلامية عام 1924م حتى لا يكون للمسلمين من يوحد كلمتهم.
ومع تلك النعرات لم يؤمن بها حسن البنا واعتبرها دعايات مغرضة يدعمها المحتل لاضعاف الأمم الإسلامية في مواجهتخ
حيث يقول البنا
- "يقول بعض الناس: إن ذلك يناقض تيار الفكرة السائدة في العالم؛ فكرة التعصب للأجناس والألوان، والعالم الآن تجترفه موجة القوميات الجنسية، فكيف تقفون أمام هذا التيار، وكيف تخرجون على ما اتفق عليه الناس؟
- وجواب ذلك: أن الناس مخطئون، وأن نتائج خطئهم في ذلك ظاهرة ملموسة في إقلاق راحة الأمم، وتعذيب ضمائر الشعوب مما لا يحتاج إلى برهان، وليست مهمة الطبيب أن يجاري المرضى، ولكن أن يعالجهم، وأن يهديهم سواء السبيل، وتلك مهمة الإسلام ومن وصل دعوته بالإسلام" (3)
من أجل ذلك سعى حسن البنا لجمع كلمة العرب والمسلمين وتوحيدهم، ومع ذلك وجد من العنت الكثير سواء من المحتل أو من القائمين على حكم البلاد من بني جلدتنا لا لشيء إلا لخدمة أهداف المحتل ونيل بعض الامتيازات الشخصية لكل واحد منهم.
بداية الانطلاق الخارجي
كان أول خروج لدعوة الإخوان خارج نطاق القطر المصري في دولة جيبوتي وذلك عام 1933م وهو بداية مبكرة، إلا أنها لم تستمر كثيرا لعوامل كثيرة منها البعد عن المنبع الرئيسي للدعوة مصر، ولعدم وضوح الغاية والهدف لمن نقل الفكرة، ولقلة التربية التي عاشها من نقل الفكرة إلى جيبوتي، إلا أنه فتحت الباب لتحقيق العالمية أمام حسن البنا.
سافر الشيخ البنا على رأس مجموعة من الإخوان لأداء فريضة الحج عام 1936م وكانت فرصة بعد الانتهاء من مناسك الحج أن يعرف البنا بدعوة الإخوان للناس، وبالفعل كانت البداية التي انطلقت منها الفكرة إلى دول أخرى وسمع بها الكثيرين.
لم يكن مفهوم التنظيم الدولي بأطره الإدارية واضحه في مخيلة الإمام البنا إلا أنه كان يهدف إلى توحيد كلمة المسلمين والاهتمام بشئونهم ونشر الدعوة والفكرة بينهم ولذا أسس عام 1944م قسم الاتصال بالعالم الخارجي من تحقيق هذه الأهداف.
قام القسم بدراسة القضايا العربية والإسلامية المختلفة، وعرضها على الشعوب المظلومة والرأي العام العالمي، وكانت وسائلهم فى ذلك المحاضرات العامة، والكتابة فى الصحف والمراسلات، وإصدار النشرات، وعقد المؤتمرات. كما اهتم بتعريف دعوة الإخوان للشعوب الإسلامية فحرص على توصيل مجلة الإخوان لهذه الدول، وتولى بعض الإخوة توزيع هذه المجلة في بلدانهم. (4)
و حرص الإخوان بعد أن استقر أمر الجماعة في القاهرة على الاتصال المباشر مع الأقطار الإسلامية الشقيقة، فكانت البعثات التي قام بها بعض كبار قادة الإخوان كسفر عبدالرحمن البنا والأستاذ محمد أسعد الحكيم إلى سوريا وفلسطين ولبنان لنشر الدعوة وتوضيح الفكرة في بلاد الشام عام 1935م، هذا غير زيارة الإخوان للعراق عام 1944م، كما سافر للسودان صلاح عبدالحافظ وجمال الدين السنهوري وعبدالحكيم عابدين ما بين عامي 1945 و1946م.
كما اهتم الإخوان بشئون المسلمين في كل مكان ففتحوا صحفهم ومجالاتهم للتعريف بقضايا المسلمين في كل مكان، كما فتحوا مركزهم العام لكل صوت حر ينادي بالحرية لوطنه.
ما بعد البنا
ظل الإخوان على تواصلهم مع الشعوب – خاصة وأن دعوتهم قد انتشرت في العديد من الدول - غير أن الصدام مع نظام عبدالناصر أنهى على آمال الحركة في مصر مؤقتا، إلا أنه دفع لفرار العديد من قادة الإخوان إلى الدول العربية والغربية وكونوا مراكز إسلامية كانت انطلاقا للفكر الإسلامي الوسطي داخل هذه الشعوب، وكان على رأسهم الأستاذ سعيد رمضان الذي كان له دور كبير في انتشار الفكرة خارج مصر.
وكانت للمحن التي تعرض لها إخوان مصر عام 1954 و1965 دور كبير في تجمع الفكرة خارج مصر وصياغة رؤية للحفاظ على الجماعة بالخارج فكان ما سمى بالتنظيم الدولي لجماعة الإخوان (كما يحلوا أن يطلق عليه العلمانيين والشيوعيين).
بقول الدكتور يوسف القرضاوي:
- "بدأ التفكير في إحياء المكتب التنفيذي القديم، الذي كان يمثل الدول العربية أو عددًا منها؛ إذ إن حركة الإخوان ليست مجرد جماعة مصرية، بل هي حركة إسلامية عالمية، وإن كانت مصرية النشأة. وبدأت لقاءات كانت في أول الأمر يغلب عليها الجانب العلمي والبحثي في شئون الدعوة وقضاياها الفكرية، ومعوقاتها العملية، كما تحدثت عن ذلك في لقاء إستانبول في صيف سنة 1968م.
- ثم بدأ الأمر يأخذ شكلا تنظيميًّا، كما كان قبل ذلك. يُدعى من كل بلد واحد يمثل الدعوة فيها. وكنت أحضر ممثلًا للإخوان في قطر، وكنا في أول الأمر مشغولين بوضع خطة للعمل المستقبلي ليناقشها الأعضاء، فإذا أقروها، وضعت موضع التنفيذ" (5)
التنظيم الدولي في دائرة الاتهام
حينما لم تجد وسائل القهر والاضطهاد والقتل والحبس مع الإخوان، بحثت الأنظمة عن قضايا مثيرة لتشغل بها الرأى العام وتشتت جهود الإخوان وتكن مقدمات لضرب الإخوان في الوقت الذي تريده السلطة، لكي تحجم نشاط الإخوان، فكانت قضية التنظيم العالمي أو الدولي للإخوان
حيث توافقت جميع الأنظمة العربية ومن خلالفها الغربية على محاولة تقييد فكر الإخوان المسلمين بإثارة الشبهات حول ما يسمى بالتنظيم الدولي أنه يسعى للسيطرة على العالم، وأنه أداة في يدي جماعة لتقويض نشاط الدولة وزعزعة الأمن والاستقرار، ولدوره في التدخل في شئون الدول وغيرها من الاتهامات التي توافقت عليها الأنظمة العربية والغربية.
شهدت فترة مبارك صدامات كثيرة بين نظامه وبين جماعة الإخوان المسلمين، وقد احتلت قضية التنظيم الدولي حيزا كبيرا من هذا الصدام، فكان القبض على العديد من قادة الإخوان وتقديمهم للمحاكمات العادية او العسكرية بتهم التنظيم الدولى ومنها القضية المعروفة عام 2009 والتي ضمت عناصر من خارج مصر لأول مرة، فما هي حقيقة هذه القضية.
قضية التنظيم الدولى 2009م
(ابحث عن المال والاقتصاد تعرف أسباب الصدام) عبارة تلخص عن أسباب كثيرة خلف الصدام الدائم بين نظام مبارك وجماعة الإخوان المسلمين وتتمثل في محاولة شل الحركة اقتصاديا وضرب مؤسساتها المالية والاقتصادية، لاعتقاد النظام أن بهذه الحركة تجفف المنابع المالية عن الجماعة وتعيق حركتها، حيث شهدت صدامات كثيرة منذ تولي مبارك السلطة من هذا الجانب كانت بدايتها القضية الشهيرة التي عرفت بقضية سلسبيل.
وفي هذه القضية كانت البداية مبالغ مالي تم تحويله فاستغلها أمن الدولة وقدم تقريره لرئيس الجمهورية وافتعل قضية ووضع أسماء أراد تشويهها وذلك من أجل إرباك جماعة الإخوان – خاصة بعد النجاح الذي حققته الجماعة في انتخابات 2005 - من أجل تعجيزها عن المنافسة في انتخابات مجلس الشعب عام 2010.
بداية الاعتقالات
كانت بداية اعتقالات الدفعة الأولى في 3 مايو و تم القبض على ١٣ من قيادات الجماعة، على رأسهم الدكتور أسامة نصرالدين، عضو مكتب الإرشاد، والمهندس علي عبدالفتاح، وآخرون.
ثم كانت الدفعة الثانية من الاعتقالات يوم ٢٤ يونيو و28 يونيو عندما تم القبض على باقى المتهمين، وكان على رأسهم عبدالمنعم أبوالفتوح، وكان من ضمن الأسماء 3 من أعضاء مجلس الشعب وهم الدكتور سعد الكتاتني وسعد الحسيني وحسين إبراهيم.
كما قبض على أشرف عبدالغفار يوم السبت 4 يوليو 2009، بالإضافة لعادل عفيفى وعلى الحداد وأسامة سليمان، وفتحي لاشين، وعبد الرحمن الجمل، الدكتور حسام أبو بكر والدكتور إبراهيم مصطفى والمهندس هشام صقر، أشرف عبد السميع والدكتور محمد سعد عليوة ومحمد العزباوي ومحمود البارة والحسيني محمد الشامي والمهندس حسن شعلان، وإسماعيل حامد، وعادل عبد الرحيم فؤاد
وخالد عبد الحميد مرسي، وعبد المحسن عبد الحميد القمحاوي، وعبد العاطي حواش النادري، وأيمن محمود الشورة، ود. مصطفي الغنيمي، وأحمد علي عباس، وحسن محمد المنصوري، وحامد منصور أبو النصر، وعاطف راشد محمد ، وعبد العزيز علي النجار، ومسعد السيد قطب، ومحمد حسن السروجي، وعثمان محمد النادي، وفتحي محمد شهاب الدين، وياسر محمود عبده، وقد تم حبس المقبوض عليهم في سجن المرج.
حيث ذكرت مذكرة أمن الدولة أنهم كونوا لجنة تنظيمية تحت مسمى لجنة الاتصال بالعالم الخارجى وتكليفها بوضع الخطط والدراسات اللازمة لمساندة ودعم حركة التنظيم على مستوى العديد من الأقطار العربية والأوروبية تحت غطاء دعم العمل الإسلامى العالمى وحقوق الشعوب والأقليات الإسلامية، ويتولى رأستها المهندس سعد الحسيني والدكتور عصام محمد الحداد.
وأشارت مذكرة التحريات إلى أن الوحدات التنظيمية التابعة لهذه اللجنة هى:
- وحدة البعوث ويتولى مسؤوليتها الحسينى محمد أحمد الشامى ويعمل مديراً لمركز إقرأ لتعليم اللغة العربية بمدينة نصر، وتشرف هذه اللجنة على إدارة حركة التنظيم بين الطلاب المبعوثين الوافدين من جميع أنحاء العالم إلى المعاهد والمدارس والجامعات داخل البلاد.
- ويتولى مسؤولية وحدة اللجان الإقليمية الدكتور عصام الحداد ويعاونه إسماعيل حامد إسماعيل حسن من الإسكندرية، ومنوط بها الاتصال بمختلف الأقطار بالخارج والتنسيق مع مسؤولى البؤر التنظيمية الإخوانية، التى تم تقسيمها إلى ٥ قطاعات: أفريقيا ووسط آسيا وجنوب شرق آسيا وأوروبا وأمريكا وكندا والمنطقة العربية.
- ويقوم الدكتور محمد هشام حسنى صقر، الأستاذ بكلية التربية بجامعة الأزهر، بالمسؤولية عن لجنة تسمى وحدة التواصل مع الجيلين الثانى والثالث فى أوروبا، ويتولى مسؤوليتها أيضاً محمد مندوه الغرباوى، عضو مجلس الشعب السابق فى طنطا، ومهمة هذه اللجنة التنسيق مع مسؤولى التشكيلات والبؤر التنظيمية المتواجدة فى الدول الأوروبية.
- ويضطلع بمسؤولية وحدة الاستقبال والتوثيق إبراهيم مصطفى إبراهيم مصطفى، طبيب، ويعاونه حسن إبراهيم أحمد شعلان وهو ضابط سابق وصاحب شركة المنار للتجارة والتوريدات ويتولى مهمة استقبال وتسكين عناصر التنظيم الأجنبية القادمين من الخارج.
- ويضطلع عبدالمنعم أبوالفتوح، ويعاونه محمد سعد عليوة السيد طه ويعمل طبيباً، بإيفاد عناصر التنظيم إلى الدول التى يوجد بها تشكيلات وبؤر للتنظيم والتى تتخذ من بعض المراكز الإسلامية بأوروبا وجنوب أفريقيا غطاءً شرعيًا لحركتها.
قالت المذكرة إن المتهمين أنشأوا وحدة الإعداد البدنى والنفسى ويتولى مسؤوليتها المهندس أشرف محمد عبدالسميع الجزار، وتضطلع هذه الوحدة بانتقاء العناصر الطلابية من المصريين واستقطابهم وإعدادهم بدنيا من خلال تدريبهم على الرياضة العنيفة وتنظيم معسكرات ذات طابع لهم أطلقوا عليها مسمى "معسكرات جهادية".
وكشفت المذكرة عن نجاح التنظيم وهذه الوحدات الإخوانية فى إنشاء قناة فضائية يتم بثها من العاصمة البريطانية لندن باسم قناة الحوار، وقالت المذكرة إن المتهمين قاموا بإنشاء وحدة تسمى الوحدة الإعلامية، يتولى مسؤوليتها الدكتور حسام أبوبكر الصديق الشحات، ويعاونه فيها المهندس علي عبدالفتاح القيادى البارز بالجماعة، ووليد عبدالرؤوف محمود السيد شلبى
وتضطلع بنشر وترويج المبادئ والتوجهات الإخوانية إزاء القضايا السياسية المطروحة على الساحتين الداخلية والخارجية من خلال رسائل الإعلام المختلفة، مشيرة إلى أن الوحدة أسندت إدارة قناة الحوار لمن وصفته المذكرة بعضو التنظيم الإخوانى فى الأردن عزام سلطان التميمى، عضو الرابطة الإسلامية ببريطانيا. (6)
وقد كتب الصحفي محمود سعد الدين عن هذه القضية فقال:
- "يذكر أن بداية القضية كانت بإخطار من وحدة غسيل الأموال فى 4 يونيو 2009 تفيد الاشتباه فى عدة تحويلات مالية وردت على حساب المتهم الخامس الدكتور أسامة محمد سليمان من أحد البنوك بدولة لبنان بقيمة 2 مليون و700 ألف يورو
- وكشفت تحريات جهاز مباحث أمن الدولة أن سليمان تم تكليفه من قبل قيادات جماعة الإخوان المسلمين بتلقى هذه الأموال على حسابات مصرية، ونقلها من بنك لآخر بغرض تمويه مصدر الأموال، وتم اعتمادها بعد ذلك فى تدعيم المشروعات الخاصة بالجماعة. كما دلت تحريات المباحث أن تلك الأموال تم تجميعها لصالح الجماعة من تبرعات من خارج البلاد بواسطة عقد مؤتمرات وندوات بالخارج" (7)
الغريب في الأمر أن مذكرة التحريات شملت تقريبا كل الإخوان في العالم سواء في العالم العربي أو الغربي وكأنها أعدت من أجل إثارة الضغينة بين الإسلاميين في الدول العربية والغربية وبين الأنظمة الحاكمة لهذه البلاد خاصة دول الخليج.
تحركت قوات من الشرطة والتي ألقت القبض على 36 قياديا في جماعة الإخوان المسلمين بتهمة إحياء لجنة اخوانية للاتصال بالعالم الخارجي وهي المعروفة بالتنظيم الدولي للجماعة وكان من بين المتهمين الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح عضو مكتب الإرشاد وعدد من رجال الأعمال والدكتور محمود عزت والدكتور عصام الحداد وحسام أبو بكر والمهندس علي عبدالفتاح.
وكان من بين المتهمين خارج البلاد ثلاثة إماراتيين بالإضافة إلى رئيس مجلس النواب العراقى إياد السامرائى بصفته مسؤول الإخوان في العراق والداعية السعودي عوض القرنى، ووجدي غنيم وإبراهيم منير ومصريين أخرين يعيشون في مصر.
كما تم القبض على الدكتور محمد طه وهدان والدكتور جمال عبدالسلام، عثمان محمد النادى الليثى، خالد السيد إبراهيم البلتاجي، وعادل عبدالرحيم فؤاد يوسف، وأحمد على عباس، ومسعد السيد على قطب، على الحديدى، وليد عبدالرؤوف محمود شلبي، هذا غير 15 شركة تم الزج بهم في القضية
حيث وجهت لهم النيابة عدة تهم بالإضافة لجمع التبرعات وتم العثور بحوزتهم على مبالغ مالية بلغت جملتها نحو 50 ألف جنيه ونحو 10 آلاف مفتاح كهربائى تستخدم فى تصنيع الأحزمة الناسفة و2 موتور طائرة صغيرة و20 سيرفر خاص بتصنيع الطائرات الصغيرة بهدف إعادة تطويرها واستخدامها فى القيام بعمليات عدائية بالداخل والخارج.
ولقد صادرت السلطات مبالغ مالية كبيرة تجاوزت ملايين الجنيهات والدولارات واليورو بعضها كان تبرعات لفلسطين، والبعض كان أموال خاصة لرجال أعمال، كما تم ضبط بعض الأوراق منها ورقة بعنوان "حملة فلسطين" تتضمن خطة تحرك جماعة الإخوان المسلمين فى الأوساط الجماهيرية والطلابية والجمعيات الأهلية والمؤسسات الحكومية لتفعيل القضية الفلسطينية وجمع التبرعات. (مما دل على عدم إدراك أمن الدولة لما يقول به) (8)
وقد صرح الشيخ عوض القرني بأن السبب في زج اسمه هو موقفه المعارض لاسرائيل، وقد نصحه مسؤولين مصريين زاروا السعودية مؤخرا أن هناك مذكرة باعتقاله بناء على طلب إسرائيلي " مشيرا إلى أن هؤلاء المسؤولين طلبوا منه عدم السفر إلى مصر" (9)
وكان من الطريف أنه بعد بداية القضية بستة أشهر تتدعي بعض الصحف المصرية (الناطقة بلسان أمن الدولة) وعلى رأسها صحيفة الدستور أن عدد من الداعيات السعوديات ضمن التنظيم الدولي النسائي.
وقالت الصحيفة
- "إن جناح التنظيم في السعودية يضم ثماني داعيات وأربعة رجال للإشراف على التنظيم، هم د. عدنان المزروع وعبد العزيز القرشي ود. محمد النجيفي ود. عبد المحسن التركي. أما الداعيات الثماني فأشهرهن د. فاطمة نصيف ود. محاسن عودة ود. سناء عابد ود. آمال نصير وبدرية المطوع وسهير قرشي.
- حيث كشفت إحدى الداعيات التي ورد اسمها بأن المركز العربي للدراسات الذي يديره عبد الرحيم علي -مصدر المعلومات- مرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمن الدولة المصري."
وفي هذا الصدد صرح الحقوقي والكاتب الإسلامي الدكتور باسم عالم:
- بأن "النظام المصري والأجهزة المرتبطة به تحاول أن تستثير الأنظمة العربية في المنطقة لمواجهة المد الإسلامي الذي يتوسع يومًا بعد يوم، خاصة في ظل وجود حكومة ذات توجهات إسلامية على تخوم مصر"، في إشارة إلى الحكومة الفلسطينية بقطاع غزة (10)
لكن البعض يكشف أن السبب الحقيقي وراء ما جرى هو جزء من استراتيجية مصرية طويلة الأمد، بدأت منذ فترة طويلة لحصار التنظيم الدولى لجماعة الإخوان المسلمين، خصوصا أنه تسبب فى إحراج الحكومة المصرية سياسياً على المستوى الدولي في عدة قضايا سياسية عربية مهمة، آخرها قضية العدوان الإسرائيلى على غزة يناير 2009.
وأن الضربات الأمنية، التى تواكب هذا النوع من القضايا، تؤثر فى الإخوان المسلمين وتربك حركة الجماعة والتنظيم الدولي، بسبب وضع قادة التنظيم وكوادره في السجن لفترات طويلة، خصوصا وأن منهم عددا من أعضاء مكتب الإرشاد
إخلاءات سبيل للبعض
تقدم عدد من المقبوض عليهم بطعون ضد القبض عليهم وكان على رأسهم الدكتور أسامة نصر و13 متهم أخرين أمام القضاء الإداري في "القضية رقم 404 لسنة 2009 حصر عليا".
حكمت محكمة الجنايات بإخلاء سبيل البعض يوم 31 أغسطس 2009م، وبالفعل خرجوا من السجن في 1 سبتمبر 2009م لكن ليس على بيوتهم لبل إلى مقار أمن الدولة التي أعادت اعتقلهم بنفس التهم، ظلوا حتى أصدرت المحكمة قرارا بإخلاء سبيل البعض يوم الثلاثاء 17 نوفمبر 2009 ومنهم الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح والدكتور أسامة نصر و7 أخرين على ذمة القضية، وأطلقت مباحث أمن الدولة سراحهم بعد ساعة من صدور القرار.
وقضى أبوالفتوح ورفاقه نحو 5 أشهر فى السجن على خلفية القضية رقم 404 لسنة 2009 حصر أمن دولة عليا (11). وبعدها بأيام بيومين تم إخلاء سبيل عدد أخر من قيادات الإخوان الذين تم القبض عليهم في ذات القضية، ومنهم المهندس حسن شعلان، خالد بلتاجي، وأحمد علي عباس، والدكتور أشرف عبدالغفار.
اتهامات وإحالات للمحاكمة
وفي خطوة تصعيدية تنم على تبعية السلطات الثلاثة للسلطة التنفيذية قام النائب العام عبدالمجيد محمود بإحالة القضية والمتهم فيها خمسة من قيادات الإخوان بعدما تم إخلاء سبيل 28 متهما كانوا في القضية وعلى رأسهم عبدالمنعم أبوالفتوح وأسامة نصر
(وعلى رأس المحالين للمحاكمة الأمين العام للتنظيم الدولي الأستاذ إبراهيم منير الدكتور أشرف عبد الغفار (طبيب بشري وأمين عام مساعد نقابة الأطباء)، ووجدي عبد الحميد غنيم (الداعية الإسلامي) وعوض محمد القرني (سعودي الجنسية) وأسامة محمد سليمان (طبيب بشري ورئيس مجلس إدارة شركة الصباح للصرافة) المسجون الوحيد في القضية) إلى محكمة أمن الدولة العليا طوارئ يوم الأربعاء 21 أبريل 2010م.
انعقدت أول جلسات المحاكمة يوم الإثنين 14 يونيو 2010م برئاسة المستشار محمود سامي كامل وظلت الجلسات منعقدة فترات طويلة استمعت فيها المحكمة إلى مرافعة الدفاع، كما استمعت إلى شهادة الشهود ومنهم المقدم هشام زين بجهاز مباحث أمن الدولة
والذي قال إنه عقب العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، تم تنظيم عدة مؤتمرات ببريطانيا في يناير و15 فبراير و12 أبريل ومايو من العام الماضي 2009 والتي شهدت جميعها عملية جمع للتبرعات النقدية تحت ستار مساندة سكان قطاع غزة والفلسطينيين الذين يعانون آثار الاجتياح العسكري.
وأضاف المقدم زين أن دار الرعاية التابعة لجمعية الدعوة الإسلامية ببريطانيا كانت المنظمة لتلك المؤتمرات التي شهدت جمع مبالغ مالية طائلة تسلمها رجل الأعمال إبراهيم منير مصطفى، المتهم الرابع في القضية، والذي قام بدوره بمعاونة من أحد المتهمين السوريين ويدعى ياسر جابر والذي لم يتم التوصل إليه حتى الآن، بإرسال جانب كبير منها إلى حسابات المتهم في القضية أسامة سليمان في مصر بغية استخدامها في دعم أنشطة جماعة الإخوان المسلمين التنظيمية وتعزيز وجودها.
وأشار إلى أن وحدة مكافحة غسل الأموال بالبنك المركزي المصري أفادت بأن المتهم أسامة سليمان تلقى على أحد حساباته المتعددة في مصر مبلغ 2 مليون 700 ألف يورو، وبإجراء التحريات اللازمة تبين أن ذلك المبلغ يمثل جزءا من محصلة التبرعات عن المؤتمرات التي أقيمت فى بريطانيا وسبق ذكرها، مؤكدا أن التحريات قطعت بأن تلك المبالغ وغيرها تم تلقيها بهدف إنفاقها لدعم جماعة الإخوان المسلمين وأنشطتها غير القانونية.
وقال الشاهد الثاني أيمن نبيل، نائب مدير عام قطاع الرقابة على حركة الأموال بالبنك المركزي المصري ورئيس اللجنة المشكلة لفحص حسابات المتهم أسامة سليمان، إن الأخير لديه 3 حسابات بالمصرف العربي الدولي بعملات الدولار الأمريكي واليورو والجنيه الاسترليني ، شهدت جميعها نشاطا في التحويلات المالية القادمة إليها من الخارج، خاصة عقب انتهاء أعمال مؤتمرات التبرعات المالية بفترة وجيزة (12)
ومع كل ذلك الكلام إلا أن أمن الدولة والنيابة العام لم تقدم دليلا ماديا واحدا على ثمة أن هذه الأموال تبرعات، كما لم يقدم البنك المركزي أى دليل على شبهة هذه الأموال المحولة، خاصة أون المتهم أسامة سليمان له العديد من الحسابات والتعاملات المادية وقد دخل حسابه من قبل أموال كثيرة تخص عمله حيث أثبت كل ذلك بالأوراق والوثائق.
بل أن الدكتور محمد سليم العوا (أحد المترافعين عن أسامة سليمان) أكد أن هناك تقريرا تم تحريره بمعرفة اللجنة المشكلة من البنك المركزي، لفحص حساب المتهم الخامس أسامة سليمان، صاحب شركات صرافة، وذلك في القضية رقم 404 وهي القضية الصادقة علي الجناية التي تتم محاكمة المتهم فيها الآن. وانتهي هذا التقرير إلي عدم وجود شبهة غسل أموال في حق المتهم، منتقدا عدم إدراج هذا التقرير إلى القضية على الرغم من كونه يمثل مستندا محوريا فيها.
وأشارت إلى أن القانون لا يمنع مصريا من إدخال الأموال للمصارف والبنوك الأجنبية شريطة الكشف عن مصادرها. (13) كما وضح أنه لا يوجد دليل في أوراق الدعوى علي وجود تسجيلات للمتهمين تثبت ما نسب إليهم من اتهام، وإنما هي مجرد أقوال عبرت عن رأي مجري هذه التحريات.
بالإضافة أن المحكمة الشاهد الضابط أيمن زين (ضابط أمن الدولة) عما إذا كانت هناك تسجيلات أو مشاهدات للمتهمين مع بعضهم أثناء إجراء هذه الاتفاقات موضع الاتهام، فأجاب الشاهد بالنفي، ثم سألته المحكمة عن مصدره في التحريات، فأجاب بأنها مصادر سرية تمت الاستعانة بها إلي جانب التحريات التي تم إجراؤها. (14)
وذكر عبد المنعم عبد المقصود (رئيس هيئة دفاع سليمان):
- إن النيابة اختزلت القضية في تقرير البنك المركزي وشركة سليمان، واستبعدت عن عمد تقارير خبراء وزارة العدل والتي انتدبتهم، لا لشيءٍ إلا لأنهم نفوا تهمة غسيل الأموال عن الشركات المتهمة على خلفية قضية التنظيم الدولي!.
شهدت المحكمة العديد من التأجيلات وذلك بسبب إصابة الدكتور أسامة سليمان (المسجون الوحيد) بأربع جلطات بالقلب أثناء ترحيله إلى محبسه عقب انتهاء جلسة 13 يوليو 2010، الأمر الذي تطلب نقله على الفور إلى مستشفى قصر العيني لاتخاذ اللازم طبياً نحو إنقاذ حياته.
لكن كان واضحا في الاتهامات أنها كلها تدور حول محور القضية الفلسطينية والدور الكبير الذي قام به الإخوان في تحريك الشارع للضغط من أجل وقف العدوان الصهيوني على غزة، وجمع تبرعات من أجل إعداد المستلزمات الطبية والغذائية التي تحتاجها غزة المحاصرة.
حيث جاءت الاتهامات حول هذه المحاور وفق البيان الذي وزعته وزارة الداخلية ونشرته الصحف القومية والمستقلة، حيث دارت التهم جميعاً حول محورين:
الأول: جمع تبرعات لصالح الشعب الفلسطيني في أوروبا بالذات.
الثاني: توصيل هذه التبرعات إلى قطاع غزة عبر جهات الإغاثة الإنسانية.
أحكام
وفي مطلع يناير 2011 قررت محكمة أمن الدولة معاقبة المتهمين بالحبس ما بين 5 سنوات إلى 8 سنوات غيابا، فيما عاقبت الدكتور أسامة سليمان بالسجن 3 سنوات حضوريا، وتغريمه 5 ملايين و600 ألف يورو، ومصادرة المبالغ المضبوطة (2 مليون و800 ألف يورو) موضوع قضية "التنظيم الدولي"، ومنعه من التصرف في أمواله العقارية والمنقولة والسندات والأسهم، وألزمته بالمصاريف (15)
وردا على هذه الأحكام الجائرة طالبت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان بإعادة محاكمة 5 رموز إسلامية عالمية في القضية رقم 404 لسنة 2009م المعروفة إعلاميًّا بقضية "التنظيم الدولي" أمام قاضيهم الطبيعي، وضمان تمتُّعهم بكامل حقوقهم القانونية في التدرُّج أمام المحاكم، والطعن على الأحكام بمقتضى القانون، ورفع حالة الطوارئ المفروضة منذ عام 1981م. (16)
حيث علق عدد من الحقوقيين على هذه الأحكام مثل ناصر الحافي الذي قال:
- المحكمة لم تنظر في دفوع المتهمين، ود. عاطف البنا الذي قال: قضية ضعيفة لا تستند إلى دليلٍ واحد. ود. حمدي عبد العظيم: الضرر الأكبر يلحق بالاقتصاد، كما صرح - د. عبد الخالق فاروق: اجتهاد حكومي لضرب الاستثمار، وذكر عادل مكي: مخالفة صريحة للمواثيق والمعاهدات الدولية.
وقال عبد الحليم قنديل:
- إن الأحكام الجائرة لها دوافع سياسية أكثر منها قانونية، خاصةً بعد تبرئة 28 متهمًا من نفس القضية بداية العام الماضي".
كما أصدرت جماعة الإخوان المسلمين بيانا نددت فيه بالحكم وتسيس القضاء وضيق أفق النظام وكبت الحريات.
ثورة 25 يناير ونقض الحكم والبراءة
أعيدت إجراءات المحاكمة بعد ثورة 25 يناير بالنسبة للمتهم أسامة سليمان فقط - باعتبار أنه المتهم الوحيد في القضية الذي صدر بحقه الحكم حضوريًا – أمام محكمة جنايات أمن الدولة العليا طوارئ برئاسة المستشار نور الدين يوسف والتي قضت ببراءته في قضية اتهامه و 4 آخرين بغسل وتبييض الأموال، وتمويل جماعة محظورة قانونًا، وهي القضية التي عُرفت بـ"التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين" وذلك يوم الأثنين 23 أبريل 2012م.
وقد علق أسامة سليمان على قرار البراءة أنه كان واثقا من براءته، وأن الحكم الصادر ببراءته، يمكنه من استرداد أمواله المتحفظ عليها، بالإضافة إلى رفع قرار منعه من السفر، ومباشرة كافة حقوقه السياسية، بعدما تمت تبرئة ساحته، معتبرًا أن القضية قد لُفقت ضده من جانب أجهزة الأمن بالنظام السابق. (17)
ولقد خرج من السجن يوم الخميس 24 مارس 2011م ووصل إلى بيته في استقبال حافل بعد غياب أكثر من عامين خلف القضبان، بعدما أصدر النائب العام قرارا بالإفراج الصحي عنه. أما عن باقي المتهمين الذين صدر ضدهم حكم غيابي بالسجن ولم يحضروا الجلسات وهم إبراهيم منير وأشرف عبدالغفار ووجدي غنيم وعوض القرني فقد أصدر الرئيس محمد مرسي عفوا رئاسيا عنهم أثناء فترة رئاسته لمصر.
بل إن الداعية عوض القرني قرر رفع دعوة قضائية في مصر، يطالب فيها بتعويض مالي؛ على خلفية إسقاط حكم قضائي صدر بحقه بتهمة غسيل الأموال ودعم جماعة الإخوان المسلمين في فترة نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك (18)
وطالبت لجنة الدفاع عن المظلومين، المجلس الأعلى للقوات المسلَّحة بعدم التصديق على الأحكام الصادرة خلال العهد البائد، فيما عُرف بقضية "التنظيم الدولي للإخوان المسلمين".
حيثيات حكم شهد للإخوان
الغريب أن حيثيات الحكم التي أودعتها محكمة جنايات أمن الدولة برأت جماعة الإخوان المسلمين بل وأعطتها شرعية في مبادئها وفكرها وتاريخها. وقد أشارت الحيثيات إلى أن كل التهم الموجهة إلى الجماعة والخاصة بقيامها بتعطيل أحكام الدستور والقانون ومنع مؤسسات الدولة والسلطة العامة من ممارسة أعمالها محض افتراء، وأن الهدف منها تشويه صورة الجماعة في أوساط الرأي العام المصري.
وأضاف أن تلك كانت وسيلة النظام البائد مع خصومه السياسيين، مستخدمًا السلطات الاستثنائية التي كان يملكها لتلفيق التهم ونشر الافتراءات والأكاذيب ضد الشرفاء من أبناء هذا الوطن، سواء كانوا أفرادًا أو أحزابًا أو جماعات. (19)
بل إن حيثيات الحكم جاءت أكثر وضوحا في قضية حل الجماعة بعد ثورة 23 يوليو حيث قالت:
- أن جماعة الإخوان المسلمين لم تؤسس بالمخالفة لأحكام الدستور والقانون، كما أنها لم تقدم دليلاً واحدًا على أن الجماعة دعت يومًا إلى تعطيل أحكام الدستور والقوانين ومنع مؤسسات الدولة والسلطة العامة من ممارسة أعمالها ولم ترتكب فعلاً يؤدي إلى تحقيق هذا الغرض.
وقالت المحكمة:
- "وحيث إنه باستقراء الواقع والحياة السياسية المصرية والحياة الاقتصادية في مصر فإن المحكمة وإن كانت ترى أن جماعة الإخوان المسلمين قد أُسست وقت تأسيسها وفقًا لأحكام القانون فإنه وبعد قيام ثورة 1952 وصدور قانون حل الأحزاب السياسية فقد اعتبرت الجماعة في ذلك الوقت حزبًا سياسيًّا انطبق عليها قانون حل الأحزاب، إلا أن المحكمة ترى أن الجماعة لم تأخذ في يوم من الأيام وصف الحزب ولم تؤسس وفقًا لقانون الأحزاب، ومن ثم فكان ينبغي أن تحل وفقًا للقانون الذي أسست وفق أحكامه، وهو قانون الجمعيات الأهلية؛
- ذلك أن مجلس قيادة الثورة عندما أصدر قرارًا بحلها فقد حولَّها إلى حزب سياسي دون رغبة أعضاء الجماعة، وهو ما لا يجوز قانونًا؛ لأن مجلس قيادة الثورة لا يملك أن يجبر بعض الأشخاص على دخولهم في حزب سياسي أو تأسيس حزب دون رغبتهم؛ مما يعتبر هذا القرار معدومًا ومما ينتفي معه وصف الجماعة بأنها جماعة أسست على خلاف أحكام القانون".
وتابعت:
- "فإذا أضفنا إلى ذلك وعلى فرض أنها أسست على خلاف أحكام القانون، فإن هذا الفرض يدعونا إلى الغرض الذي قامت من أجله الجماعة والذي وصقته النيابة العامة في الاتهام المسند إلى متهمين سبق الحكم عليهم بأنه الدعوة إلى تعطيل أحكام الدستور والقوانين ومنع مؤسسات الدولة والسلطة العامة من ممارسة أعمالها، وهو ما لم تقدم النيابة العامة دليلاً واحدًا يمكن أن تطمئن إليه المحكمة وكل ما ساقته هو تحريات منسوبة للشاهد الأول".
ووصفت المحكمة تحريات مباحث أمن الدولة المنحل بأنها "مبتورة لم يعضدها دليل ولا قرينة"، مشددةً على
- "أن ما يُنسب إلى هذه الجماعة إنما يتم بواسطة خصومها السياسيين، والدليل على ذلك أن هذه الجماعة تمارس عملها في العلن وتشارك في الحياة السياسية والاقتصادية وتعمل على تنمية وتقدم الدولة من خلال مشاركتها في أنشطتها العامة، إلا أن النظام السياسي في مصر في الفترة الماضية لم يتسع صدره لمشاركة أبناء الوطن له في الحكم أو في الحياة الاقتصادية؛ وذلك لما كان ارتكبه من فساد سياسي واقتصادي، فظل طوال فترة وجوده يحاول إيقاع خصومه فيما أسماها جرائم إرهابية لم يقدم الدليل عليها".
وواصلت المحكمة هجومها على نظام المخلوع قائلةً في حيثياتها:
- ".. وقد حارب معارضيه اقتصاديًّا بل وحارب شعبه أيضًا اقتصاديًّا عندما سنَّ قانون شركات توظيف الأموال ووضع يده على أموال صغار المودعين واستولى أنصاره على أصول هذه الشركات بأبخس الأسعار، مخلفًا من ورائه كثيرًا من أفراد الشعب يخسر إيداعاته وما كان يستعين به على سد احتياجاته".
وتابعت:
- "ولم يكتفِ بذلك، بل قام بعض أنصاره باسترقاق بعض نساء أصحاب هذه الشركات، مستمتعين بهن وبأموالهن التي استولوا عليها من أفراد الشعب بعد أن هرّبوا أو اعتقلوا أصحاب هذه الشركات".
وأكدت في الحيثيات:
- "وحيث إن النيابة العامة لم تقدم دليلاً واحدًا على أن جماعة الإخوان المسلمين قد دعت يومًا إلى تعطيل أحكام الدستور والقوانين ومنع مؤسسات الدولة والسلطة العامة من ممارسة أعمالها ولم ترتكب فعلاً يؤدي إلى تحقيق هذا الغرض، فإن المسألة الأولية السابقة على بحث مدى توافر أركان جريمة غسل الأموال تكون منتفيةً وغير متوافرة في الأوراق مما ينتفي معه توافر إحدى الجرائم المنصوص عليها في المادة الثانية من قانون غسل الأموال رقم 81 لسنة 2002 المعدل".
وقالت:
- "وحيث إنه لما كان يشترط لبدء الأفعال المادية لجريمة غسيل الأموال هو اكتساب أموال وحيازتها أو التصرف فيها أو إدارتها أو حفظها أو استبدالها أو إيداعها أو ضمانها أو نقلها أو استثمارها أو تحويلها أو التلاعب في قيمتها، وكان القصد من ذلك إخفاء حقيقة هذه الأموال وتمويه مصدرها وطبيعتها وعرقلة التوصل إلى مرتكب الجريمة المتحصل منها المال مع علم المتهم بذلك حتى يتوافر الركن المعنوي لهذه الجريمة.. ولما كان الثابت من مطالعة الأوراق وبعد أن انتهت المحكمة إلى عدم توافر الجريمة التي يفترض أن تكون سابقة على غسل الأموال؛
- وذلك لعدم صدور حكم على أيٍّ من المتهمين في هذه الجريمة كما أن النيابة انتهت إلى أن المتهمين الأربعة الأول قد أمدوا جماعة أسست على خلاف أحكام القانون الغرض منها تعطيل أحكام الدستور بأموال حددتها بالاتهام المنسوب إليهم، وذكرت في الأدلة المقدمة أنهم جمعوها من الدول الأوروبية وبريطانيا على وجه الخصوص، في حين أن الثابت من تقرير اللجنة المشكلة لفحص هذه التحويلات أنها قد وردت من دول الخليج العربي؛ الأمر الذي يؤكد عدم جدية التحريات المقدمة كدليل في الأوراق".
وحيث إن النيابة العامة لم تقدم ما يفيد أن هذه الأموال موضوع الدعوى كانت محولة بقصد إمداد جماعة الإخوان المسلمين بها؛ فليس في الأوراق ما يثبت أن أيًّا من هذه الأموال التي تسلمها المتهم قد تمَّ تحويله إلى حساب شخص آخر من جماعة الإخوان المسلمين وأنه سلم بعضه لأي من أفراد هذه الجماعة.
وأكدت المحكمة في نهاية حيثيات الحكم أنها حجبت الثقة عن الأدلة الواهية التي ساقتها النيابة العامة؛ للتدليل على إدانة المتهم، وانتهت إلى عدم توافر الشرط السابق على جريمة غسل الأموال لإمداد جماعة مؤسسة على خلاف أحكام القانون بأموال لتحقيق أغراضها الإجرامية، كما انتهت إلى عدم توافر الركنين المادي والمعنوي لجريمة غسل الأموال ومن ثم وقد بات القضاء ببراءة المتهم أمرًا مقضيًّا عملاً بالمادة 304/1 من قانون الإجراءات الجنائية.
وأكدت أن جماعة الإخوان من أحرص القوى السياسية على احترام القانون والدستور؛ إذ لم يثبت عليها يومًا أنها عطلت دولاب العمل المصري أو ارتكبت أعمالاً يعاقب عليها القانون أو الدستور المصري. (20)
أخيرا
كانت قضية التنظيم الدولي عام 2009 ضمن سلسلة صراعات بين نظام مبارك وجماعة الإخوان المسلمين، بهدف تشويه الإخوان وتحجيم نفوذها وقطع الصلة مع غزة، وتضييق الخناق على القضية الفلسطينية.
تم وضع 36 اسم ضمن القضية وتم القبض على 32 متهم على رأسهم الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح وأشرف عبدالغفار، تحت مسمى القضية رقم 404 لسنة 2009م، إلا أنه تم اخلاء ما يقرب من 28 متهم ما عداء أسامة سليمان و4 خارج مصر حيث حفظت هذه القضية.
وضع أسامة سليمان و4 من خارج مصر في قضية جديدة تحت مسمى 202 لسنة 2010م وتم تحويلها لمحكمة أمن الدولة طوارئ، وعلى الرغم من أن الشاهد الضابط هشام زين لم يكن عنده علم بطبيعة القضية كما لم يقدم دليل واحد، بل جاءت أقواله متضاربة (كما وردت في الصحف) إلا أن القاضي كان قد استلم الحكم من النظام فحكم على سليمان بـ3 سنوات وتغريمة ما يقرب من 6 مليون يورو، ومصاردة ما يقرب من 3 مليون يورو.
إلا أن القضية أعيدت مرة أخرى أمام القضاء بعد ثورة يناير فحكمت ببراءة إسامة سليمان وإعادة أمواله، بل حكمت أن جماعة الإخوان جماعة شرعية وأن القرار الصادر بعد الثورة اعتبرها حزب سياسي وهي غير ذلك.
المراجع
- مجموعة رسائل الإمام البنا: رسالة المنهج، دار التوزيع والنشر الإسلامية، صـ256.
- المرجع السابق: رسالة المؤتمر الخامس، صـ362.
- المرجع السابق: صـ363.
- مجلة منبر الشرق – السنة الرابعة والعشرين – العدد 377 – 6 ذو القعدة 1364هـ - 12 أكتوبر 1945م– صـ2.
- يوسف القرضاوي: مع التنظيم العالمي للإخوان، 11 سبتمبر 2017
- المصرى اليوم نشر أوراق قضية التنظيم الدولى للإخوان
- محمود سعد الدين: الحافى: قضية التنظيم الدولى سياسية وليست جنائية، 21 أبريل 2010
- المصري اليوم تنشر أوراق قضية التنظيم الدولى للإخوان: 23 يوليو 2009
- 36 متهما في قضية التنظيم الدولي للإخوان: 17 يوليو 2009
- ياسر باعامر: تقرير مصري يتهم داعيات سعوديات بالانتماء للإخوان المسلمين، 3 نوفمبر 2010
- طارق صلاح: إخلاء سبيل «أبوالفتوح» و8 آخرين فى قضية التنظيم الدولى للإخوان، 18 نوفمبر 2009
- أحمد شلبي: تأجيل محاكمة المتهمين في قضية التنظيم الدولي للإخوان إلى 8 يناير، 11 ديسمبر 2010
- المرجع السابق
- سميرة علي عياد: المحكمة تستمع لأقوال شهود قضية التنظيم الدولي للإخوان، 11 ديسمبر 2021
- خالد عفيفي: براءة د. أسامة سليمان في قضية "التنظيم الدولي"، 23 أبريل 2012
- خالد عفيفي: المصرية لحقوق الإنسان" تطالب بإعادة محاكمات "التنظيم الدولي"، 11 يناير 2011
- براءة القيادي الإخواني أسامة سليمان في قضية التنظيم الدولي للإخوان: 23 أبريل 2012
- القرني يقاضي "المخلوع" بسبب قضية "التنظيم الدولي": 27 أغسطس 2011
- أحمد مرسي: عبد المقصود: حيثيات "التنظيم الدولي" تأكيد لشرعية الجماعة، 2 يوليو 2012
- محمد عبدالمقصود: ننشر حيثيات قضية التنظيم الدولي للإخوان، 2 يوليو 2012