سيد قطب- الإنقاذ من الجاهلية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
سيد قطب- الإنقاذ من الجاهلية


الأستاذ سيد قطب

- بين اغتيال الإمام الشهيد حسن البنا (1949) وصدور الطبعة الأولى من "معالم في الطريق" (1964م) كانت الدنيا قد تغيَّرت تغيرًا كبيرًا، والعلاقة بين نظام الحكم المصري وبين الإخوان المسلمين قد مرَّت بمنعطفات بالغة الشدة والعنف، والتوجُّه الاشتراكي للحكم أصبح مسفرًا عن وجهه مع استمرار منع الحركة الإسلامية من الوجود الرسمي أو النشاط العلني. وقد أدَّى ذلك إلى ظهور منهج جديد في الفكر السياسي الإسلامي، أحدث آثارًا بالغة الخطورة في الحياة السياسية والثقافية المصرية والعربية، ذلكم هو منهج سيد قطب الذي عبَّرت عنه آراؤه في أخطر كتبه -سياسيًا- كتاب: "معالم في الطريق".

وليس من شأني -الآن- أن أقوِّم فكر الأستاذ سيد قطب -رحمه الله-، ولا أن أحاول تحليله، وإنما حسب هذه الورقة أن ترصد أهم معالمه، كما حاولت أن تصنع مع من سبقوه من روّاد الفكر السياسي الإسلامي في مصر.

- يبدأ سيد قطب من إفلاس الديمقراطية الغريبة، ومن التنبؤ بإفلاس الاشتراكية الماركسية وهو ما وقع بعد ذلك بثلاثة عقود من الزمان-، ليقول: إن قيادة الرجل الغربي للبشرية قد أوشكت على الزوال، لأنه لم يعد يملك رصيدًا من القيم يسمح له بالقيادة. والإسلام وحده هو الذي يملك مقومات هذه القيادة. لكن الإسلام لا يملك أن يؤدي دوره إلا في مجتمع، أي أمة. ويقرر سيد قطب -عند هذه النقطة- أن "وجود الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة.. فالأمة المسلمة ليست "أرضًا" كان يعيش فيها الإسلام، وليست "قومًا" كان أجدادهم في عصر من العصور يعيشون بالنظام الإسلامي.. إنما "الأمة المسلمة" جماعة من البشر تنبثق حياتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وأنظمتهم وقيمهم وموازينهم كلها من المنهج الإسلامي.. وهذه الأمة -بهذه المواصفات- قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر الأرض جميعًا".

- "إن العالم يعيش اليوم كله في "جاهلية" من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها. جاهلية لا تخفِّف منها شيئًا هذه التيسيرات المادية الهائلة، وهذا الإبداع المادي الفائق!" ولذلك فإنه لا بد -حسبما يقول سيد قطب- من بعث الأمة المسلمة التي واراها ركام التصوُّرات وركام الأوضاع وركام الأنظمة، التي لا صلة لها بالإسلام، ولا بالمنهج الإسلامي.. وإن كانت ما تزال تزعم أنها قائمة فيما يسمى "بالعالم الإسلامي" (47) .

- والإسلام -عند سيد قطب- لا يعرف إلا نوعين اثنين من المجتمعات، مجتمع إسلامي ومجتمع جاهلي. المجتمع الإسلامي: هو الذي يطبَّق فيه الإسلام عقيدة وعبادة، شريعة ونظامًا، وخلقًا وسلوكًا.. والمجتمع الجاهلي: هو المجتمع الذي لا يطبق فيه الإسلام، ولا تحكمه تصوراته وقيمه وموازينه، ونظامه وشرائعه، وخلقه وسلوكه. ليس المجتمع الإسلامي هو الذي يضم ناسًا ممن يسمون أنفسهم "مسلمين"، بينما شريعة الإسلام ليست هي قانون هذا المجتمع، وإن صلى وصام وحج البيت الحرام… وقد يكون المجتمع -إذا لم يطبق الشريعة- مجتمعًا جاهليًا ولو أقر بوجود الله -سبحانه-، ولو ترك الناس يقيمون الشعائر لله في الِبَيعِ والكنائس والمساجد (48) .

- والتحرُّر الحقيقي هو أن تكون الحاكمية العليا في المجتمع لله وحده -متمثلة في سيادة الشريعة الإلهية- فتكون هذه هي الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البشر تحررًا كاملاً وحقيقيًا من العبودية للبشر… والمجتمع الإسلامي هو وحده المجتمع الذي يهيمن عليه إله واحد، ويخرج فيه الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده (49) .

- هاتان الفكرتان: "الجاهلية" التي أصابت المجتمعات الإسلامية -بل البشرية كافة- والتحرر منها والانعتاق من أسرها بتطبيق "الحاكمية"، هما الفكرتان الرئيستان في منهج سيد قطب الفكري، وهما الإضافة التي زوّد بها سيد قطب نهر الفكر السياسي الإسلامي. وحول هاتين الفكرتين تدور كل الأفكار الأخرى التي تصادفنا في كتب سيد قطب، وفي مقالاته، بل وفي تفسيره للقرآن الكريم "في ظلال القرآن"، كلما تعلَّق الأمر بالفكر السياسي أو بالحياة الاجتماعية.

- والتطور ملحوظ في الخط الفكري الإسلامي منذ محمد عبده إلى سيد قطب. فمحمد عبده كان يرى الجماهير "جاهلة" يجب أن "تعلّم" و"تهذب" ويرى الحكومات -مهما تكن ظالمة- محتاجة إلى أن تقوَّم بسلطان الشريعة والقانون "بما يلائم عوائد الناس". و"حسن البنا" مضى خطوة أبعد، حين نفى شرعية الحكومات القائمة -في عصره- لقيامها على أسس غير إسلامية. ثم بلغ الأمر غايته عند سيد قطب، فحكم على المجتمعات كلها بأنها "جاهلية" وعلى "الأمة الإسلامية" بأنها "منقطعة عن الوجود" و"غائبة عن الشهود"، ونفى الإسلام عن المجتمع الذي لا يقر "بالحاكمية" ولو "صلى وصام وحج البيت الحرام"!

- ومن باب هاتين الفكرتين القطبيتين دخلت إلى الفكر السياسي الإسلامي وإلى العمل الحركي جميع أفكار المقاطعة والتكفير والاستحلال واستباحة الدماء والأموال، وعشرات النتوءات الفاسدة التي نُسبت إلى الإسلام ظلمًا وزورًا، وشوَّهت صفحته الناصعة بخطايا أصحابها التي لا يزال المفكرون والفقهاء والدعاة يجاهدون لنفي صلتها بحقائق الإسلام؛ ولا يزال خصوم الفكرة الإسلامية يجيدون إعادة عرضها -وأحياناً إعادة صناعتها وإخراجها- للتدليل على أن الشعار الإسلامي لا يدلّ على حقيقة نتائجه. ومهما يكن الأمر في تأويل(50) كلام الأستاذ سيد قطب -رحمه الله- فإنه كان من الخطورة وبُعد الأثر إلى حد دفع المرشد العام الثاني للإخوان المسلمين -المستشار حسن الهضيبي- إلى أن يخرج باسمه كتابًا عنوانه "دعاة لا قضاة" ينفي فيه عن الإخوان اعتناقهم الفكر المؤدي إلى تكفير المجتمع أو الخروج عليه بقوة السلاح. وأنشأ حركة فكرية ساهم فيها -للرد عليه ومناقشته- عدد غير قليل من المفكرين الإسلاميين، أكثرهم من الذين عاشوا أزمانًا تحت مظلة فكر الإخوان المسلمين وتنظيمهم (51)

المصدر : إسلام اون لاين