لماذا لم يهاجم نظام عبدالناصر الإمام حسن البنا؟
مقدمة
على الرغم من التعاون في تغيير نظام كامل والتعاهد على العمل من اجل البلاد، إلا أن الأمر سرعان ما تغير وأصبح عبدالناصر أكثر شيء يكرهه ويريد أن يمحوه هم جماعة الإخوان المسلمين، بل فاق عهده في الاعتقال والتعذيب وتشريد الأهالي والتضييق عليهم عهد إبراهيم عبدالهادي الذي اشتهر بالعسكري الأسود للتعذيب الذي فاق في عهده ضد خصومه السياسيين الوصف.
اتسمت المعلومات الرسمية التي تركها نظام عبدالناصر وعلاقته بجماعة الإخوان المسلمين بالكثير من الكذب والتدليس سواء منه شخصيا في خطبه أو أحاديثه، أو من طبقة المثقفين الذين أفسح لهم المجال في عهده فسيطروا على جوانب الثقافة والإعلام خاصة الشيوعيين والكارهين لكل مظاهر مصر الإسلامية، حتى شهد الجميع دون استثناء بأن عهد عبدالناصر كان عهدا ظلاميا عاد بالبلاد سنوات طويلة من التخلف والتبعية.
عبدالناصر والإخوان
لم تشهد أى علاقة تاريخية بهذا الكم من الإلتباسات والأحداث كما شهدت علاقة جمال عبدالناصر بالإخوان المسلمين فمن عضو مبايع لها إلى أشد من هاجمها وعذب واعتقل بل وأعدم قادتها. وظلت هذه العلاقة مثار اهتمام العديد ليس الباحثين والكتاب وفقط بل وعموم الناس أيضاً وكتب العديد من الكتب والدراسات التي تتناول هذه العلاقة التاريخية بين منكر لهذه العلاقة أو متحامل على طرف دون الآخر.
ويحاول الشيوعيين وأتباع الحكم العسكري والديكتاتوريين في العالم العربي أن ينفوا انتساب عبدالناصر بجماعة الإخوان المسلمين، مع العلم أنه اعترف بالتحاقه بهم، بل واعتراف كثير من أقرانه الضباط الأحرار ومنهم خالد محي الدين وكمال الدين حسين وعبد اللطيف البغدادي وغيرهم الكثير.
وسواء كان انتسابه لهم انتسابا كاملا أو انتسابا جزئيا يخص التعاون بينهما على مجابهة الفساد المستشري في البلاد، أو انتسابا لمسايرتهم حتى يصل لبغيته، لكنه في النهاية كان واحد في التنظيم العسكري للإخوان تحت قيادة الصاغ محمود لبيب وعبدالمنعم عبدالرؤوف، وانخرط معهم في تنظيم واحد، حيث ظلت هذه العلاقة حتى حلت الجماعة في 8 ديسمبر 1948م ثم اعتقال قادتها واستدعاء ابراهيم عبدالهادي باشا لعبد الناصر وإنذاره بالبعد عن الإخوان، حيث استجاب خشية بلوغ الأذى له من قبل السلطة.
لكن بعدما عادت الجماعة وانتخبت مرشدا جديدا بدأ فصل جديد من العلاقة والترتيب لحدث جلل يسعى له شباب الضباط بقوة وهو عمل انقلاب عسكري يضمن لهم النجاح، لكنهم كانوا في حاجة ماسة لفصيل شعبي قوي يساند حركتهم.
لم يلجأ الضباط لحزب الوفد (رغم قوته الشعبية بسبب الفساد الذي كان ينخر في جنباته، وتعاونهم الوثيق مع المحتل الإنجليزي) ولذا وجدوا بغيتهم في جماعة الإخوان صاحبة الشعبية الكبرى والوطنية التي لا تخفى على أحد وتضحياتهم من أجل أوطانهم، وسريتهم في التعامل.
وبالفعل بدأت الاستعدادت للحدث المهم وهو ثورة عسكرية شعبية زلزلت أركان الحكم الملكي وأطاحت به يوم 23 يوليو 1952م. لكن ما إن نجحت الحركة وقبل الشعب المغلوب على أمره بها، وعاش في أحلامه بالتغيير والرخاء الذي قد يعم البلاد، حتى واستيقظ على كابوس مرعب من الصراع على السلطة بين أقطاب الجيش، حتى عاشت البلاد فوضى لمسها الجميع.
لكن الفصيل الأقوى في الجيش والمسيطر على معظم مفاصله، وبتغاضي القوى المدنية والشعبية عما يقوم به استطاع أن يسكت الصوت الأخر من رفاقه بالجيش بل ويزج بهم في محاكمات عسكرية ومعتقلات في ظل صمت أفراد الجيش كلهم الذي كان يحلم كل واحد منهم بحياة جديدة كلها سلطة وقوة مع النظام الجديد الذي أخذ يبنيه عبدالناصر.
كل ما سبق يلخص أن جماعة الإخوان المسلمين لم تعد لها دور في ثورة يوليو أو نظامها الجديد والذي يديره عبدالناصر الساعي لبناء حكم فردي ذاتي لنفسه. وهو ما يوضح أسباب الصدامات المتتالية بين الإخوان ومجموعة عبدالناصر خاصة. حيث لم يكن بين الإخوان وأفراد الجيش أى حساسية، لكن كان الصراع مع عبدالناصر ورفاقه في مجلس قيادة الثورة الذي وصفهم محمد نجيب بقوله: "عزلنا ملك واحد فحكم ثلاثة عشر ملك من بعده" تعبيرا عن حكم مجلس قيادة الثورة.
شهدت العلاقة كثير من التجاذبات بين الطرفين انتهت بحل الجماعة ثم افتعال حادثة خاصة بعبد الناصر دون رئيس الجمهورية أو أحد من مجلس قيادة الثورة، لأهداف كان عبدالناصر قد خطط لها وأعدها والتي استغلها عبدالناصر في توجيه ضربات في اتجاهات متعددة سواء بعزل نجيب أو القضاء على الإخوان سواء بالحبس أو الاعدامات أو اسكات النقابات، أو السيطرة على العمال، أو وأد الديمقراطية في مهدها، أو السيطرة على المؤسسات الدينية والجامعات، حتى وصل أن حقق عبدالناصر ما كانوا يرنوا إليه بالضغط على زر فيحرك البلاد وأخر فيوقفها. (1)
ماذا قال عبدالناصر ورفاقه عن الإمام البنا؟
كانت بداية معرفة عبدالناصر بالإمام البنا عن طريق الضابط عبدالمنعم عبدالرؤوف الذي انضم إلى الإخوان في وقت مبكر، حيث بدأت علاقة بعض الضباط تتسع بالإخوان بعد حادثة حصار الجيش الإنجليزي لقصر عابدين في 4 فبراير 1942م مخيرين الملك بين قبول العزل والنفي أو إسناد الحكم لحزب الوفد، حيث شعر الضباط المصريين من الطبقة الوسطى أمثال عبدالمنعم عبدالرؤوف ومعروف الحضري وعبدالناصر والسادات وغيرهم بالإهانة وقلة الحيلة، ولذا سعوا لتشكيل تنظيم بين صفوف الضباط الوطنيين لإحداث تغيير جوهرى.
انضم عبدالناصر للكثير من الأحزاب والحركات غير أنه وجد أن الإخوان هم أفضل فصيل وأقواه لتحقيق ما يرنوا له، ولذا وطدت علاقته به، والتقى بالإمام حسن البنا مرشد الجماعة. كان الإمام البنا يلقى العديد من المحاضرات في المناسبات الإسلامية بين صفوف الجيش والذي تأثر به كثيرا منهم وأعجبوا به وبجماعته، وهو ما مهد الطريق أمامهم، بل حرص بعضهم على ارتياد المركز العام لحضور درس الثلاثاء.
تأثر عبدالناصر بشخصية البنا وبقوة تأثيره في الناس سواء داخل مصر أو خارجها، ولذا حرص على عدم التعرض له في حياته أو بعد مماته، حتى لا يخسر أتباعه في مصر أو خارج مصر، وهو ما يفسر عدم تعرض عبدالناصر بالهجوم على الإمام البنا.
حتى أنه تحدث عنه في أكتر من مناسبة بعد نجاح الثورة بقوله: إخوانى:
- إننى حينما أقف اليوم للاحتفال بذكرى الشهيد حسن البنا، فى هذا اليوم الذى يذكرنا بالتاريخ الطويل.. بالماضى القريب لا الماضى البعيد. إننى أذكر هذه السنين والآمال التى كنا نعمل من أجل تحقيقها.. أذكرها، وأرى بينكم من يستطيع أن يذكر معى هذا التاريخ وهذه الأيام.
- وأذكر فى الوقت نفسه الآمال العظام التى كنا نتوخاها، ونعتبرها أحلاماً بعيدة، نعم أذكر فى هذا الوقت، وفى هذا المكان كيف كان حسن البنا يلتقى مع الجميع ليعمل الجميع فى سبيل المبادئ العالية، والأهداف السامية، لا فى سبيل الأشخاص ولا الأفراد ولا الدنيا.. وأشهد الله أنى أعمل - إن كنت أعمل - لتنفيذ هذه المبادئ، وأفنى فيها، وأجاهد فى سبيلها. (2)
وكتب الصاغ صلاح سالم (عضو مجلس قيادة الثورة):
- إن هذه الأخلاق العالية والصفات الحميدة قد اجتمعت وتمثلت فى شخص أستاذ كبير، ورجل أحترمه وأجله، واعترفَ بفضله العالم الإسلامى كله، وقد أحبه الجميع من أجل المثل العليا التى عمل لها والتى سنسير عليها إلى أن يتحقق لنا ما نريده من مجد وكرامة فى أخوة حقيقية وإيمان أكيد، رعاكم الله ووحد بين قلوبكم وجمع بينكم على الخير. (3)
وهذا كلام السادات والذي يتحدث عن لقائه بحسن البنا وانبهاره به، ويصفه بما لم يصفه به بعض أتباعه فيقول:
- كان فى سمات هذا الرجل كثير مما يتسم به رجال الدين: عباءته، ولحيته، وتناوله شئون الدين بالحديث. ولكنه بعد ذلك كان يختلف عنهم فى كل شىء، فليس حديثه هو وعظ المتدينين، ليس الكلام المرتب، ولا العبارات المنمقة، ولا الحشو الكثير، ولا الاستشهاد المطروق، ولا التزمت فى الفكرة، ولا ادعاء العمق، ولا ضحالة الهدف، ولا الإحالة إلى التواريخ والسير والأخبار. كان حديثه شيئًا جديدًا، كان حديث رجل يدخل إلى موضوعه من زوايا بسيطة، ويتجه إلى هدفه من طريق واضح، ويصل إليه بسهولة أخاذة. وكان هذا الرجل هو المرحوم الشيخ حسن البنا مرشد الإخوان المسلمين. (4)
غريب أن لا يهاجم عبدالناصر البنا
رغم الهجوم الضاري من عبدالناصر ضد الإخوان خلال فترة حكمه ومن بعده الشيوعيين والناصريين، إلا أنه لم يهاجم الإمام حسن البنا أو فكره أو مبادئه، وصب كل هجومه على الجماعة عموما وأفرادها عامة وعلى مرشدها الثاني المستشار حسن الهضيبي خاصة. وذلك يرجع (لربما) بسبب مكانة حسن البنا في مصر وخارجها مما جعله يتجنب الصدام مع محبي الإمام حسن البنا.
أو لربما لقرب استشهاد الإمام حسن البنا (1949م) وهو الذي ترك سيرة ومسيرة محفورة في أذهان من عايشوه والذين كان معظمهم على قيد الحياة بما فيهم عسكريين، وكان من الصعب أن يفتري عليه كذبا أو يتهمه أو يشوهه (رغم امتلاكه القوة والسلطة) لأن الجميع لم يكن ليصدق ما يقوله عن الإمام حسن البنا، خاصة وأن عبدالناصر كان يمتدح الإمام البنا من وقت قريب بكل صورها وفي كل مناسبة قبل أن يصطدم مع الإخوان أواخر عام 1954م.
بل إن محمد نجيب وجمال عبدالناصر وعدد من مجلس قيادة الثورة حضر احتفال الإخوان بالمولد النبوي في المركز العام يوم 30 نوفمبر 1953م حيث ألقى محمد نجيب كلمة استهلها بمطالبة الحضور قراءة الفاتحة على روح حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان، ثم استعرض الدروس المستفادة المأخوذة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، مشددًا على أن منهجه في الحكم سيكون القرآن الكريم.
بل إنه زار قبر الإمام البنا في فبراير عام 1954 وقت أن كان المرشد الثاني الهضيبي في السجن، مع أن عبدالناصر لم يُذكر عنه أنه زار قبر أحد غير البنا حتى من رفاقه. (5)
لكنه كان دائما يراقب بيت الإمام حسن البنا وأولاده وإخواته، وحاول استقطاب من استطاع، أو تحييد من استطاع، أو أرغم بعضهم على الهجرة كعبد الباسط، أو اعتقال أحدهم كنوع من إرهاب العائلة كاعتقاله للشاب أحمد سيف الإسلام بن الإمام حسن البنا وتلفيق له القضايا.
لكن من الواضح أن عبدالناصر لم يهاجم حسن البنا في خطبه التي ذكره فيها، بل كان كل هجومه على جماعة الإخوان والمستشار حسن الهضيبي أو الشهيد سيد قطب والتي كان أكثرها كذب وأباطيل أراد بها عبدالناصر إظهار نفسه كبطل وكتغطية على وضع البلاد الداخلي والخارجي والذي وصل بانهيار البلاد وتركيعها في نكسة 1967م بسبب الفساد الذي استفحل في الجيش ومؤسسات الدولة.
إن العسكر إن خلا الإيمان من قلوبهم أفسدوا القرى، وأهلكوا الحرث والنسل، وعاثورا في الأرض فسادا، وأفسدوا على الناس دينهم.
المراجع
- سليمان حكيم: أسرار العلاقة الخاصة بين عبد الناصر والإخوان، مركز الحضارة العربية للإعلام والنشر، الجيزة، 1996م.
- كلمة البكباشى جمال عبد الناصر فى الاحتفال بالذكرى الخامسة لحسن البنا، ١٢/٢/١٩٥٤، أرشيف مكتبة الأسكندرية
- الدعوة: السنة الرابعة – العدد (157) – 12 جمادى الآخرة 1373هـ - 16 فبراير 1954م
- صحيفة الجمهورية: 12 ربيع الآخر 1373هـ - 19 ديسمبر 1953م.
- صلاح الدين حسن: جماعة في أزمـة حوارات مع قادة ومتمردون، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2011م.