مجلس الشورى المصري.. صراع الحزب الحاكم ضد نفسه

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجلس الشورى المصري.. صراع الحزب الحاكم ضد نفسه


2004-03-06

تحقيق- أحمد سبيع

مقدمة

الإخوان: المجلس دون صلاحيات ولا يستحق ضريبة المنافسة عليه.

الأستاذ التلمساني رفض أن يكون أول رئيس لمجلس الشورى .

السادات أراده خليطًا والرئيس مبارك منحه صلاحيات لتقويته عند الجماهير.

الوفد: يرفع شعار "الوجود في البيت السياسي أفضل من لا شيء" .

مرشحو "الوطني" الحاكم يعتبرونه طريقهم لمجلس الشعب والسلطة!!

بدأت يوم الأربعاء 20042/6/م المرحلة الثانية مع انتخابات مجلس الشورى المصري، وقد انتهت يوم الأحد 23 مايو الماضي الجولة الأولى من انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى المصري، وهي المرحلة التي خيَّم عليها فتورٌ تامٌّ وعدم اهتمام من الشارع المصري، سواء السياسي أو الشعبي، وخلت الساحة أو كادت لمرشحي الحزب الوطني ومنافسيهم من المنشقِّين عن الحزب ذاته، ووصل عدد المتنافسين 471 متنافسًا على 88 مقعدًا ليس لأحزاب المعارضة فيها سوى 5 مرشحين لحزب الوفد، باعتباره الحزب المعارض الوحيد الذي أصرَّ على المشاركة في هذه الانتخابات.

أما المرحلة الأولى التي بدأت الأحد الماضي فقد تنافس فيها160 مرشحًا على 32 مقعدًا في 21 دائرة انتخابية في ثماني محافظات مصرية، وقد استبق الحزب الوطني الحاكم هذه الجولة بقرارات ربَّما يرجع عنها فيما بعد بفصل 180 من أعضائه الخارجين عن الالتزام الحزبي من عضوية الحزب، بعد قيامهم بمخالفة قرار المجمع الانتخابي وترشيح أنفسهم مستقلِّين ضد المرشحين الذين وقع عليهم اختيار المجمعات بالمحافظات، وقد شملت هذه القرارات بعض قيادات الحزب الذين يساندون المرشحين المنشقِّين، فيما أعلنت وزارة الداخلية المصرية أن الشرطة لا تتدخَّل في سَير العملية الانتخابية والتي يشرف القضاء على كافة لجانها العامة والفرعية، وتكتفي الشرطة بتأمين اللجان، وإعداد المقارِّ الانتخابية للتسهيل على المواطنين في عملية الإدلاء بأصواتهم!!

ورغم كونه مجلسًا استشاريًّا إلى حد كبير إلا أن أعداد المرشحين لانتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى عكست مدى حرص قطاع بعينه على خوض هذه الانتخابات، ومن خلال قراءة سريعة في أوراق المرشَّحين نجد أن المنافسة في الشورى تنحصر بين الحزب الوطني والمنشقِّين عنه، بالإضافة لمناوشات خفيفة لمجموعة من المستقلِّين الحقيقيين ومعهم مرشَّحو حزب الوفد، إلا أنه أيضًا بمقارنة جو انتخابات الشورى الحالية أو التي شهدتها مصر منذ ثلاث سنوات فسوف يتبين أنها بالعكس تمامًا من الانتخابات البرلمانية، وخاصة التي شهدتها مصر في أكتوبر 2000م.

فأجواء الشورى هادئة وفاترة على المستوى الشعبي، بينما هي ملتهبة جدًّا على مستوى المرشَّحين، وهو ما دفع الحزب الوطني إلى اتخاذ قرار صارم بفصل كل المنشقِّين عن الحزب ورشَّحوا أنفسهم للانتخابات، كما تعكس أعداد المرشحين والذي وصل عددهم قبل إعلان نتيجة الطعون إلى 541 مرشَّحًا في 24 محافظة يعكس هذا العدد سخونة المنافسة بين المرشَّحين أنفسهم، خاصةً وأن لجنة الطعون لم تستبعد سوى 70 مرشحًا، أي أن العدد النهائي الذي سيخوض الانتخابات هو 471 مرشحًا على 116 مقعدًا في 67 دائرة؛ مما يطرح تساؤلاً هامًّا وهو: إذا كان الشعب- وهو القاعدة الانتخابية- لم يهتم بانتخابات مجلس الشورى، ويتعامل مع هذا المجلس نفسه باعتبار أنه ليس موجودًا من الأساس، فلمَ هذا الصراع على مقاعد مجلس العائلة، كما يحب أن يطلق عليه المتابعون للحياة السياسية والبرلمانية؟!

البعض يرى أن الحصانة البرلمانية التي يمنحها القانون لأعضاء مجلس الشورى ربما كانت هي السبب في هذا الصراع، بينما يرى البعض الآخر أن مقعد الشورى هو بوابة الدخول لقبَّة مجلس الشعب، وبدلاً من أن يظل عضو الشورى صاحب حصانة فقط فسيأتي اليوم الذي يكون فيه صاحب حصانة وسلطة رقابية وتشريعية فقط.. فريق ثالث يرى أن ترشيحات مجلس الشورى مرتبطة إلى حد كبير بتربيطات مجلس الشعب، خاصة في الأماكن التي بها أكثر من عائلة لها ثقلها، وفي هذه الحالة يلجأ الحزب الوطني إلى إرضاء كل عائلة على حسب قوتها ونفوذها.

ضعف

وإن كانت الأسباب السابقة مرتبطةً بالحزب الوطني تحديدًا.. فإن الأحزاب المعارضة لا تهتم كثيرًا بانتخابات مجلس الشورى، باستثناء حزب الوفد الذي يصرُّ على خوض كل انتخاباته، وكما يقول قادة الحزب فإن من أهم الأسباب التي تدفع الوفد للمشاركة في هذه الانتخابات هي قناعتهم أن الوجود في البيت السياسي مهمٌّ حتى ولو كان على عتبة السلم، وليس شرطًا أسياسيًّا أن يكون الحزب داخل المطبخ نفسه، وحتى لو كانت نتيجة انتخابات الشورى شبه محسومة لصالح مرشحي الحزب الوطني بنسبة 99.9%؛ لأنه منذ بدأت التجربة الحزبية الحديثة في مصر قبل ربع قرن لم يستطع أي حزب معارض أن يكون منافسًا حقيقيًّا للحزب الوطني سوي مرشحي جماعة الإخوان المسلمين، بل إن الأحزاب المصرية مجتمعة لم تسطع أن تمثل تهديدًا له، ودليل ذلك أنها لم تحصل مثلاً في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة إلا على 16 مقعدًا تقلصت إلى 12 مقعدًا حاليًا، منهم 4 لحزب الوفد نفسه، بينما حصل مرشَّحو الإخوان- رغم التضييق والاعتقال- على 17 مقعدًا تقلصت إلى 15 مقعدًا بعد مهزلة إبطال عضوية النائب الدكتور جمال حشمت والنائب عزب مصطفى.

وإن كانت المنافسة والصراعات بين المرشحين ساخنةً ووصلت إلى حد التقدم ببلاغات ضد بعضهم في النيابة العامة، واستخدام أساليب يشوبها الكثير من العنف والبلطجة لإجبار بعض المرشحين على التنازل والانسحاب من الانتخابات، فإنه- وكما سبق أن أشرنا- تبدو الحالة الانتخابية وسط الشعب فاترةً وليس لها طعم، وهو ما أرجعه المتابعون والمراقبون إلى النظرة السلبية التي ينظر بها المصريون إلى هذا المجلس، والاعتقاد بأنه عديم الصلاحيات أو ضعيفها، وهذا الاعتقاد يجدُ له أساسًا في نصوص الدستور المصري والقوانين التي تنظِّم عمل هذا المجلس؛ فقد استحدث الرئيس الراحل أنور السادات هذا المجلس في إطار تعديل دستوري تم عام 1980م، وكان الرئيس السادات يصِف هذا المجلس بأنه مجلس العائلة، وكان يريد أن يضم هذا المجلس الكبراء والخبراء في المجالات المختلفة؛ ولذلك حرص على اختيار ثلث أعضاء المجلس بالتعيين وليس بالانتخاب.

وكان السادات يريد أيضًا نقل تجارب الدول الكبرى، التي يقوم نظامها البرلماني على نظام المجلسين، مثل مجلسي النواب والشيوخ في أمريكا، ومجلسي العموم واللوردات في بريطانيا، كما أن السادات حرص على تسمية المجلس الجديد باسم مجلس الشورى؛ ليصبغ عليه مسْحةً دينيةً تتمشَّى مع طريقة تفكير الرئيس السادات في ذلك الوقت، حتى إنه قد عرض على الأستاذ عمر التلمساني أن يتولَّى منصب أول رئيس لمجلس الشورى، إلا أن المرشد الثالث للجماعة رفض العرض، مؤكدًا أنه عرضٌ لن يخدم الدعوة والجماعة.

وكان هذا في الوقت الذي حدد الرئيس السادات اختصاص المجلس بدراسة واقتراح ما يراه كفيلاً بالحفاظ على مبادئ ثورتَي 23 يوليو سنة 1952م و15 مايو 1971م، ودعم الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي، وحماية تحالف قوى الشعب العاملة والمكاسب الاشتراكية والمقومات الأساسية للمجتمع وقيمه العليا والحقوق والحريات والواجبات، وتعميق النظام الاشتراكي الديمقراطي وتوسيع مجالاته (المادة 194 من الدستور)، وهكذا جمع المجلس بين كل المتناقضات من إسلامية واشتراكية وناصرية وليبرالية، وإلى جانب هذه المهمة فقد نصت المادة 195 من الدستور على أن يؤخذ رأي مجلس الشورى فيما يلي:

الاقتراحات الخاصة بتعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور.

مشروعات القوانين المكملة للدستور.

مشروع الخطة العامة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية.

معاهدات الصلح والتحالف وجميع المعاهدات التي يترتب عليها تعديل في أراضي الدولة أو التي تتعلق بحقوق السيادة.

مشروعات القوانين التي يحيلها إليه رئيس الجمهورية.

ما يحيله رئيس الجمهورية إلى المجلس من موضوعات تتصل بالسياسة العامة للدولة أو بسياستها في الشئون العربية أو الخارجية، ويبلِّغ المجلس رأيه في هذه الأمور إلى رئيس الجمهورية ومجلس الشعب.

وهكذا يتضح من النص الدستوري أن المجلس ليس له رأيٌ ملزم، بل هو مجرد رأي استشاري مثل المجالس القومية المتخصصة، وهذا هو ما ولَّد ذلك الانطباع السلبي لدى المواطنين عن هذا المجلس.

وإزاء هذا الانطباع وانصراف اهتمام المواطنين عن المجلس، وفي محاولة لتقوية الدور التشريعي للمجلس اتخذ الرئيس مبارك عدة قرارات لتقوية وضع المجلس ومكانته بين الجماهير والسياسيين، وكان من هذه القرارات إحالة العديد من مشروعات القوانين لمجلس الشورى قبل مناقشتها في مجلس الشعب بخلاف مشروعات القوانين المكملة للدستور، وفي مقدمتها مشروع الموازنة العامة للدولة منذ السنة المالية 199897/م، بالإضافة للعديد من الموضوعات التي طالب رئيس الجمهورية دراستها مثل الجات- التعليم الأساسي - الصحافة- ومشروع تحديث مصر، كما شملت القرارات الرئاسية حق نواب مجلس الشعب في تقديم طلبات المناقشة العامة كما يحدث مع أعضاء مجلس الشعب لاستيضاح سياسة الوزارة بشأنه وتبادل الرأي فيه، كما منحهم حق تقديم الاقتراح برغبة؛ حيث تنص المادة 130 من الدستور على أنه: "لأعضاء مجلس الشعب- وبالمثل أعضاء مجلس الشورى- إبداء رغبات في موضوعات عامة إلى رئيس مجلس الوزراء أو أحد نوابه أو أحد الوزراء.

هذا بالإضافة إلى إحالة جميع مشروعات القوانين عليه لدراستها قبل عرضها على مجلس الشعب لإقرارها، وجاء هذا القرار في أعقاب عدة أحكام للمحكمة الدستورية العليا بإبطال بعض القوانين السارية؛ لأن بعضها لم يُعرَض على مجلس الشورى لأخذ رأيه مثل قانون الجمعيات الأهلية الذي ناقشه مجلس الشعب عام 1998م ثم قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستوريته؛ لأنه لم يعرض على مجلس الشورى، فأعادت الحكومة القانون مرةً أخرى لمجلس الشعب عام 2002م والذي أحاله لمجلس الشورى الذي وافق عليه ليكتمل الشكل الدستوري للقانون قبل مناقشته في مجلس الشعب.

كما أحاط الدستور المجلس وأعضاءَه بكثير من الضمانات التي تمكِّنهم من أداء واجباتهم، ومن أهمها أنه لا يجوز حل المجلس إلا بقرار من رئيس الجمهورية وذلك في حالة الضرورة، ويجب أن يتضمن قرار الحل إجراء الانتخابات خلال ستين يومًا، وأن يجتمع المجلس الجديد خلال العشرة أيام التالية لإجراء الانتخابات، وأن يتمتع أعضاء المجلس بالحصانة البرلمانية، إذ لا يجوز اتخاذ إجراءات جنائية ضد أحد منهم إلا بإذن مسبَق من المجلس أو من رئيسه إذا كان الإجراءُ المطلوبُ اتخاذه في العطلة البرلمانية.

عزوف

من جانبه يرى الدكتور محمد حبيب- نائب المرشد العام للإخوان المسلمين- أن عزوف الجماهير أو الأحزاب والقوى السياسية عن انتخابات الشورى يرجع إلى عدم فاعلية هذا المجلس، وفيما يتعلق بالإخوان فإنه- كما يرى الدكتور "حبيب"- لا يستحق الضريبة التي سيدفعها الإخوان من اعتقالات وملاحقات وقضايا، كما هو الحال عند مشاركة الإخوان في أيِّ انتخابات، إضافةً إلى أن المجلس- كما يراه الإخوان- عديم الفائدة السياسية وليس له صلاحيات بعكس مجلس الشعب، مشيرًا إلى أن غرض الإخوان من خوض الانتخابات ليس مجرد الحصول على حصانة برلمانية بقدر ما هو محاولة التغيير، وهو ما لا يحدث في مجلس الشورى.

وأضاف نائب مرشد الإخوان أن المشكلة ليست في خوض انتخابات، سواء كانت "شعب" أو "شورى" وإنما في المناخ السياسي العام، وهل هناك رغبة لدى النظام المصري للقيام بمزيد من الإجراءات السياسية الديمقراطية التي تخلق جوًّا سياسيًّا صحيًّا أم لا؟! موضحًا أنه رغم كثرة دعوات الإصلاح السياسي التي يرددها النظام المصري فإن أجهزة الأمن المصرية اعتقلت حوالي 60 عضوًا من أعضاء الجماعة خلال الأيام الماضية وبتهم عجيبة، أغربها دعم القضية الفلسطينية والعراقية، وهو الإجراء الذي يؤكد أن ما يقال عن الإصلاح السياسي هو مجرد استهلاك إعلامي، أو أنه للتصدير للغرب فقط.

وأشار نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين إلى أن هذه الأسباب وغيرها هي التي تدفع الجماهير والأحزاب المعارضة إلى العزوف عن انتخابات مجلس الشورى.

المصدر