من بيت للتائبات إلى إدارة أوقاف الإسماعيلية
مقدمة
الإخوان المسلمون جماعة إسلامية إصلاحية تربوية تسعى إلى نشر المفاهيم الصحيحة للإسلام وتطبيق شرائعه التطبيق الحقيقي الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الحفاظ على كينونة ونسيج المجتمع مما يراد به من الانغماس في الشهوات والملذات وتدمير المرأة والأسر المسلمة. ومن أجل ذلك حارب الإخوان أول ما حاربوا جميع الفواحش التي نهى الله عنها وانتشروا في المجتمع يعرفونهم شرع الله في هذه الأمور التي ظن الناس أنها أمور طبيعية تجلب لبعضهم المال، ولا يعاقب عليها القانون في ذلك الوقت.
إعجاز التشريع الإسلامي في مُحاربة الزنا
"مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ" "الأنعام:38" فكل شيء مثبوت ومحفوظ في كتاب الله سبحانه وواضح وضوح الشمس للجميع لا لبس فيه ولا غموض. ومنذ نزل آدم عليه السلام وزجته وشرائع الله واضحة في الزنا وغيرها من الموبقات بأنها حرام حتى لا تختلط الأنساب ويستقيم المجتمع
يقول الدكتور محمود نجا - أستاذ في كلية طب المنصورة:
- ظن كثير من أهل الشهوات في زماننا أنهم أحرار في عقولهم وأجسادهم يتصرفون فيها بما تمليه عليهم شهواتهم، فانطلقت أعيُنهم الحائرة تبحث عن فرائسها كما لو كانت في الغابات، فانتشرت الفواحش من زنا ولواط وسُحاق وتحرشات جنسية ربما وصلت إلي الاغتصاب أو القتل. وفي سعيهم للحرام أبغضوا الحلال، فالزواج عندهم مقيد للحريات، والعفة وستر العورات عندهم رجعية لا تواكب العصر، ولا فرق بين الرجال والنساء في الملبس أو التصرفات، ولم يعد للمحارم عندهم وزن، ولا احترام للأنساب.
وقد أخبرنا النبي صلي الله عليه و سلم بوقوع وشيوع هذا البلاء العظيم فقال فيما رواه أنس بن مالك: " لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِن رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، لا يُحَدِّثُكُمْ به أحَدٌ غيرِي؛ سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: إنَّ مِن أشْرَاطِ السَّاعَةِ أنْ يُرْفَعَ العِلْمُ، ويَكْثُرَ الجَهْلُ، ويَكْثُرَ الزِّنَا، ويَكْثُرَ شُرْبُ الخَمْرِ، ويَقِلَّ الرِّجَالُ، ويَكْثُرَ النِّسَاءُ حتَّى يَكونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً القَيِّمُ الوَاحِدُ" (البخاري).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق فيكون خيارهم يومئذ من يقول لو واريتها وراء هذا الحائط" (صحيح).
ولم يكتف التشريع الإسلامي بالإخبار عن وقوع هذا البلاء وفقط، بل وكعادته وضع العلاج بشكل مُعجز يتفوق علي كل تشريعات القانون الوضعي البشري الصنع حيث حرم الفواحش منها وجميع ما يؤدي إليها وغلظ في التشديد فقال تعالى:"الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ" "النور:2".
وقال تعالى مشددا على من يرمي المحصنات بالباطل حتى لا يجرؤ أحد على قذف العفيفات من أجل إشاعة الفاحشة:"وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا" "النور:4". ولهذا جاء التشريع الإسلامي بالتحريم لصيانة الأسرة والمجتمع والأفراد. وهو ما عمل به الأستاذ حسن البنا وجماعة الإخوان المسلمين وجميع المصلحين والعلماء في هذا الزمان. (1)
البغاء والدعارة في ظل المحتل الغربي
يعد الميل بين الرجل والمرأة شيء فطري فطر الله الناس عليه، حيث وجد بوجود الإنسان على الأرض، وحدده الله بشرائع تحميه في إطار زواج شرعي، غير أن بعض الناس خرج عن شرائع الله وكفر بها فاستحل الحرام وأطلق العنان لنفسه للتمتع بالحرام من النساء.
وحينما كثر الناس مورس البغاء تحت مسميات كثيرة، أو من أجل العائد الذي كان يحصل عليه الحاكم من هذه المهنة على مر العصور، وهو ما جعله من الكبائر في شرائع الدين الإسلامي (كما أوضحنا).
كان البغاء منتشر على صور عدة في مصر وجميع الدول حيث استمر حتى وصل الغزو الفرنسي مصر عام 1897م فسعى لتوفير المتعة لجنوده من النساء المصريات والأجانب تحت إشراف طبي خوفا من انتشار الأمراض بين جنوده، فاصدر قرارات بتخصيص بعض المساكن في منطقة اسمها (غيط النوبي) المجاور لحي الأزبكية كمنازل للبغاء للترفيه عن عساكر الجيش
كما أصدر محمد علي فرمان بتجريم ممارسة الدعارة في القاهرة عام 1837م إلا أن الأمر زاد بعد توجه كثير من النساء المحررات من الرق في دولة المماليك إلى الدعارة ليتعايشوا منها بعد صدور قانون إلغاء الرق في العالم سنة 1877م.
ومع قدوم المحتل البريطاني عام 1882م سن التراخيص لممارسة هذه الرذيلة للترفيه عن جنود لكن مع التشديد على تنظيم عملية الدعارة فلا يتم إعطاء الرخصة إلا بعد الكشف علي المومس في المستشفيات الحكومية وإثبات أنها سليمة غير حاملة لأي مرض. كمستشفى الأمراض الجلدية والتناسلية في منطقة الحوض المرصود بالسيدة زينب.
وكان وسط العاصمة أكثر الأماكن مخصصة لبيوت الدعارة، بالإضافة لجميع عواصم المحافظات بل والقرى. ومع زيادة الوعي الديني نفر الناس من أشكال الدعارة مما اضطرهن لتغيير صورة تحت مسمى الفن في الكازينوهات والكباريهات. لكن مع ظهور الجماعات الدينية كالإخوان المسلمين وأنصار السنة والجمعية الشرعية تنمى الوازع الديني وحدا بالأزهر الشريف لمحاربة الدعارة بجميع صورها مما اضطر الحكومات على محاولة وقف تراخيص البغاء العلني. (2)
الإخوان والبغاء
ترتكز الدول على العديد من القواعد المتلاحمة كالقاعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها، لتحديد مدى قوة وتماسك الدولة. ومصر ظلت تتعرض لهزات كثيرة في هذه القواعد حتى يومنا هذا، سواء كان يحكمها محتل أجنبي أو أبناء الوطن التابعين للمحتل الأجنبي. ولذا لا نستطيع أن نغفل الظواهر الاجتماعية التي تفشت فى المجتمع المصري في العصر الحديث كالتبشير والانحلال الخلقي والسفور وما يسمي بتحرير المرأة والبغاء.
وصل الحال إلى أن كثرت بيوت الدعارة والاتجار بالقاصرات كثرة بالغة حتى صارت مصر مركزًا مهمًا من المراكز الدولية لتجار الرقيق الأبيض الذين يجلبون البغايا من مختلف الأقطار، ويبقون في مصر من يستطيعون إبقاءهن ويبعثون بالبقية إلى مختلف الجهات، حتى جاء في تقرير صادر عن عصبة الأمم في صيف 1927م وفي القسم الخاص بمصر ما يلي: "لقد ثبت أن الديار المصرية عبارة عن سوق بغاء عظيمة للنساء والفتيات من جميع الأجناس، ولا سيما موسم السياحة في وقت الشتاء" (3)
وانطلاقا من شرائع الدين وحفظ كيان المجتمع أخذت جماعة الإخوان المسلمين (منذ نشأتها الأولى) على عاتقها محاربة البغاء بكل الوسائل المشروعة عن طريق كتابة المقالات أو إلقاء الكلمات في المساجد والأندية العامة والتوعية بخطر البغاء وضرره على الفرد والأسرة والمجتمع، أو برفع المذكرات إلى أولي الأمر يبصرونهم بحكم الله في البغاء. وليس ذلك فحسب بل قدم الإخوان حلولاً عملية وجذرية لهذه المشكلة بتأسيس الملاجئ ودور للتائبات.
ظل الإخوان بالضغط على المسئولين حتى صد قرار عام 1935م بعدم الترخيص مجددا للبغاء. بل قصد وفدًا من الإخوان السراي الملكية - وكان على رأسهم المرشد العام – وقدموا عريضة للملك يطالبون فيها بإلغاء البغاء الرسمي والسري، وتحريم الخمر، ومحاربة السفور والإباحية، كما طالبوا بتحريم المقامرة، وسن قانون يمنع الربا، كما طالبوا بالعناية بالتعليم والمساجد. (4)
كما وقف الإخوان مع من تعلن توبتها من هؤلاء النسوة عن البغاء السري مطالبين الحكومة بتوفير العيش الكريم لهن حتى لا يعدن مرة أخرى له. وعندما طالب النحاس باشا الإمام البنا بالتنازل عن الترشيح في انتخابات عام 1942م ووافق الإمام البنا على ذلك، واشترط على النحاس باشا بعض الشروط، والتي كان منها إلغاء البغاء، ووافق النحاس، وتحمس لذلك وزير الشئون الاجتماعية عبد الحميد عبد الحق.
وأتت جهود المخلصين ثمارها ففي يوم 20 فبراير عام 1949 أصدر الحاكم العسكري العام في مصر أمرا بإغلاق جميع بيوت الدعارة في البلاد، بالأمر العسكري رقم 76، بعد ان استطاع الوزير جلال فهيم وزير الشئون الاجتماعية إلغاء البغاء بقرار رسمي، ونص القرار على المعاقبة بالحبس ستة أشهر كل من عاون أنثى على ممارسة البغاء. (5)
الإخوان وبيت التائبات
لم يكتف الإخوان بمحاربة البغاء عبر الخطابة أو الكتابة لكنهم بادروا بالعمل من أجل أن يقدموا نموذج عمليا في كيفية ثني النساء عن الاستمرار في طريق البغاء عن طريق توفير حياة كريمة لهن، مع تزويج من ترغب منهن بموافقة من يريد الزواج منها.
حيث يصف الأستاذ عبدالرحمن حسب الله كيف جاءت الفكرة وتم تنفيذها بقوله:
- عندما افتتح الإخوان مسجدهم في الحي الذي تنتشر فيه بيوت الدعارة نشر المسجد في الحي التعاليم الدينية، ورغب الناس في الإسلام، وابتعد الكثير عن الدعارة، مما دفع النساء العاملات في تلك البيوت من تكوين وفد منهن، وذهبن إلى الأستاذ البنا يشتكين له وقف الحال، وضيق الرزق حيث قل الطلب عليهن بعد تدين أهل الحي والتزامهم بالإسلام، فاقترح عليهن الإمام الشهيد أن يتبين، ويمتهن مهنًا شريفة، على أن يستأجر لهن مبنى مستقلاً تلتحق به كل من تتوب إلى الله تعالى وليس لها عائل، فتوافد عليه كثيرات ممن تاب الله عليهن.
- وقد كلف الإخوان الشيخ علي الجداوي لتولي شئون هذا الملجأ والإنفاق عليه، وترتيب الدروس الدينية لهن، وقد وفق الله الكثيرات منهن فتزوجن وأصبحن ربات بيوت صالحات، ومن لم تتزوج منهن تعلمت فن الخياطة والتفصيل، أو فن الطهي، أو تربية الأولاد، وكان لهذا العمل الجليل أكبر الأثر في نفوس المسلمين جميعًا من أهالي الإسماعيلية وغيرهم. (6)
استمر بيت التائبات يتابع شئون كل من أرادت أن تبتعد عن طريق البغاء وتتلمس طريق الحق حيث قام على شئونها إخوان الإسماعيلية بعد انتقال الإمام البنا إلى القاهرة في أكتوبر 1932م.
من بيت للتائبات إلى إدارة الأوقاف
ظل مسجد الإخوان المسلمين وبيت التائبات قائما في الإسماعيلية حتى قامت ثورة 23 يوليو وحدث الصدام مع الإخوان فسيطر عبدالناصر على ممتلكات الإخوان ومساجدهم. وفي عام 1974م غيرت الدولة اسم مسجد الإخوان إلى مسجد الرحمة وضمته للأوقاف كما تحولت دار التائبات لمقر إدارة أوقاف الإسماعيلية. (7)
وبذلك سيطرة الدولة على كل ممتلكات الإخوان التي أقمنها من أجل الفقراء والمحتاجين والمرضى والغريب أن الدولة لم تجد البديل لهم.
المراجع
- محمود نجا: إعجاز التشريع الإسلامي في مُحاربة الزنا و التحرش الجنسي بالردع و الوقاية
- الدعارة في مصر ، وأنظر أيضا ابراهيم الغربي ملك الرذيلة في مصر: 29 سبتمبر 2007
- جريدة الإخوان المسلمين: السنة الثانية، العدد 33 ، 6 رمضان 1353هـ - 20 ديسمبر 1934م، صـ15.
- جمعة أمين عبدالعزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، الكتاب الثالث، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2003م.
- أبو العربي مصطفى: دراسة حصرية: البغاء ودور الإخوان المسلمين في التصدي له، 10 فبراير 2019 ٍ
- مجلة لواء الإسلام: السنة 42، العدد 12، غرة شعبان 1408هـ - 19 مارس 1988م ، صـ27.
- مجلة لواء الإسلام: السنة 42، العدد 12، غرة شعبان 1408هـ - 19 مارس 1988م ، صـ27.