هل عجزت بريطانيا عن التنبوء بثورة يوليو 1952م
مقدمة
شهدت أوروبا في بداية العصر الحديث تطورا كبيرا غير مجرى طبيعة الحياة فيها حيث الثورة الصناعية التي كان لها تأثيرها الخطير على الحياة السياسية والاجتماعية بل والدينية في أوروبا والتي أهلتها لقيادة العالم في فترة بل وبسط نفوذها على معظم دول العالم خاصة بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وهو ما يعجز كثير من الباحثين عن تفسيره في كون بريطانيا مثلا دولة صغيرة وعدد جيشها – ناهيك عن سكانها – صغير ودخلت حربين عالميتين خسرت فيهما الكثير ومع ذلك بسط نفوذها على شعوب تعدى عددها نصف الكرة الأرضية
مما يوضح لك مدى الخلل والضعف والخيانة الذي أصاب هذه الشعوب وعلى رأسها الشعوب العربية والإسلامية التي استطاعت بريطانيا وحلفائها في الغرب أن يغرى بعض الأسر في الخروج على دولة الخلافة – خاصة بعدما اعتراها الضعف- والقتال جنبا لجنب مع الغرب ضد الدولة العثمانية.
لكن وكحال نواميس الكون من ولادة ضعيفة فقوة فضعف وانكسار وصلت بريطانيا وفرنسا لمرحلة الشيخوخة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى أن فرنسا احتلها الجيش الألماني في سويعات ولولا دخول قوة جديدة فتية وهى الولايات المتحدة الأمريكية الحرب العالمية الثانية أحسب أن بريطانيا وفرنسا كانا سيكونان في عداد الدول المحتلة وأمبرطوريتها في الشرق.
وهو أيضا ما يفسر بقوة عجز بريطانيا عن نصرة الملك فاروق حينما تحرك الجيش لخلعه وفرض الإرادة الأمريكية بالتغيير وتنصيب من تراه مناسبا لسياستها الجديدة وتأخر بريطانيا عن مقعد الصدارة كونها أصبحت وصيفة لأمريكا.
ثورة يوليو ثورة مفاجأة
إن دراسة كل ثورة تقتضي البحث عن أسبابها ومقدماتها، وما سبقها ومهد لها، حيث رصدت الوثائق البريطانية والأمريكية الأوضاع الداخلية المتدهورة في مصر قبل قيام ثورة 23 يوليو 1952، فالملك أصبح هو المسيطر على الأمور
وساعد ضعف الوزارة على التنبؤ بسقوطها، وهو ما حدث في 22 يوليو 1952، حيث عين نجيب الهلالي رئيسا لها. وقد عكست الوثائق البريطانية في هذه الفترة القلق من تذمر شباب الضباط داخل الجيش، وانخفاض شعبية الملك بينهم بسبب إصراره على تعيين ضباط حاشيته في المراكز المهمة في الجيش.
يقول عبد الرحمن الرافعي:
- "والرأي عندي أن مقدمات ثورة 23 يوليو سنة 1922 ترجع إلى سيرة الملك السابق فاروق في الحكم، فإن حكمه كان هو التمهيد للثورة، أما أسباب الثورة وبواعثها فترجع إلى أبعد من ذلك وأعمق، إذ هي تمتد إلى بدء الاحتلال البريطاني لمصر سنة 1882، لأن ثورة 23 يوليو هي قبل كل شيء ثورة على الاحتلال والاستعمار.
ومن ناحية أخرى فإن ترادف الحوادث منذ إلغاء معاهدة 1936 في 8 أكتوبر سنة 1951 كان يتطور نحو الثورة، فإن إلغاء هذه المعاهدة كان بداية مرحلة جديدة من كفاح الشعب ضد الاحتلال البريطاني، وكانت الحوادث تتدرج وتتدافع يومًا بعد يوم نحو الثورة" (1)
بريطانيا وعجزها عن التنبوء بحركة الجيش
كان واضحا أن بريطانيا لم تعد بالقوة التي كانت عليها حيث أنها لم تستطع التنبوء بحركة الضباط الجيش ضد الملك، حتى أن مخابراتها طمئنت الحكومة البريطانية حينما كلف الملك نجيب الهلالي باشا بتشكيل حكومة جديدة يوم 22 يوليو والتي لم تستمر 24 ساعة على حركة الجيش.
حيث يكشف عـــامر سـلطـــان في تقرير لبي بي سي نيوز عربي هذا العجز البريطاني بقوله: عندما تحرك ضباط من الجيش المصري لإسقاط النظام الملكي عام 1952، كان قد مر على احتلال بريطانيا لمصر سبعون عاما.
وتكشف وثائق بريطانية أنه رغم نفوذ بريطانيا، باعتبارها قوة احتلال، في الحياة السياسية، فإن حكومتها الامبراطورية في لندن فوجئت بالحركة التي تحولت إلى ثورة لقيت تأييد الشعب المصري، وأدت بعد 4 سنوات إلى رحيل بريطانيا عن مصر.
في صباح الأربعاء 23 يوليو - تموز عام 1952، أي قبل سبعين عاما أيضا، أطاحت مجموعة من ضباط الجيش المصري بقيادة اللواء محمد نجيب بالنظام الملكي ليحولوا نظام الحكم إلى جمهوري اشتراكي التوجه ويتغير مسار مصر والشرق الأوسط.
لم يسمع البريطانيون بالخبر إلا بعدما أعلن محمد أنور السادات، عضو حركة الضباط الأحرار، عبر بيان إذاعي مقتضب عن التحرك لإسقاط الملك فاروق ونظامه. وحسب الوثائق البريطانية، فإن لجنة الاستخبارات المشتركة كتبت تقريرا، قبل فترة قصيرة من حركة الضباط، يستبعد وقوع أي تحرك سياسي كبير يقلب الأوضاع في مصر.
ووفق التقرير، الذي أعد استنادا إلى مصادر مختلفة بعد أسابيع قليلة من حريق القاهرة الشهير يوم 26 يناير عام 1952، فإن فريق الشرق الأوسط في اللجنة "اعتقد أنه من المبكر جدا التنبؤ بشكل قاطع لا شك فيه بما سوف يحدث"، كما أبدى اطمئنانا إلى العلاقة بين الملك فاروق والمؤسسة العسكرية.
وجاء هذا التقدير رغم شيوع فضائح الفساد على أعلى المستويات في مصر، واضطراب سياسي كان من ظواهره تغيير الحكومة خمس مرات خلال الفترة من يناير - كانون الثاني وحتى أواخر يوليو - تموز عام 1952. ولم تدم واحدة من تلك الحكومات سوى 18 ساعة.
ومن بين أهم مهام لجنة الاستخبارات المشتركة، التي تتبع رئاسة مجلس الوزراء مباشرة، المتابعة الدقيقة للأحداث الدولية التي تؤثر على المصالح الوطنية في الخارج. التقرير الاستخباري البريطاني تنبأ قبل أسبوعين من تحرك الضباط الأحرار بأن الملك فاروق (لم يعد مسيطرا خاصة بعد ضلوعه في فضائح فساد.
وبحكم عضوية كبار المسؤولين من وزارات الخارجية والدفاع والداخلية التنمية الدولية والخزانة وشؤون مجلس الوزراء والقوات المسلحة فيها، فإن اللجنة تملك كل الإمكانيات لإعداد تقارير دقيقة تساعد صانع القرار على التحرك في الوقت المناسب حماية لهذه المصالح.
وكان من المفترض أن تنبه اللجنة، بحكم إمكانياتها وتركيبتها، إلى ما يحدث في مصر وتعد تقييما أدق عن التطورات خاصة بعد أحداث حريق القاهرة، وفضائح الفساد التي كانت حديث المصريين وسبب تململ واسع في الجيش. لم تؤد اللجنة مهمتها. لكن استخبارات البحرية البريطانية فعلت، ونبهت إلى أن الجيش ربما يقدم على شيء ما كبير.
ففي الثامن من يوليو - تموز، أي قبل تحرك الضباط الأحرار بخمسة عشر يوما، كتب قائد مكتب الاستخبارات البحرية في الشرق الأوسط، ومقره القاهرة، تقريرا إلى قيادته مستعرضا الأزمة المتفاقمة في مصر و"عدم قدرة الملك على السيطرة".
كانت فحوى التقرير عبارة عن
- "ملاحظات بشأن الوضع في مصر كتبه يوم السادس من يوليو - تموز ثلاثة من العاملين في مكتب الاستخبارات البحرية بعد إجراء مقابلات ونقاشات بشأن الوضع مع أشخاص مختلفين". واستعرض التقريرالأحداث السياسية في مصر في يوم 5 يوليو - تموز.
وكانت حكومة أحمد نجيب الهلالي، آخر رئيس وزراء قبل حركة الجيش، قد قدمت إلى الملك فاروق استقالة، وصفها التقرير بأنها "مفاجئة للبلاد والملك نفسه"، لأن الهلالي أصر بشدة على الرحيل. وقال معدو التقرير إنه "لم يعد يمكن افتراض أن الملك مسيطر بشكل كامل" على الوضع. وأكد أن حكومة الهلالي، التي دامت 4 أشهر ويوما واحدا "أُسقطت بفعل عوامل غير سياسية".
وحصلت المخابرات البحرية البريطانية على معلومات تقول إن
- "السبب الرئيسي لإصرار رئيس الوزراء، الذي كان مفاجئا للبلاد كلها، على الاستقالة هو صفقة مالية خاصة، يُزعم أنه بمقتضاها أعطى أحمد عبود باشا (رجل الأعمال) رشاوى، لمستشارين للملك، هما كريم ثابت (المستشار الصحفي) وإلياس أندراوس باشا (المستشار الاقتصادي)، لخدمة مصالحه"؟
لم تر لجنة الاستخبارات المشتركة البريطانية في حريق القاهرة في شهر يناير - تشرين الثاني عام 1952 نذيرا كافيا لاحتمال تحرك الجيش ضد النظام الملكي. ويؤكد التقرير أن الهلالي كان قد "بدأ، في حملته لمكافحة الفساد، كشف الأدلة على مشاركة القصر في فضائح مختلفة"، وأنه، أي الهلالي "رفض التعاون مع مستشاري الملك في ستر الحقائق".
كان الجيش، خاصة الضباط من الرتب المتوسطة، لا يزال ضجرا بسبب فضيحة الأسلحة الفاسدة التي أدت إلى خسارة الجيوش العربية، بما فيها المصري، أمام الجماعات الصهيونية المسلحة في فلسطين عقب إعلان قيام إسرائيل في مايو - أيار عام 1948.
وقال التقرير الاستخباراتي البريطاني إن
- "التأثير الضار لفضيحة عبود باشا على سمعة الملك ملحوظ للغاية في الجيش".
ومن أشكال هذا التأثير
- "أن تكثف شيوع مناخ موات للفتنة والتحريض، وخاصة بين صغار الضباط".
لم يتوقع معدو التقرير، وفق مصادرهم، أن يكون تحرك الجيش بالشكل الذي حدث يوم 23 يوليو - تموز.
غير أنه نبَّه إلى أنه
- "من الممكن جدا أن بعض هؤلاء الضباط ربما يحاولون اغتيال عسكريين من قادتهم الذين يؤيدون الملك، أو حتى اغتيال الملك نفسه".
ورغم أن مصادر معلومات الاستخبارات البحرية قالت إنه "لا يزال من الممكن اعتبار الضباط الكبار في الجيش كهيئة، موالين"، فإن هذا الولاء قد "قُوِّض إلى حد ما بسبب الفضائح الأخيرة التي كان الملك ضالعا فيها".
لم يشر التقرير من قريب أو بعيد إلى أن الضباط يتحركون في إطار تنظيم سموه الضباط الأحرار. غير أنه حذر من أنه في ضوء تدني سمعة الملك، فإن الثقة في الاعتماد على الجيش باعتباره قوة الاستقرار الأساسية في البلاد غدت "أدنى".
وأضاف أنه "إذا تدهور وضع الأمن العام، فإن الثقة في قمع الجيش للاضطرابات تُعتبر أقل الآن". ليس هذا فقط بل "ربما تبادر عناصر داخله بالإقدام على عمل تحريضي. ولو حدثت اضطرابات، فإنها من المرجح أن توجه في المقام الأول إلى الملك".
وفيما يخص المصلحة البريطانية المباشرة، حذر التقرير الاستخباري من أن هذه الاضطرابات
- "قد تنحدر بسهولة إلى عنف ضد البريطانيين وفي النهاية ضد كل الأوروبيين في الدلتا. ونقل التقرير الاستخباراتي عن "مصادر متعاونة" قولها إن المراغي "أسر إلى أصدقائه بأنه محبط من سلوك الملك غير المسؤول وأنه مع ذلك سيكون مستعدا للخدمة بالولاء للملك لو عدَّل الأخير طريقه وأعطاه دعمه القوي".
غير أحد المصادر البريطانية أكد أن المراغي
- "أسرَّ له بأنه إذا واصل الملك إهمال شؤون البلاد، فإنه سيكون مستعدا حتى للتخطيط لخلع الملك وتشكيل مجلس وصاية" (2)
الغريب أن تقارير المخابرات البحرية هذه لم ترسلها ورغم أهمية التقرير الاستخباراتي، فإن قيادة الاستخبارات في قيادة أركان البحرية في العاصمة البريطانية لم تتسلمه إلا في يوم 23 يوليو - تموز، ما أثار "شعورا بالحسرة".
وتكشف المراسلات البالغة السرية بين مقر الاستخبارات من ناحية، ووزارة الخارجية ومقر قيادة أركان البحرية عن أن قائد الاستخبارات رفض تحمل المسؤولية عما حدث، لأنه تلقى التقرير من قائد فرع الاستخبارات البحرية في القاهرة متأخرا. وتبين أن قائد الفرع لم يقدر أهمية التقرير لذلك، أرسله بالبريد البحري، ولم يفكر في إرسال مختصر له عن طريق الشفرة.
وقال قائد الاستخبارات في لندن
- "لسوء الحظ، هو أرسله لي عن طريق البريد البحري، لذا لم يصل إلى القيادة البحرية قبل يوم 23 يوليو. وقد لفتُ انتباهه إلى الحسرة من أنه لم يرسله لي بالبريد الجوي".
غير أنه أضاف:
- "مع ذلك، فإنني اعتقد أنك (قائد قيادة أركان البحرية) سوف توافقني أن تلك ليست مسؤولية الاستخبارات البحرية".
وفيما يتعلق بتقييمه للتقرير قال
- "يبدو أن هذا التقرير يعطي مؤشرا واضحا للغاية على تدهور العلاقات بين الجيش وملك مصر، وهذا يتناقض بقدر كبير للغاية مع تقرير لجنة الاستخبارات المشتركة".
ونصح المسؤول الاستخباراتي العسكري البريطاني بأن
- "يُطلب من اللجنة تفسيرا لعدم التنبيه، الذي توفر لدينا، إلى الإنقلاب".
في الوقت نفسه، أرسل إلى مكتب المخابرات البحرية في الشرق الأوسط، بالقاهرة رسالة شخصية بالغة السرية، قال فيها "خطابكم المؤرخ في 8 يوليو لم يُسلم حتى 23 يوليو لأنه من المحتمل أنه أرسل بالبحر. هذا التقدير القيم ربما كان ساعدنا في توقع التحركات الأخيرة".
وفي إشارة إلى ضرورة الاستفادة من الخطأ الذي حدث، قال
- "من فضلك تأكد أن مثل هذه التقارير ترسل بالبريد البحري في المستقبل، مع إرسال مختصرات له بالبرقيات العاجلة إذا قضت الضرورة" (3)
الإخوان والثورة
حاول المشككون كثيرا نفى دور الإخوان في إنجاح ثورة يوليو غير أن الوثائق البريطانية أثبتت دورهم كما أثبته كثير من ضباط ثورة يوليو في مذكراتهم.
فقد كتب جمال حماد يقول:
- (لم يكن هناك للحقيقة والتاريخ أي حزب أو جماعة سياسية في مصر لديه الإمكانيات للتصدي للقوات البريطانية إلى جانب الجيش المصري سوى جماعة الإخوان المسلمين؛ فقد كانت وقتئذ قوة شعبية منظمة ومتماسكة، ولديها جماعات عديدة من المتطوعين المدربين والمزودين بالسلاح والذين سبق أن أثبتوا شجاعتهم خلال حرب 1948م بفلسطين، وأثناء معركة الكفاح المسلح ضد الإنجليز في منطقة [قناة السويس]] بعد إلغاء معاهدة 1936م) (4)
ويؤكد ذلك في موضع أخر بقوله
- (ثبت بما لا يقبل الشك أنه لم يكن لدى أحد من الأحزاب السياسية أو التنظيمات الوطنية علم مسبق بموعد حركة الجيش المنتظرة سوى قيادة جماعة الإخوان المسلمين، فلقد حرص جمال عبد الناصر على إجراء عدة اتصالات مع بعض قادة الجماعة، وأنبأهم بموعد الحركة، وطلب منهم مؤازرة الجماعة ومساعدتهم) (5)
وأوضحت الوثائق والصور لقاءات جمعت بين قادة الضباط الأحرار وقادة الإخوان قبل الثورة لوضع اللمسات الأخيرة خاصة حول إدارة الحكم حيث رفض العسكر تولى الإخوان الحكم كما رفض الإخوان تولى العسكر الحكم واستقر الرأى على اختيار شخصية مدنية مستقلة مثل علي ماهر باشا.
حيث أنه ثبت بلا مجال للشك أن حكم العسكر لأي بلد وممارستهم السياسة وتوليهم الحكم يؤدى إلى انحرافهم إلى الطغيان الشديد مما لا يمكن لأحد أن يحده أو يقف في مواجهته، كما أنهم يتعرضون للانحراف عن المبادئ والأهداف التي قاموا من أجلها أكثر من غيرهم لتجمع السلطة في أيديهم.
وأيضا – كما جاء في الوثائق البريطانية:
- لم يتوقع التقرير احتمال أن "يحقق أي حزب سياسي، في المنعطف الحالي، أي مكاسب بإثارة اضطرابات". وحسب المعلومات البريطانية حينها، فإن تنظيم الإخوان المسلمين "ما زال يفضل انتظار التطورات".
غير أن المعلومات قالت إنه
- "لا يمكن استبعاد أن تقدم عناصر متطرفة، سواء من الإخوان أم غيرهم، على تنفيذ أعمال مستقلة (عن تنظيماتها) في صورة اغتيالات أو مظاهرات عامة".
حيث أن بريطانيا كان ترى فيمن يحاربها أو يطالبها بالخروج من أوطانهم بالعناصر المتطرفة حتى أنها وصفت في وثائقها محمد نجيب ورفاقه الضباط كونهم عناصر متطرفة قد تحرك الجيش ضد الملك. (6)
وما يؤكد ذلك ما جاء في الوثائق البريطانيا الوثيقة التي تحمل الرقم المسلسل E1016/6 من أن جمال عبد الناصر استثنى الإخوان من الحل حينما أصدر قرارا بحل الأحزاب السياسية وجاء قوله: "لم يبق من مؤيد للثورة إلا جماعة الإخوان، ولهذا يجب أن يكونوا فى وضع يليق بدورهم وبحاجة الثورة لهم".
ويقول خالد محي الدين في مذكراته: يقول خالد محيي الدين:
- "اتصل جمال عبد الناصر بالإخوان ليبلغهم بالحركة، وليطلب مساعدتهم في حالة تحرك الإنجليز ضدنا، وقبل التحرك أبلغني عبد الناصر أنه أبلغ الإخوان باستعدادنا للتحرك، فسألته: هل ردهم إيجابي؟ فهز رأسه بالموافقة، ولكنه أضاف: إنهم متعبين جدًا، وعلينا أن نعيد الحسابات بالنسبة لهم، ففهمت من كلامه أنهم واجهوه بمطالب كثيرة، ولكن الظروف الحرجة أملت على عبد الناصر عدم مجابهتهم" (7)
ويقول ريتشارد ميتشل في بحثة للدكتوراه قوله:
- تم التوصل لاتفاق معين بين المجموعتين بخصوص الدور الذي يمكن أن يلعبه الإخوان يوم الثورة، وحاول مخطط الاتفاق هذا أن يتحرى كل الإمكانات المحتملة والتي يمكن فيها استخدام "جيش مدني" جيد الانضباط والتدريب
أولاً: فالخطوة الأولى كانت تتمثل في أن يتعهد الإخوان حماية الأجانب والمنشآت الأجنبية بما في ذلك مراكز للنشاط التجاري والدبلوماسي، والأقليات (البيوت، الكنائس، أماكن عبادة اليهود)، والمراكز الإستراتيجية للمواصلات بالمدينة، وكان القصد من ذلك إحباط أية محاولات من قبل أي مجموعة لاستغلال الاضطراب المتوقع في ذلك اليوم.
ثانيًا: وإلى جانب الخطوة السابقة كان على الجماعة إن تنشئ شبكة من المخابرات حول تحركات المصريين المشتبه فيهم و"الخونة المحتملين"، ثم يأتي بعد ذلك وفي حالة عدم كفاية الحماس الشعبي لحركة الجيش أن تبادر الجماعة إلى ملء الشوارع لتشعل حماسها، ولتعلن التأييد الشعبي الفوري للانقلاب.
ثالثًا: في حالة فشل البوليس في التعاون مع الجيش، ستبعث الجماعة بجوالتها للانضمام لأي معركة قد تقع؛ ولتساعد في المحافظة على النظام والأمن.
رابعًا: إذا ما فشلت الحركة رغم كل إجراءات الوقاية والحذر فسيكون على الإخوان أن يساعدوا في حماية الضباط الأحرار، وتوفير سبل الهرب لهم، ومن المفترض أن هذه الإمكانية الأخيرة كانت المسئولية الأساسية لحسن العشماوي. (8)
ويضيف قوله:
- لولا المساندة المتحمسة من جانب الإخوان المسلمين لكان محتمًا أن تلاقي حركة محمد نجيب مصير الحكومات المصرية الستة التي سبقها في عام 1952 لقد شارك الإخوان مشاركة فعالة في انقلاب نجيب في الصيف الماضي وقسط كبير من النجاح الذي صادفه منذ ذلك الوقت يمكن أن ينسب إلى مساندتهم". (9)
ظهور العجز البربطاني
كان واضحا أن بريطانيا فشلت في التنبوء بثورة 23 يوليو كما فشلت في بسط قوتها لحماية الملك أو التصدي لحركة الجيش والشعب، مما حدا بها الاستسلام للأمر الواقع وإصدار بيانات تحفظ ماء واجهها فحسب. حيث عكست الوثائق البريطانية الانطباعات البريطانية يومي 23 و24 يوليو 1952 من مختلف المصادر في مصر، السفارة البريطانية، وقيادة القوات البريطانية في الشرق الأوسط في منطقة القناة، وردود الفعل في الخارجية البريطانية ووزارة الحرب في لندن.
ففي يوم 23 يوليو تم رفع استعداد القوات البريطانية في منطقة القناة بهدوء، ومنعت الطائرات البريطانية من الطيران فوق الدلتا، لعدم إثارة الشعور المعادي لبريطانيا، والحرص على تجنب أي تحرك استفزازي للقوات المسلحة المصرية من قوات الاحتلال البريطانية، طالما لا يوجد أي تهديد لحياة وممتلكات البريطانيين أو لأمن القوات البريطانية في منطقة القناة.
في 24 يوليو فقد وردت تعليمات من وزارة الخارجية البريطانية بإرسال "هاميلتون" مساعد الملحق العسكري، لمقابلة محمد نجيب، لإخطاره بأن الحكومة البريطانية لا ترغب في التدخل في الشؤون الداخلية المصرية، إلا أنها لن تتردد في التدخل إذا اعتبرت ذلك ضروريا لحماية أرواح البريطانيين
لذلك فقد صدرت تعليمات خاصة إلى القوات البريطانية في منطقة القناة لوضعها في حالة الاستعداد، وأن تلك الترتيبات ليست موجهة للقوات المسلحة المصرية، بخاصة أن ما ورد في بيان الثورة من أن الجيش المصري سيكون مسؤولا عن حماية أرواح وممتلكات الأجانب قد طمأنهم. (10)
المراجع
- عبدالرحمن الرافعي: مقدمات ثورة 23 يوليو سنة 1952، دار المعارف، مصر، 1987، صـ8
- عامر سلطان: 23 يوليو: أخطاء استخباراتية حالت دون تنبؤ بريطانيا بحركة الضباط الأحرار عام 1952 في مصر، 23 يوليو - تموز 2022
- المرجع السابق.
- جمال حماد: أسرار ثورة 23 يوليو، دار العلوم للنشر، القاهرة، الطبعة الثانية، 2010م، الجزء الأول، صـ326.
- جمال حماد: المرجع السابق، صـ319.
- محمد عامر ومحمد أحمد: في أحد وثائق ثورة يوليو.. بريطانيا تصف محمد نجيب والضباط الأحرار بالمتطرفين، 21 يوليو 2014
- خالد محي الدين: والآن أتكلم، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 1992، صـ137.
- ريتشارد ميتشل: الإخوان المسلمون دراسة تاريخية، ترجمة عبد السلام رضوان، مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1977م، ص 214.
- ريتشار ميتشل: مرجع سابق، صـ211.
- محمد علي حسن: وثائق بريطانية وأمريكية ترصد الوضع في مصر قبل ثورة يوليو 1952، 23 يوليو 2015