الإخوان المسلمون وطهارة اليد
مقدمة
"والله "يا بك" إذا كنا برءاء فاسمع قول الله تعالى: (إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) "الحج: 38"، وإذا كنا نخدع الناس بهذا الجهاد في سبيله، وهذه الدعوة إلى دينه، فإن محكمة الجنايات وجهنم قليل على الذين يخدعون الناس بلباس الدين، فلا تهتم ودعها لله، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، وأقسم لك أنه لن يكون إلا الخير"
كلمات تكلم بها الشيخ حسن البنا في بداية نشأة دعوة الإخوان المسلمين حينما تحدث معه ناظر المدرسة التي كان بعمل بها بأن مذكرة مجهولة أرسلت لرئيس الوزراء ووزير المعارف تتهم الشيخ البنا بأنه شيوعي ويدعو إلى الشيوعية، وهي تهمة كانت مجرمة في ذلك الوقت.
لقد وضح من خلال كلماته منهجه في تربية نفسه وأتباعه على الحق وأنهم لن يخدعوا الناس باسم الدين، ولن يتاجروا بدينهم من أجل دنيا زائلة، وسيكونوا للحق نصيرا مهما تعرضوا من إذاء في سبيله.
ولقد جاءت كلمات ضابط البوليس في الإسماعيلية والذي طلب منه كتابة تقرير عن جماعة الإخوان المسلمين ومؤسسها حسن البنا ردا على اتهام البنا بأنه شيوعي
حيث كتب يقول:
- أن كثيرًا من الذين لم تنفع معه وسائل التأديب البوليسية ولم تردعهم عن ارتكاب بعض الزلات، قد أفلحت معهم الوسائل الروحية التي تؤثر به جماعة الإخوان على نفوسهم، فصاروا مضرب المثل في الاستقامة والصلاح، وأنه يقترح أن تشجع الحكومة وتعمل على تعميم فروع هذه الجماعة في البلاد حتى يستتب الأمن ويعم الصلاح.
تاريخ طويل من طهارة اليد اتصف به أعضاء وأفراد جماعة الإخوان المسلمين، ورغم القضايا والاتهامات الكثيرة لأفراد الجماعة من قبل الأنظمة الحاكمة إلا أنها لم تستطع إثبات تهمة فساد على الإخوان المسلمين وأعضائها.
شبهات وردود
لقد شغلت قضية التمويل عند جماعة الإخوان المسلمين، الكثير من السياسيين والباحثين والمغرضين والمهتمين بشأن الإخوان، حتى الأنظمة الحاكمة وأصحاب الفكر العلماني والشيوعي، وتسأل الجميع من أين تمول جماعة الإخوان وتقوم بهذه الأنشطة الكثيرة.
وخلال فترة الأستاذ البنا وما بعدها حتى الآن لم يثبت أية دليل سواء أمام الداخلية أو القضاء أو أية جهة أن الإخوان تلقوا أو يتلقون تمويلا من احد سواء من الداخل أو الخارج (اللهم إلا ما حصل عليه الإمام البنا من شركة قناة السويس وذلك لاستكمال المسجد أو من جيوب اعضائها)
وهذا أورده الإمام البنا في مذكراته دون إخفاء، كما أوردت مجلة الإخوان المسلمين على صفحاتها التقرير المالي لعام 1943 – 1944م ليكون شاهدا على مالية الإخوان الوارد والصادر، حتى ما كان يحصل عليه الجمعيات الاجتماعية التابعة للإخوان والمسجلة ضمن وزارة الشئون الاجتماعية ورد في أوراق الإخوان وصحفهم دون تورية أو إخفاء.
غير أن المتربصيين عمدوا إلى تأويل هذه الحقائق وحولوها لاتهامات وكأنها حقيقية وكأنها ضد القانون. فقد تربص مثلا أمثال عبدالرحيم علي وذكر في كتابه بعض المقتطفات التي وردت في كتاب الإخوان المسلمين لريتشارد ميتشل وعلق عليها بما في نفسه المريضة من تأويلات رغم وضوح كلام الباحث الأمريكي.
فيذكر في كتابه "الإخوان من حسن البنا إلى مهدي عاكف"، تعليق الباحث الأمريكي ريتشارد ميتشيل قوله:
- على ما تردد عن تلقي الإخوان تبرعات من الإنجليز أو الأمريكان: "إن المعلومات المتعلقة بالمساعدات الأجنبية قليلة وغير متوفرة، فالسفارة البريطانية على ما يبدو كانت تعرض المساعدات المالية للجماعة في أول سني الحرب العالمية الثانية، إلا أننا لا نستطيع أن نقرر ما إذا كانت الجماعة قبلتها أو قبلت أي مساعدات أجنبية أخرى".
ورغم كلام ميتشل الواضح وضوح الشمس إلا أن عبدالرحيم على أولها حسب مزاجه بأن الإخوان تلقوا مساعدات والدليل أنهم نشروا أنهم تحصلوا على 500 جنيه كتبرع من شركة قناة السويس.
ثم تحدث عبدالرحيم علي عن تلقي الجماعة أموال (إعانة) من وزارة الشئون الاجتماعية وهو ما يرد تفصيلاً في كشف الحساب الختامي لميزانيات المناطق والشعب في أعوام "1943 - 1944" و"1944 - 1945"، وأثبته جمعة أمين عبد العزيز في الكتاب الخامس من أوراق تاريخ الإخوان المسلمين
ويضيف:
- "ومن الجدير بالذكر أن المركز العام أرسل خطاباً إلى وزارة الشئون الاجتماعية يستفسر عن مصدر أموال الإعانات التي تقدمها للإخوان، بعدما نشرت الصحف أن تلك الإعانات التي تقدم للجمعيات إنما تجمعها الوزارة من الضرائب على المراهنات واليانصيب وكلها أمور حرام، وطالب الإخوان الوزارة أن تكون الأموال التي تقدمها لهم من مصادر حلال، وإلا فإن الإخوان يرفضون تلك الإعانات.
ويعود عبدالرحيم ليثير الاتهامات كيف للجماعة أن تحصل على إعانات وكيف اشترت مركز عام جديد بالحلمية والجماعة تتلقى تبرعات؟ (1). ولو دقق عبدالرحيم في صحف الإخوان سيجد كشف بحساب الدار نُشر فيه الإخوان كل الأموال التي جمعوها لشراء القصر وكيف جمعوها وكيف أنفقوها.
وهذا نموذج واحد من أمثلة من تبرع لشراء دار الإخوان المسلمين حيث جاء تحت عنوان "حذاء.. وطربوش" ذكرت صحف الإخوان: "فى الوقت الذي يتبرع فيه أخ كريم بمبلغ 500 جنيه، ويوصى أشد التوصية ألا يذكر اسمه نجد أخًا آخر لا يجد ما يتبرع به، ويفتش فى زوايا داره عما يستطيع أن يستغنى عنه فلا يجد غير حذاء فيبيعه ويتبرع بثمنه للدار، وهذا أخ ثالث يبيع طربوشًا له لنفس الغاية". (2)
ويقول الأستاذ عمر التلمساني مصورا خزانة الإخوان المسلمين:
- عملت فترة "وزير مالية الإخوان" وكنت إذا وجدت في الخزانة مائة وخمسين قرشًا كنت أرى وقتها أننا من الأثرياء!! وكان الداعية إذا ذهب إلى لقاء إخواني ليتحدث في الدعوة أعطيه "ثلاثة تعريفة": منها ستة مليمات للذهاب ومثلها للعودة، وثلاثة مليمات يشتري بها ما يروقه من الترمس والفول السوداني واللب الأسمر والأبيض!!
مثل عبدالرحيم علي بوق الأنظمة كمثل الأنطمة الحاكمة في مصر حسبما تختلف مع الإخوان تكيل لهم الاتهامات وتجند من أجله كل رخيص في مؤسساتها من أجل أن يساهم بدور في تشويه الجماعة ورجالها.
تاريخ من طهارة اليد
ربى الإمام البنا الإخوان على مبادئ الإسلام وزرع في نفوسهم العزة والتضحية والكرامة..، حتى ملكت عليهم نفوسهم؛ وتمثلت في أقوالهم وأفعالهم، وصاروا نماذج طيبة في التمسك بأحكام الإسلام الحنيف والتأثر بأخلاقه ومشاعره فيما يصدر عنهم، سواء كان مع بعضهم البعض أو مع غيرهم من الناس. ولقد تجلت هذه التربية في بعض المواقف التي ذكرت في صدرت نشأة الجماعة من بعض الإخوان والتي دلت أخلاقهم على طهارة اليد وعفاف النفس.
ففي مبنى فخم يطل على قناة السويس كان المسيو سولنت كبير المهندسين يسكن !وقد بالغ في زخرفته وتأنق في أثاثه ،وجعل له حديقة غناء ينسيه جمالها حدائق باريس ؟!وقد اعتاد ان يتفرغ لتحسين مسكنه في أيام الإجازة .. أمسك بالهاتف ، وطلب من سكرتيره أن يرسل له نجارا ماهرا لإصلاح مايظنه قد تلف.
فأرسل له شاب من أبناء الإسماعيلية وهو حافظ عبد الحميد – نجار الحي الأفرنجي وأحد الستة الذين أسسوا دعوة الإخوان مع الأستاذ حسن البنا - وسأله مسيو سولنت عما يطلب من أجر فقال: 130 قرشًا، فقال المسيو "سولنت" بالعربي: "أنت حرامي"، فتمالك الأخ نفسه وقال له بكل هدوء: ولماذا؟
فقال: لأنك تأخذ أكثر من حقك، فقال له: لن آخذ منك شيئًا ومع ذلك فإنك تستطيع أن تسأل أحد المهندسين من مرءوسيك، فإن رأى أنني طلبت أكثر من القدر المناسب فإن عقوبتي أن أقوم بالعمل مجانًا، وإن رأى أنني طلبت أقل مما يصح أن أطلب فأسامحك في الزيادة، واستدعى الرجل فعلاً مهندسًا وسأله فقدر أن العمل يستوجب 200 قرش، فتأكد المسيو "سولنت" مما قاله الأخ حافظ وأمره أن يبتدئ العمل
فقال له: سأفعل ولكنك أهنتني فعليك أن تعتذر وأن تسحب كلمتك، فاستشاط الرجل غضبًا وغلبه الطابع الفرنسي الحاد، وأخذته العزة بالإثم وقال: تريد أن أعتذر لك ومن أنت؟! لو كان الملك فؤاد نفسه ما اعتذرت له، فقال حافظ في هدوء أيضًا: وهذه غلطة أخرى يا مسيو "سولنت"، فأنت في بلد الملك فؤاد وكان أدب الضيافة وعرفان الجميل يفرضان عليك ألا تقول مثل هذا الكلام، وأنا لا أسمح لك أن تذكر اسمه إلا بكل أدب واحترام، فتركه وأخذ يتمشى في البهو الفسيح ويداه في جيب بنطلونه
ووضع حافظ عدته وجلس على كرسي واتكأ على منضدة، وسادت فترة سكوت لا يتخللها إلا وقع أقدام المسيو الثائر الحائر، وبعد قليل تقدم من حافظ وقال له: افرض أنني لم أعتذر لك فماذا تفعل؟ فقال: الأمر هين سأكتب تقريرًا إلى قنصلكم هنا وإلى سفارتكم أولاً ثم إلى مجلس إدارة قناة السويس بباريس، ثم الجرائد الفرنسية المحلية والأجنبية ثم أترقب كل قادم من أعضاء هذا المجلس فأشكو له
فإذا لم أصل إلى حقي بعد ذلك استطعت أن أهينك في الشارع وعلى ملأ من الناس، وأكون بذلك قد وصلت إلى ما أريد، ولا تنتظر أن أشكوك إلى الحكومة المصرية التي قيدتموها بسلاسل الامتيازات الأجنبية الظالمة، ولكني لن أهدأ حتى أصل إلى حقي بأي طريق، فقال الرجل: يظهر أنني أتكلم مع "أفوكاتو" لا نجار، ألا تعلم أنني كبير المهندسين في قناة السويس، فكيف تتصور أن أعتذر لك؟
فقال حافظ: وألا تعلم أن قناة السويس في وطني لا في وطنك وأن مدة استيلائكم عليها مؤقتة وستنتهي ثم تعود إلينا، فتكون أنت وأمثالك موظفين عندنا، فكيف تتصور أن أدع حقي لك؟ وانصرف الرجل إلى مشيته الأولى وبعد فترة عاد مرة ثانية وعلى وجهه أمارات التأثر وطرق المنضدة بيده في عنف مرات وهو يقول: أعتذر يا حافظ سحبت كلمتي، فقام الأخ حافظ بكل هدوء وقال: متشكر يا مسيو "سولنت" وزاول عمله حتى أتمه.
وبعد الانتهاء أعطاه المسيو سلولنت مائة وخمسين قرشًا فأخذ منها مائة وثلاثين قرشًا ورد له العشرين، فقال له: خذها "بقشيشًا" فقال: لا، حتى لا آخذ أكثر من حقي فأكون "حرامي". فدهش الرجل، وقال: إني مستغرب لماذا لا يكون كل الصناع أولاد العرب مثلك؟ أنت "فاميلي محمد" فقال حافظ: يا مسيو "سولنت" كل المسلمين "فاميلي محمد" ولكن الكثير منهم عاشروا "الخواجات" وقلدوهم ففسدت أخلاقهم، فلم يرد الرجل بأكثر من أن مد يده مصافحًا قائلاً: متشكر، متشكر، كتر خيرك. (3)
وهكذا كانت تربية الإخوان الذين ضربوا أروع الأمثلة في عفة النفس وطهارة اليد، ومعرفة الحقوق وعزة النفس حتى في مواطن تتجلى فيها قوة الغير. لم يبخل علينا تاريخ الحركة بمثل هذه النماذج التربوية فلنقف وقفه جديدة مع نموذج أخر لطهارة وعفة الإخوان.
فقد كان أحد العمال المنتسبين إلى الإخوان ويدعى حسن مرسي يعمل عند الخواجة "مانيو" ويخرج نموذجًا ممتازًا من صناديق الراديو، وكان الصندوق حينذاك يتكلف جنيهًا تقريبًا، فجاء أحد الخواجات من أصدقاء "مانيو"، وساوم الأخ حسن على أن يصنع له بعض الصناديق بنصف القيمة، على ألا يخبر بذلك الخواجة "مانيو"
فيستفيد حق النصف الذي يأخذه ويستفيد هذا الخواجة النصف الباقي، وكان "مانيو" يثق في الأخ ثقة تامة، وقد أسلم إليه كل ما في الدكان من خامات وأدوات، وأراد صديق "مانيو" أن يستغل هذه الثقة، ولكن الأخ حسن ألقى عليه درسًا قاسيًا في الأخلاق وقال له: إن الإسلام وكل دين في الوجود يحرم الخيانة، فكيف بمن وثق فيّ هذه الثقة
وإني لأعجب أن تكون صديقه ومن جنسه ودينه ومع ذلك تفكر في خيانته، وتحاول أن تحملني على مثل ذلك، يا هذا: يجب أن تندم على هذا التفكير الخاطئ وثق بأنني سوف لا أخبر الخواجة "مانيو" بعملك هذا حتى لا أفسد صداقتكما، ولكن بشرط أن تعدني وعدًا صادقًا بألا تعود إلى مثل ذلك. ولكن هذا الخواجة كان سخيفًا
فقال له: إذًا سأخبر الخواجة "مانيو" بأنك أنت الذي عرضت علي هذا العرض، وهو سيصدقني ولا شك فإنه يثق بكلامي كل الثقة، وسيترتب على ذلك إخراجك من العمل وفقدانك لهذه المنزلة التي تتمتع بها عنده، وخير لك أن تتفق معي وتنفذ ما أريد، فغضب الأخ وقال له: افعل ما تشاء، وسيكون جزاؤك الخزي إن شاء الله. ونفذ الرجل وعيده وجاء "مانيو" يحقق في الأمر، فأخبره الأخ حسن بالأمر ولم يشك الرجل أبدًا في صدقه، وطرد هذا الصديق الخائن وقطع صلته به، وزاد في راتب الأخ جزاء أمانته. (4)
وليس ذلك فحسب بل أن بعض من خرج على الجماعة في بداية نشأتها حاولوا إثارة الشبهات حول الشيخ البنا والجماعة حيث قام أحدهم بتقديم بلاغ إلى النيابة؛ يتهمون فيه الشيخ البنا ببعثرة أموال جماعة الإخوان في الإسماعيلية ويبعث بها إلى أخيه في القاهرة
الذي يقول عنه:
- إنه رئيس شعبة القاهرة وإلى بورسعيد وإلى "أبو صوير" مع أن هذه الأموال جمعت من الإسماعيلية، ويجب أن تصرف في الإسماعيلية وهذا حق النيابة العمومية في حماية أموال الناس وأعراضهم، ودمائهم، ولذلك فهو يطلب أن تتدخل النيابة وتمنع إنفاق هذه الأموال على هذه الأوجه.
- وكان وكيل النيابة الأستاذ محمود مجاهد رجلاً حصيفًا فسأله: هل أنت عضو في مجلس الإدارة؟ فقال له: كنت عضوًا وأقوم بأعمال الخزانة فاستقلت وقبلت استقالتي، فقال له: هل يقر المجلس هذه التصرفات؟ قال: نعم، ثم سأله: هل أنت عضو في الجمعية العمومية؟
- قال: كنت عضوًا في كل شيء لكن الآن لا أعتبر نفسي عضوًا في أي عمل لهم، فقال: هل تظن أنه إذا عرض الأمر على الجمعية العمومية فهل تقبل ذلك وتقر تلك التصرفات؟ فقال: له إنها تقر جميع تصرفاته، ولو قال إنه أخذ هذه الأموال لنفسه لوافقوا على ذلك وكانوا مسرورين بذلك:
فقال له وكيل النيابة: إن كان مجلس الإدارة يوافق والجمعية العمومية توافق وأنت لست عضوًا في هذا ولا ذاك، وأنهم أناس تبرعوا بأموالهم وأوكلوا بعضهم لصرفها في وجوه معينة ووافقوا على طريقة الإنفاق، فما شأن النيابة بهم، وبأي وجه تتدخل، ثم نصحه وكيل النيابة بأن يعود إلى جماعته، أو يقعد في بيته ويتصرف في عمله ويدع الناس يعملون. (5)
وحينما طعنت وشككت صحيفة البلاغ الوفدية في ثروة الإمام حسن البنا مدعية بأنه يملك آلالاف الجنيهات حيث نشر في عددها الصادر يوم 11 مايو 1947م تحت عنوان الشيخ البنا عضو فى شركات بألوف الجنيهات، وزعمت أنه مساهم فى ثلاث شركات: الأولى شركة الهلال للسياحة، والثانية شركة دار الإخوان للصحافة، والثالثة شركة دار الإخوان للطباعة.
جاء رده عليها بالوثائق والمستندات والتي لم تستطع الصحيفة أمامه إلا بالبحث عن وسيلة أخرى لتشويه صورته، حيث ذكر أنه يمتلك أربعة سهوم فى شركة الصحافة للإخوان قيمتها 16 جنيهًا، وثلاثة سهوم فى شركة الطباعة قيمتها 12 جنيهًا، وخمسة سهوم فى شركة المعاملات قيمتها 20 جنيهًا، ووالمجموع 12 سهمًا قيمتها 48 جنيهًا وهو يسددها بالتقسيط. (6)
ومن المواقف التي تمثل فيه هذا المعنى أن وزارة الثقافة بدولة الإمارات أرسلت دعوة للأستاذ عمر التلمساني عام 1982 م فلبى الدعوة وألقى محاضرة في النادي الثقافي بأبي ظبي حيث جاء جمع غفير ملأ القاعة وخارج القاعة ولم يأت قبله مثله.
وفي نهاية الزيارة قدمت الوزارة تحية لضيفها شيكًا بخمسة وثلاثين ألف درهم فشكر الأستاذ عمر لهم هذا الصنيع الكريم ثم قال للأستاذ جابر رزق في الحال: حول هذا الشيك إلى المجاهدين الأفغان.
وانتدب الأزهر الأستاذ عمر التلمساني لإلقاء بعض المحاضرات في الشريعة والقانون بالجامعة، وكان ذلك أيام فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود، فلما جاء كشف صرف المكافآت للسادة الأساتذة المحاضرين المنتدبين إذا بالدكتور عبد الحليم محمود يجد اسم الأستاذ عمر التلمساني مدرجا بالكشف
فقال للمسئول: ارفع اسم الأستاذ عمر من الكشف هذا لا يأخذ أجرا (ده مش بتاع كده) ودار حوار ولم يرفع المسئول اسم الأستاذ عمر. ولما حان وقت صرف المكافآت ذهب المسئول بالكشف للأستاذ عمر ليوقع فأبى فذهب المسئول للدكتور عبد الحليم محمود الذي قال له: ألم أقل لك أن الأستاذ عمر "ده مش بتاع كده".
وحينما ذهب الأستاذ عمر التلمساني لأداء فريضة الحج .. لقيه أحد الإخوة وقال له: إن شخصية كبيرة من السعودية تريد مقابلتك.. فقبل الأستاذ وتحدد الموعد، وأثناء اللقاء تحدث هذا الكبير عن الدعوة الإسلامية ومستقبلها... ثم عرج على مجلة الدعوة وكانت لم تصدر بعد.
وقال: إنه يريد تدعيمها .. فأدرك الأستاذ هدفه وقال مقاطعا: سيادتكم طلبتم مقابلتي كداعية لا كجاب فأنا جئت داعيا لا جابيا، ولو كنت أعلم أنك ستتحدث معي في مسألة نقود لاعتذرت ولذلك أرجو أن تسمح لي سيادتكم بالانصراف. (7)
النماذج كثيرة جمعتها كثير من بطون الكتب سواء المؤيدة للإخوان أو المعارضين لهم الذين شهدوا بطهارة أيدي الإخوان المسلمين من كل شائبة وفساد.
براءة قانونية
لم تكن مواقف الإخوان فحسب هى الدليل على طهارة يد الإخوان المسلمين بل شهادة الغير لهم بذلك ومنها بعض القضايا التي قدم فيها الإخوان للمحاكمات بتهم غسيل الأموال والفساد إلا أن الأحكام كلها جاءت ببراءة الإخوان من هذه التهم المشينة ودارت الأحكام كلها حول تهمة إنشاء وانضمام لجماعة قامت على غير صفة قانونية.
"أنا مسلم، أنا مؤمن، أنا نظيف، أنا طاهر، أنا مخلص كل الإخلاص .. لو كان أحدٌ غيرك وجَّه إليَّ مثل هذه التهم لشكوته إليك، أما أنت يا محمد يا أنور يا سادات صاحبها، فإني أشكوك إلى أحكم الحاكمين وأعدل العادلين" كلمات نطق بها الأستاذ عمر التلمساني أمام السادات حينما أتهمه
واتهم الإخوان بكثير من التهم الشائنة في اللقاء الذي جمعهما في ملتقى الإسماعيلية، حيث دلت أن هذا النهج سيمارس مع الإخوان من السلطة الحاكمة دائمة ولقد جاء رد فعل السادات بعد هذه الكلمات أن ما قاله من تهم إنما هي افتراء على الإخوان حيث قال: إنني لم أقصد الإساءة إلى الأستاذ عمر، ولا إلى الإخوان المسلمين .. اسحب شكواك. (8)
فحينما تم القبض على عدد من الإخوان في قضية سلسبيل عام 1992م واتهموا بغسيل الأموال إلا أن القضية أغلقت بعد 11 شهرا على لا شيء.
وحينما تم القبض على المهندس خيرت الشاطر وحسن مالك وعدد من قيادات الإخوان بعد ما سمى بالعرض العسكري بجامعة الأزهر عام 2006م ووجهت لهم النيابة تهم عسيل الأموال براءتهم المحكمة ثلاث مرات من هذه التهم أيضا حتى القضاء العسكري والذي حاكمهم لم يحكم عليهم بهذه التهم لكن حكم عليهم بتهم إنشاء جماعة على غير صفة قانونية.
وأن التقرير المالي لا يقيم دليلا علي وجود جريمة غسيل الأموال، كما أنه ثبت أن التقرير تم إعداده بعد خمس أشهر من توجيه تهمة غسيل الأموال.
كما جاء في حيثيات المحاكمة أن التقرير أعدته وزارة العدل ممثلة في إدارة خبراء الكسب غير المشروع وهي ليست الجهة المخولة قانونا بفحص وقائع غسل الأموال فالقانون رقم 80 لسنة 2002 الخاص بتجريم غسيل الأموال ينص أن الجهة المختصة بفحص غسل الأموال هي وحدة غسل الأموال بالبنك المركزي
الأخطر من ذلك أن تهمة غسيل الأموال تم توجيهها بمعرفة نيابة أمن الدولة العليا في ديسمبر 2006 مدعية أنه قد ثبت لديها قيام المتهمين بغسل أموال قبل إعداد التقرير المالي والذي لم يصل النيابة إلا في 23 / 5 / 2007 أي بعد إحالة المتهمين للمحكمة العسكرية بالفعل مما يعني أن الاتهام معد وجاهز قبل وجود الدليل بخمسة أشهر. (9)
لم يقف الأمر عند ذلك بل تم القبض على عدد من قادة الإخوان عام 2009م واتهمت السلطة الإخوان بغسيل الأموال أيضا إلا أن القضية انتهت إلى لا شيء.
كما قدم للمحاكمة عدد من قادة الإخوان في الداخل والخارج منهم الدكتور أشرف عبد الغفار ووجدي عبد الحميد غنيم وعوض محمد القرني، سعودي الجنسية، وإبراهيم منير، وأسامة سليمان، حيث قبض فقط على أسامة سليمان حيث وجهت إليهم اتهامات بغسل وتبييض أموال وتمويل جماعة محظورة قانونا
وبعد محاكمات كان الأستاذ أسامة محمد سليمان - طبيب بشري ورئيس مجلس إدارة شركة الصباح للصرافة – المتهم الوحيد المقبوض عليهم، حيث حكمت المحكمة في جلستها التي عقدت يوم الإثنين 23 أبريل 2012م ببراءة الدكتور أسامة محمد سليمان، من تهمة غسل وتبييض الأموال، وتمويل جماعة محظورة قانونًا، وهي القضية التي عُرفت بـ"التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين". (10)
لم يستطع المغرضون إيجاد دليل على فساد الإخوان حتى بعد الانقلاب العسكري الذي وقع عام 2013م لم يستطيعوا وجود شبهة مالية لدى الجماعة غير الكلام المسهب والتحليلات الفارغة التي ملئت كل صحف الأنظمة السابقة والحالية.
المراجع
- عبدالرحيم علي: الإخوان من حسن البنا إلى مهدي عاكف، المحروسة للنشر والخدمات الصحفية والمعلومات 2004م.
- جريدة الإخوان المسلمين – السنة الثانية – العدد 45 – 4 ذو القعدة 1363هـ - 21 أكتوبر 1944م صـ11
- حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 2000م، صـ86، 87.
- المرجع السابق.
- جمعة أمين عبدالعزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، بداية التأسيس والتعريف، جـ2، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2004، صـ44.
- جريدة الإخوان المسلمين: 24/2/1946م
- محمد عبد الحليم حامد: مائة موقف من حياة المرشدين لجماعة الإخوان المسلمين، دار التوزيع والنشر الإسلامية،ن 1414هـ، 1993م.
- مناظرة الرئيس السادات والأستاذ عمر التلمساني: 5 فبراير 2013
- العسكرية العليا تستأنف غدا نظر قضية الإخوان المسلمين وغسل الأموال: 4 أغسطس 2007م
- براءة القيادي الإخواني أسامة سليمان في قضية التنظيم الدولي للإخوان: 23 أبريل 2012، الشروق المصرية