الإخوان والمدرسة السعيدية بالجيزة
مقدمة
على مر عصور والأزمنة وعبر تاريخ البشرية كلها ... كان العلم من أهم وسائل تقدم الأمم وتحررها، وإن غاب كان سببا في تخلفها وتمكن العدو منها واحتلالها.
ولهذا كان اهتمام الإسلام بشأن العلم اهتماما عظيما، فأمر الفرد بطلبه وتحصيله، ومن ثم تعليم غيره و تنويره. ورغب في ذلك وحث عليه بتبيان عظيم الأجر وجزيل المثوبة التي ينالها الفرد في حياته وحتى بعد وفاته إلى قيام الساعة، وهو ما جاء في قول الله تعالى: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" "فاطر:28"، ويقول صلى الله عليه وسلم: "إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له" (صحيح مسلم).
الإخوان والتعليم والمدارس
كانت التربية الدينية والاتكاز على قواعدها سببا في دفع الإمام البنا بجعل التعليم على رأس ألويات دعوة الإخوان لأن الجهل لا يقيم أمم، فيقول: "إن مناهج التعليم هي أكبر مؤثر في حياة الأمة القابلة وهي نصيبها من السعادة أو الشقاء، وحظها من الحياة والموت فيها".
ولذا كان اهتمام الإمام البنا بالمدارس منذ مطلع الدعوة عام 1928م، حيث كان أول صرح شيدته الدعوة بعد تكونها المسجد ومدرسة حراء ومعهد أم المؤمنين تأكيد على عناية الإخوان بالتعليم والمدارس في وقت مبكر. حيث هدف من ذلك – كما يقول- (تخريج رجال أقوياء النفوس يعتزون بدينهم وقوميتهم، ويعملون على إحياء حضارة الشرق وتحريره من القيود الأجنبية الاقتصادية والسياسية) (1)
وإيمانا منه بأهمية التعليم لتمكين المسلمين، راح يدرس الواقع عن كثب ليتضح له كيف سيطر العدو بخبثه على مناهج التعليم و هيئاته ..فها هي سياسة دانلوب البريطاني المعروفة في تاريخ التعليم المصري والتي كانت تهدف إلى (إقامة الاحتلال البريطاني والأوروبي في عقول البشر وصدورهم).. وقد تنبه لها الإمام آنذلك و بدأ هو وإخوانه في إعداد خطة عمل مقابلة
تهدف إلى:
- أولا: معرفة وحصر الوسائل التي استخدمها الاحتلال للسيطرة على شؤون التعليم وبث التغريب والعلمنة في مناهجه للبعد بالعقول عن روح الإسلام.
- ثانيا: وضع الوسائل المضادة التي تعمل على بتر هذه الأيادي الخبيثة على كافة المستويات.
كان سلاح الإخوان في مواجهة الاستعمار ومدارسه التبشيرية إنشاء المدارس في كثير من المدن والقري في القطر المصري. وليس ذلك فحسب بل العناية بالتعليم والمطالبة بتعديله وفق الثقافة الإسلامية والمصرية. كما أنهم اعتنوا بطلاب المدارس فكان لهم نشاطا ملحوظا وتفاعلا مع قضايا الأمة خاصة القضايا الإسلامية. ولذا جاء ذكر بعض المدارس في أدبيات وتاريخ الإخوان المسلمين ومنها المدرسة السعيدية بالجيزة. (2)
المدرسة السعيدية مدرسة لها تاريخ
أنشئت المدرسة السعيدية أولا ما أنشئت بشارع القصر العيني مكان وزارة التموين حاليًا قبل أن تنتقل لشارع الجامعة بجوار جامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليا) حيث تعتبر أكبر مدرسة ثانوية في مصر والشرق الأوسط.
يعود تاريخ نشأتها إلى 8 سبتمبر عام 1908م، بعدما أصدر دوجلاس دنلوب قراراً بذلك، وأنشئت بسراي الأميرة جميلة، وكانت تجري العادة الملكية المصرية على إطلاق أسماء العائلة المالكة على المنشآت الهامة فكانت المدرسة السعيدية من نصيب سعيد بن محمد على باشا، ومصنفة كثاني أعرق المدارس على مستوى الشرق الأوسط والأولى مصرياً.
تخرجت أول دفعة طلابية منها عام 1909، وكان أحمد باشا عبد الوهاب "وزير المالية السابق" هو الأول على تلك الدفعة، وتحولت المدرسة إلى مستشفى إبان الحرب العالمية الأولى عام 1914 ولمدة 4 سنوات وانتقلت الدراسة خلالها إلى مبنى الجامعة الأمريكية الحالي بباب اللوق، لتعود بعدها إلى شارع الجامعة.
كان لمدرسة السعيدية دور مميز في النضال السياسي، فقد سقط أول شهيد من المدرسة يوم ٩ مارس سنة 1919 وكان بالسنة الثالثة الثانوية وهو "مصطفي ماهر" الذي كان يحمل علم مصر في المظاهرة ، وفي عام 1935 شارك طلابها في مظاهرة مع طلبة جامعة القاهرة احتجاجا علي رفض بريطانيا إعادة دستور ٢٣
وفي نوفمبر من نفس العام، خرجت المظاهرات المطالبة بخروج الإنجليز من مصر، وفي هذه المظاهرة أصيب الطالب عبدالمنعم أبوطالب برصاصة ، وفي 21 فبراير عام 1946 عاود طلاب السعيدية مشاركاتهم في مظاهرة كبيرة وصلت إلي ميدان التحرير "الإسماعيلية سابقا" وطالبوا بالاستقلال.
كما قامت المدرسة بإصدار مجلة تحمل اسمها "السعيدية" عام 1934م، وتأسست جمعية لخريجي السعيدية على يد الفنان أحمد مظهر، والمهندس عثمان أحمد عثمان، وذلك عقب احتفالهم بعيدها الـ75، وبلغ عدد مؤسسيها 39 خريجاً، وتم إشهارها في الشئون الاجتماعية تحت رقم 645 لسنة 81.
تعاقب عليها 33 ناظراً، كان أولهم مستر "شارمن" لمدة 12 عاماً ومن بعده مستر "هبارد" لمدة عامين، ثم تولى مسئوليتها نظار مصريين، بعدما نجح سعد زغلول في تخليصها من التقاليد الإنجليزية، وتولى أحمد محمد صقر لمدة 11 عاماً، تلاه جعفر النفراوي لمدة 7 سنوات ثم محمد أحمد المصري لمدة 6 سنوات، وصولاً إلى صبح محمد فرج ثم جمال البهنساوى ثم رمضان عبد العظيم وناصر شعبان وبعده حسين منصور. (3)
نشاط الإخوان في مدرسة السعيدية
التحق كثير من الإخوان بالمدرسة السعيدية وتخرجوا فيها بعدما تركوا بصمات فيها، حتى أن أحد طلابها شارك في أول لجنة طلابية وذلك في العام الدراسى 1358هـ - 1359هـ الموافق 1939 - 1940م وتكونت من حامد شريت "دار العلوم"، تميمى حمزة "الطب البيطري"، محمد عزت حسن "كلية الهندسة"، حسن صادق "كلية التجارة"، صلاح الدين عبد الحافظ "كلية الحقوق"، إسماعيل خبيرى "كلية الزراعة"، إبراهيم العزبى "كلية الآداب"
إبراهيم محمد عبد الوهاب "كلية العلوم"، رضوان حجازى "معهد التربية"، عز الدين عبد القادر "الصيدلة"، صلاح بريقع "كلية الطب"، الشيخ عبد المعز عبد الستار "كلية أصول الدين"، الشيخ محمد الحسينى عبد الغفار "كلية الشريعة"، الشيخ عبد البارى عمر خطاب، "معهد القاهرة"، عبد الرحمن إسماعيل "بنبا قادن"، إمام عبد الغنى كرار – شاكر كيلانى "رقى المعارف"
أحمد فاضل "تجارة الظاهر"، يوسف الأكوح "الفنون التطبيقية"، محمد سليم مصطفى "الهندسة التطبيقية"، شافعى عبد الحميد "الصناعات الزخرفية"، فهمى محمد السيد "الصناعات الميكانيكية"، السيسى "الخديوية"، جمال الدين السنهورى "السعيدية"، على كرار "تجارة الجيزة"
فكرى حسن "الدواوين"، عبد العليم عبد الستار "الإسماعيلية"، محمد سعيد زايد "فاروق الأول"، محمد خيرت "النيل"، أحمد السيد حسنين "النهضة"، محمد توفيق حافظ "الأهرام"، عبد الحكيم عطية "مصر الثانوية". (4)
سياسيا
استمر نشاط الطلبة وتأثيرهم في الحياة السياسية حيث كان لطلاب المدرسة السعيدية دور في التنديد بوزارة إسماعيل صدقي التي ألغت دستور 23 وقمعت الشعب
فيقول عبدالمنعم عبدالرؤوف:
- وفى هذه الفترة من عامى 1930 – 1931م كانت المظاهرات التى آثارها حزب الوفد المصرى ضد وزارة المرحوم إسماعيل صدقي على أشدها؛ وقام طلبة السعيدية بمظاهرة ضخمة وتصدت لها الشرطة والتحم الطلبة بالشرطة فسلطوا عليهم خراطيم المياة المخصصة للحريق ورموهم بالحجارة ووضعوا فروع الأشجار على الأبواب والمداخل التى توصل إلى داخل المدرسة وتمكنوا بذلك من منع الشرطة من الدخول. (5)
دعويا
لم يتوقف نشاط الإخوان داخل المدرسة السعيدية، ففي يناير من عام 1939م ألقى الأخ أحمد دياب أفندى محاضرة إسلامية بالمدرسة، موضوعها "أثر الإسلام فى نهضة أوربا". وقد سمعها حضرة ناظر المدرسة وعدد كبير من المدرسين وجمع حاشد من الطلبة. وقد حازت المحاضرة إقبالا وقبولا، وقد عقب عليه حضرة المدرس الأول للغة العربية تعقيبًا قيمًا، وشكر له قوة إيمانه، وحسن إلقائه. (6)
كما قام الإخوان بالسعيدية يوم الجمعة الموافق 29 من ذى القعدة 1357هـ الموافق يناير 1939م برحلة علمية، تجلت فيها روح الأخوة الإسلامية بأجلى معانيها. ونظم طلاب المدارس الثانوية والمتوسطة أنفسهم، وأصبح هناك اجتماع أسبوعى لمندوبى تلك المدارس.
التفوق الدراسي
حرص الإمام البنا على تفوق الإخوان في مدارسهم، فكان الإخوان في المدرسة السعيدية على قدر المسئولية وتفوقهم، ووصل الأمر أن الأستاذ حسن البنا كان يعاقب الطالب الراسب فى مادة أو مادتين بمنعه من الخروج فى بعثات الصيف، ويتركه يتفرغ لامتحان تلك المواد فى نهاية الصيف.
أما الراسب فيتم إعفاؤه من كافة الأعمال المتعلقة بالجماعة، ومنعه من التردد على دار الإخوان أو المكث بها، فضلا عن المشاركة فى الأنشطة. (7)
الاهتمام بالاحتفالات الدينية
اهتم طلاب الإخوان بالمدرسة السعيدية بالأنشطة الإسلامية وإحيائها، ومن الاحتفالات الإسلامية قيام طلاب المدارس السعيدية بالجيزة بالاحتفال بالمولد النبوى الشريف، وكان هذا الحفل تحت إشراف ناظر المدرسة.
وحرص الأستاذ حسن البنا (المرشد العام للإخوان المسلمين) على تلبية دعوة ناظر المدرسة، وتحدث مع الطلاب؛ حيث طاف بهم فى جو ملىء بالإيمان، شارحًا لهم حول صدق نبوة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأهمية احتفال المسلمين بذكرى المولد النبوى. (8)
المعسكرات التربوية
كما دأب قسم الطلبة على إقامة معسكرات لرفع الجانب التربوى لدى الأفراد، وحرصت كل شعبة على إقامة مثل هذه المعسكرات؛ حيث سارع الطلاب بإقامة المعسكرات الصيفية؛ ففى المدرسة السعيدية بالجيزة قام فريق من إخوان المدرسة بعمل معسكر برأس البر، وقد أعدوا له إعدادًا جيدًا، وامتاز هذا المعسكر بطابعه الإسلامى، وإعداده المنظم، وعمل مدارسات ثقافية وتدريبات رياضية وبدنية، وكان القائم على المعسكر الأخ فؤاد الخطيب الذى تعاون مع إخوانه حتى خرج المعسكر فى أفضل نظام. (9)
كما زار الإخوان الطلبة فى القاهرة إخوانهم الطلبة فى مختلف أقاليم القطر المصرى، وحرص إخوان المدرسة السعيدية على زيارة إخوانهم فى دمياط وبورسعيد والإسماعيلية بعد أن أنهوا معسكرهم المقام برأس البر. (10)
ويقول ثابت توفيق (أحد الرعيل الأول للإخوان المسلمين):
- كنت فى ذلك الوقت فى حوالى السابعة عشر من العمر بالمدرسة السعيدية فى مرحلة الدراسة الثانوية عام 1948 بالسنة الرابعة ، وكان من يتجاوزها يحصل على شهادة الثقافة ، وكنا ندرس فى كتاب زعماء الإصلاح الإجتماعي للأستاذ أحمد أمين ، وكان من الشخصيات المقرر دراستها علينا شخصية محمد جمال الدين الافغانى. (11)
بعد ثورة 23 يوليو
وفي مظاهرات فبراير 1954م تحركت المظاهرات من المدرسة السعيدية حيث يقول الدكتور جابر قميحة:
- تنفيذًا لأمر القيادة الإخوانية - تجمعنا في جامعة القاهرة في الصباح الباكر يوم 28/2/1954. ثم تحركنا وانضم إلينا طلاب المدرسة السعيدية وخرجنا من الجامعة قاصدين الانضمام إلي التجمع الرئيسي في عابدين. لم يكن كوبري الجامعة قد بُني بعد، فسرنا إلي كوبري قصر النيل سالكين شارع "مراد".
- لم يكن هناك هتاف واحد للمظاهرة لضخامتها، فقد قُدر عدد المتظاهرين بستة وثلاثين ألفًا.. في "كراديس" أي مجموعات متجاورة بهتافات متعددة ذات مضمون أساسي واحد ، ومنها : "إلي الثكنات إلي الثكنات - إلي الثكنات رجال الجيش" - "انتصر الشعب فجاء نجيب" - "الحرية.. الحرية يا أعداء الإنسانية" .. إلخ، وكان للتجمع السوداني تميز واضح. (12)
أثر الإخوان في طلبة المدرسة
لقد أثرت التربية الإخوانية في طلبة المدرسة السعيدية حتى وصفها الدكتور أحمد الحوفي الأستاذ بكلية دار العلوم بقوله: "درَّست بالمدرسة السعيدية ست سنوات وبكلية دار العلوم خمسًا، شهدت فيهن عن كثب وتجربة ويقين عِظَم أثر الشهيد في مريديه من الطلاب.. جرأة في الحق، واستقامة في الخلق، واعتزاز بالدين، وجدّ في الدرس، ورجولةٌ مبكرة، وثقافة إسلامية متنورة، ومقدرة بيانية واعية". (13)
المراجع
- سلسلة من تراث الإمام البنا: الكتاب الثامن، الإصلاح الاجتماعي، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2006م، صـ101.
- جمعة أمين عبدالعزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، الكتاب الثالث، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2004م.
- أنظر موقع ويكيبيديا، وأيضا المدرسة السعيدية.. تاريخ ونضال ومشاهير، أخبار اليوم، 28 يناير 2018
- مجلة النذير: السنة الثانية، العدد 35 ، 10 رمضان 1358هـ - 24 أكتوبر 1939م– صـ17، 18.
- عبدالمنعم عبدالرؤوف: أرغمت فاروق على التنازل عن العرش، الزهراء للاعلام العربى، 1988م.
- المرجع السابق: السنة الأولى – العدد 34 – صـ24 – 3ذو الحجة 1357هـ - 24 يناير 1939م.
- المرجع السابق: السنة الأولى – العدد 11 – 12 جمادى الآخرة 1357هـ - 8 أغسطس 1938م– صـ10.
- مجلة الإخوان المسلمون – السنة الثالثة – العدد 54 – 15 ربيع الأول 1364هـ - 28 فبراير 1945م – صـ19.
- المرجع السابق: السنة الثالثة – العدد 65 – 1 رمضان 1364هـ - 9 أغسطس 1945م– صـ24.
- المرجع السابق.
- ثابت توفيق: أيام العمر، نسخة ألكترونية على موقع إخوان ويكي
- جابر قميحة: الإخوان ومظاهرة فبراير 1954
- مجلة الدعوة: العدد 103، السنة الثالثة، 3 فبراير 1953م - 18 جمادى الأولى 1372هـ.