الإخوان وقضية فلسطين وقواعد الشيوخ
مقدمة
ظل الإسلام يشكل مصدر قلق للغرب المحتل وأتباعهم من الحكام المستبدين الذين حاولوا جاهدين الاحتفاظ بالسلطة حتى ولو على رقاب العباد، وشكلت في مواجهة المصلحين كثير من الجبهات التي دعمها الغرب في محاولة لطمس الهوية الإسلامية لدى الشعوب المؤمنة بها، وكحائط صد من زحف هذه المارد الإسلامي إلى الدول الغربية.
في ظل هذه الصورة المستعرة من قبل المحتل الغربي، قيد الله لهذه الأمة بعض الرجال الذين نفضوا عنها غبار المهانة وعملوا على عودتها للمعين الأصلي لها المتمثل في القرآن الكريم والإسلام، فسعوا إلى تربية الأجيال على هذه المعاني الكريمة ومع مرور الزمن تغيرت الأجيال وظهرت أجيال حملت راية الجهاد في وجه المحتل وعمدت لتكبيده الخسائر تلو الخسائر، بل أجبرته على الخروج من الوطن الإسلامي.
ومع كونها تعرضت للخيانة من قبل حكامها الذين تولوا كراسي الحكم – خاصة من طائفة العسكر والملوك والأمراء – إلا أنهم ظلوا يحيون بقضايا أوطانهم ولم تغرهم دعوات القومية والنعرة العنصرية التي أطلقها بعض مفكري الإستعمار الذين تركهم خلفه في بلاد الإسلام ليبثوا سمومه في عقول أبناء الوطن الإسلامي.
جماعة الإخوان المسلمين نموذجا
نشأت جماعة الإخوان المسلمين على أكتاف بعض الشباب ونهضت وانتشرت بين صفوف كثير من العلماء والشباب الذين انتشروا بمنهجهم في ربوع الوطن الإسلامي، حتى خرجت أجيال عرفت حق وطنها وحدوده، فانطلقت تدافع عن كل شبر في هذا الوطن المترامي الأطراف ولم تنحصر تحت بوق الشعارات القومية التي كانت تدعو للفرعونية تارة أو الفنيقية تارة أخرى أو الشامية أو الحجازية أو الخليجية، لكنهم اعتبروا أن كل شبر في الوطن الإسلامي وطن لهم، له حق الدفاع عليهم.
انطلقت دعوة الإخوان عام 1928م من مدينة الإسماعيلية وسرعان ما انتشرت في مصر والعالم الإسلامي، وتجلت أمامها كثير من القضايا الوطنية والتي كانت على رأسها قضية فلسطين والمسجد الأقصى لما لها من خصوصية لوضع القدس والمسجد الأقصى القبلة الأولى للمسلمين ومسرى نبيهم صلى الله عليه وسلم، فكانت أول خطوة يخطوها الإخوان نحو العالم الإسلامي هي فلسطين وذلك عام 1931م أثناء المؤتمر الأول في القدس.
لم يهمل الإخوان بقية دول العالم الإسلامي بل طالبو بحريتهم واستقلاله، ونددوا بالانتهاكات التي تحدث ضد الشعوب العربية والإسلامية من قبل المحتل الغربي في العديد من دول العالم الإسلامي.
قضية فلسطين
لم تكن قضية فلسطين حجر الزاوية لجماعة الإخوان المسلمين فحسب، بل أصبحت قضية الأمة الإسلامية بسبب المقدسات الإسلامية التي تضمها وبسبب ضعف شعبها.
غير أن دور الإخوان المسلمين نحو القضية الفلسطينية كان كبيرا ومتنوعا ما بين إعلاميا أو ماديا وعبر عن هذه الحالة الأستاذ بيان نويهض بقوله: أن اهتمام الإخوان المسلمين بتحرير فلسطين كان اهتماما صادقا ومرتكزا على الإيمان الديني العميق.
ويقول ريتشارد ميتشيل:
- "ونادى البنا في المؤتمر العام الثالث المنعقد عام 1935م بجمع الأموال لمساندة قضية العرب، كما ألف لجنةً لتدعو لها عن طريق البرقيات والرسائل إلى السلطات المختصة، وعن طريق الصحافة والنشرات والخطب، وآزر هذه الوسائل قيام مظاهرات نيابية عن المضربين في فلسطين وإرسال المؤن والعتاد لهم".
ويضيف:
- "وكان أعظم ما شهر عن كفاح الإخوان هو ما قدموه من عون للمصريين الذين حوصروا في جيب الفالوجا؛ نتيجة الزحف الإسرائيلي بعد فشل الهدنة الثانية في أكتوبر 1948م؛ إذ ساعد الإخوان على إمداد القوات المحاصرة في الميدان" (1)
لم يتأخر الإخوان عن قضية فلسطين لحظة واحدة حتى كانت المواجهة المباشرة مع الصهاينة في حرب عام 1948م والتي شهد للإخوان فيها العدو قبل الصديق وكتب فيها الكثير من الكتب والأبحاث ومنها شهادة الكولونيل اليهودي ناتنيال لورك في كتابه "حد السيف" والتي كانت له مشاركة في حرب فلسطين 48
فيقول:
- "أول مشاركة مصرية في حرب فلسطين قام بها الإخوان المسلمون، الذين يعتبرون الاستعمار والصهيونية ألدَّ أعداء الإسلام، وكان محاربو الإخوان المسلمين يمتازون بروح قتالية متعصبة، وكانوا على استعداد واضح للتضحية بالحياة". (2)
ويقول "والترز لاكير" في كتابه "الشيوعية والقومية في الشرق الأوسط" لندن-1961م:
- "وفي سنة 1946م - 1947م بلغت حركة الإخوان ذروة قوتها.. ولقد باشرت الحركة بتدريب وحداتها المقاتلة وذلك للقتال في فلسطين، ولقد أعطت الحكومة أوامرها لمراكز البوليس بعدم التعرض للإخوان وهم يجمعون السلاح.. ولقد أقامت حركة الإخوان معسكرات تدريب لوحداتها المقاتلة في كل من العريش في سيناء والصحراء الغربية، ولقد شاركت هذه الوحدات في حرب فلسطين، غير أن أثرها على كل حال لم يكن ذا ثقل كبير في نتيجة الحرب النهائية". (3)
مرحلة جديدة وقواعد الشيوخ
فطن المستعمر الغربي لقوة الإخوان الضاربة فعمدوا إلى حل الجماعة واعتقال مجاهديها ثم أكملوا المهمة باغتيال مؤسسها حسن البنا معتقدين بأن وفاته ستوقف مسيرة الجماعة، غير أنهم فوجئوا بعودة الجماعة لقوتها مرة أخرى والتي برزت في حرب القنال عام 1951م فكان الإعداد لضربهم عن طريق بعض عملاء الغرب أمثال عبد الناصر الذي لم يتوان في توجيه ضربهم لهم في نظير التمتع بكرسي الحكم، حيث سعى بعدها إلى تبريد القضية الفلسطينية.
لم يرض أمين الحسيني ولا بعض العلماء بما آلت إليه أحوال القضية الفلسطينية وكان يربى أن القضية تسير للأسوء، ولذا كان لابد من إعداد أفراد للمقاومة المسلحة ضد العصابات الصهيونية – خاصة بعدما ضاع الحلم بعد نكسة 1967م – فكانت فكرة قواعد الشيوخ.
يقول أحمد حسن:
- "بعد هزيمة حزيران عام 1967 أصيب العالم العربي والإسلامي بخيبة أمل وإحباط شديدين نتج عنهما ردود فعل سلبية وإيجابية تمثلت بكثرة الحركات الفدائية وبانفتاح منظمة التحرير الفلسطيني فتح وبتحرك روح الجهاد لدى الإسلاميين لمقاومة العدو الإسرائيلي واسترداد الأراضي السليبة وأصبحت الأردن تعج بالمنظمات الفدائية المختلفة الأفكار والنزعات وكانت فتح أقوى هذه المنظمات.
- قررت في خطتها الجديدة تكثير أنصارها فأنشأت الجبهة المساندة وعرضت على الإخوان الالتحاق بمعسكراتها بصفاتهم الإخوانية وهي تعلم من هم الإخوان في معارك الجهاد عام 1948 فاستجاب لطلبهم الإخوة السودانيون والكويتيون والمصريون المقيمون خارج مصر والأردنيون وبعض السوريين برئاسة الشيخ مروان حديد والتحق الفوج الأول بمعسكرات فتح غير أنهم لم يتحملوا أسلوب المدربين الفظ وشتائمهم المنكرة
- لذلك طالبوا قيادة فتح بتخصيص معسكر خاص لهم وإلا فسينسحبون من معسرك فتح فاستجابت منظمة فتح لطلبهم وأنشأت لهم معسكرا خاصا باسم فتح جميع عناصره من الإخوان يدرب فيه الأخ عبد العزيز العلي والضابط اليمني الجنوبي محمد سعيد باعباد والضابط الفلسطيني إبراهيم عزي أبو الحسن وكان من خيرة المدربين ومن مؤسسي حركة فتح". (4)
بدأ التدريب على مرحلتين شهر ونصف تدريب عسكري وشهر ونصف تدريب على السلاح وقد عرف معسرهم باسم معسكر الشيوخ وعرف بأن عناصره من الإخوان لوجود عدد من القياديين المكشوفين بين صفوفهم مثل الدكتور اسحق فرحات والدكتور عبد الله عزام ومحمد صالح عمر - الوزير السوداني السابق - وتردد إخوان الأردن عليه وقد كسب مجاهدو معسكر الشيوخ ثقة الأهالي المحتكين بهم والجيش الأردني المجاور لهم لتميزهم بالإخلاص والشجاعة والفداء وبدأت الأفواج تترى.
ويذكر المشوحي انه كانت علاقتهم بالجيش علاقة طيبة وأخوية حيث كانوا يساعدونهم أثناء العمليات أحيانا. (5)
ويقول عبدالله عزام عن علاقة الإخوان بأهالي الأردن:
- عندما حدث الصدام بين الجيش الأردني والفدائيين، ودخل الجيش لضرب قواعدنا.. جاء الأهالي في المناطق التي كانت قواعدنا في أكنافهم وقالوا: نحورنا دون المس بهم وصدورنا دون إيذائهم، لقد عرفناهم معلمين لأبنائنا، وأئمة وخطباء لمساجدنا، وحراسا أوفياء لقرانا ومزارعنا. (6)
وكلما اجتاز الإخوة التدريب بنجاح وزعوا على المراكز الحدودية للرصد والقيام بأعمال عسكرية داخل الأراضي المحتلة وأصبح للإخوان عدة مراكز على الحدود في العلوق والأزرق وعجلون وجرش وإربد والأغوار وقد استدلت المخابرات الإسرائيلية إلى معسكرهم في العلوق من عملائهم على الحدود
فقررت القضاء عليهم فهاجمهم المعسكر سرب من الطائرات الإسرائيلية في تمام الساعة السادسة والنصف من صباح أحد أيام عام 1969 لعلمهم أن اجتماع العمل الصباحي يبدأ في الثامنة صباحا فقدمت موعد الهجوم لتقض على الإخوان وهم في فراشهم ولكن الله خيب ظنهم فقد كان المعسكر خاليا إلا من الحراس.
وكان الإخوان وعددهم ست وتسعون مجاهدا يتدربون خارج المعسكر منذ الخامسة صباحا والذي شاهد آثار الهجوم الجوي على المعسكر يجزم بكل تأكيد أن الإخوان لو كانوا ضمن المعسكر لما نجا منهم أحد مما يؤكد لطف الله بهم. (7)
ويقول رحيل غرابية:
- عقب هزيمة عام 1967 بدأ المد الإسلامي بالتنامي وشارك الإخوان المسلمون في العمل الفدائي ضد إسرائيل من خلال حركة فتح، حيث أقاموا 3 معسكرات، ونفذوا مجموعة من العمليات ضد أهداف إسرائيلية، وقد عمل في هذه المعسكرات حوالي 180 مجاهداً متفرغاً، إضافة إلى العديد من المتطوعين على فترات متقطعة
كما استشهد عدد من هؤلاء المجاهدين في هذه الفترة
- وهم: صلاح حسن (مصر) مهدي الإدلبي (سوريا)، رضوان كريشان (الأردن)، محمد سعيد باعباد (اليمن)، إبراهيم عاشور (فلسطين)، رضوان بلعا (سوريا)، محمود برقاوي (الأردن)، صلاح الدين المقدسي (فلسطين)، زهير سعدو (سوريا)، نصر العيسى (سوريا)، سليم المومني (الأردن) ويعقوب عيسى (سوريا) (8)
كان الإخوان قد عرفوا الحاج أمين الحسيني على محمد يوسف النجار أحد قادة فتح كوسيط بين القيادة والحاج أمين بغية دعمهم. كما انضم الإخوان إلى الجبهة المساندة لتفح وعلى رأسهم القاضي فيصل مولوي، وإبراهيم المصري "لبنان" والتقوا مع ياسر عرفات وأبو المكارم عبد الحي "مصر".
اتفقت فتح والإخوان على تقديم الإخوان للكوادر على أن تقدم فتح الدعم المادي والذخيرة وغيرها على أن تشكل لجنة تنسيقية من الحاج سعد الدين الزميلي وإسحاق فرحان من الإخوان ومحمد راتب غنيم ومحمد يوسف النجار من فتح.
افتتح الإخوان أول معسكر في الأزرق قبل أن ينتقل للعالوك وعلى الرغم من ان مسئولة توفير الذخيرة والتموين مسئولية فتح إلا أن كثير من الإخوان في الوطن العربي حرصوا على توفير كل مستلزمات التدريب والمجاهدين أمثال عبدالله العقيل وعبدالعزيز وعبدالله العلي المطوع بالكويت وعبدالله سلطان الكليب وغيرهم، وكان أكثر الإخوان المشاركين في القواعد من الأردن وسوريا. (9)
وهو ما يؤكده مصطفى الطحان بقوله:
- انضمت عناصر قليلة نسيا للمعسكر ،كان أكثرهم من إخوان سوريا وقليل منهم من إخوان الأردن والسودان واليمن والكويت.
- كان قائد المعسكر الشهيد صلاح حسن.. وهو من خيرة شباب الإخوان من مصر. ولقد استطاع بنشاطه وحيويته وروحانيته، أن يحرك الخمول الذي ران على قلوب الإخوان من خلال سنين المحن والانغلاق، وإذا بمعسكر الشيوخ (كما كانوا يسمونه) يعيد الحيوية لشباب الإخوان.. وإذا بهؤلاء الشباب يسجلِون مِن جِديد علامات فارقة في عمليات مميزة أحس العدو لسعها وعمق تأثيرها.. ذكرته بعمليات إخوانهم من قبل في النقب والخليل وصور باهر عام 1948م. (10)
إلا أن إبراهيم المشوحي – أحد قادة قواعد الشيوخ – يؤكد أن معسكرات الإخوان قد وجدت قبل الاتفاق مع عرفات، لكن الإخوان أرادوا إعطائها الصفة الشرعية حتى لا يقع الصدام مع عرفات، حيث حاولت عناصر من فتح اقتحام معسكراتنا قبل الاتفاق، ولم تكن هذه المعسكرات بأذن من النظام الأردني.
ولم يكن الإخوان يعلنون عن عملياتهم لارتباطها بأعمال قادمة، ومن الاعمال التي قام بها الإخوان عملية في 5/ 6/ 1970م حيث قتل فيها ما يزيد عن أربعة عشرة يهوديا، ولقد استمرت قواعد الشيوخ ثلاث سنوات. (11)
غير أن أمل عيتاني تعرج على قضية عدم اشتراك تنظيم الإخوان في غزة في هذه القواعد فتقول:
- لم يرغب تنظيم الإخوان المسلمين الفلسطينيين (من أبناء قطاع غزة) بالمشاركة في معسكرات الشيوخ التي نظمها الإخوان في الأردن والبلاد العربية تحت مظلة فتح، ضمن العمل الفدائي الفلسطيني (1968 - 1970) في منطقة الأغوار شرقي الأردن ؛ بينما التزم الإخوان في الأردن وسورية والعراق وغيرها بإرسال مجموعات من الشبان للمشاركة في التدريب والعمل العسكري.
- ويذكر في هذا المجال، أن مجموعة من الإخوان اللبنانيين شاركوا في التدريب العسكري في قاعدة الأزرق في الأردن سنة 1970، ومنهم محمد شندب وأحمد خالد ، وكانوا بقيادة عبد الفتاح زيادة ، وقد تعرضت قاعدتهم لقصف جوى مكثف من الطيران الحربي الإسرائيلي، في وقت كانوا فيه خارج القاعدة يتلقون فيه تدريبات على الرماية. (12)
ويضيف محسن صالح:
- وأَسّس الإخوان المسلمون معسكرات الشيوخ في الأردن 1968-1970 حيث عملوا تحت غطاء حركة فتح مع احتفاظهم باستقلالية إدارية داخلية. وقد تم تدريب حوالي 300 رجل توزعوا على سبع قواعد فدائية. ورغم محدودية إمكاناتهم ومشاركتهم فقد قدموا نماذج متميزة في عمليات قوية كالحزام الأخضر 31 أغسطس 1969، ودير ياسين 14 سبتمبر 1969، وسيد قطب 28 أغسطس 1970، واستشهد منهم 13 رجلا. (13)
ويضيف في موقع أخر قوله:
- افتتح معسكر الشيوخ في منطقة العالوك (قرب الزرقاء) وحسب الورقة الأولى في مؤتمر الحوار الإخواني وعنوانها (نظرة تاريخية لمراحل تطور جماعة الإخوان المسلمين) والتي أعدها د. إبراهيم زيد ود. همام سعيد وزياد أبو غنيمة ود. علي العتوم، فقد كانت القواعد في الأزرق والعالوك وجرش وشمال اربد خمس قواعد هي: (بيت المقدس وغزة والمغير والخليل وعلعال) وتولى التدريب صلاح حسن وإبراهيم حسن وعبد العزبز علي (ثلاثتهم من مصر)
- وكانت الدفعة الأولى التي تم تدريبها كانت من 30- 40 رجلا ذهبوا منطقة اربد، وبلغ عدد الذين تم تدريبهم في معسكرات الشيوخ حولي 250- 300 رجل من الإخوان المسلمين ومؤيديهم بينما بلغ عدد القواعد التي فتحت سبع قواعد، وبلغ عدد شهداء معسكرات الشيوخ خلال الفترة من 1968 - 1970م أحد عشر شهيدا.(14)
لقد ساهم الإخوان في عملية الحزام الأخضر - قرب الحمة الأردنية – في 8 أغسطس 1969 والتي اعتبرت من أهم العمليات التي قام بها مجاهدي معسكرات الشيوخ في هذا التوقيت.
حيث تم بها السيطرة على مستعمرة وزرع العلم الفلسطيني بها قبل تدخل الجيش الإسرائيلي بكامل عتاده ليسقط أفراد المجموعة شهداء بعد أن ألحقوا الدمار والتخريب بالمستعمرة وقتلوا وجرحوا العديد من الصهاينة. (15)
استمرت هذه القواعد في العمل بنجاح خلال الفترة "1968، 1970" ونجحت بالقيام بعمليات فدائية عديدة بعضها خاص بحركة الإخوان المسلمين والبعض الآخر مشترك مع حركة فتح من حيث الإعداد والاستطلاع والتدريب والتنفيذ وعادة ما كانت تتم المشاركة في العمليات الكبرى.
وكانت حركة الإخوان المسلمين ترى أنه من الحكمة أن يتم التنسيق مع حركة فتح دون غيرها لأنها الأقرب إليهم وبالمقابل كانت قيادة الثورة الفلسطينية تأنس لهم لصدق القصد.
نهاية تجربة قواعد الشيوخ
غير أن هذه التجربة لم تستمر كثيرا حيث تباينت بعض الإختلافات بين قادة حركة فتح وجماعة الإخوان المسلمين والتي رفضت قتل أو الاشتباك ضد أحد من المسلمين، خاصة حينما حدث صدام بين الجيش الأردني والفدائيين من حركة فتح.
تمادت حركات التحرير حينما امتلكوا القوة والسلاح فصدرت عنهم تصرفات عجلت بأنهاء التجربة في الأردن بل وطردهم إلى لبنان، وانسحاب الإخوان إلى بلدانهم.
يقول إبراهيم غوشة:
- بل بلغ الأمر ببعض الفصائل أنها كانت تكتب على الحوائط (كل السلطة للمقاومة)، (تحرير القدس يبدأ من عمان)، وقد زاد نشاط الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية في ذلك وانجرت فتح معهم في هذا الأمر، وكانت تحدث اشتباكات بين الجيش والفصائل، حتى بلغ الأمر أن بعض شباب الحركات كان يجرد ضباط الجيش من ملابسه تحت تهديد السلاح. (16)
اعتبر الملك حسين أن المسألة الفلسطينية ستظل قضية الأمن القومي المهيمنة في البلاد؛ لكنه خشي من أن ضفة غربية مستقلة تحت إدارة منظمة التحرير ستهدد استقلالية ممكلته الهاشمية. إلا أن المنظمات الفلسطينية أساءت التصرف مع الجيش الأردني والشعب، يقول كامل الشريف: كان الفدائيون يستهينون بالدولة، وكنت أسمعهم وهم يشتمون الملك في خطبهم في مجمع النقابات وأنا في بيتي.
ويقول طاهر المصري:
- كنت عام 1970م موظفا في البنك المركزي، ولا أدري إذا كانت الفتنة مرتبطة بمخطط، لكن ما رأيته هو تجاوزات الفدائيين حيث كانوا يأخذون (الخاوة)، وخطفوا عديلي لأنه في الجيش – رغم أنه غزاوي – وقد كنت أبيت الليالي في البنك المركزي لأنني لم استطع العودة إلى منزلي.
- لقد شهدت البلاد فترة انفلات أمني بعد حرب 67 مما دفع الناس للالتحاق بالفدائيين، وعمت الفوضى حتى أن مضر بدران (مدير المخابرات العامة قبل 1970م) كان يقول لقد تحولت معسكرات الجيش إلى سجن كبير للجنود والضباط، حتى إذا بلغ السيل الزبى حصل الملك على موافقة الجيش لإنهاء هذه الفوضى. (17)
كانت الأحداث كثيرة، والمشهد ضبابي، والأيادي الخارجية تعبث بالمشهد على الأراضي الأردنية لصالح إسرائيل، خاصة أن الحركات الفدائية أصبحت كثيرة العدد متعددة القيادة، متنوعة الولاء لبعض الدول العربية والغربية، ولذا لم يعجبهم سياسة حسين في التفاوض من أجل السلام الذي كان ينشده لوطنه مع إسرائيل.
بحلول عام 1970، بدأت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بزعامة جورج حبش والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بزعامة نايف حواتمة، التشكيك علنا بشرعية الملكية الهاشمية، ودعوا إلى إسقاطها واستبدالها بنظام ثوري، وساهم في الأمر النظام البعثي في سوريا حتى أنه تدخل لصالح الفدائيين ضد الجيش الأردني.
بدأ الملك حسين تحت ضغط الجيش في التحرك ضد الحركات الفدائية، وتعهدت إسرائيل بعدم استغلال الموقف وقت المواجهة.
في 9 يونيو نجا الملك حسين من محاولة فاشلة لاغتياله أثناء مرور موكبه في منطقة صويلح ومحاولة فاشلة أخرى بوسط عمان حيث قام قناص كان مختبئاً على مئذنة المسجد الحسيني بإطلاق النار على سيارة الملك واستقرت إحدى الرصاصات في ظهر زيد الرفاعي الذي كان يحاول حماية الملك وقامت مصادمات بين قوات الأمن وقوات المنظمات الفلسطينية ما بين فبراير ويونيو من عام 1970 قتل فيها حوالي 1000 شخص.
قامت الحركات الفلسطينية بخطف عدد من الطائرات من دول أوربية وقاموا بتفجيرها في الأردن والقاهرة. (18)
حسم الملك حسين والجيش الأردني الموقف – بعدما شهدت الساحة اقتتالا عنيفا خلف آلاف القتلى والجرحى من الطرفين- ولقد أُجبر الفدائيين على مغادرة البلاد إلى لبنان، حيث خسروا أرضا مهما في إقامتهم أعمالهم الفدائية. (19)
وقف الإخوان على الحياد – رغم أن الفدائيين والجيش الأردني غضبوا من موقفهم فكل واحد كان يريد تأييدهم له – لأنهم كانوا يعتقدون انه لا يجوز للمسلم بأن يقتل المسلم، فالفدائيين مسلمين والجيش الأردني مسلما.
وأصدر الإخوان بيان في 14 يونيو 1970م بعنوان لمصلحة من هذه الفتنة العمياء، جاء فيه:
- الجيش بجميع أفراده المؤمنين الصادقين الشجعان، وعناصر الفدائيين الصادقيين الشجعان يلتقون كلهم على هدف واخد هو تحرير الوطن المحتل..إنها دعوة الجاهلية بعصبياتها القبلية وعادتها الرجعية. (20)
ويقول مصطفى القيسي (مدير المخابرات الأسبق):
- كان موقف الإخوان حينما وقعت الأحداث مشرفا حيث لم يسجلوا على أنفسهم ما يمكن أن يسيء إلى فكرهم ولهذا فإن موقفهم لا غبار عليه دينيا وسياسيا. (21)
ويستمر العطاء
لم يكن عام 1970م نهاية المرحلة بالنسبة للإخوان بخصوص قضية فلسطين، حيث ظلت محور الجماعة خاصة بعد عودتها في مصر فكانت مجلة الدعوة منبر يصدح من أجل القضية الفلسطينية، غير الشوارع التي امتلأت بالمظاهرات من أجل فلسطين، هذا غير الرفض الشديد من قبل الإخوان لمعاهدة السلام وكامب ديفيد والتي بسببها اعتقل المئات من قيادات الإخوان وشبابهم.
واستمر الحال حتى تشكلت في فلسطين حركة المقاومة الإسلامية حماس، حيث أعلن عن تأسيسها الشيخ أحمد ياسين بعد حادث الشاحنة الصهيونية في 6 كانون الأول - ديسمبر 1987م، حيث اجتمع سبعة من كوادر وكبار قادة العمل الدعوي الإسلامي معظمهم من الدعاة العاملين في الساحة الفلسطينية
وهم:
- أحمد ياسين، وإبراهيم اليازوري، ومحمد شمعة (ممثلو مدينة غزة)، وعبد الفتاح دخان (ممثل المنطقة الوسطى)، وعبد العزيز الرنتيسي (ممثل خان يونس)، وعيسى النشار (ممثل مدينة رفح)، وصلاح شحادة (ممثل منطقة الشمال)، وكان هذا الاجتماع إيذانًا بانطلاق حركة حماس وبداية الشرارة الأولى للعمل الجماهيري الإسلامي ضد الاحتلال الذي أخذ مراحل متطورة لاحقاً. (22)
وترى حركة حماس أن تحرير فلسطين لا يمكن أن يتم إلا بالجهاد في سبيل الله، وقد جاء في ميثاق الحركة أنه:
- "يوم يَغتصب الأعداء بعض أرض المسلمين، فالجهاد فرض عين على كل مسلم. وفي مواجهة اغتصاب اليهود لفلسطين لا بد من رفع راية الجهاد، وذلك يتطلب نشر الوعي الإسلامي في أوساط الجماهير محليًا وعربيًا وإسلاميًا، ولا بد من بث روح الجهاد في الأمة ومنازلة الأعداء والالتحاق بصفوف المجاهدين. (23)
ستظل قضية فلسطين هي القضية المحورية لجماعة الإخوان المسلمين حتى تتحرر الأراضي كلها من المحتل الصهيوني.
المراجع
- ريتشارد ميتشيل: الإخوان المسلمون، ترجمة محمود أبو السعود، مكتبة مدبولي، 1977م.
- محسن محمد: من قتل حسن البنا؟، دار الشروق، القاهرة، 1987م، صـ 290
- عبدالله الفهد: الإخوان المسلمون في الفكر الغربي، الطبعة الأولى، مكتبة الأقصى- عمان، الأردن، 1979م - 1399هـ.
- بسام العموش: محطات في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، الأكاديميون للنشر والتوزيع، عمان، 2008، صـ 68- 69.
- محطات في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في الأردن: مرجع سابق، صـ71
- عبد الله عزام: حماس - الجذور التاريخية والميثاق، بيشاور، باكستان، مكتب خدمات المجاهدين، 1989م، صـ 86.
- محمد الحسن: موقف الإسلاميين من قضية فلسطين، مكتبة الغزالي، طـ1، 1995م، صـ210
- رحيل الغرابية: الإخوان المسلمون في الأردن.. صراع الصقور والحمائم
- غسان محمد دوعر: قواعد الشيوخ مقاومة الإخوان ضد المشروع الصهيوني (1968 – 1970)، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، طـ1، 2018، صـ53 وما بعدها.
- مصطفى الطحان: القدس التحدي الحضاري، طـ2، اتحاد المنظمات الطلابية، 2006م، صـ180
- محطات في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في الأردن: مرجع سابق، صـ 66.
- أمل عيتاني، عبد القادر علي، معين منّاع: الجماعة الإسلامية في لبنان منذ النشأة حتى 1975م، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، طـ1، 2009م، 65- 66.
- محسن محمد صالح: الطريق إلى القدس، الطبعة الخامسة، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات - بيروت ، 2012 صـ 196-198.
- المرجع السابق: صـ195.
- بلال محمد شلش: سيدي عمر: ذكريات الشيخ محمد أبو طير، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، 2017م، صـ64.
- إبراهيم غوشة: المئذنة الحمراء، السيرة الذاتية لإبراهيم غوشة، (بيروت، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2008م)، صـ111.
- محطات في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في الأردن: مرجع سابق، صـ75
- نذير رشيد .. مراحل من تاريخ الأردن، شاهد على العصر، ج6
- أحمد الشقيري: إني أتهم، طـ1، دار العودة، بيروت، لبنان، 1973م.
- محطات في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في الأردن: مرجع سابق، صـ84
- المرجع السابق.
- خالد أبو العمرين: حماس: حركة المقاومة الاسلامية، جذورها، نشأتها، فكرها السياسي، مركز الحضارة العربية للإعلأم والنشر، 2000م
- ميثاق حركة حماس