العمل الخيري بين الدولة والإخوان

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
العمل الخيري بين الدولة والإخوان


قطار اللاجئين 1948م وقطار الرحمة 1952 وزلزال 1992


مقدمة

تميز الإسلام بنزعته الإنسانية الواضحة الثابتة الأصيلة في معتقداته، وعباداته، وتشريعاته، وتوجيهاته، إنه دين الإنسان، الذي جعل له مكانة عليا فيه، مع تقرير غايته الربانية، وإبرازها وتثبيتها، إذ لا تنافي بين الغاية الربانية، والغاية الإنسانية، بل هما متكاملتان، فقال الله تعالى: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً" (الإسراء70).

و كل دارسٍ للإسلام في كتابه وسنّة رسوله، يتبين له بجلاء: أنّه وجّه عناية بالغة إلى "الجانب الإنسانيّ" وأعطاه مساحة رحبة من رقعة تعاليمه، وتوجيهاته، وتشريعاته..

ومنذ نشأة جماعة الإخوان المسلمين وضع الأستاذ حسن البنا الأسس للعمل الشامل (السياسي والاجتماعي والدعوي والاقتصادي) للإخوان وأنهم ليسوا مجرد جماعة دعوية إسلامية ولكنهم أيضا هيئة سياسية نتيجة لفهمهم العام للإسلام وأن مشاركتهم السياسية والاجتماعية تأتي من منطلق الإصلاح في الأمة وتطبيق لتعاليم الإسلام وأحكامه.

أهمية العمل الإنساني

الإنسانية في الإسلام هو ركن عقدي وواقع تطبيقي. شرّع الإسلام حقوق وواجبات بين المجتمع الإسلامي بتكويناته المتعددة لكل فرد، سواءً كان ذكرٍ أو أنثى. وقد حرص على رعاية حقوق الإنسان جميعاً. كما حث الإسلام على الأخلاقيات الحسنة، حتى إن الغاية من رسالة الإسلام هي إتمام وإصلاح مكارم الأخلاق في نفوس الناس أجمعين، وقد قال الرسول:"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". فالتسامح، وحُب السلام، والكرم، والرفق بالتعامل مع غير المسلمين كُلها صفات تدل على الإنسانية.

كما أن الإسلام أعطی الإنسان حقوقه الكاملة غير المنقوصة، ولم يترك صنفا من الناس إلا ونص القرآن علی حقه، وفصلت السنة النبوية ذلك وبينته، مما لم يوجد في دين أو منهج غير الإسلام. فعن ابن عمر مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لله أقواما اختصهم بالنعم لمنافع العباد يقرهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم" (رواه الطبراني).

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.

وهو ما شمر عن ساعده كل مسلم لنيل شفاعة الرسول الكريم، يقول أحمد فتحي النجار: العمل التطوعي نتاج قديم لنداءات سماوية دينية، وضمائر بشرية حية وسليمة، بما توقعه على أنفسها من مسؤولية وعبء تلتزم بتقديمه لتُحدث ما لا يمكن إحداثه لصالح المجتمع والكافة دون الحاجة لند أو نظير أو مقابل مادي، خاصة في أوقات الذروة والحاجات الإنسانية المتراكمة.

والعمل الإنساني لا يقتصر على الحكومات فحسب بل يشارك فيه الأفراد والمجتمع المدني وكثير من الهيئات خاصة وقت النوازل الطبيعية والمجاعات. ومن ثم يعود العمل الإنساني بالنفع والخير على الشخص الذي يقدم المساعدة والمتلقي في الوقت ذاته، فالعمل الإنساني يذكر الفرد بإمكاناته وقدراته.

العمل الخيري في جماعة الإخوان

ربما يظن البعض أن العمل الخيري والتطوعي في جماعة الإخوان بدأ مع نشأة قسم البر والخدمة الاجتماعية، لكن هذا غير صحيح فالعمل الخدمي والتطوعي سواء داخل الصف أو خارجه بدأ مع نشأة الجماعة؛ حيث نظر البنا فوجد أن البيئة المحيطة به تحتاج للتربية فعمد إلى:

  1. طرق الأبواب الموصدة بالعمل الدائم والتقرب للناس.
  2. إحياء نظام الإسلام الاجتماعي وتطبيقه، والمساهمة فى الخدمة الاجتماعية الشعبية.

وقد ضربت مؤسسات الإخوان ومنشآتهم فيه بسهم وافر، فكل دار من دور الإخوان مدرسة ليلية، ومنتدى أدبى للثقافة والتربية، وقد أنشأ الإخوان عددًا من المدارس الأولية والابتدائية، وهم فى هذا العام سينشئون مدرسة ثانوية بالإسكندرية، كما أن لهم أكثر من عشرين مستوصفًا خيريا، وفى هذا العام افتتحوا أول مستشفى لهم بالعباسية. (1)

ومن هذه البذور التي بذرها الإخوان أن قاموا فى مختلف الشعب بجهود مشكورة فى محاربة الفقر، وذلك عن طريق جمع الزكاة والصدقات وتوزيعها على الفقراء، مثلما فعل إخوان شعبة "سنديون غربية" بشراء كمية كبيرة من الذرة وزعت على الفقراء والمساكين، وكان يقدم فى التوزيع النساء الأرامل اللائي فقدن أزواجهن، والرجال العاجزين عن الكسب، والصغار واليتامى. (2)

لم يهدف الإخوان من الأعمال الخدمية والتطوعية خدمة الشعب فقط، أو إطعامه من جوع، أو كسوته من عري؛ لكن كان هدفهم أسمى من ذلك وهو أن يدرك الناس حقيقة التكافل فيما بينهم والمسارعة لسد حاجات الفقراء، فقد عاب الإخوان على الأغنياء زيادة أحجامهم من التخمة التي تنتج عن كثرة الطعام، في حين كان الفقراء يموتون جوعا كل يوم، وحثوا الجميع على التكافل وإخراج الزكاة والصدقات، ولقد استجاب لهذه الروح المنطلقة من شريعة الرحمن أناس كثيرون فعمدوا إلى كفالة الفقراء.

وحين اندلعت الحرب العالمية الثانية وأصيبت الإسكندرية من جراء الغارات سارع الإخوان بمناشدة المجتمع بفتح بيوتهم لإيواء أهل الإسكندرية القاريين، ولم يتوقف الأمر على النداء بل قام الإخوان بفتح شعب الإخوان لاستضافة الفارين ونجد ذلك في الشرقية والغربية وكثير من المحافظات. (3)

ما بين قطار اللاجئين وقطار الرحمة .. فروق

لا يقف العمل الإنساني عند تحقيق مصالح الجيل الحاضر، بل يتعدى ذلك إلى نظرة شاملة تضع في الاعتبار مصالح أجيال المستقبل، وهو ما من شأنه أن يسهم في حل كثير من الأزمات المعاصرة، ويحاصر كثيراً من الأخطار التي تواجه مستقبل الأفراد والجماعات.

ومشاركة أفراد المجتمع في المحافظة على المصالح العامة والخاصة، ودفع المفاسد والأضرار المادية والمعنوية، بحيث يشعر كل فرد فيه أنه إلى جانب الحقوق التي له، عليه واجبات للآخرين، وخاصة الذين ليس باستطاعتهم أن يحققوا حاجاتهم الخاصة، وذلك بإيصال المنافع إليهم ودفع الأضرار عنهم.

وهو ما يوضح الفرق بين ما قام به الإخوان نحو الأزمات التي عانى منها المجتمع المصري والمجتمعات العربية والإسلامية خاصة الفلسطينية وما قام به بعض الفنانين فيما عرف بقطار الرحمة عام 1952م، حيث حرص الإخوان على الاستمرارية في مد يدي العون وهو ما وضح في أزمة زلزال 1992م الذي ضرب مصر ودمر كثير من المباني وشرد كثيرا من الناس.

ناهيك عن تحمل الإخوان جميع التكاليف على نفقتهم الخاصة دون انتظار أجر أو شكر من احد بخلاف ما أنفقه الفنانين خلال رحلتهم من القاهرة لأسوان في قطار الرحمة.

قطار اللاجئين جهد الإخوان

لقد كان غرض قطار اللاجئين الذي أطلقه الإخوان عام 1948م هو نفس الغرض الذي أطلقه بعض الفنانين بدعم من الحكومة العسكرية عام 1952م ألا وهو دعم الشعب الفلسطيني وإغاثته. غير أن الإخوان اختلفوا عن فنانيي قطار الرحمة أن قضية فلسطين كانت قضية محورية منذ نشأة الجماعة حتى الآن.

حيث طالب الإخوان عام 1931م بإنشاء صندوق دعم لشراء أراضي الفلسطينين الراغبين في البيع وتسليمها للفلسطينيين دون وقوعها في يدي العصابات الصهيونية التي نشطت في ذلك الوقت لشراء الأراضي من الفلسطينيين وطردهم.

وشكّل الإخوان لجان دعم لثوار فلسطين، كما نظموا المهرجانات والمظاهرات والبعثات الصيفية للطلاب إلى الريف لشرح قضية فلسطين، وجمع التبرعات المالية، وشكلوا "اللجنة المركزية العامة لمساعدة فلسطين" في مايو 1936م.

ومع ذلك فكثير من هذه الحملات التي جمعت فيها التبرعات كانت تحت رعاية مؤسسات الدولة والحكومة، حيث أطلق الإخوان حملات تبرعات لجمع ما يمكن للمواطن المصري أن يتبرع به من ملابس ومواد غذائية ترسل للشعب الفلسطيني عن طريق اللجنة العليا لفلسطين برئاسة الحاج أمين الحسيني وأمين جامعة الدول العربية عبدالرحمن عزام باشا.

وفي أول أيلول - سبتمبر 1948 أعلن الإخوان المصريون عن مشروعهم لمساعدة "المشردين" بفلسطين؛ فوجهوا خطاباً إلى أمين عام الجامعة العربية ، وذكروا فيه أن الإخوان قد ألفوا لجنة لهذا الغرض برئاسة الصاغ محمود لبيب المفتش العام لفرق الإخوان على أن تكون مهمتها

"محددة بتكوين لجان فرعية فى المملكة المصرية لجمع الملابس والأغطية والتبرعات النقدية خلال المدة من 15 الى 25 أيلول - سبتمبر تحت عنوان "أسبوع مساعدة اللاجئين بفلسطين".. على أن يسلم ما يجمع للجامعة العربية، أو وزارة الشئون الاجتماعية، أو الهلال الأحمر، وعلى أن يكون التوزيع فى فلسطين نفسها وكان مطلب الإخوان من الأمين أن يقوم بالتوسط لدى وزارة الشؤون الإجتماعية المصرية عن طريق الأمانة العامة للجامعة العربية لتأذن للجنة بمباشرة مهمتها" ..

كان المشروع ينقسم إلى قسمين:

  1. قطار اللاجئين : وذلك بأن يقوم قطار من أسوان حتى مصب النيل ليجمع من أهل المروءة والشهامة مايزيد على حاجتهم من أي شيء؛ وإتصل الإخوان بالحكومة وأخذوا تصريحاً من دسوقى أباظة باشا وزير المواصلات بذلك..
  2. عربات اليد : إبتكرها الإخوان وتقضي بإطلاق عدة عربات يد تجوب القاهرة لجمع الملابس والأغطية للاجئين؛ وكان المتطوع الأول فى هذا المشروع الأستاذ البنا رحمه الله. ولكن فوجئ الإخوان بأن وزير الداخلية أمر بالإمتناع عن هذا العمل المزدوج .. وكان لذلك أسوأ الأثر فى النفوس لأن الأمر كان مقصوداً به الإخوان .

يقول عارف العارف :

" من الواجب أن أذكر بالتقدير والثناء ما قام به الإخوان المسلمون المصريون من أجل فلسطين فقد ركضوا لنجدتها فور نشوب القتال ، وعندما قامت حركة اللاجئين بعث المرشد العام لهذه الجماعة الشيخ حسن البنا رجاله إلى المدن والأرياف المصرية ليجمعوا باسم اللاجئين الملابس والأطعمة والأدوية والأغطية ومواد الإسعاف اللازمة ، ولكن النقراشي أصدر أوامره بوصفه الحاكم العسكري العام بمنعهم".

وهو الأمر الذي أكده الصاغ محمود لبيب في شهادته أمام محكمة السيارة الجيب حينما سأل: ظهرت فكرة عند الإخوان في سنة 1948 لجمع ملابس ومؤن وغير ذلك من طبقات الشعب المختلفة لإغاثة اللاجئين. فهل تعرف شيئا عن كيف نشأت هذه الفكرة وعن مصيرها؟

ج : لما كنا في المعسكرات وكنا نرى اللاجئين في حالة بؤس لا يمكن تصورها، وكان المتطوعون يقسمون طعامهم بينه وبين اللاجئين، حتى أن بعض رجال الجيش انتقدوا هذا التصرف وقالوا إنهم مجاهدون فلا يجوز لهم أن يضعفوا أنفسهم بهذه الطريقة، ولذلك نبتت فكرة قطار اللاجئين وذلك بأن يقوم قطار من أسوان لغاية مصب النيل ليجمع من أهل المروءة والشهامة ما يزيد على حاجتهم من أي شيء

واتصل الإخوان برجال الحكومة وأخذوا تصريحًا من دسوقي أباظة باشا وزير المواصلات بذلك، وأما في القاهرة فقد أطلق الإخوان عدة عربات تجوب القاهرة وإذا بهم يفاجئون بأن وزير الداخلية أمر بالامتناع عن هذا العمل المزدوج!!! وكان لهذا الأمر أسوأ تأثير في النفوس لأن الأمر كان مقصودًا به الإخوان.

كما ذكرته جريدة الإخوان المسلمين اليومية في خضم ذكرها لتشكيل اللجنة القائمة على هذا الأمر، حيث جاء فيها: يعتمد مكتب الإرشاد تأليف لجنة تلقي التبرعات التي ترسل باسم الإخوان المسلمين في جميع أنحاء القطر وإرسالها إلى الجهات المختصة.

وهي مكونة من الإخوان الأساتذة:

  1. محمد بك نصير "رئيسًا"
  2. سعد الدين الوليلي "سكرتيرًا"
  3. الصاغ محمود لبيب "عضوًا"
  4. حسين كمال الدين "عضوًا"
  5. عبده أحمد قاسم "عضوًا"
  6. عبد الحفيظ الصيفي "عضوًا"
  7. فريد عبد الخالق "عضوًا"
  8. محمد شريف "عضوًا"
  9. مصطفى مؤمن "عضوًا"
  10. الدكتور محمد أحمد سليمان "عضوًا"
  11. صلاح عبد الحافظ المحامي "عضوًا". (4)

و يذكر خالد أبو العمرين (من فلسطين) أن جماعة الإخوان اهتمت بتنظيم دروس التقوية المجانية للطلاب وإغاثة سكان المخيمات في ليالي الشتاء القارس عندما تقتلع خيامهم وتقديم المساعدات للطلاب الفلسطينيين في الجامعات المصرية بمعدل ثلاثة إلى أربعة جنيهات شهيا .

وان الإخوان يساهمون في توزيع التبرعات القادمة من مصر على اللاجئين والتي كانت تعرف باسم (قطار الرحمة) ويعزو أبو العمرين سبب تكليف الإدارة المصرية للإخوان بتوزيع هذه المساعدات " لما يتصفون به من نزاهة ونظافة يد" (5)

قطار الرحمة .. دعم الدولة

بعد شهور من ثورة يوليو 1952 وتحديدا يوم الأربعاء 24 ديسمبر 1952م نظمت إدارة الشؤون العامة للقوات المسلحة قافلة خيرية تطوف أرجاء مصر لجَمْع التبرعات للفقراء، وعُرفت القافلة وقتها باسم "قطار الرحمة"، وشاركت بها مجموعة كبيرة من الفنانين على رأسهم يوسف وهبي ومحمد فوزي وفاتن حمامة ومديحة يسري وغيرهم، حيث انطلق القطار من الرصيف 8 في محطة القاهرة إلى دمياط ثم العودة للصعيد.

وفي حوالي الساعة التاسعة إلا ثلث وصل الصاغ مجدي حسنين وحيّا الفنانين والصحفيين ورجال الإذاعة والمرافقين للقطار وصافحهم فرد فردًا، وقال لهم: "في سبيل الخير ما تفعلون، وأنتم أمانة عندنا، سنُهيئ لكم كل وسائل الراحة والطمأنينة، وقد أنابني الرئيس محمد نجيب عنه لكي أودعكم ولولا شدة مشغولياته وتعبه لحضر بنفسه".

طاف القطار جميع محطات مصر في الوجة البحري والقبلي لمدة 15 يوما من البحر المتوسط وحتي أسوان لجمع التبرعات. وتمكنت حملة موكب " قطار الرحمة" من جمع 4248 جنيهًا بحمولة 39 عربة من المواد الغذائية، وفى حفل شعبى فى محطة سكة حديد غزة أقيم حفل لاستقبال القطار الذى اسماه الرئيس الأسبق محمد نجيب (قطار الرحمة) (6)

لا نقلل من جهد الدولة ولا رجالاتها ولا فنانيها فيما قاموا به من أجل جمع التبرعات وتوفير الوقت من أجل الطواف في ربوع مصر من أجل هذا العمل الإنساني، إلا أن الفرق بينه وبين قطار الإخوان أن قطار الإخوان كانوا جهدا ذاتيا لم يدعمه أحد واستمر بسبب انتشار الإخوان في ربوع مصر، أما قطار الرحمة فكان مدعوما من الدولة ويقف وراءه الجيش لكسب أرضية لدى الشعب، وشارك فيه فنانين مشهورين.

الإخوان ومحطة زلزال 1992م

عند الساعة الثالثة و9 دقائق عصرًا تقريبا وقع زلزال القاهرة 1992 في يوم 12 أكتوبر 1992 وكان مركزه بالقرب من دهشور على بعد 35 كيلومترا إلى الجنوب الغربي من القاهرة، واستمر الزلزال لمدة نصف دقيقة تقريبًا مما أصاب معظم بيوت شمال مصر - القديمة منها - بتصدعات وبعضها تهدم منه

وبلغت قوة الزلزال 5.8 درجة على مقياس ريختر ولكنه كان مدمرا بشكل غير عادي بالنسبة لحجمه، وقد تسبب في وفاة 545 شخصا وإصابة 6512 آخرين وشرد حوالي 50000 شخص إذ أصبحوا بلا مأوى. فضلا عن 350 مدرسة أضحت ركاما تحت أنقاض زلزال 92 وتُوفي نحو 200 طالب، 9 آلاف منزل هُدموا فوق رؤوس ساكنيهم، بالإضافة إلى 216 مسجد، 212 أثرا تاريخيا و350 مبنى.

نجحت جماعة الإخوان المسلمين بحكم انتشارها الشعبى والمجتمعي فى الوصول إلى أماكن الكوارث قبل وصول السلطات الرسمية بساعات، وقد قامت بدور أساسى وفاعل فى إنقاذ العشرات من الموت، ومد يد العون للمشردين ممن تهدمت بيوتهم وصار الشارع مأوى لهم.

حتى أن الكاتب القبطي شارل المصري كتب في كتابه قوله:

لقد سبق الإخوان الحكومة ونافسوها في الخدمات، والدليل عندما وقع الزلزال في أكتوبر 1992م نزل الإخوان إلى الشوارع، ونصبوا الخيام ووزعوا الأدوية، وخدماتهم التي كانوا يقدمونها أفضل من خدمات الحكومة. (7)

لقد سبق الإخوان المؤسسات الحكومية أثناء زلزال 1992م بتقديم الخدمات الصحية والرعاية الاجتماعية، وإغاثة المضطرين، وإقامة الخيام للمتضررين، مما جعل النظام يهدم كل الخيام التي أقامها الإخوان في القلعة والقاهرة القديمة.

حتى أن نقابة المهندسين – التي كان يسيطر عليها الإخوان في ذلك الوقت - جذب بلاغات المواطنين إليها وإلى النقابات الفرعية التابعة لها، بما يعكس دورها فى التضامن مع الجماهير الذين تضرروا من آثار الزلزال بصورة عملية وفعالة، كما صرفت النقابة العامة للأطباء إعانات عاجلة من موازنتها لأسر المتوفين بواقع "200" جنيه ووزعت "لجنة الإغاثة الإنسانية بالنقابة" 30 الف جنيه فى صورة أدوية ومعونات للمصابين، وتم تجهيز وجبات جاهزة لتوزيعها على المصابين فى المستشفيات.

كما حرص الإخوان على أن يكونوا إلى جوار منكوبى الزلزال وقدموا لهم معونات مادية وأطعمة وعاونوهم فى نقل الأثاث وكان مظهرهم واضحاً من خلال اللحى وعبارات المواساة الإسلامية فى مثل هذه المناسبات، ولم يكن هناك دور حقيقى للجمعيات الخيرية التابعة لوزارة الشئون الإجتماعية التى تقدر بأكثر من 3 آلاف جمعية على مستوى الجمهورية.

وقد ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية أن الجماعة الإسلامية "الإخوان" قاموا بتعبئة أنفسهم لتقديم مساعدة متواضعة لكن سريعة للآلاف من الفقراء والبسطاء الذين يشكلون غالبية منكوبى الزلزال العنيف الذى ضرب مصر. (8)

ويقول الباحث أحمد بان:

كانت الكارثة كبيرة وكشفت حجم الفساد في المحليات والنقص الفادح في إمكانات التعامل مع الكوارث، فانتشرت على الفور فرق المتطوعين من الإخوان في الأماكن المنكوبة، وقامت نقابة المهندسين من خلال عدد من مهندسي الإخوان فيها بمعاينة المنازل المتضررة بأسرع مما تحركت به الجهات الرسمية
كذلك قلمت نقابة الأطباء من خلال لجنة الإغاثة الإنسانية التي كان يسيطر عليها الإخوان بنشر المخيمات وإعاشة المنكوبين والمساعدة في إخلاء الضحايا بدرجة واضحة من النظام والدقة التي كانت حديث وسائل الإعلام في الخارج، بما آثار حفيظة الحكومة التي تحركت بعدها مباشرة بإصدار قانون يحول دون وصول الإخوان لمجالس هذه النقابات.
وذكرت جريدة الحياة فى عددها الصادر فى 16/10/1992 أن نقابة المهندسين شكلت لجنة من جانبها فور وقوع الزلزال لجنة تضم 10 من كبار أساتذة الجامعات وقيادات النقابة فى مجالات الهندسة المدنية والمعمارية للإشراف على عمليات تقويم أحوال المنشآت والعمل على معالجة آثار الأضرار التي لحقت بها. (9)

وكتب خليل الجبالي:

قام شباب الإخوان المسلمين ولجان الزكاة التابعة لها وجمعياتها الخيرية التي استولى عليها العسكر بعد انقلابهم المشؤوم في 2013 بعمليات إغاثة كبيرة، وحثوا الآخرين على جمع الملابس المستعملة والأدوية.
فتبرع كثير من المصانع والمحلات بالملابس الجديدة، وتبرعت صيدليات وشركات أدوية لهيئة الإغاثة الإنسانية - التي كان يقودها أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين كذلك - فجمعوا من خلالها التبرعات العينية والمادية الكثير.
وفرّغ الحاج حسن الجمل رحمه الله (عضو مجلس الشعب عن الإخوان) مخازنه وتحت عماراته؛ ليخزنوا فيها تلك التبرعات، وتفرغ كثير من الإخوان ومحبيهم لخدمة مصابي الزلزال. (10)

أخيرا

لم يرصد أحد التميز الانساني عند الإخوان المسلمين في تقديم يدي العون والإغاثة لكل محتاج أو ملهوف، فما أن وقعت الكوارث في بعض مناطق القطر المصري سارع الإخوان لنجدهم دون تميز بين مسلم وقبطي أو بين صغير وكبير، فالكل في فكرها في العمل الإنساني سواء.

ولقد صدق إحسان عبدالقدوس حينما وصف شباب الإخوان وعملهم الإغاثي بقوله:

وستمر في طريقك داخل الدار بمخازن الذخيرة التي يمتلكها الإخوان: وهي الشباب، شباب امتلأت بهم حجرات الدار على سعتها، ترى على وجوههم نور التقوى والإيمان، وفي عيونهم حماسة الجهاد، وبين شفاههم ابتسامة تدعو إلى المحبة والإخاء، وفي يد كل منهم مسبحة انحنى عليها بروحه يذكر اسم الله
وهم مع كل ذلك شبان (مودرن)، لا تحس فيهم الجمود الذي امتاز به رجال الدين وأتباعهم، ولا تسمع في أحاديثهم التعاويذ الجوفاء التي اعتدنا أن نسخر منها، بل إنهم واقعيون يحدثونك حديث الحياة لا حديث الموت، قلوبهم في السماء ولكن أقدامهم على الأرض، يسعون بها بين مرافقها، ويناقشون مشاكلها، ويحسون بأفراحها وأحزانها، وقد تسمع فيهم من "ينكِّت" ومن يحدثك في الاقتصاد والقانون، والهندسة، والطب. (11)

المراجع

  1. الإخوان المسلمون اليومية، العدد (719)، السنة الثالثة، 2 ذو القعدة 1367ه - 5 سبتمبر 1948م، صـ1، 4.
  2. مجلة النذير الأسبوعية ، السنة الثانية ، العدد 25 ، 21 جمادى الآخرة 1358هـ - 8 أغسطس 1939م، صـ27.
  3. مجلة منبر الشرقية: السنة 16، العدد 451، 2 جمادى الآخرة 1360هـ - 27 يونيو 1941م، صـ4 ، ومجلة الأمير: السنة 12، العدد 530 ، 10 جمادى الآخرة 1360هـ - 5 يوليو 1941م، صـ2.
  4. الإخوان المسلمون وقطار اللاجئين 1948م: إخوان ويكي، 28 فبراير 2022
  5. سعود المولي: فلسطين بين الإخوان وفتح، مجلة الدراسات الفلسطينية: العدد 93، المجلد 24، 2013، ص138
  6. قطار الرحمة.. هل يعود إلى سكة الخير؟: الأهرام، 9 يوليو 2014
  7. شارل فؤاد المصري: رحلات ابن فؤاد في وصف البلاد والعباد، الجزء الأول، دار نهضة مصر للنشر، القاهرة، 2015م.
  8. محمد حبيب: عن الحياة والدعوة والسياسة والفك، دار الشروق، 2012، صـ357.
  9. عبد الرحمن فهمي: الإخوان في مواجهة الأزمات والكوارث.. تاريخ من التكافل المجتمعي (3/ 3)، 26 أكتوبر 2019
  10. خليل الجبالي: الإخوان بين الزلزال والطوفان، 4 نوفمبر 2015
  11. إحسان عبد القدوس: روزاليوسف، 13 سبتمبر 1945م.