لماذا انقلب السادات على الشعب في سبتمبر 1981م؟

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
لماذا انقلب السادات على الشعب في سبتمبر 1981م؟


إخوان ويكي

مقدمة

ظلت البلاد تعيش في دولة خوف وفزع وسجن كبير طيلة فترة حكم عبدالناصر حتى غير التركيبة النفسية لآجيال كثيرة رضت بالخنوع والذل خوفا وجزعا، وما زال أثرها وتداعياتها موجودة حتى يومنا هذا خاصة مع الأجيال التي عاشت هذه الحقبة.

وحينما ورث السادات هذا الأرث الناصري، عمد من اول لحظة إلى نقض أركان الدولة الناصرية وبناء دولة خاصة به وبحاشيته الجديدة، فعمد إلى إطلاق الحريات بشكل جزئي، كونه أحد أركان نظام عبدالناصر فكان مطلع على كل كبيرة وصغيره فيه، ولذا كان كرهه للشيوعيين لم يكن من فراغ لكنه نتيجة سنوات عمدوا فيها إلى تدمير الدولة وتثبيت أركان الناصرية حتى ولو على حساب مبادئهم.

فما أن أخرجهم عبدالناصر من السجون ووضعهم في مناصب بالدولة حتى نكصوا على عقبيهم وتنكروا لبعضهم من أجل الحفاظ على المكتسبات الفردية التي حظى بها البعض، وهو ما كان يدركه السادات فأبعدهم عن دائرة السلطة إلا بقية من إرث عبدالناصر حافظ عليهم ليحدث توازن مع الخريطة الجديدة لشكل الدولة التي يتنافس فيها الإسلاميين والعلمانيين والشيوعيين الجدد (اليساريين).

مات عبدالناصر يوم 28 سبتمبر 1970م وخلفه السادات في نفس اليوم، وبعدما أتم مراسم الدفن حتى عادت ليهدم أركان الدولة الناصرية، وسنحت له الفرصة المناسبة في 15 مايو 1971م حينما وضع بقية نظام عبدالناصر كل بيضهم في سلة واحدة فقلبه السادات على رأسهم، واستأثر بالسلطة منفردا، وظل طيلة فترة حكمه لا يسمع إلا لصوته فقط.

لا أحد ينكر أن عهده شهد بعض الحريات حيث التعددية الحزبية المشروطة، ورفع الحظر قليلا عن الإسلاميين وذلك بهدف حشد الدعم من أجل الحرب التي صنعته ومكنت لنظامه وأطلقت العنان لحكمه الفردي.

ما بين دهاء السادات وأخطاءه

لا يوجد نظام دون أخطاء ومنها ما يؤدي بانهيار الدولة والنظام، ومنها ما يستفيد منه النظام فيحوله إلى أداة قوة للنهوض بالبلاد. كان على أنور السادات مواجهة مشكلة الصراع على السلطة بعد توليه الحكم مباشرة، و فعلًا حسمه لصالحه بمساعدة العديدين ومنهم الفريق صادق والذي عينه وزيرًا للدفاع بعد حسم الصراع، لكنه لم ينس أن هؤلاء الذين واجهوه هم من اليسار الناصري وقريب منهم اليسار الماركسي

ولم يكد أنور السادات يقضي على خصومه داخل هيكل السلطة نفسه حتى بدأت الحركة اليسارية (بشقيها الناصري والماركسي على حد سواء) تتحرك بفاعلية في الجامعات والتجمعات، وكان على أنور السادات الذي يُعِد البلاد للحرب أن يواجه هذا المد اليساري لكن باسلوبٍ سياسيٍ أكثر منه بوليسي فشجع الحركة الإسلامية التي كان نشاطها يتصاعد هي الأخرى كي يوازن المد اليساري المتصاعد.

كان عزم أنور السادات على التوجه للتحالف مع الكتلة الغربية من أجل تحقيق أهداف مصر السياسية والأقتصادية يقتضي أن يرتب الأوضاع الداخلية سياسيًا واقتصاديا بالشكل الذي يتفهمه المجتمع الغربي ومؤسساته وحكوماته الليبرالية، كما كان الشعب المصري قد مل الحكم البوليسي والقمع والتعذيب وبدأ يتململ ومن ثم عبر الطلبة والعمال عن نبض الشعب في مظاهرات أواخر عهد عبدالناصر وبداية عهد السادات.

ومع ذلك وقع السادات في العديد من الأخطاء كاعتباره كبير العائلة والتي تصدر منه جميع القرارات دون مراجعة، وكان لا يؤمن بالتجربة الحزبية والتعددية السياسية، والأحزاب مجرد ديكور لتزين حكمه وليس لمراجعته أو معارضته أو كشف فساد المؤسسات.

أيضا منذ أن جاء السادات وهو يدرك أنه لا يوجد سوى قوة دولية واحدة وهي الولايات المتحدة الأمريكية في ظل العجز السوفيتي والتخلف والانهيار الاقتصادي، والأيديولوجية الشيوعية، مما دفعه للتوجه كليتا ناحية أمريكا ورضائها، بل ورضاء ربيبتها إسرائيل حتى ولو على حساب العروبة.

أيضا بعدما فتح باب الديمقراطية قليلا (بشكله المقيد والديكوري) حتى يُرضى الغرب عن سياسته واستراتيجيته، عاد وكفر بهذه الديمقراطية، وحل أول مجلس شعب على أسس ديمقراطية حزبية عام 1979م، وأجرى انتخابات لم ينجح من المعارضة إلا واحد أو اثنان.

كان من أخطاءه أيضا ترسانة القوانين سيئة السمعة التي أعادت للأذهان النموذج الناصري مرة أخرى، ومنها قانون الإشتباه وقانون حماية الجبهة الداخلية وغيرها من القوانين المقيدة للحريات كما ألغى اللائحة الطلابية الصادرة عام 1976م ووضع بدلًا منها لائحة عرفت بلائحة 1979م لتقييد النشاط الطلابي ومنع الطلبة من خوض غمار العمل السياسي.

وأدخل تعديلات على قانون الصحافة ليقيد من حرية الصحافة التي كانت شهدت قدرًا من الإزدهار بدءًا من 1978م، ولم يكتف أنور السادات بذلك بل حل مجلس نقابة المحامين وأصدر قرارًا بتحويل نقابة الصحفيين إلى نادي.

وظل التدهور هو سيد الموقف في العلاقة بين أنور السادات وبين حركات المعارضة السياسية العلمانية من يمين كالوفد ويسار كحزبي العمل والتجمع وكذلك حركات المعارضة الدينية الإسلامية والمسيحية على حدٍ سواء مما أدى لصدور قرارات 5 سبتمبر 1981م والتي بموجبها اعتقل السادات 1500 من قادة كافة أطياف المعارضة المصرية (حصيلة 3 أيام) وصادر صحف المعارضة الحزبية بالإضافة لعدد من الصحف المستقلة الناصرية والإسلامية والمسيحية. إلا أنه كانه معظمهم من جماعة الإخوان المسلمين خاصة الشباب والطلبة. فلماذا ؟؟؟

لماذا كانت المذبحة؟

بطرقات قوية على الأبواب في فجر يوم 3 سبتمبر 1981، فاقتحامات، بدأت قوت أمن الدولة تنفيذ أوامر السادات باعتقال عدد من رموز التيارات السياسية المختلفة، في مذبحة باردة لم يُعرف مغزاها في حينه.

يومان كاملان على هذا الحال، تُطرق الأبواب وتُقتحم المنازل دون إنذار أو تفسير، حتى صباح 5 سبتمبر، يوم وقف السادات داخل مجلس الشعب ليلقي خطابا على الأمة، ليقول: "هناك فئة من الشعب تحاول إحداث الفتنة الطائفية، وأن الحكومة حاولت نصح تلك الفئة أكثر من مرة".

دفعت تلك الكلمات بالأزمة إلى مرحلة أصعب، في ظل سياسة كسب عداوات الجميع، اختلفوا في الأيديولوجيات واجتمعوا خلف سور المعتقل، دون مبرر منطقي أو تفسير واضح، سوى أن الرئيس يرى الرافضين لاتفاقية كامب ديفيد "دعاة فتنة"، وأن المعارضة في الوقت الحالي "تهدد وحدة الوطن" حسب تعبيره، وعليه استلزم الأمر إعمال المادة 74 من الدستور المصري، والتي تنص على أن "لرئيس الجمهورية إذا قام خطر يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها الدستوري، أن يتخذ الإجراءات السريعة لمواجهة هذا الخطر"، فكان قرار الاعتقال.

خرجت صحيفة الأهرام يوم 4 سبتمبر 1981م لتزيح الستار عن أعداد المعتقلين حيث ذكرت بأنه تم القبض علي ٥٥٣ من العناصر المحرضة علي الفتنة الطائفية، كان معظم هؤلاء من جماعة الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية، وكان في مقدمة المعتقلين مرشد الإخوان عمر التلمساني.

هذه الحملة أسمتها صحيفة الأهرام بثورة العمل الداخلي، أو قرارات ضرب الفتنة، كما قالت عنها الأخبار. واتفقت جميع الصحف أن حملة الاعتقالات هذه حدث تاريخي يصحح به السادات الأوضاع الجمهورية في البلاد. الصحف الحزبية والمعارضة لم تشارك في حملة كشف السر لأنها كانت قد أُغلقت تمامًا أو عُطلت بحلول وقت خطاب السادات في الجلسة المشتركة لمجلسي الشعب والشورى في الخامس من سبتمبر / أيلول. الخطاب الذي استلهمت منه الصحف عناوينها، وانطلق من خلاله كبار الكُتّاب الذين ظلوا خارج المعتقل في التبرير لما قام به.

ولقد صاحبت هذه الحملة العديد من طرق الإلهاء التي سلكها السادات ونظامه حتى زوجته جيهان شاركته هذا الأمر، كحفلة عالمية لـخوليو اجلاسيس في 10 سبتمبر / أيلول 1981 احتفت بها الصحف المصرية (خوليو المغني العالمي التي كانت تهواه جيهان السادات) كما أُقيمت في نفس الشهر بطولة العالم لكمال الأجسام تحت سفح الأهرام وأُذيعت في العديد من دول العالم.

بل إن منصور حسن (وزير شئون الجمهورية ووزير الإعلام آنذاك) حاول استطلاع الأمر وإبداء رأيه فيه فما كان من السادات إلا أن عزله من مكانه وعينه وكيلا لمجلس الشعب، وانحصر الأمر بين السادات ووزير داخليته ورئيس المخابرات العامة. لم يحتمل السادات أن يسمع صوت وزيره المُقرب، فلم يكن صوت في هذا الشهر يعلو على صوت السادات، إلا صوت طرق أمن الدولة على الأبواب.

وجاء خطاب السادات ليحي سردية المؤامرة المزعومة والتي دفعته للضرب من حديد على مروجي هذه الفتنة. أخذ السادات يروي للشعب قصةً عن فتنة كانت تُحاك للدولة. فئات مخربة كانت تسعى لخلق فتنة طائفية بين المصريين. عبر وسائل نفسية ومادية كانت تلك الجماعات تحاول إعاقة مسيرة التنمية والازدهار والديموقراطية. أضاف السادات أن الحكومة حاولت ثنيهم عن اتجاههم بالنُصح والإرشاد مرة. وأردف أن الدولة اتخذت الإجراءات العادية مرات معهم لكنها لم تُجد.

طبيعة المعتقلين

وفق حديث السادات الذي أفصح عنه أمام مجلسي الشعب والشورى أعلن عن توقيف ما يزيد على 1536 فرد. جاءوا كالتالي: 469 ينتمون إلى جماعة التكفير والهجرة. و235 بتهمة الانضمام إلى جماعات إسلامية. و100 بتهمة التطرف الديني من إخوان مسلمين وأعضاء جمعيات دينية إسلامية وأئمة مساجد متطرفين. و259 مسلمين ومسيحيين تحت مسمى مثيري شغب وتعصب واعتداءات متبادلة، أما القيادات المسيحية فاعتقل منهم 107 بتهمة التعصب والتطرف. و240 مثير شغب ومجرمًا من أصحاب السوابق الجنائية.

أيضا المتهمين بحادثة الزاوية الحمراء وعددهم 57، إلى جوارهم اعتُقل 36 من الأحزاب المعارضة والتي وصفها السادات بالمناهضة، ينقسمون إلى 16 من حزب التجمع، 7 من حزب العمل، 3 من حزب الوفد. وخُتمت القائمة بـ 12 فردًا اعتُقلوا بتهمة التخابر مع السوفييت.

لم يعتقل السادات أشخاصًا فحسب، بل اعتقل مؤسسات وهيئات أيضًا، وأعلن تحفظه على أموال جماعات وجمعيات ومنظمات بنفس التهم التي اعتُقل الأفراد بسببها. وحلّ في كلمات بسيطة العديد من الجمعيات المَشهرة والرسمية، كما ألغى التراخيص الممنوحة للعديد من الصحف والمطبوعات، وصادر مقارها وأموالها.

أساتذة الجامعات وأعضاء هيئة التدريس لم يغيبوا عن قرارات السادات. طالهم البيان بقرار نقل كل من وُجدت دلائل تشير إلى أنه ساهم في تكوين الرأي العام، أو تربية الشباب ذوي الفكر المناهض للدولة. وبنفس التهمة أيضًا أصدر قراره بنقل بعض الصحفيين والعاملين في الصحف القومية واتحاد الإذاعة والتلفزيون والمجلس الأعلى للثقافة. بل إنه في سابقه أعفى البابا شنوده من منصبه وعين مجلس مكون من 5 أساقفة.

كان من المؤلم منذ الحكم العسكري لمصر هي مناصرة المؤسسات (خاصة الدينية) لقرارات الحاكم حتى ولو كان فيها ضرر للبلاد والشعب، ما دام هو يريد ويرى ضرورة هذه القرارات. فقد رأينا دار الافتاء والأزهر والأوقاف كلها تدعم قرار السادات فيما فعله دون تفكير عن سبب ذلك؟ وهل السادات فعلا محق فيما فعل؟ وهل كل هؤلاء المعارضين على مختلف مشاربهم خطأ والسادات وحده صواب؟ لقد عادت البلاد لسياستها القمعية التي عاشت فيها طوال فترة عبدالناصر حتى وصلت إلى أن من يسأل فقط تزوره قوات أمن الدولة فورًا.

معادلة كان لابد أن يختفي أحد أطرافها، أطياف الشعب المتنوعة والمختلفة الأطياف والمعارضة أو السادات، فكان أن تولد التطرف في النفوس والذي تولد تحت سياط وقهر وتعذيب عبدالناصر، وبقى تحت الرماد فترات حكم السادات والديمقراطية المؤقتة حتى تولد بعد هذا الانسداد الذي لا رجعة منه بسلام، فكانت حياة السادات الثمن حتى تتغير المعادلة وقبل إجراء الاستفتاء الشعبي على هذه القرارات وفق الدستور.

وهو ما وصفه محمد حسنين هيكل فر خريف الغضب بقوله لكمال أحمد المعتقل معه:

أن عصر السادات انتهى، وأن ما فعله سيقضي عليه لأنه عندما تغلق المنافذ ولغة الحوار يصبح الطريق ممهدا للغة أخرى وهي العنف، متنبئا باغتيال السادات.

الإسلاميين والسادات

تعود الشعب المصري في الدولة العسكرية أن الحاكم الذي يرث إرث رئيسه السابق يعمد إلى نقض كل ما قام به السابق حتى يتقرب إلى الناس ويمهد لنفسه استقرار الكرسي، وهو ما فعله السادات ومبارك والمجلس العسكري. فما إن تولى السادات الحكم حتى توجه شطر الغرب بعدما تأكد بعدم جدوى الشرق بل وضعفه متمثل في الاتحاد السوفيتي.

فكان لابد أن يظهر بالمتوافق مع القواعد الغربية من الديمقراطية والانفتاح والتي مارسها على مضض خوفا من ضياع الكرسي، لكنها كانت السبيل في تحقيق أهدافه من التقرب للشعب ومن ضرب خصومه خاصة مراكز القوى المتحكمة في مفاصل الدولة والشيوعيين المواليين للروس. كان السادات سياسي أكثر منه عسكري كونه لم يمكث في الجيش فترات طويلة، لكنه مارس السياسة في فترات مبكرة، وهو ما جعله أكثر دهاءا في بداية حكمه من عبدالناصر.

كان لابد من إيجاد قاعدة شعبية قوية تحمي ظهره أمام طوفان الشيوعية التي سيطرت على الرأى العام والجامعات في عهد عبدالناصر، فلم يجد إلا الإسلام والإسلاميين. وعلى الرغم من أنه كان أحد أضلاع المحاكمة التي حكمت بالإعدام على قادة أكبر فصيل إسلامي، كما كان عضوا في مجلس قيادة الثورة الذي صدق على تنفيذ الحكم، إلا أنه لعب على وتر التسامح الذي يتحلى به الإسلاميين ووطنيتهم أمام رغبتهم في الانتقام وحقق نجاحا في ذلك، فنسى الإخوان ما كان منه.

استثمر الإخوان الفرصة من أجل إعادة المشهد الإسلامي لمظهر الدولة التي شوهه الشيوعيين بمحاربتهم لكل مظهر إسلامي والتهكم عليه، فعادت الفتيات لارتداء الحجاب في منافسة المكروجيب والميني جيب الذي كان يتسم به عهد عبدالناصر. كما ازدهر العلماء الذين فتحت لهم أبواب الجامعات والمساجد يذكرون الناس بالله خاصة بعد حالة الإحباط التي أصابت الجميع بعد هزيمة يونيو 1967م واستشعارهم مدى فداحة بعدهم عن تعاليم دينهم، وزادت مع تكبيرات الجنود الله أكبر وانتصارهم.

كان الإخوان في قلب الحركة الإسلامية وهم أصحاب خبرة طويلة في العمل والتعامل مع الشارع والدولة فكان لهم نصيب الأسد في قلوب الشباب الذي بدأ يتميز ما بين وسطية ومتشددين وتكفيرين. ظن السادات أنه احتوى الإخوان بخروجهم من السجن وترك الساحة لهم نوعا ما، وظن أنهم لن يخوضوا غمار العمل الإسلامي الشامل وسيتعلمون الدرس بل وسيخافون أن ينكل بهم ثانية (لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين)

وهو ما جاء على لسانه في خطابه يوم 5 سبتمبر حينما قال:

(لما جيت سنة ٧٠ طلّعت الإخوان من السجن اللي محكوم عليهم.. أعدتهم إلي وظايفهم، صرفوا لهم فرق الماهية اللي كانوا مسجونين فيه.. أنا اعتقدت إن الموضوع خلاص اتصفي وانتهي.. شغل إيه اللي بيقولوا عليه التقية، بس التقية مافيش عندنا إحنا المسلمين السنة.. التقية مش عند السنة أبداً إنه يتكلم بلسان واللي في قلبه حاجة تانية لا.. ماعندناش دي، أتاريهم كانوا بيكلموني بلسان.. إنما لا ده تارهم مع ثورة 23 يوليو وقعدوا الوقت ده كله يرتبوا والجماعات الإسلامية وغيره لليوم المعهود) فكان السادات يفهم المسألة بشكل شخصي، فعلي الذين قام بإعادتهم لوظائفهم أن يقوموا برد الجميل.

لكن خاب ظنه لكون الإخوان لم يتخلوا عن فهم الشامل للإسلام ولا عن مبادئهم، لكن تعاملوا بوسطية كبيرة تحت ظل مرشدهم الأستاذ عمر التلمساني الذي قاد دفة العمل بمهارة. عمل الإخوان في جميع الاتجاهات، وشاركوا في جميع الفعاليات الإسلامية، وحاربوا مظاهر التطرف والعنف الذي مارسته الدولة وبعض الجماعات الإسلامية أو العلمانية والشيوعية.

لكن كانوا على موعد حينما شرعوا في نقد سياسة السادات سواء السياسة الداخلية أو الخارجية والتي كانت السادات يراها مهمة لاستقرار حكمه ودولتهن ويراها الإخوان وطوائف الشعب تنازل وتبعية للغرب خاصة في معاهدات السلام وكامب ديفيد.

شعر السادات بصدمة شديدة حينما وجد الجميع ضده في زحفه نحو عقد سلام مع دولة مغتصبة حديثة الوجود، بل وسفره لأرضها التي اغتصبتها من شعب فلسطين الأمنين. اشتدت كتابات الإخوان، وارتفع صوتهم بالاعتراض على ما قام به السادات، بل وهاجموا سياسته، مما جعله يقلب لهم ظهر المجن.

كان الاحتقان بين السادات والإخوان المسلمين قد وصل إلي ذروته بعد أن وجه السادات إلي مرشد الإخوان عمر التلمساني اتهامات بالتخريب والعمالة وإثارة الطلبة والفتنة الطائفية، مما دفع التلمساني في لقاء الإسماعيلية الشهير أن يرد على رئيس الجمهورية بقوة: لو أن غيرك وجه إلي مثل هذه التهم لشكوته إليك، أما وأنت يا محمد يا أنور يا سادات صاحبها، فإني أشكوك إلي أحكم الحاكمين.. إلى رب العالمين، فاهتز السادات وكان اهتزازه من الكلمات واضحا مما دفعه لأن يقول أنا لم أقصد .. أسحب شكواك يا أستاذ عمر.

ولم يقتصر الأمر على التلمساني بل كال التهم للبابا شنوده، كما وصف الشيخ أحمد المحلاوي بقوله:(إنه مرمى الآن فى السجن زى الكلب).

وبدأت مذبحة الشعب المصري

لا يوجد شعب يرفع صوته كله ليصل بشكواه لحاكم الدولة، لكن هناك من يمتلك نواصي الأمور يستطيع أن يصل بكل ما يريده الشعب للحاكم، فيؤيد الشعب هذا أو ذاك. والمعارضيين لحكم السادات كان كثر ما بين إسلاميين وعلمانيين ويساريين، وهو ما جعل السادات يضع الجميع في سلة واحدة.

بل بلغ بالسادات أن وضع جميع الجماعات الإسلامية الوسطية والمتشددة والتكفيرية مع الإخوان في سلة واحدة، حيث قال:

"الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية شيء واحد بل الجماعات الإسلامية تقدر تقول عليها التنظيم السري الجديد للإخوان المسلمين، بس بدل ما كان سري في عمل الإخوان الأول أيام حكومة النقراشي وغيرها في جهاز سري وجهاز علني، بقوا جهاز الإخوان علني، وأما الجهاز السري هي الجماعات الإسلامية".

بل ترجم كرهه للثورة الإيرانية الإسلامية في شخص الإخوان حيث قال:

لما بأقول أنا إن العملية بتاعة استغلال الدين وقفتني وخلتني أقف موش معناها إنه البلد غير مستقر أو أنا خايف من معركة أبداً.. ده أنا عايز أقول تعالي ياشعب آدي حجم اللي بيجري.. آدي الفتنة الطائفية ومحاولة استغلال الدين وفرض وصاية علي مصر والدعاية للخميني.. الدعاية للخميني بالجماعات الإسلامية اللي هو التنظيم السري، والإخوان اللي هو التنظيم العلني.. وآية الله الخميني هو الذي يطبق الشريعة الإسلامية.
لقد كان السبب الرئيسي لأحداث سبتمبر هى معارضة معاهدة السلام المرفوضة شعبيا بل ورسميا حيث قدم وزراء الخارجية تباعا استقالتهم. وعلى الرغم من الرفض الشعبي والرسمي العربي والإسلامي لهذا الاتفاق الاحادي من جانب النظام المصري، إلا أنه صمم على اكمال وانجاز هذه المهمة مدفعا بوعود أمريكية في حال تحقيق هذه المعاهدة.
أقلعت طائرة الرئيس المصري من مطار القاهرة ضاربة بالغضب العربي عرض الحائط متجهة إلى واشنطن عاصمة الولايات المتحدة في 26 مارس 1979 في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد لعام 1978، حيث وقَّع الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن، معاهدة سلام بين البلدين وشهدها رئيس الولايات المتحدة جيمي كارتر.
تسارعت الأحداث بعد توقيع المعاهدة وشعر اليهود أنهم في وطنهم الثاني مصر وليسوا كمغتصبين وطن عربي إسلامي، ودخل تطبيع العلاقات بين إسرائيل ومصر حيز النفاذ في يناير 1980. وتم تبادل السفراء في فبراير. وقد ألغيت قوانين المقاطعة من قبل البرلمان المصري في الشهر نفسه، وبدأت بعض التجارة تتطور، وفي مارس 1980 تم تدشين رحلات جوية منتظمة. كما بدأت مصر بإمداد إسرائيل بالنفط الخام.
قوبلت هذه المعاهدة في الداخل والخارج بجدل هائل في جميع أنحاء العالم العربي حيث أدينت واعتبرت طعنة في الظهر، وأدخلت السادات في حالة نفسية وعصبية شديدة وعزلة شعبية وعربية جاء أثرها في أحداث سبتمبر. لم تكن قضية فلسطين وليدة اللحظة بالنسبة للإخوان المسلمين، لكنهم منذ بداية دعوتهم وقد وضعوها على رأس أولوياتهم واهتمامتهم. ومن ثم كان اعتراضهم على ما جرى من السادات أمر شديد على المجتمع المصري والفلسطيني والعربي والإسلامي.
حيث اعطت المعاهد شرعية للمغتصب الصهيوني وأقرت بالاجرام الذي تقوم به العصابات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، وإقرار بالاحتلال واقعيا بعيد عن الكلمات الديلوماسية المنمقة التي يتحدث بها السادات ووزراءه وصحفه. فعلا بهذا الفعل ضاعت فلسطين وضاعت معها الدماء التي دافعت عن القضية من أول يوم. شن الإخوان هجوم على المعاهدة، وفتحت مجلة الدعوة صفحاتها أمام الجميع ليكتب عن هذه الفعلة الشنعاء التي لم تفعلها دولة غير مصر في ذلك الوقت.
أشعل الطلاب المظاهرات في الجامعة، والتي لم يستطع الأمن التعامل معها لكونها قضية أمة كاملة وليست قضية حزبية، فضاق السادات بهذه المعارضة من جميع أطياف الأمة، وشعر السادات أن الأمور تفلت من يديه، فكان لابد من الضرب من حديد على أيدي المعارضين، فحل البرلمان المنتخب، وأقال القادة العسكريين الذين شاركوا في نصر أكتوبر واعترضوا على سياسة السادات المهادنة، ثم أطلق العنان لشرطته باعتقال الشخصيات المؤثرة سواء كانت إسلامية أو علمانية أو شيوعية أو ناصرية أو أقباط، بل الطلاب أيضا.
كان معظم الطلاب من طلبة الحركة الإسلامية من مختلف الجامعات حيث يقول حسنين هيكل في خريف الغضب: كان الانقضاض من خلال حملة اعتقالات واسعة شملت ٣ آلاف شخص، وكانت بعض الاعتقالات بين صفوف الشباب من الطلبة وأعضاء الجماعات الدينية سهلة نسبياً، ولكن اعتقالات بعض الساسة والمثقفين وعدد من القيادات الدينية من المسلمين والمسيحيين، جري تخطيطها بعمليات شبه عسكرية، سواء في التوقيت أو في الإجراءات. لقد كان ثلث المعتقلين من الإخوان كما جاء في بعض المذكرات وذكرها محمد السيد صالح في تقريره بالمصري اليوم.

أخيرا لماذا كانت الاعتقالات؟

كانت حملة المعارضة على السادات شديدة، حتى أن إسرائيل تخوفت أن يؤثر ذلك على المعاهدة التي اعترفت بها رسميا كدولة، وهو ما استشعره السادات في زيارته لأمريكا فكانت أكثر أسئلة الصحفيين عن هذا التخوف وهذا الهاجس، فما أن كان من السادات إلا أن عاد غاضبا من أمريكا، فكان الرد الحازم على قادة المعارضة للمعاهدة.

يقول صلاح عيسى في كتابه "شخصيات لها العجب" نقلا عن أنيس منصور:

أن السادات وصل إلى ذروة توتره وفقد السيطرة على أعصابه تماما، بحيث تحول هو نفسه إلى العامل الأكبر من عوامل التوتر الذي ساد الحياة العامة المصرية في تلك الأيام الكئيبة، فتحول الأمر إلى ما يشبه الخصومة الشخصية بينه وبين معارضيه. أراد السادات بهذه الحملة طمأنة الجانب الإسرائيلي بشأن المعارضات التي قُوبل بها السادات نتيجة لمعاهدات السلام، وإصال رسالة لهم بأنهم سيمضي قدما في تنفيذ بنود المعاهدة وبالاعتراف بإسرائيل.
خاصة أن بعض الكتاب الغربيين أثروا شبهات عدم قدرة السادات على الوفاء بالمعاهدة أمام معارضة الشعب القوية، حيث يقول الكاتب جوزيف فينكلستون فى كتابه "السادات .. وهم التحدي": أن الاعتقالات الواسعة التي قام بها السادات ضد خصومه من كل القطاعات أعطت انطباعًا بأنه يفقد السيطرة على الموقف بصورة أكبر من تشديد قبضته، وتعتبر بداية النهاية لعصر السادات؛ حيث لم يمر شهر على تلك الاعتقالات من رموز المعارضة السياسية في مصر، إلى جانب عدد من الكتاب والصحفيين ورجال الدين، حتى لقي السادات حتفه على يد خالد الإسلامبولي ورفاقه في حادثة المنصة.
لقد أراد السادات عندما أصدر أوامره باعتقال كل النخبة السياسية والحزبية والصحفية والفكرية والدينية المعارضة له، أن يضع خصومه جميعًا في سلة واحدة داخل السجن وخلف أسواره بدعوى حماية الوحدة الوطنية، وتأمين المجتمع في انتظار استكمال الانسحاب الإسرائيلي من شبه جزيرة سيناء تنفيذًا للمعاهدة.
وجاء على لسان السيدة جيهان السادات زوجة السادات إنها حزنت لقرارات الاعتقال، لأنها جعلت من المعتقلين أبطالا (على حد وصفها) وأن أغلب المعتقلين من الجماعات الإسلامية، مضيفه أن السادات أكد لها أنه فعل ذلك "كي يحمي مصر، حتى لا تتحجج إسرائيل بأن الشعب ليس معه".

ويقر الدكتور محمد عبد اللاه - رئيس جامعة الإسكندرية الأسبق - أن السادات تأثر بزيارته لأميركا، وأن إسرائيل أبلغت الرئيس الأميركي أن الرأي العام المصري ضد اتفاقية السلام، وعندما عاد السادات إلى مصر أخبره أنه اتخذ هذه الإجراءات مضطرا.

وكتب علاء عبد الرازق:

الاعتقالات كانت تهدف بالأساس إلى استقرار الجبهة الداخلية من أجل إتمام انسحاب إسرائيل من سيناء.

المصدر

  1. عبدالمنعم منيب: أنور السادات ما له وما عليه، 7 ديسمبر 2016
  2. محمد أبو العينين: سبتمبر 1981: حكاية الرجل الذي اعتقل دولة بأكملها، 29 سبتمبر 2019
  3. محمد السيد صالح: السادات اعتقل المرشد.. وأغلق «الدعوة».. وركز علي عداء الجماعة للثورة، 5 سبتمبر 2016
  4. معاهدة السلام والإخوان في أربعين عاما إخوان ويكي، 6 أبريل 2019
  5. علاء عبدالرازق: 40 عاما على أشهر حملة اعتقالات في تاريخ مصر في سبتمبر 1981، 3 سبتمبر 2021