الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الحركة الأم»

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
لا ملخص تعديل
سطر ١٢٧: سطر ١٢٧:


===تنصيب الملك فاروق===
===تنصيب الملك فاروق===
وفي هذه الفترة تولى الملك فاروق سلطاته الدستورية في التاسع والعشرين من تموز ( [[يوليو]]) [[1937]]م، وتوقع الوطنيون ال[[مصر]]يون منه الخير الكثير، وعدوه ملجأ وسندا للفريق الوطني حيث رضي حزب الوفد بالتحالف مع الاحتلال والرضوخ لمطالبه منذ اندلاع الحرب. وما لبثت العلاقات أن توترت بين القصر وحزب الوفد، وكان رئيس الديوان الملكي، على ماهر باشا، من مناوئي الوفد، كما وقف حزب [[مصر الفتاة]] ضد الوفد أيضا، بل وقام أحد أعضائه بمحاولة فاشلة لاغتيال مصطفى النحاس باشا، زعيم الوفد.
ثم جاءت أزمة حزيران( [[يونيو]]) 194مم، إذ اتهمت السفارة البريطانية في [[القاهرة]] القصر، واتهمت رئيس الديوان بالتعاطف مع ألمانيا وإيطاليا، وأجبرت الملك على إقصائه. وفشلت كل الجهود الرامية إلى تشكيل حكومة اتحاد وطني لإصرار النحاس على انفراده وحزبه بالحكم، ورافقت ذلك أزمة تموينية عسيرة. وتحت وطأة المعاناة التي أثقلت كاهل أغلبية ال[[مصر]]يين انفجرت الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية. ويبدو أن بريطانيا خشيت من خروج الحالة المضطربة عن السيطرة فوجهت " إنذار 4 [[فبراير]]" المشهور إلى الملك وأجبرته على تكليف مصطفى النحاس باشا بتشكيل وزارة وفدية بعد أن زحفت الدبابات البريطانية إلى قصر عابدين ووجهت له مدافعها.
وفي شهر تشرين الثاني( [[نوفمبر]]) [[1943]]م انتهز زعماء المعارضة ال[[مصر]]يين فرصة انعقدا مؤتمر عام للحلفاء في [[القاهرة]] حضره رؤساء وزارات الحلفاء فقدموا مذكرة وقعوا عليها جميعا تحدد مطالب [[مصر]] عند انتهاء الحرب، وهي الاستقلال التام الحقيقي، لا الشكلي، واسترجاع سلطة [[مصر]] على [[قناة السويس]]، واسترداد حقوقها في [[السودان]] بالوحدة، وأن تشارك في مؤتمر السلام" وقد منعت وزارة النحاس نشر هذه المذكرة أو الإشارة إليها في الصحف" . وبقي النحاس في الحكم حتى تشرين أول ( [[أكتوبر]]) [[1944]]م، وإذ ذاك أقاله الملك وتولى أحمد ماهر رئاسة الوزارة الجديدة.
وحيث وضحت نتيجة الحرب العالمية الثانية وأصبح انتهاء الحرب منتظرا خلال أسابيع أو أشهر قليلة، وحيث أن الحلفاء الذين كانوا يعدون لإنشاء هيئة الأمم المتحدة اشترطوا أن تعلن أي دولة تود الانضمام إلى المنظمة الدولية الجديدة الحرب على ألمانيا قبل أول آذار( [[مارس]]) [[1945]]م، فقد أعلن رئيس الوزراء أحمد ماهر دخول [[مصر]] الحرب إلى جانب الحلفاء يوم 24 شباط( [[فبراير]]) [[1945]]م، فكان أن أطلق عليه محمود العيسوي الرصاص فأرداه قتيلا في نفس اليوم. ومما ينبغي قوله وإعلانه هنا أن الإقدام على هذه الجريمة- قتل رئيس الوزراء أحمد ماهر- كان وليد الجهل المخجل، وضيق الأفق، ليس بالنسبة للقاتل وحده ولكن لمن شحنوه ثم دفعوه للتنفيذ، ومن ناحية أخرى فإن عملية الاغتيال وما أحاط بها تشير غلى مدى غضب الشعب ال[[مصر]]ي وكرهه لبريطانيا المحتلة ل[[مصر]]، وكرهه لحلفائها بالتبعية، حيث كان هذا الغضب وذلك الكره هو السبب الوحيد الذي دفع ال[[مصر]]يين وغيرهم من العرب للتعاطف مع ألمانيا.
وانتهت الحرب باستسلام ألمانيا دون قيد أو شرط في السابع من آيار( [[مايو]]) [[1945]]م، ثم استسلمت اليابان بعد ذلك بثلاثة أشهر. وقد وصف زعيم بارز في [[الحزب الوطني]] ال[[مصر]]ي حالة [[مصر]] بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية فقال:" إن الأمة ظهرت متراخية متخاذلة، فالطبقات الممتازة تؤثر الراحة وتستنيم إلى مهاد الدعة، فلم تشترك اشتراكا فعليا في [[الجهاد]]".
===[[مصر]] بعد الحرب العالمية الثانية===
وما أن وضعت الحرب أوزارها حتى انشغل المسرح السياسي ال[[مصر]]ي بقضية الاستقلال والجلاء ووحدة وادي النيل ، كما برزت على السطح قضية [[فلسطين]]، وذلك لأن هذه الفترة شهدت تحويل القضية غلى هيئة الأمم المتحدة وصدور قرار التقسيم سنة [[1946]]م، كما انفجرت [[الثورة]] لأول مرة في [[اليمن]] وكان [[للإخوان المسلمين]] صلة بانفجارها ، بل كان قد ذهب وفد غلى يمن [[الثورة]] برئاسة [[عبد الحكيم عابدين]]، القيادي [[الإخوان]]ي، وصهر [[حسن البنا]]. وقد دخلت [[مصر]] والدول العربية الأخرى حرب [[فلسطين]] في الخامس عشر من آيار( [[مايو]]) [[1948]]م، ولقيت الهزائم المنكرة نتيجة لعدم جدية قياداتها ا لسياسية، على النحو المعروف، فكان لهذه الكارثة ردود فعل وأصداء مختلفة في القوة والشكل من بلد عربي إلى آخر.
وقد كان لفشل الحملة العسكرية والجهود ال[[مصر]]ية الرسمية في [[فلسطين]] أثر كبير في التطورات والأحداث التي أدت إلى سقوط النظام الملكي وقيام [[الثورة]] التي قادها الجيش. ولم تمض على هذه [[الثورة]] سنتان إلا وكانت علاقة [[الإخوان]] بها قد بلغت درجة عالية من الخلاف والتوتر، ثم انزلق [[الإخوان]] غل معركة حاسمة دون دراسة موضوعية وتقدير سليم، فكانت الخسارة حاسمة كذلك، فأخرجت حركة [[الإخوان]] من الساحة السياسية. وأسدل عليها ستار كثيف لتغييبها نهائيا، واستمر الوضع كذلك حوالي خمس عشرة سنة، وانتهت بذلك الحقبة الأولى من حياة [[الإخوان]]، الحقبة التي نشطت فيها الحركة على مسرح الحياة في [[مصر]] والعالم العربي في إطار علني وقانوني وفق أنماط الأنشطة السياسية التي كانت سائدة. وبخروج [[الإخوان]] من المعركة لم يبق للحكم الناصري أعداء داخليين يمكن أن تشكل عداوتهم أية مخاطر على النظام.
===قوى الجذب والدفع الخارجية===
لا مراء في أن الصراع الداخلي مع بقايا الأوضاع التي كانت سائدة في العهد الملكي، ثم بين النظام الحاكم و[[الإخوان]]، قد استنفد قدرا كبيرا من طاقة الاندفاع الثوري، ومن طاقة [[مصر]] الدولة وقدرة مواردها على الاحتمال. بيد أن انتصار [[الثورة]] في معاركها مع جميع القوى الوطنية الداخلية لم يكن نهاية المطاف بالنسبة لعهد [[جمال عبد الناصر]]، ولم تعقبه فترة سلام وارتخاء يتمكن فيها من التقاط أنفاسه ومن استعادة الزخم وقوة الدفع التي كانت في مرحلتها الأولى. فقد تعرضت [[مصر]] الناصرية لمؤثرات خارجية سرعان ما شدتها وأدخلتها في معارك خارج الدائرة ال[[مصر]]ية.
كانت الولايات المتحدة تسعى وحلفاؤها لإحكام الطوق حول الاتحاد السوفيتي لمنعه من التمدد، ومن هذا المنظور حرصت على جر الدول الصغيرة للانتظام في الخطط التي استهدفت الكتلة السوفيتية. وكانت [[مصر]] [[عبد الناصر]] تتطلع إلى عون خارجي لتمويل مشاريع التنمية، وعلى رأسها مشروع بناء السد العالي ، ومن أجل ذلك دخلت في اتفاق مبدئي مع الولايات المتحدة للحصول على التمويل، لكنها لن تستطع أن تف بالمطلب الأمريكي بالنسبة لموقعها والدور المراد لها في مجال صراع القطبين، أي الانضمام ، أي الانضمام للتحالفات التابعة للولايات المتحدة وحلفائها الكبار، فكان أن سحبت أمريكا عرض التمويل، فتوترت العلاقات بين الجانبين، وهنا وجد السوفيت فرصتهم للدخول من خلال بناء السد العالي .
وقد تزامنت مع ذلك حاجة [[مصر]] للسلاح لتتمكن من الوقوف في وجه الاستقواء الإسرائيلي، فلم تستجب أمريكا، ومرة ثانية جاءت النجدة من السوفييت. وعلى الرغم من أن [[مصر]] صارت عضوا مؤسسا في مجموعة دول عدم الانحياز التي ظهرت في نفس الفترة الزمنية إلا أن علاقاتها الجديدة مع السوفييت جرتها إلى اليسار. وبينما كان الشيوعيون ال[[مصر]]يون هدفا للاضطهاد والملاحقة من بداية عهد [[الثورة]] في [[مصر]] فقد تغير حالهم بعد توطيد العلاقة مع الكتلة الشرقية، فظهر الشيوعيون ال[[مصر]]يون على السطح حلفاء للعهد الناصري، وانفتحت أمامهم كل البواب للعمل بحرية ، وللمشاركة في الحكم، وفي الحراك السياسي والثقافي بمقدار يفوق بكثير حجمهم الحقيقي على الأرض ، في داخل الدولة ال[[مصر]]ية.
ومن ناحية أخرى فإن الجهود الاستقطابية المنطلقة من موسكو وواشنطن سرعان ما قسمت دول العالم العربي فريقين، وقد جاءت الوحدة بين [[مصر]] و[[سوريا]]، ثم الانقلاب الذي أطاح بالعهد الملكي في [[العراق]] ليضع [[سوريا]] و[[العراق]]، ومن قبلها [[مصر]] في الخط المتحالف مع السوفييت. وفي الوقت نفسه اندلعت ثورة التحرير الوطني [[الجزائر]]ية [[1954]]، وانقلب الوضع في [[اليمن]] بأيدي الجيش، فوقفت [[السعودية]] بجانب بقايا العهد الإمامي في [[اليمن]] بينما دخلت [[مصر]] بقوتها لتساند [[الثورة]] [[اليمن]]ية كما ساندت [[الثورة]] [[الجزائر]]ية. وعلى الصعيد الشعبي انقسمت الجماهير العربية على الأساس نفسه. ونظرا لوجود إسرائيل وسياساتها التوسعية المبنية على الحكايات التوراتية، ووقوف الولايات المتحدة ودول الغرب الأوربي مؤازرين ومساندين لها فقد مالت الأغلبية الساحقة من الجماهير العربية إلى الجانب الآخر.
وقد شهدت فترة الخمسينات، من القرن العشرين، أحداثا ضخمة بالنسبة للعالم العربي تتابعت تداعياتها وأصداؤها حتى نهاية عقد السبعينات، ومن هذه الأحداث تأميم [[قناة السويس]] ردا على تراجع أمريكا عن تمويل بناء السد العالي ، ثم العدوان الثلاثي على [[مصر]] سنة [[1956]] ( بريطاني- فرنسي- إسرائيلي) ، واندحار هذا العدوان ، وقيام الجمهورية العربية المتحدة سنة [[1958]] ثم سقوطها سنة [[1961]]، بجانب الانقلابات العسكرية المتكررة في كل من [[سوريا]] و[[العراق]]، والانقلاب العسكري في [[ليبيا]] سنة [[1969]]، واستقلال كل من [[المغرب]] و[[تونس]] و[[الجزائر]]، وعدد من الدول الأصغر حجما، وقرار بريطانيا إنهاء وجودها العسكري شرق [[السويس]]، وأثر ذلك في العالم العربي.
وكان أهم ههذ الأحداث وأكثرها تأثيرا العدوان الإسرائيلي الواسع في الخامس من حزيران [[1967]] حيث شنت إسرائيل حربا استباقية – بل هي حرب انتهاز الفرصة السانحة- مكنتها من احتلال أجزاء كبيرة من أراضي ثلاث دول عربية هي [[مصر]] و[[سوريا]] و[[الأردن]]. وقد تأخر الرد العربي على ذلك حتى سنة [[1973]]م، حيث قامت [[مصر]] و[[سوريا]] بهجوم مضاد متأخر استهدف تحرير أراضيها المحتلة، ذلك الهجوم ، وتلك الحرب التي جرى تحجيم نتائجها عبر تدخلات وضغوط واجتهادات وعوامل متعددة.
في غضون هذه الفترة كلها، حتى أوائل السبعينات من القرن الماضي، كان [[الإخوان]] متغيبين تماما في [[مصر]] قسرا، بينما كانوا محاصرين في الأقطار العربية الأخرى. وعند هذا المفصل الزمني التاريخي انتهى عهد [[جمال عبد الناصر]] ليفسح الطريق لعهد آخر مختلف في كثير من ملامحه.
جاء [[السادات]] إلى سدة الحكم بعد وفاة [[جمال عبد الناصر]]، رحمهما الله، ولم يلبث أن دخل في مواجهة مع " مراكز القوى" اليسارية وتمكن من إزاحتها ، ثم إنه بدأ بإخراج [[الإخوان]] من السجون ليكونوا القوة الشعبية التي تكفيه خطر أي تحرك يساري في المستوى الشعبي. وهكذا خرج آلاف [[الإخوان]] المثخنين بالجراح الجسدية والنفسية ليستأنفوا حياتهم العادية، ويعيدوا تأقلمهم مع حياة المجتمع من حولهم. ويبدو أن [[السادات]] اعتبر نفسه رسول التغيير – ليس فيما يتعلق ب[[الإخوان المسلمين]]- بل في خيارات [[مصر]] بالنسبة لمسارها السياسي في العالم العربي، وفي العالم العربي، وفي العلاقات الدولية على السواء، ويبدو أنه كان واثقا من رؤيته وتصوراته كل الثقة، وبدرجة مبالغ فيها، مستمدا ذلك من الانتصار الكبير، والمنقوص- في الوقت نفسه- الذي تحقق في حرب [[1973]].
'''ولقد استند التغيير الذي أراد [[السادات|أنور السادات]] أن يحدثه غلى مقولتين:'''
:'''أولا''': أن استمرار الصراع العربي الإسرائيلي كان بسبب الحواجز النفسية وأن كسر هذه الحواجز كفيل بحل المشكلات والإتيان بالسلام.
:'''ثانيا''': أن كل أوراق اللعبة السياسية في يد الولايات المتحدة.
وهكذا سار على ضوء هاتين المقولتين، فزار القدس وألقى خطابا في الكنيست ، كما أدار ظهره للسوفييت وتحول بكل طاقته واندفاعه إلى الولايات المتحدة.
والحقيقة أن رد الفعل العربي على زيارته للقدس كان انفعاليا غوغائيا، وبعيدا عن العقلانية السياسية. وفي تقديري أنه لو كان رد الأطراف العربية التي عارضته هادئا وموضعيا إذن لكان [[السادات]] قد اكتشف خطأ مقولته عن حكاية الحواجز النفسية، ولربما كبح اندفاعته بنفسه. لكن ردود الفعل الصاخبة، التي تلطخت بالدماء، ما لبثت أن دفعته إلى العناد، سيما وأنه اعتقد أن [[مصر]] هي زعيمة العالم العربي، وأن قيادتها يجب أن تطاع، وريادتها يجب أن تتبع ، خاصة بعد الانتصار في " حرب [[أكتوبر]] 73".
أما بالنسبة لمقولته الثانية ( أن كل أوراق اللعبة بيد أمريكا) . فقد كانت صحيحة بنسبة غير قليلة، بيد أن الرئيس [[السادات]] رحمه الله نسي – في غمرة اندفاعه- أن أمريكا تلعب بأوراقها في إطار إستراتيجيتها هي- بغض النظر عما إذا كانت الإستراتيجية صائبة أو خاطئة بالنسبة لبعض جزئياتها- ولا تسمح للآخرين بالتأثير عليها، خاصة الآخرين الصغار، بالمقاييس الأمريكية.
لم يطل عهد [[السادات]] بعد " كامب ديفيد" ، وقد ساءت علاقته ب[[الإخوان]] الذين أفرج عنهم، بالرغم من أن انتقاداتهم له كانت رقيقة وعلى استحياء. وما لبث عهده وحياته أو وصلا إلى نقطة النهاية، بأيدي إحدى " الجماعات الإسلامية" التي انشقت عن [[الإخوان]]، واختارت طريق العنف المسرف، واللاعقلاني ، فكان حادث المنصة سنة [[1981]]، الذي أنهى حكم وحياة الرئيس الثالث ل[[مصر]] منذ قيام [[ثورة 23 يوليو]].
==الفصل الثاني==
===المراحل الرئيسية لمسيرة [[الإخوان المسلمين]]===
'''لقد بلغت حركة [[الإخوان المسلمين]] من العمر ثمانين سنة حتى الآن، يمكن تقسيمها في ست مراحل تتحدد زمنا على النحو التالي:'''
'''المرحلة الأولى: [[1928]]- [[1938]]'''
'''المرحلة الثانية: [[1938]]- [[1948]]'''
'''المرحلة الثالثة: [[1948]]- [[1952]]'''
'''المرحلة الرابعة: [[1952]]- [[1954]]'''
'''المرحلة الخامس: [[1954]]- [[1971]]'''
'''المرحلة السادسة: [[1971]]- إلى [[2011]]'''
===المرحلة الأولى===
لقد استمرت المرحلة الأولى عشر سنوات تميزت فيها الدعوة بالعمل السلمي المركز على جماهير الشعب، من غير تعرض للسلطات أو اصطدام معها. بل لقد بدا واضحا من سلوك [[الجماعة]] في هذه المرحلة أنها على استعداد للتعاون مع الحكومة في نطاق الحد الأدنى مما تستوجبه المبادئ التي تنادي بها. وكان أكبر مظهر لهذا الموقف [[الإخوان]]ي الودي تجاه السلطة تلك المظاهرة الضخمة التي نظمها [[الإخوان]]، وشاركتهم فيها الهيئات الإسلامية الأخرى لإظهار الولاء والتأييد للملك فاروق بمناسبة مباشرته لسلطاته الدستورية في شهر آيار ( [[مايو]]) [[1937]]م، وقد قدر عدد المشاركين في المظاهرة من [[الإخوان]] بعشرين ألفا، اتجهوا إلى قصر عابدين بوسط [[القاهرة]]. " وهناك انتظم [[الإخوان]] على باب القصر رافعين أعلامهم يهتفون: " الله أكبر ولله الحمد" – [[الإخوان المسلمون]] يبايعون الملك المعظم.. الإسلام منقذ الإنسانية- القرآن دستور الدنيا، ومن يتبع غير القرآن قانونا فقد ضل – نبايعك على كتاب الله وسنة رسوله".
وقد يبدو هذا الموقف مستغربا لمن يعرفون أن [[الإخوان المسلمين]] حاربوا نظام الملك فاروق، وأن اغتيال [[الإمام الشهيد]] [[حسن البنا]] قد قام بتدبير من هذا الملك ورئيس وزرائه وكبار رجال الأمن في نظامه، غير أن هذا الاستغراب يزول عندما نعرف أن فاروقا كان قد تولى المنصب لتوه، ولم يكن يبدو عليه أي انحراف. وحيث أن [[مصر]] كلها، بما في ذلك [[القاهرة]] و[[الإسكندرية]] كانت تحت الاحتلال البريطاني وأن تسلط بريطانيا على شئون الحكم والإدارة والجيش كان غصة في حلوق أغلبية ال[[مصر]]يين، فقد صار الملك مركز السلطة الوطنية، ورمز الكفاح الوطني، حسب ما اخبرنا قيادي إخواني بار، حيث ذكر أن فاروقا الشاب كان" مناط آمال الشعب وموضع احترامه، لأن سيرته كانت سيرة مرضية ومسلكه كان مسلكا شريفا، ولعل ذلك نتيجة تأثير الشيخ [[مصطفى المراغي]] عليه.. ولم يبدأ فاروق في الانحراف إلا بعد وفاة الشيخ.." سنة [[1945]]م. ولكن " فاروقا هذا تولاه هذا بعد ذلك شياطين الإنس من رؤساء أحزاب وبطانة فاجرة فصنعوا منه شيطانا.."
===المرحلة الثانية===
وانتهت هذه المرحلة الأولى من مسيرة [[الإخوان]] سنة [[1938]]م، وإذ ذاك دخلوا مرحلة جديدة ولم يكن هذا الدخول عفو الخاطر، أو من غير إدراك، بل كان عن وعي واقتناع وتصميم، وقد نبه الإمام [[حسن البنا]] إخوانه إلى هذه النقلة بقوله:" هذه مرحلة من مراحل [[الإخوان]] اجتزناها بسلام وفق الخطة الموضوعة لها.. والآن أيها [[الإخوان]] وقد حان وقت العمل، وآن أوان الجد.." ثم سأل الأستاذ [[البنا]] إخوانه :" ما خطوتكم الثانية؟" ومضى يجيب على تساؤله:
" أقول لكم فاسمعوا: سننتقل من خير دعوة العامة إلى خير دعوة الخاصة، ومن دعوة الكلام وحده إلى دعوة الكلام المصحوب بالنضال والأعمال، وسنتوجه بدعوتنا إلى المسئولين من قادة البلد وزعمائه ووزرائه وحكامه وشيوخه ونوابه وأحزابه، وسندعوهم إلى منهاجنا ونضع بين أيديهم برنامجا، وسنطالبهم بأن يسيروا بهذا البلد المسلم، بل زعيم الأقطار الإسلامية.. في جرأة لا تردد معها، وفي وضوح لا لبس فيه.. فإن أجابوا الدعوة .. آزرناهم وإن لجئوا إلى المواربة والروغان، وتستروا بالأعذار الواهية والحجج المردودة فنحن حرب على كل زعيم أو رئيس حزب أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام ولا تسير في الطريق لاستعادة حكم الإسلام ومجد الإسلام.. سنعلنها خصومة لا سلم فيها ولا هوادة معها حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين..".
" كان موقفكم أيها [[الإخوان]] سلبيا ( كذا) هكذا فيما مضى ، أما اليوم، وأما في هذه الخطوة الجديدة فلن يكون كذلك، ستخاصمون هؤلاء جميعا في الحكم وخارجه خصومة شديدة إن لم يستجيبوا لكم ويتخذوا تعاليم الإسلام منهاجا..". 
" أيها [[الإخوان]] – أعلن لكم هذه الخطوة على صفحات جريدتكم هذه ، لأول عدد منها، وأدعوكم إلى [[الجهاد]] العملي بعد الدعوة القولية، وفيه تضحيات ، وسيكون من نتائج جهادكم هذا في سبيل الله والإسلام أن يتعرض الموظفون منكم للاضطهاد وما فوق الاضطهاد، وأن يتعرض الأحرار منكم للمعاكسة وأكثر من المعاكسة، وأن يدعي المترفون المترفهون منكم إلى السجون وما هو أشق من السجون، ولتبلون في أموالكم وأنفسكم ، فمن كان معنا في هذه الخطوة فليتجهز وليستعد، ومن قعدت به ظروفه أو صعبت عليه تكاليف الهاد سواء أكان شعبة من شعب [[الإخوان]] أم فردا من أعضاء [[الجماعة]] فليبتعد عن الصف.." (انتهت الاقتباسات).
وعندما يمر الباحث والقارئ بهذا الكلام الخطير الذي كتبه مؤسس [[الجماعة]] ومرشدها الأول، منبها بوضوح غلى انتهاء المرحلة الأولى، مرحلة الدعوة السلمية ( [[1928]]- [[1938]]م) ، وولوج الحركة إلى المرحلة التالية، ومشيرا إلى تغير بل انقلاب في أساليب الممارسة من الالتزام بالتحرك السلمي إلى تبني أسلوب المواجهة والتحدي والتهديد المكشوف.
هنا لابد أن يتساءل الباحث والقارئ: هل كان [[حسن البنا]] يقصد بدقة كل ما قاله في كلمته المنشورة التي اقتبسنا منها ههذ المقتطفات والنصوص ؟ أم أن الأمر كان مجرد انزلاقه فلم ينفث مشاعر الحماسة والعاطفة المتأججة في إطار الأسلوب الخطابي؟ فحتى صدور هذا الإعلان في مقالة [[حسن البنا]] النارية كانت حركة [[الإخوان]] تمارس نشاطها مسالمة لكل القوى الوطنية، المدنية والرسمية طوال المرحلة الأولى، بما في ذلك التزام القواعد الاجتماعية المتعارف عليها في المجتمع ال[[مصر]]ي، حتى في استخدام الألقاب التركية الأصل (بك، وباشا، وأفندي، وغيرها)، سواء عند تناول أسماء الشخصيات المدنية أو الحكومية. أما مضمون الخطاب الجديد الذي قدمته مقالة [[حسن البنا]] رحمه الله فقد كان إنذارا لأطراف كثيرة بأن ثمة انقلاب رئيسي ومهم في طريقة تعامل [[جماعة الإخوان]] مع محيطها، وتوجهها إلى الدخول في مواجهة فاصلة مع كل الأطراف. '''ولعل من المفيد أن نحدد بنود هذا الإنذار في نقاط:'''
:'''1'''- إعلان التغيير والانتقال من الأسلوب السلمي غلى حالة المواجهة،
:'''2'''- التوجه بالدعوة إلى الخاصة: الحكام بمراتبهم المختلفة وإلى الأحزاب،
:'''3'''- إن قبل كل هؤلاء تبني برنامج وأهداف دعوة [[الإخوان]] فلهم المؤازرة والتأييد،
:'''4'''- وإن رفضوا، إعلانا أو مراوغة ، ف[[الإخوان]] حرب عليهم جميعا
:'''5'''- المرشد يدعو إخوانه للاستعداد لموجات الاضطهاد والسجون، والأكثر من السجون، أي التشريد والإعدامات والتصفية الجسدية.
'''وهنا نعود إلى التساؤل:  لكان [[حسن البنا]] يلقي خطابا ، أو يكتب مقالا حماسيا، أم كان يعلن تغييرا فعليا وشيكا؟'''
لسنا بحاجة إلى التخمين أو الاستنتاج لمعرفة الإجابة على هذا السؤال. لقد أصبح هذا السؤال من ا لماضي البعيد الذي مر عليه أكثر من نصف قرن، والذي كان مستقبلا يوم نشر [[حسن البنا]] خطابه ذاك. وقد صار الخطاب وتداعياته جزءا من الماضي البعيد نسبيا، أي أن تداعياته صارت معروفة وواضحة. لقد كان الإعلان برنامج عمل، وقد وضع موضع التنفيذ في الأيام والسنوات التي تلت وانقضت من مسيرة [[الإخوان]]، وصار تاريخا موثقا، وصارت معالمه الرئيسية ، بل ونتائجه معروفة، ومتوفرة لكل من أراد أن يبحث عنها.
ويبدو واضحا من كل ذلك أن [[حسن البنا]] كان يعني ما يقول، فبعد سنتين من هذا الخطاب نجد [[الإخوان]] يؤسسون [[النظام الخاص]]، خطوة كان التحرك فيها والعلم بها ضمن دائرة صغيرة ومحدودة، على رأسها [[حسن البنا]] رحمه الله، وذلك سنة [[1940]] ، كما حدثنا الأستاذ [[محمود عبد الحليم]]، وفضلا عن ذلك فقد شهدت السنوات العشر التي نشرت في بدايتها مقالة [[المرشد العام]]، والمؤسس كثيرا من الممارسات [[الإخوان]]ية التي استخدمت فيها الأسلحة والقنابل، وشهدت عددا من حوادث الاغتيال التي طالت عددا من القضاة، وضباط الشرطة وغير ذلك مما سيأتي تفصيله.
( انظر الفصل الخامس).
وقد نتج عن هذا الانقلاب في ممارسات [[الإخوان]] أيضا صدام مع الأحزاب والقوى السياسية المدنية، واتسمت المسيرة [[الإخوان]]ية بمحدودية الوعي، وضيق الأفق، والافتقار إلى المرونة. ففي هذه المرحلة الثانية أخذ [[حسن البنا]] يتوجه بالخطاب إلى زعماء الأحزاب وأنصارها، وإلى الملك ورؤساء الوزارات والوزراء، بل وإلى رؤساء وزعماء الدول الإسلامية خارج [[مصر]]، موجها لهم الدعوة بلطف حاثا لهم على تبني النهج الإسلامي. وحيث لم تكن هناك استجابة، عدا بعض الاستجابات المحدودة والهامشية فقد أخذت الأمور تتعقد وتتجه نحو الصدام.
هنا قد يتساءل بعض القراء: هل كان هذا التغيير الذي أدخله [[المرشد العام]] على مسيرة [[الجماعة]] استمرارا لتنفيذ خطة إستراتيجية وضعت مرحلة منذ بداية انطلاق حركة [[الإخوان]]، أم أن حدثا مفاجئا- على الصعيد الوطني- جعل هذا التغيير ضروريا؟ إن تأمل المادة المعلوماتية التي بين أيدينا تنفي أن يكون هذا التغيير استمرارا لخطة إستراتيجية ، كما أن الساحة ال[[مصر]]ية لم تشهد حدثا مفاجئا أو غير عادي استوجب التغيير. والذي اعتقده أن نمو الحركة بشكل سريع وامتلاكها لقدر لم يكن متوقعا من عناصر القوة الجماهيرية هو الذي أشعر الأستاذ [[البنا]] بثقة مفرطة في حساباته ووضعه وحركته على هذا المفترق الجديد.
ومن المرج أن الأحزاب السياسية استشعرت الخطر من شعبية [[الإخوان]]، سيما بعد أن أخذت قوتهم تظهر في المسيرات وفي رحاب الجامعات. ولابد أن السلطة [[الإنجليز]]ية المتحكمة في [[مصر]] كانت قد أدركت ذلك وأخذت تعد الخطط لمواجهة ما قد يحمله التحرك [[الإخوان]]ي إلى الساحة ال[[مصر]]ية. ولسنا بسبيل تتبع تفاصيل أحداث هذه الفترة، لأن ذلك يخرج بنا عن خطة البحث. ومن أراد الاطلاع على التفاصيل فيمكنه مراجعة ذلك في مصادر أخرى. ويكفي أن نرسم الخطوط العريضة لمسيرة الحركة في هذه المرحلة كي نخرج من ذلك بالعبرة والرؤية الصحيحة.
'''لقد وضع [[الإخوان]] أنفسهم في مواجهة مجموعتين من الأحزاب:'''
:'''أ‌'''- الأحزاب التقليدية : الوفد، السعديون، الأحرار الدستوريون، [[الحزب الوطني]].
:'''ب‌'''- [[مصر الفتاة]].
كما وضعوا أنفسهم في مواجهة القصر، والحكومة ال[[مصر]]ية والوجود البريطاني الاستعماري. وفي هذه الفترة نشأت حركة " [[الضباط الأحرار]]" في الجيش ال[[مصر]]ي فكان [[الإخوان]] على صلة بنشأتها من بداية ألأمر. وفي هذه الفترة أيضا أنشأ [[الإخوان]]" [[النظام الخاص]]"، كما أشرنا قبل قليل ، الذي عرف فيما بعد، خاصة في مصطلح السلطة وأجهزة الإعلام، بالجهاز السري، وكان الهدف من إنشاء النظام أن يكون أداة عسكرية لمواجهة الاحتلال [[الإنجليز]]ي والحركة [[الصهيونية]] في [[فلسطين]]، ولحماية الدعوة من بطش السلطة وربما – أيضا- ليكون أداة للتغيير عندما تحين ساعة التغيير، حسب تقدير قيادة [[الإخوان]]. وقد شهدت هذه المرحلة كذلك نشاطا إخوانيا متناميا لنصرة القضية ال[[فلسطين]]ية ومواجهة التحدي الصهيوني بلغت ذروتها في دخول كتائب المتطوعين [[الإخوان]]، وجلهم من أعضاء [[النظام الخاص]]، حرب [[فلسطين]] حيث ابلوا بلاء حسنا. وقد ظل [[الإخوان]] طوال هذه الفترة في الجانب الوطني من الصراع.
===المرحلة الثالثة===
وفي المرحلة الثالثة( [[1948]]- [[1952]]) تعرضت الحركة للحل، واغتيل مؤسسها وقائدها، وأخضعت لموجة طامة من الاضطهاد والتشريد والاعتقالات، وذلك نتيجة لانزلاق [[الإخوان]] إلى ممارسة العنف المسلح في العمل السياسي. وقد تفاقم الوضع المضطرب على أثر هزيمة الحكومة ال[[مصر]]ية في حرب [[فلسطين]] وانفضاح عبثها وعدم جديتها. ومما ينبغي أن نلفت إليه الأنظار في مسيرة أحداث الحقبة الأولى من مسيرة [[الجماعة]] ( [[1928]]- [[1954]]) ، أن الحياة السياسية أثناءها لم تتسم بالدكتاتورية المطلقة، على الرغم مما ران عليها من فساد ومهاترات وطغيان.
لقد كانت هناك رموز وأشكال ديمقراطية، كانت هناك قشرة من الديمقراطية، وكانت المثل الديمقراطية موضع قداسة شكلية عند الشريحة العليم من المجتمع التي يأتي منها السياسيون ورجال الحكم. وقد ساعدت هذه الحال القوى الوطنية- بما فيها حركة [[الإخوان]]- على أن تجد طريقها للنهوض في أعقاب موجات القمع المحدودة. وحتى موجة المطاردة والاعتقالات التي تعرض لها [[الإخوان]] عام [[1949]]م، والتي اتسمت بشيء من الاتساع والشمول بالمقارنة مع ما سبقها، لم تلبث أن انفرجت بمجرد أن سقطت حكومة حزب السعديين وجاءت حكومة غير حزبية. وقد نظمت تلك الحكومة [[الانتخابات]] العامة وأشرفت عليها سنة [[1950]] فجاءت [[الانتخابات]] بأغلبية وحكومة وفدية. ومع أن الوفد كان في خصومة مع [[الإخوان]] إلا أن [[الإخوان]] أيدوه في [[الانتخابات]] ، وكذلك فعل الشيوعيون، نكاية في حزب السعديين. وقد أراد الوفد – من ناحيته أن يتقرب إلى [[الإخوان]] ليستعين بهم ضد السعديين وغيرهم من مناوئيه.
ثم انطلقت [[الثورة]] ال[[مصر]]ية التي فجرها تنظيم [[الضباط الأحرار]] سنة [[1952]]م، وقد كانت حركة [[الضباط الأحرار]] على صلة وثيقة ب[[الإخوان]] منذ نشأتها ومن حيث انتماء عدد من ضباطها إلى [[الإخوان المسلمين]]، ومن حيث تعاون الفريقين ، حتى لقد ساد الاعتقاد خلال السنة الأولى من عمر [[الثورة]] بأن [[الثورة]] إخوانية قلبا وقالبا.
===المرحلة الرابعة===
وبقيام [[الثورة]] في الثالث والعشرين من تموز ( [[يوليو]]) سنة [[1952]]م بدأت المرحلة الرابعة من مسيرة [[الإخوان]]. وعلى الرغم مما بدا لعامة الناس، بل ولمعظم أعضاء حركة [[الإخوان]]، من أن [[الإخوان]] و[[الثورة]] يد واحدة- وذلك خلال السنة الأولى من عمر [[الثورة]] على الأقل- فقد كانت عوامل التباعد والخصومة تتفاعل بعنف تحت قشرة الوفاق الرقيقة الخادعة.
ولم يأت عام [[1954]]م حتى تحول الخلاف إلى صدام مباشر وعنفي جرى في العلن، وفتحت المعتقلات [[للإخوان]] من جديد ابتداء من شهر كانون الثاني ( [[يناير]]) [[1954]]م. ثم أفرج عن زعماء [[الإخوان]] بعد ما يقرب من ثلاثة أشهر. وفي السادس والعشرين من تشرين الأول ( [[أكتوبر]] ) [[1954]]م جاءت حادثة المنشية ب[[الإسكندرية]] ، حيث أعلنت الحكومة أن [[الإخوان]] دبروا مؤامرة لاغتيال [[جمال عبد الناصر]] ، ومن هنا أخذت موجة القمع والمطاردة الحكومية شكلا بالغ العنف والشمول ، وانعدم أي أمل في الوفاق بين الجانبين، وبذلك بدأت مرحلة جديدة.
===المرحلة الخامسة ( [[1954]]- [[1970]]) ===
لعل القارئ الكريم قد لاحظ أن ميدان الحراك في المرتحل الأربعة الأولى التي مر بها كان ضمن حدود أرض [[مصر]]، وأن القوى التي تحركت في الميدان، والقوى التي تواجهت وتنافست وتصارعت كانت قوى [[مصر]]ية. أما في هذه المرحلة الخامسة فإن الأرض التي جرى عليها الحراك قد اتسعت ، وأن قوى أخرى ظهرت على الأرض وكانت لها أدوار مباشرة أو غير مباشرة، وتأثير بمقادير مختلفة. لقد شهدت ههذ المرحلة أدوارا وتحركات لبعض الدول الكبرى ومشروع بناء السد العالي ، وتأميم [[قناة السويس]] واندلاع [[الثورة]] [[الجزائر]]ية ومساندة [[مصر]] لها، فضلا عن العدوان الثلاثي على [[مصر]] ( [[1956]]- [[1957]]) والانقلاب والحرب الأهلية في [[اليمن]] وتدخل [[السعودية]] والصراع الناصري السعودي وقيام الوحدة بين [[مصر]] و[[سورية]] وانفصامها، ودخول الاتحاد السوفيتي إلى الفضاء السياسي لعالمنا العربي، والعدوان الإسرائيلي في الخامس من حزيران، والأحداث التي شهدها [[الأردن]] سنة [[1970]]، وحرب تشرين والانقلابات العسكرية المتكررة في [[سورية]] و[[العراق]]، وغير ذلك مما شهده عالمنا العربي، وكطل هذه الأحداث تقع خارج موضوع دراستنا على الرغم مما كان لها، أو لبعضها من التأثير المباشر أو غير المباشر في الأحداث التي نتناولها.
لقد شملت هذه المرحلة عهد رئاسة وحكم [[جمال عبد الناصر]] حتى وفاته في شهر أيلول ( [[سبتمبر]]) [[1970]]. ومن غير أن ندخل في التفاصيل نكتفي بالقول بأن السمة الأولى التي ميزت هذه المرحلة أن حركة [[الإخوان]] لم تعد لاعبا رئيسا في ميدان السياسة ال[[مصر]]ية، بل إنها لم يعد لها أي دور على الإطلاق. لقد قبعت معظم العناصر النشطة من [[الإخوان]] في المعتقلات والسجون، ومرت بمحنة قاسية تعرضت فيها لألوان هائلة ومسرفة من التعذيب.
أما الفريق الذي كان انشق عن قيادة المرشد الثاني، [[حسن الهضيبي]] رحمه الله، فقد احتضنهم [[جمال عبد الناصر]]، وترك لهم قدرا من [[الحرية]]، وأفسح لهم في الوظائف، فصار الشيخ [[محمد الغزالي]] ، والشيخ [[السيد سابق]] يرحمهما الله، كل منهما في منصب وكيل وزارة. 
وبجانب ذلك، فإن بعض الشخصيات [[الإخوان]]ية المهمة التي لن يعرف لها دور في الانشقاق [[الإخوان]]ي الذي نشا خلال وبعد اختيار وتنصيب [[المرشد العام]] [[حسن الهضيبي]] لقيت اهتماما خاصا من [[جمال عبد الناصر]]، وكان من أبرز هؤلاء الدكتور [[عبد العزيز كامل]]، الذي كان أستاذا في قسم الجغرافيا في جامعة [[القاهرة]]، فشغل منصب نائب رئيس الوزراء، كما شغل منصب وزير الأوقاف في فترة لاحقة. أما الدكتور [[أحمد كمال أبو المجد]] ، وهو أستاذ في القانون، فقد عين في منصب ملحق ثقافي في السفارة ال[[مصر]]ية في واشنطن، ثم عين فيما بعد وزيرا للإعلام ، وفي مرة ثانية عين وزيرا للشباب. وقد كان كل منهما في مستوى عال من العلم والأهلية والحضور القوي على الصعيد العام، سواء في أجواء [[الإخوان]]، أو على الصعيد الوطني. ومن هذه المجموعة أيضا كان الشيخ [[أحمد حسن الباقوري]] رحمه الله، وقد صار وزيرا للأوقاف.
ومن ناحية أخرى فإن بعض شباب لإخوان لم ينقطعوا عن الاتصال ب[[جمال عبد الناصر]] في فترة الانشقاقات وما بعدها، وهذا ما ذكره لي أحدهم- بعد عشرين سنة من تلك الأحداث، وقد صار أستاذا في كلية الطب- فقال : '''" لقد ظللنا حتى سنة [[1957]] نتردد على بيت [[جمال عبد الناصر]] وندخل من باب خلفي خاص لنلتقيه ، دون أية مشاكل من جانب الحراسة"'''.
ويبدو أن جمال رحمه الله مال إلى التخفيف من حدة المواجهة تمهيدا لإنهائها، وذلك بعد أن ضعف الجانب [[الإخوان]]ي ولم يعد قادرا على الاستمرار في الصراع، وانسجاما مع هذا التوجه بدأ الإفراج عن أعداد من [[الإخوان]] أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، وكان [[سيد قطب]] على رأس المفرج عنهم. وفي هذه الفترة التي شهدت الانفراج، وعاد فيها [[سيد قطب]] إلى بيته حرا سعيت إلى الالتقاء به، وكنت من المعجبين به لسنوات طويلة، ولم يكن قد وصل إلى علمي ما كان قد طرأ على فكره من تغيير.
وقد ذهبت إلى بيته في شارع رستم باشا في [[حلوان]]، غير أن سيد لم يكن موجودا فاستقبلني الأستاذ [[محمد قطب]]، رحمه الله، وجلست معه بعض الوقت. ثم عدت في السنة التالية ( [[1963]] أو [[1964]]) فلم أجده أيضا. واستقبلني ابن أخته، واسمه رفعت بكر الشافعي، وجلست معه قليلا، وأخبرني أن الأستاذ سيد ذهب إلى مصيف رأس البر. وقد ذهبت إلى مصيف رأس البر من غير أن يكون لدي عنوانه، على أمل أن ألتقيه، ولم أكن قد دخلت رأس البر من قبل، وبعد جولة على الشاطئ اقتنعت بتعذر الوصول غلى بغيتي، فعدت إلى [[القاهرة]].
وكان ممن ذهب لزيارة [[سيد قطب]] بعد الإفراج عنه الأديب والروائي المشهور نجيب محفوظ رحمه الله. فقد ذكر ذلك الأستاذ محفوظ في مقال نشره في إحدى الصحف، فقال إنه كان يحفظ ل[[سيد قطب]] أنه أول ناقد أدبي قدمه إلى القراء عندما لم يكن محفوظ قد وصل إلى مرحلة الشهرة، ولذا فقد ظل يشعر له بالامتنان منذئذ، - آنذاك- من مخاطر، من ناحية عدم رضا السلطة. وقد عبر محفوظ عن دهشته لما سمعه من [[سيد قطب]]، إذ بدأ يطرح عليه وصحبه نظريته التي أودعها في كتابه '''" [[معالم في الطريق]]"''' وكأنه يلقي عليهم درسا.
====انتكاسة الانفراج وعودة إلى الصراع====
غير أن هذا الانفراج الذي بعث الأمل في نفوس الكثيرين لم يلبث أن انتهى، واختفى معه الأمل، وحمل التطور الجديد موجة جديدة من الرعب والعنف. فقد أعلنت السلطة في [[مصر]] في بيان رسمي بثته وسائل الإعلام أن تنظيما إخوانيا بزعامة [[سيد قطب]] قد انهمك في إعداد العدة لمحاولة القيام بانقلاب وأخذ يجمع السلاح ويدرب المشاركين على استخدامه . وقد تم إفشال المحاولة، وألقي القبض على ذوي العلاقة، وضبطت الأسلحة وصودرت. وقد نفى المكتب التنفيذي لقيادة [[الإخوان]] في البلاد العربية- وكان مقره في بيروت- نفى ما جاء في البيان الرسمي ال[[مصر]]ي ، وكان مما جاء في البيان الذي أصدره المكتب:
" إن [[الإخوان المسلمين]] في البلاد العربية والإسلامية ينظرون بكثير من الأسف غلى الاعتقالات التي جرت في الجمهورية العربية المتحدة وشملت عددا من [[الإخوان المسلمين]]، في الوقت الذي يحتاج فيه العرب والمسلمون إلى رص صفوفهم، وحشد جهودهم لمواجهة الاستعمار..
'''" و[[الإخوان المسلمون]]، بما توفر لديهم من معلومات يؤكدون أن [[الإخوان المسلمين]] في [[مصر]] لا علاقة لهم البتة بأية مؤامرة أو سلاح مختزن، ولسوف يكشف عن ذلك بصورة قاطعة أي تحقيق نزيه عادل"'''.
والحقيقة أن هذا البيان [[الإخوان]]ي كان مجرد رد سياسي لم يكن هدفه الإعلان عما جرى بالفعل. لقد كنت- في تلك الفترة- متفرغا للعمل للمكتب التنفيذي، كما كانت لي علاقة بالاجتماع لذي صدر عنه القرار، ومن جانب آخر فإن أخا [[لبنان]]يا قياديا كان أيضا قريبا من الاجتماع، وفي حديث ثنائي بينه وبيني لم يتردد أن يسخر من النفي الذي ورد في بيان المكتب التنفيذي، وكان مما قاله لي: إنه زار [[مصر]] قبيل الأحداث موضوع البحث، وذهب إلى [[الإسكندرية]]، وأخذه بعض [[الإخوان]] ال[[مصر]]يين إلى الشقة التي ذكر البيان الحكومي أن التدريب كان يجري فيها وضبط فيها شيء من السلاح، وقد شاهد الأخ المذكور التدريب والسلاح بنفسه. ويبدو لي أن [[سيد قطب]] لم يكن له دور عملي في إنشاء التنظيم أكثر من الفكرة '''" النظرية"''' التي أودعها في كتابه " [[معالم في الطريق]]" والذين شكلوا التنظيم كانوا- على ما يبدو- شبابا أغرارا متحمسين محدودي الفكر والخبرة.
ولما وجدوا أنفسهم عاجزين عن توجيه وتحريك التنظيم الذي أنشئوه ، لجئوا إلى صاحب النظرية. والذي أرجحه أن [[سيد قطب]] لم تكن لديه خبرة ولا معرفة، ولا قدرة جسدية في سنه وصحته. بعد سنوات السجن والعذاب الطويلة. ومن المرجح أنه وقع في حرج شديد أن يتهرب من المشاركة فيما دعا إليه ونظر له بلغة قوية عاطفية شديدة الحماسة. وهكذا دفع ثمنا مضاعفا ومبالغا فيه، لما صاغه ونشره من فكر.وشملت موجة الاعتقالات والتنكيل كل من عرف له أدنى نشاط إخواني، وهكذا بدت ساحات العمل الإسلامي خاوية فارغة. ولم تمض هذه الفترة الحالكة في امتدادها أكثر من سنوات خمس حتى توفي [[جمال عبد الناصر]] في شهر أيلول ( [[سبتمبر]]) [[1970]]م، رحمهم الله جميعا.
ودعونا ننظر فيما كتبه الأستاذ [[فريد عبد الخالق]]- وهو من كبار وقدماء قادة [[الإخوان]] ومن تلاميذ [[حسن البنا]] المباشرين- عن تنظيم [[1965]] ، باختصار شديد:
بدأت نواة التنظيم أوائل الستينات بقيام عدد قليل من [[الإخوان]] الذين كانوا اعتقلوا في فترات سابقة بالتجمع في أسر، وقد اتل بعضهم بالأستاذ المرشد [[حسن الهضيبي]] مستأذنين بغرض دراسة القرآن الكريم وغير ذلك من مواد التربية الإسلامية. وقد أذن لهم المرشد بذلك في الحدود التي عيونها وقت استئذانهم. ومع الزمن تزايدت أعدادهم وكونوا قيادة منهم على رأسها الشيخ [[عبد الفتاح إسماعيل]]، ثم امتدت اتصالاتهم لتطال بعض [[الإخوان]] في السجون وخارجها. وأحس بعض [[الإخوان]] بوجود ذلك التنظيم بعد عامين، وتبين أنه قد يكون متجها لاستخدام القوة.
واتصل بمسئولي التنظيم من نبههم إلى خطورة تحركاتهم ومن خطورة وجود أي تنظيم، حتى من غير أية توجهات عنيفة، بيد ممثلي التنظيم لم يفصحوا عن حقيقة ما يتجهون إليه. وبعد ذلك اتصلوا ب[[سيد قطب]] على اثر الإفراج عنه، وأخبروه بأنهم تأثروا بكتاباته وطلبوا منه أن يتولى قيادتهم، فقبل ذلك، واستمر سنتين إلى أن ألقي القبض عليه. وقد اعتقل عشرات الآلاف من [[الإخوان]] رجالا ونساء، وأعدم [[سيد قطب]] و[[عبد الفتاح إسماعيل]]، ومات عدد غيرهم تحت التعذيب . وظل الحال كذلك إلى ما بعد وفاة [[جمال عبد الناصر]] أواخر سنة [[1970]].
===المرحلة السادسة( [[1971]]- [[2020]]) ===
وجاء عهد [[السادات|أنور السادات]]( [[1970]]- [[1981]]) حيث شهدت الأشهر الأولى صراعه مع ما سمي بمراكز القوى من بقايا النظام الناصري ، وكان على رأس تلك الفئات السيد علي صبري، وشعراوي جمعة، وسامي شرف. وقد نجح [[السادات]] في التخلص من مراكز القوى الظاهرة. وفى إطار صراعه مع هذه القوى رأى أن بإمكانه الاستفادة من القوى الإسلامية. ومن هنا بدأ يفرج عن [[الإخوان]] القابعين في السجون والمعتقلات، سواء بغرض الحصول على تأييدهم . ضد اليساريين والناصريين ، أو لتيقنه من أنهم، أو أن كثيرين منهم تعرضوا للظلم والعقوبات المسرفة. فماذا كان رد الفعل من جانب [[الإخوان]] على هذا التوجه من جانب خليفة [[عبد الناصر]] ؟
لقد كنت في تلك الفترة في [[الكويت]]، أعمل متفرغا لشئون المكتب الإقليمي الذي ضم ممثلين لمختلف التنظيمات [[الإخوان]]ية بما فيه تنظيم [[الإخوان]] [[الكويت]]يين ، وبعض تنظيمات [[الإخوان]] من غير [[الكويت]]يين من العاملين الوافدين المقيمين ، خاصة من ال[[مصر]]يين وال[[فلسطين]]يين بجانب ممثل للاتحاد العالمي للطلبة المسلمين. وأزعم أنني أدركت أهمية هذه اللحظة التاريخية الفارقة بين عهدين ، عهد ولي وانقضى ، وعهد ينتظر من يبنيه ومن يتقدم ليشارك في بنائه. وقد سبق لي أن كتبت وصفا لتصرفاتي آنذاك في كتاب تأخر نشره لفترة بعد الحدث، غير أن كتابته كان قريبة ومفعمة بتلك الأجواء. وكان مما قلته:
" أما د الفعل بالنسبة لي فلم يغرق في العاطفة والانفعال، ولم يصبه شئ من البطء أو التواني، فبمجرد سماعي النبأ أدركت ضخامة الآثار التي سيتركها الحدث، وبدأت أعد بذلك مذكرة موجزة ركزت فيها على بضعة أفكار أساسية من غير إسهاب في التحليل والاستقصاء، مؤجلا ذلك إلى دراسة لاحق. وقد استغرقت هذه المذكرة صفحتين ، أو ثلاثا. وفي صبيحة اليوم التالي كنت أجري اتصالات من أجل عقد اجتماع غير عادي للجنة الإقليمية لبحث الموقف الجديد. وقد بدا موقفي أمام تحفظ الآخرين وكأنه مندفع أو متعجل، بيد أن اللقاء قد تم، حيث وزعت نسخا من المذكرة على المشاركين".
'''وكانت خلاصة ما ذكرته:'''
'''أولا''': أن النظام الناصري كان قد بدأ انهياره منذ هزيمة الخامس من حزيران [[1967]]،
'''ثانيا''': أن عملية الانهيار تواصلت بعد ذلك من خلال الصراع من أجل تحميل مسئولية الهزيمة بين الأشخاص والقوى المكونة للنظام، وبانتحار عبد الحكيم عامر أو اغتياله بلغ الصراع ذروته،
'''ثالثا''': وبموت [[جمال عبد الناصر]] وصعود [[السادات]] لمنصب الرئاسة انتهى النظام الناصري ودخلت مرحلة تأسيس وبناء نظام جديد,
'''رابعا''': إن الموقف الراهن يتطلب أن يكون [[للإخوان]] ال[[مصر]]يين حضور ملموس وفاعل في مرحلة البناء.
'''خامسا''': لقد مضت على [[الإخوان]] ال[[مصر]]يين القياديين أو القادرين الذين غادروا بلدهم مرغمين فترة طويلة ( بعضهم منذ [[1954]] وبعضهم من [[1965]] ) وهم يصرخون من خارج الأسوار التي فرضها النظام المنهار، وقد آن الأوان للعودة والتحرك من الداخل، والمشاركة في تشييد البناء الجديد.. الخ.
وكان رد الفعل الفوري بالسخرية والتندر من جانب البعض الذين أصروا على أن النظام هو نفسه برأس جديد. أما ممثل التنظيم ال[[مصر]]ي فقد قال أنه سيذهب إلى [[مصر]] لاستطلاع الوضع، على أن يعود بعد أسبوع. وعاد الدكتور سالم ليشارك في الاجتماع التالي، حيث بدأ يعرض تقريرا بتوقعات لا تخلو من الإيجابية والأمل والثقة، فانطلق صوت السيد عبد الله العقيل بصيحة استنكار لا تخلو من الإهانة والاستعلاء، فتوقف الدكتور سالم عن مواصلة الحديث، فعاد أبو مصطفى ليقول: طيب أكمل أكمل ، فأبى قائلا:'''" أنا ما كملت جملة حتى هبيت في"''' فانطلقت صيحة أخرى: أنا مو كلب حتى أهب فيك . هذا مع أن كلمة " هب" كلمة فصيحة وتستخدم في سياق إيجابي، عندما نقول: هب لمساعدته، لنجدته، للقائه والترحيب به، هب لمواجهة العدو ... " وانتهت الجلسة، وانسحب الدكتور سالم نجم من اللجنة، وقد علمت فيما بعد أنه ترك [[الكويت]] وعاد إلى [[مصر]] ليعمل أستاذا في كلية الطب بجامعة [[الأزهر]] وقد حل محله في اللجنة الدكتور محمد طلبة زايد.
أما في [[مصر]] فقد مرت سنوات تخللتها حرب " [[أكتوبر]] [[1974]]" وبعدها زيارة [[السادات]] للقدس وما تلا ذلك من معاهدة كامب ديفيد، فساءت علاقة [[الإخوان]] بنظام [[السادات]]، وفتحت لهم السجون مجددا بسبب معارضتهم للمعاهدة وانتقاداتهم للسادات، بيد أن المحنة لم تصل في عنفها واتساعها إلى ما كان يحدث في العهد الناصري.
===حركة إسلامية جديدة [[1971]]- [[1984]] ===
وعدا عن [[الإخوان المسلمين]] المضطهدين الذين كانوا مغيبين في السجون والمعتقلات ظهرت على الساحة في هذه الفترة قوى إسلامية جديدة، شابة ونشطة، بل شديدة النشاط والحماسة، وكان ظهورها مفاجئأ، بعد انفلات القبضة الحديدية، الأمنية والثقافية المتمثلة في نظام [[جمال عبد الناصر]] وأنصاره من الماركسيين واليساريين والعلمانيين. وقد نبتت البذرة الأولى للحركة الإسلامية الجديدة من نخاع الشعب ال[[مصر]]ي المتدين بفطرته الجديدة من نخاع الشعب ال[[مصر]]ي المتدين ، فظهرت في السنوات الأولى من عهد [[السادات]]، وأخذت تنمو وتتمدد، من غير أن تتعرض لها الأجهزة الأمنية، وذلك انسجاما مع سياسة [[السادات]] الجديدة. ويحدثنا الدكتور [[عبد المنعم أبو الفتوح]] عن ولادة هذه [[الجماعة]] وتطورها بعد تغييب [[الإخوان المسلمين]] منذ سنة [[1965]] وامتدادا لما بعدها. ويبدو من روايته أنه صاحب هذه الحركة منذ ولادتها، بل إنه كان جزءا منها، وفي إطارها كانت ولادته السياسية والحركية .
ولد [[عبد المنعم أبو الفتوح|أبو الفتوح]] في منتصف [[أكتوبر]] [[1951]] في أسرة متدينة، وفي سنة [[1970]] التحق بالجامعة، وكانت رغبة والده أن يصبح طبيبا، فالتحق بكلية طب القصر العيني في جامعة [[القاهرة]] ، حيث حصل على مجموع عال في امتحان الثانوية. , " كنت أصلي مع زميل لي من [[المنيا]] اسمه عبد الشافي صاوي، على حصيرة متهالكة.. وكان دائما يتساءل : لماذا لا يأتي أحد للصلاة" معنا؟ كان ذلك في السنة الإعدادية طب، ضمن كلية العلوم. فلما ترفع إلى السنة الأولى طب وانتقل إلى كلية طب القصر العيني وجد أن مسجد الكلية يمتلئ ولكن من غير نشاط إسلامي. أما النشاط الذي كان شائعا ومتسيدا فهو نشاط الشيوعيين والناصريين المسيطرين على اتحادات الطلاب وعلى النشاط الثقافي، بما فيه مجلات الحائط، وكانوا يسبون الإسلام فيما يكتبونه فيها، ذلك ما أثار المتدينين ، ومنهم [[عبد المنعم أبو الفتوح|أبو الفتوح]] وزملاءه.
ولما اكتشفوا عجزهم وضعفهم، حتى في الحوار والمناقشة اتجهوا يسألون العلماء، ومنهم الشيخ [[محمد الغزالي]] والشيخ [[السيد سابق]] والشيخ [[محمد أبو زهرة]] وغيرهم. ثم اكتشفوا وجود أستاذ الباثولوجي في كلية الطب، الدكتور [[محمد عبد المنعم أبو الفضل]]، وكان إخوانيا ومتصوفا، ويعتبره الدكتور [[عبد المنعم أبو الفتوح|أبو الفتوح]] الأب الروحي للحركة الوليدة . وقد أسس الدكتور أبو الفضل لجنة التوعية الدينية ، فاتخذها الطلاب الإسلاميون مسربا بنشاطهم لكنهم فوجئوا بأنها تخضع لاتحاد الطلبة وتسلط اليساريين، ولذلك قرر الإسلاميون أن يستقلوا باللجنة، وغيروا اسمها إلى الجمعية الدينية، وبعد ذلك غيروا اسمها إلى '''" [[الجماعة الإسلامية]]"''' متأثرين باسم [[الجماعة الإسلامية]] في باكستان.
ومن غير إطالة وتتبع للتفاصيل وجد الطلاب الإسلاميون أن عليهم أن يتجهوا للسيطرة على اتحادات الطلبة من خلال [[الانتخابات]]، وتم لهم ذلك، وكانت آثار هزيمة [[1967]] وتحول توجهات وعواطف الشعب ال[[مصر]]ي ضد الناصريين واليساريين عاملا مساعدا وقويا. وقد ذهب الدكتور [[عبد المنعم أبو الفتوح|أبو الفتوح]] إلى القول بأن " [[الجماعة الإسلامية]]" التي ولدت في أحضان الجامعات ال[[مصر]]ية يعز أن نجد لها مثيلا في تاريخ العمل الإسلامي والطلابي، وخاصة في [[مصر]]. لقد كانت هذه [[الجماعة]] تجربة فريدة في العلاقات الإنسانية والأخوية بين أبنائها، وكانت مثالا نادرا للتجرد والإخلاص، والرغبة الصادقة في العمل لنصرة دين الله، ولأجل الوطن.
ولا أبالغ إذا قلت ( والكلام للدكتور [[عبد المنعم أبو الفتوح|أبو الفتوح]]) : إن جيل السبعينات كان الأقوى والأكثر نضجا وتأثيرا بين كل أجيال الحركة الطلابية الإسلامية، ساعد على ذلك ظروف البلاد وأجواء [[الحرية]] التي عاشتها في عصر [[السادات]]، كما ساعد على ذلك أننا بدأنا من ى شئ، ولم ندرك مرحلة [[الإخوان]] السابقة علينا في الخمسينات ، وما أصابها من صراعات وخلافات.. لقد كنا نعيش فترة البراءة والفطرة النقية.. " كان هذا وصف الدكتور [[عبد المنعم أبو الفتوح|أبو الفتوح]] للحركة التي نشأ بها وفيها ومعها وقادها، ثم خلفه في قيادتها بعد تخرجه من الجامعة الدكتور [[عصام العريان]] الذي كان ضمن الدفعة التالية لدفعته. والحقيقة أنني ملت – في البداية- إلى شئ من التحفظ على وصف الدكتور [[عبد المنعم أبو الفتوح|أبو الفتوح]]، ولكنني عدت بذاكرتي أتتبع تطور حركة الدعوة منذ أنشأها [[حسن البنا]] رحمه الله سنة [[1928]]، فوجدت أن الدكتور [[عبد المنعم أبو الفتوح|أبو الفتوح]] لم يبالغ.
=== [[الإخوان]] يتجهون إلى حصر نشاطهم في الإطار السلمي===
وربما يبدو للباحث المتابع أن [[الإخوان]] أخذوا يتجهون- خلال هذه المرحلة [[السادات]]ية وما بعدها- إلى الاندماج في الحياة السياسية والابتعاد عن ممارسة العنف وعن استخدام السلاح في ميدان التنافس السياسي. ويمكن الاستدلال على ذلك من أنهم لم يعودوا لاستخدام ولم مارسوا العنف منذ بداية عهد [[السادات]] إلى الآن( [[1971]]- [[2008]]) وهذه الفترة تقرب من أربعين سنة، أي نصف عمر الحركة [[الإخوان]]ية. وبدلا من العنف فقد حاولوا الانخراط في العمل السياسي السلمي، واستئناف أنشطتهم في حقل الخدمات الاجتماعية والعمل الخيري والتربوي. هذا بينما انغمست '''" الجماعات الإسلامية"''' المنشقة عن [[الإخوان]] ، سنوات طويلة في الصراع المسلح مع السلطات الحاكمة إلى أن استنفدت تلك الجماعات قواها وبلغت حد الإنهاك والعجز الكامل.
والحقيقة أننا نجد تأكيدا لحدوث هذا التغير فيما كتبه الدكتور [[عبد المنعم أبو الفتوح]] : " كانت الفكرة المسيطرة على مجموعتنا نحن ألا نستخدم العنف وإنما نعد أنفسنا لاستخدامه حين تقوى شوكتنا ونصبح قادرين على القضاء على هذا النظام الممسك بالحكم، ولكن الفرق بيننا وبين من مارسوا العنف وأطلقوا على أنفسهم اسم '''" جماعة [[الجهاد]]"''' ، أنهم تعجلوا الأمور ونفذوا ما اعتقدوه بسرعة ودون حسابات دقيقة . وقد ظلت هذه الفكرة مسيطرة علينا حتى أواخر السبعينات، حتى بعد دخولنا [[جماعة الإخوان المسلمين]] ، إلا أننا بدأنا نراجعها تدريجيا.
وكان للأستاذ [[عمر التلمساني]]( [[المرشد العام]] [[للإخوان المسلمين]]) رحمه الله، الدور الرئيسي في حسم مسألة العنف، وتأكيد التوجه السلمي ، ليس لدينا فقط – نحن أبناء [[الجماعة الإسلامية]] التي قررت الانضواء تحت لواء [[الإخوان المسلمين]]، بل ولدى كثير من [[الإخوان المسلمين]] أيضا من أجيال سابقة علينا، خاصة أبناء تنظيم [[1965]] الذي عرف بتنظيم [[سيد قطب]] . " انتهى كرم الدكتور [[عبد المنعم أبو الفتوح|أبو الفتوح]].
ولكن هنا لابد أن يبرز سؤال: وماذا عن جماعة [[النظام الخاص]] الذين سيطروا على قيادة [[الإخوان]]؟ والجواب الذي أراه: أنهم قد تعلموا درسا من أحداث [[ثورة 25 يناير]] [[2011]]، بل تعلموا دروسا وما زالوا يتعلمون، والممارسة أقوى أدوات تعلم الديمقراطية، سواء للأحزاب والجماعات أو للشعوب أو للأفراد. ونأمل أن يكون قرار [[الإخوان]] ممارسة العمل السياسي من خلال النشاط السلمي، و[[الجهاد]] السلمي المخلص نهائيا لا رجعة عنه.
==الفصل الثالث==
===المسار التنظيمي [[للإخوان المسلمين]] ===
لسنا نقصد بالحديث عن المسار التنظيمي أن نتناول بالوصف والدراسة والتحليل التفصيلي الهياكل التنظيمية التي صاغتها قيادة [[الإخوان المسلمين]]، وإنما الذي نقصده هو أن نتفحص مدى فاعلية هذه الأطر التنظيمية ، ومدى ضبطها للمسيرة في جانبها الحركي، أي من حيث القدرة على التعامل مع كل الظروف الداخلية في إطار الحركة، والظروف الخارجية المحيطة ب[[الجماعة]] تعاملا مثمرا. وسنكتفي بإعطاء فكرة عامة وموجزة عن الهياكل التنظيمية باعتبار أنها شرحت بالتفصيل في مصادر أخرى وتضمنها النظام الأساسي واللائحة الداخلية [[للإخوان]] في رسالتين طبعتا ووزعتا على نطاق واسع خلال سنوات عديدة.
'''وسنتعرض في هذا الموجز لأربعة جوانب رئيسية من مسيرة [[الإخوان]] التنظيمية تشمل أهم ما في المسار:'''
'''1- الأطر القيادية.'''
'''2- التقسيم الجغرافي لتحرك [[الإخوان]].'''
'''3- التقسيم النوعي للأنشطة.'''
'''4- مراتب العضوية.'''
====أولا: الأطر القيادية وتسلسلها====
كان [[المرشد العام]] هو رأس النظام في حركة [[الإخوان]] ، يرأس [[مكتب الإرشاد]] المكون من عشرة أعضاء بالإضافة إليه. وقد ذكر [[حسن البنا]] أن [[مكتب الإرشاد]] " هو السلطة العليا [[للإخوان المسلمين]] في سائر لأرض". أما الإطار الأوسع من [[مكتب الإرشاد]] فهو الهيئة التأسيسية ، وكانت تتكون من مائة عضو، ويفترض فيها أن تجتمع مرة في العام . وكان لكل منطقة مكتب إداري، لكل محافظة من محافظات الدولة، ولكل شعبة نائب ومجلس إداري. وفي داخل الشعبة قسم [[الإخوان]] إلى أسر على رأس كل أسرة نقيب.
'''وكان عدد أعضاء الأسرة خمسة أفراد في الغالب ويمكن أن يوضح هذا الإطار التنظيمي في اللوحة المبينة:'''
             
'''[[المرشد العام]]'''
             
'''[[مكتب الإرشاد]]'''
             
'''الهيئة التأسيسية'''
             
'''المكاتب الإدارية'''
               
'''إدارات الشعب'''
                 
'''النقباء'''
               
'''الأسر'''
               
'''الأفراد'''
====ثانيا : التقسيم الجغرافي====
اتبع [[الإخوان]] التقسيم الإداري الحكومي لأراضي الدولة ال[[مصر]]ية إلى مديريات ، فجعلوا لكل مديرية " مكتبا إداريا" يصرف نشاط الدعوة فيها، له رئيس، ويضم أعضاء إدارة الشعبة الرئيسية في عاصمة تلك المديرية، كما يضم نواب الشعب التابعة لها. وكان لمدينة [[القاهرة]] مكتب إداري ، أي أن [[القاهرة]] عوملت كمديرية ، بجانب وجود المركز العام فيها.
====ثالثا: التقسيم النوعي للأنشطة====
أنشأ [[الإخوان]] عددا من الأقسام واللجان التي أنيط بكل منها الإشراف على لون من ألوان النشاط الذي مارسته [[الجماعة]]. وأهم الأقسام ما يلي:
'''1- قسم العمال'''
 
'''2- قسم الطلاب'''
'''3- قسم الكتائب والأسر.'''
'''4- قسم [[الجوالة]].'''
'''5- قسم نشر الدعوة.'''
'''6- قسم الأخوات المسلمات.'''
'''7- قسم الوحدات.'''
'''8- قسم الخدمة الاجتماعية.'''
'''9- قسم الاتصال بالعالم الإسلامي.'''
'''10- [[النظام الخاص]].'''
====رابعا: مراتب العضوية====
'''حدد [[الإمام الشهيد]] [[حسن البنا]] مراتب العضوية في أربع درجات:'''
'''(أ‌) الانضمام العام.'''
'''(ب) الانضمام الأخوي.'''
'''(ج‌) الانضمام العملي.'''
'''(د‌) الانضمام [[الجهاد]]ي.'''
ويبدو لي – من خلال خبرتي العملية بأوضاع [[الإخوان]]- أن مراتب العضوية لم تكن قانونا أو عرفا مستمرا إلتزمه [[الإخوان]]، على الرغم من أن مرشد [[الإخوان]] الأول هو الذي أورد ذكرها. وربما تكون قد روعيت في فترة محدودة من الزمن ثم أهملت في سياق درجات متفاوتة من التراخي. والحقيقة أن بعض الجوانب التنظيمية وبعض الأطر التي عددنا اتسمت بوضع شكلي لا يؤخذ مأخذ الجد في وقت الأزمات، بما في ذلك [[مكتب الإرشاد]] والهيئة التأسيسية .
فبالرغم من قول [[الإمام البنا]] عن [[مكتب الإرشاد]] بأنه '''" هو السلطة العليا [[للإخوان المسلمين]] في سائر بقاع الأرض.."''' وقول الأستاذ [[محمود عبد الحليم]] عن الهيئة التأسيسية بـأنها '''" الهيئة العليا للدعوة، يناط بها رسم الخطوط الرئيسية لسياسة الدعوة، ويرجع إليها في كل ما يمس هذه السياسة أو ما يجد من أمور خطيرة أو ما يستدعي تعديلا في هذه السياسة أو ما يتصل بكيان الدعوة من قوانين أو إجراءات أو تصرفات.."'''، بالرغم من كل هذه الأقوال، فإن هاتين الوحدتين لو تقوما بشيء مما نسب لهما من مهمات أساسية ، بل كان الطابع الفردي هو الغالب على تسيير أمور الدعوة كما سنرى. أما التقسيم الجغرافي والتقسيم النوعي للأنشطة فلا مراء في أنها كانت تقسيمات مفيدة من الناحية العملية إلى حد كبير. بيد أن [[النظام الخاص]] -السري ـ الذي لم يرد ذكره بين التقسيم النوعي للأنشطة في كتب [[الإخوان]] طغى على هذه التقسيمات جميعا، وقزم أدوار كل الوحدات التنظيمية.فكان فيه وفي طغيان الطابع الفردي في القيادة بعض أو جل مقاتل الحركة [[الإخوان]]ية.
===أمثلة من الثغرات القيادية===
ولنستعرض الآن بعض الأمثلة العملية من مسار [[الإخوان]] التنظيمي لنستكشف من خلالها الملامح العامة التي ميزت الحركة. وستتضح الصورة للقارئ أكثر فأكثر حين يعود إلى الكتب التي أرخت لحركة [[الإخوان]] بأقلامهم والتي عددناها بين مراجع هذا البحث.
إن أول ما يلاحظه الباحث في ذلك حرص [[الإخوان]] على الانتشار السريع. فبالرغم من أن [[حسن البنا]] قد نوه بفضل التأني في التربية والعناية بالتكوين والتدرج إلا أن حرصه على الانتشار السريع حمله على إهمال ذلك المنهاج، أعني التأني في التربية والعناية بالتكوين والتدرج. ومن الملفت للنظر أن يعد جسن [[البنا]] خصائص الدعوة فيذكر من بينها:" سرعة الانتشار في القرى والبلاد.." وكأنه يحض عليها ويفخر بها.
وثمة سمة بارزة أخرى في نهج [[الإخوان]] التنظيمي تمثلت في حرصهم على ضم الشخصيات ذات الأهمية الكبيرة في المجتمع والتسرع في وضعها في مراكز قيادية وتوجيهية، وذلك على الرغم من تنويه الأستاذ [[البنا]] رحمه الله بضرورة " البعد عن هيمنة الكبراء والأعيان" وقد بدا هذا الحرص واضحا في تصرف المرشد [[البنا]] نفسه واعتقاده بإمكان كسب الملك فاروق نفسه إلى صف أنصار الدعوة، بل ولقد اقتنع هو وإخوانه بأنه كسبه فعلا. وفي هذا الإطار أيضا كان سعيه للاتصال برئيس الوزراء محمد محمود باشا، وبرئيس الوزراء إسماعيل صدقي باشا من بعده. ويبدو لي أن هذا الحرص على الانتشار السريع والانهماك وبذل الجهد من أجل تحقيقه إنما نشأ عن إحساس [[الإمام البنا]] بأنه مقبل على معارك لا تحتمل التأجيل بهدف تحرير [[مصر]] من الاستعمار البريطاني من ناحية، وإنهاء العبث والفساد السياسي الذي غلب على ممارسات الأحزاب والشخصيات السياسية ال[[مصر]]ية ، غير أن التسرع وحسن النية قاداه بعيدا عن الجادة الصحيحة. 
من المعروف أن انتشار الحركة في سنيها الأولى ظل محصورا في [[الإسماعيلية]] ومحيطها خاصة، وفي الوجه البحري بصفة عامة، واستمر ذلك إلى ما بعد انتقال المرشد الأول للعمل في [[القاهرة]] ( سنة [[1932]]م) ببضع سنوات. ومن الطبيعي أن يكون المؤسس هو القيادة – في مرحلة الطفولة، شأنه شأن الزوج والوالد في العائلة الناشئة عن زواج جديد. وقد كان الأمر كذلك. وقبيل انتقال الأستاذ [[البنا]] من [[الإسماعيلية]] إلى [[القاهرة]] كان إخوانه يتوقعون ذلك ويخشون حدوثه، باعتبار أن المرشد كان موظفا ، يعمل مدرسا في وزارة المعارف العمومية.
ويحدثنا الأستاذ المرشد عن الهواجس التي راودت [[الإخوان]] بقوله:'''" وكان [[الإخوان]] يخشون انتقالي من [[الإسماعيلية]] قبل أن أقيم لهم من بينهم من ينهض بأعباء الدعوة، فعرضوا على التفكير جديا في هذا الأمر حتى لا نفاجأ بالانتقال، ونؤخذ على حين غرة. ورأيت الفكرة وجيهة فشغلتني حينا، وأخيرا رشحت لهذه المهمة أحدهم، وهو الأخ الشيخ على الجداوي، وهو من أفضل [[الإخوان]] خلقا ودينا، وعلى قدر مناسب من العلم والمعرفة.. ودعوت إلى اجتماع شامل، وعرضت على [[الإخوان]] فكرة إخوانهم من ترشيح نائب [[للإخوان]] يقوم بالعبء بإشراف قبل أن نفاجأ بنقل أو نحوه، فرحبوا جميعا، وعرضت عليهم ترشيحي ، فوافقوا عليه بالإجماع.."'''.
ودلالة ههذ الحادثة واضحة.. فهي تبين لنا شخصية القيادة، فقد كانت الحركة- في ذلك الوقت المبكر ، بعد أربع سنوات من تأسيسها- تضم عددا من العلماء [[الأزهر]]يين وغيرهم ممن تلقوا تعليما في الجامعة ال[[مصر]]ية، ومع ذلك فقد كان شعورهم أن القيادة مركزة في شخص المؤسس . وليس غريبا أن يكون الوضع على هذا النحو في تلك المرحلة من عمر الدعوة، وقد استمر هذا النهج رغم حرص [[المرشد العام]] على استشارة إخوانه سواء بطريقة عفوية أو بطريقة تنظيمية. فقد دعا إلى اجتماع عام يشارك فيه " حضرات نواب فروع [[الإخوان المسلمين]] بالقطر ال[[مصر]]ي.. يعقد المؤتمر بمدينة [[الإسماعيلية]] يوم الخميس " 22 سفر سنة 1352هـ ( 19 [[يونيو]] [[1933]]م) وسمي ذلك المؤتمر '''" اجتماع مجلس الشورى العام"''' . وبناء على قرارات ذلك المجلس تم تشكيل [[مكتب الإرشاد]] الذي ضم عشرة أعضاء بالإضافة إلى [[المرشد العام]].
===طريقة فتح الشعب===
ولقد كان فتح الشعب وضم الناس إلى الدعوة يتم بطريقة عفوية وكأن الهدف هو ضم أكبر عدد ممكن من الأفراد، دون اعتبار لما قد يحدثه بعضهم من مشاكل وهزات تهدد كيان الحركة، ودون اعتبار لأن اللبنات الضعيفة قد تذوي وتنهار في أحرج الظروف ، مهددة البناء كله. ولنستمع إلى [[الإمام الشهيد]] يحدثنا عن طريقة تأسيس إحدى شعب [[الإخوان]]:" .. وبجوار [[الإسماعيلية]] وبعد المعسكر( معسكر الجيش البريطاني) تقع أبو صوير المحطة، وتبعد عن [[الإسماعيلية]] نحو خمسة عشر كيلو مترا، وفيها يقطن كثير من العمال الذين يعملون في معسكرات أبي صوير ومدرسة الطيران، ومعهم عدد من التجار والمزارعين.
زرت أبو صوير وبدا لي أن أنشئ فيها فرعا للجمعية ب[[الإسماعيلية]]، فأخذت أتفرس في وجوه الناي في القهاوي وفي الطرقات والحوانيت حتى رأيت دكان الشيخ محمد العجرودي رحمه الله. وكان رجلا وقورا مهيبا سمحا فيه صلاح وله منطق ولسان، فسلمت عليه وجلست إليه وإلى من معه في الدكان، وقدمت إليه نفسي والغرض الذي من أجله زرت أبو صوير وأنني توسمت فيه الخير ليحمل أعباء هذه الدعوة، وأخذت في حديثي ألفت نظره ونظر الجالسين إلى نقط أساسية: إلى سمو مقاصد الإسلام وعلو أحكامه وإلى ما في المجتمع من فساد وشر وسوء مالي، وأن ذلك ناتج عن تركنا وإهمالنا لأحكام الإسلام.. وكان الرجل من معه يصغون باهتمام، ولكنهم لم يفقهوا بادئ ذي بدء إلا أنها دعوة خيرية أو استدراج إلى سماع درس ألقيته عليهم وأبى لطفه إلا أن يدعوني إلى الغداء ويحضر لي القهوة، فاعتذرت عن الغداء وأردت الانصراف، ولكنه شدد وأشار علي في أن القي درسا في المسجد في مصلى البحر.. فاخترت أن القي الدرس في القهوة..".
" وبعد زيارات متتالية اجتمعنا في منزل أحمد أفندي دسوقي وقررنا إنشاء شعبة [[الإخوان المسلمين]] في أبو صوير.. ولأنني لست مقيما بالبلد، ولأن أحمد أفدي دسوقي – وهو الذي اختير رئيسا للشعبة- ليس عالما، وهو كذلك مشغول بالتجارة لم يستطع أن يصمد للمنافسات والخصومات والأقاويل المختلفة، فكان يدع الأمور بدون علاج فتنحل [[الجماعة]] أو تكاد، وإنما تتجمع حين أعود إلى زيارتهم مرة أخرى.." وقد اهتدى [[البنا]] بعد ذلك إلى شخص أقدر على قيادة الدعوة وهو ناظر المدرسة، فنجحت الدعوة. ويتحدث الأستاذ [[البنا]] عن المتاعب التي كان يلقاها من بعض من يسند إليهم بعض المسئوليات، فيذكر أن اثنين من هؤلاء جاءاه ليحدثاه" بخصوص نظام مجلس الإدارة. إن هؤلاء الناس لم يفهموا بعد دعوة [[الإخوان المسلمين]]، وقليلون هم أولئك الذين يستطيعون النهوض بأعباء إدارتها وتنفيذ منهجها الواسع.. إن الكثيرين لا يفهمون من مجلس الإدارة إلا كلمة العضوية، فعم يتنافسون على حيازتها، وتقع بينهم العداوة والبغضاء".
===طريقة اختيار القياديين لتحمل المسئولية===
وحتى بعد انتقال [[المرشد العام]] إلى [[القاهرة]] وتحول مركز الثقل في حركة [[الإخوان]] إلى العاصمة ظل اختيار الأشخاص الذين توكل إليهم المهمات والمسئوليات يتم بطريقة متسرعة هي أقرب إلى العشوائية، والإسراف في التفاؤل وحسن الظن بالأشخاص، دون اختيار. ومن أمثلة ذلك أن مجلة [[الإخوان المسلمين]] الأسبوعية التي أصدرها [[الإخوان]] في 28 صفر سنة 1352هـ ( 22 حزيران / [[يونيو]] [[1933]]م) والتي اعتبرت آنذاك من أعظم وسائل نشر الدعوة، واستلزم الإعداد لصدورها جهدا كبيرا ، ما لبث أن ضاعت من [[الإخوان]] بعد فترة قصيرة، إذ '''" تسلل إلى التحرير أحد الذين يجيدون السبك والخديعة.. فأراد أن يتخذ من جريدة [[الإخوان]] الأسبوعية.. سبيلا إلى مآربه، ولكن الدعوة .. نفته وأقصته إقصاء لا رجعة بعده، ولكنها – في سبيل هذا الإقصاء – فقدت ترخيص هذه الجريدة معه.."''' إذ أن الترخيص كان باسمه، وقد سماها بعد ذلك باسم آخر.
'''" واستصدر [[الإخوان]] بعد ذلك رخصة أخرى باسم مجلة النذير ( سياسية أسبوعية) ، وصدر العدد الأول منها بتاريخ الاثنين 29 من ربيع الأول 1357هـ ، ويوافق [[مايو]] سنة [[1938]]م " ولكن لم تكد تمضي سنتان على صدور المجلة الجديدة حتى ضاعت هي الأخرى مثل سابقتها، حيث " انفصل صاحبها الأستاذ [[محمود أبو زيد]] عن [[الإخوان]]، وبعد ذلك صارت تنطق باسم شباب سيدنا محمد"'''.
ويمكن أن يستنتج الباحث من هذين المثالين ما ترتب على عدم تميز دعوة [[الإخوان]] بفكر إسلامي خاص، حيث اكتفت بطرح شعارات عامة وتجنب كل ما يمكن أن يثير الخلاف، فقد كان كل من يعلن ولاءه للإسلام ، أو من يبدو عليه ذلك، ويظهر استعدادا للعمل تحت راية [[الجماعة]] يستقبل بترحاب، ويفتح له الباب على [[مصر]]اعيه للانخراط في الحركة، وتناط به المسئوليات ويعطى السلطات الكبرى داخل [[الجماعة]] بتسرع ظاهر، سيما إن أبدى شيئا من النشاط منذ البداية، أو شيئا من معسول الكلام ، أو كانت لشخصيته بعض الأهمية الحقيقية أو الشكلية .
===وكيل [[الجماعة]] ( المسئول الثاني بعد المرشد)===
السيد [[أحمد السكري]]، كان عضوا قديما في [[جماعة الإخوان]]، منذ سنيها الخمس الأولى، وكان رئيسا لشعبة [[المحمودية]] في مديرية البحيرة. ولم يكن [[المرشد العام]] [[حسن البنا]] راض عن أسلوب [[أحمد السكري]]، حتى أنه كتب في يومياته قبل انتقاله إلى [[القاهرة]] سنة [[1932]]م : '''" إن فرعي جمعية [[الإخوان]] ب[[المحمودية]] و[[شبراخيت]] سوف لا تنفع كثيرا، لأنها نشئت بغير أسلوبي، ولا ينفع في بناء الدعوة إلا ما بنيت بنفسي وبجهود [[الإخوان]] الحقيقيين .."''' وفي سنة [[1937]]م لاحظ الأستاذ [[محمود عبد الحليم]] أثناء زيارته للمحمودية أن [[أحمد السكري]] كان يحقد على [[حسن البنا]]- الذي هو قائده ومرشده حسب مفهوم الدعوة- وينظر إليه بشيء من التعالي ، ولا يتحرج في التهوين من شأنه أمام الآخرين. وفى تلك الفترة تجلى نجاح الدعوة في [[القاهرة]]، وعلى صعيد القطر ال[[مصر]]ي، فقرر [[أحمد السكري]] أن يتشبث بالحصان السابق- حسب ما نفهم مما كتبه الأستاذ [[محمود عبد الحليم]] الذي واكب تلك التطورات عن قرب.
ولم يلبث [[أحمد السكري]] أن انتقل إلى [[القاهرة]]، ليكون قريبا من [[حسن البنا]]، ولم يمض طويل وقت حتى عينه [[البنا]] وكيلا عاما [[للجماعة]] سنة [[1938]]م ، في منصب يلي منصب [[المرشد العام]] في الأهمية.
ورغم ذلك شاهد الأستاذ [[محمود عبد الحليم]] من [[أحمد السكري]] مظاهر سلوكية تؤكد استمراره في منحاه الأول، وقد حاول أن يثنيه عن ذلك، لكن المحاولة لم تفلح، وإذ ذاك قرر نقل الأمر إلى المرشد نفسه، فاختار ساعة خلوة معه- وكان [[محمود عبد الحليم]] من أقرب [[الإخوان]] إليه- وروى له كل ما عرفه ولاحظه بالنسبة للأستاذ [[أحمد السكري]] وما دار معه من مناقشات تتناول عدم احترامه للمرشد.
وقد ذكر [[محمود عبد الحليم]] أنه أحجم عن نقل ألأمر إلى الأستاذ [[البنا]] في البداية لكي لا يزيد النار ضراما، ولكن عندما أصبح السكري وكيلا [[للجماعة]] ومع ذلك استمر على نهجه القديم قرر [[محمود عبد الحليم]] أن يصارح المرشد بالخطر المتربص بالدعوة، باعتبار أن مصلحة الدعوة أكبر من الحساسيات والأشخاص، فماذا كان رد المرشد؟ يقول الأستاذ [[محمود عبد الحليم]]:
" '''فلما رأى الأستاذ مني هذا الأسلوب الجاد البالغ الجد ترقرقت عيناه بالدموع، ووجه إلي عبارات كأنما يسرها أذني، وقال: والله يا محمود إنني كنت أعرف كل ا لذي قلته من قبل أن تقوله، وأعرف أكثر منه، وقلبي يتقطع ألما لهذا الذي أعرفه، ولكنني كنت حريصا على أن لا يعرف ذلك أحد غيري، أما وقد عرفته فأستحلفك بالله لا تفضي لأحد به، وتجعل ذلك سرا بيني وبينك، وأن تدع لي معالجته في الوقت المناسب، فإن مصلحة الدعوة تقتضي إرجاء هذا الأمر الآن"'''.
وظل [[أحمد السكري]] يشكل بتطلعاته بؤرة ضعف في جسم الدعوة حتى سنة [[1947]]م عندما طعن [[الجماعة]] في فترة من أحرج فترات حياتها، وأخذ يكتب في بعض صحف الوفد مهاجما [[الجماعة]]، منفسا عن أحقاده إلى أن طرحه الوفديون جانبا بعد أن استخدموه. وقد علق الأستاذ [[محمود عبد الحليم]] على هذا الموقف بقوله:" كان الأستاذ [[أحمد السكري]] أعز على نفس المرشد من أن يراه مخطئا فلا يقيل عثرته، وأكرم عليه من أن يتركه مهما كثرت المآخذ عليه دون أن يأخذ بيده، ولكن الشحنة التي شحنها الأستاذ أحمد أذهلته عن نفسه وغشت على بصيرته حتى لم يعد يرى أبعد من موطئ قدمه، مع أنه ممن لا يغيب عن مثله أن هؤلاء الذين تلقوه في أحضنهم بضاعتهم الكذب، وهدفهم الاستغلال.
ولكن الأستاذ أحمد لم يدع للأستاذ المرشد فرصة يقيله فيها من عثرته، بعد أن كتب ما كتب، أو بالأحرى والأدق، بعد ما استكتبوه ما أرادوا، فأوغر بذلك صدور [[الإخوان]] في كل مكان . وهكذا انقلب الوكيل العام [[للجماعة]] إلى أداة بيد خصومها. ويحق لنا أن نعجب عندما نقرأ [[المرشد العام]] كان يعرف دخيلة نفسه من قبل أن يعينه وكيلا سنة [[1938]]م، ويعرف ضيق [[الإخوان]] من تصرفاته، ومع ذلك عينه، وظل السكري ما يقرب من عشر سنوات يشغل منصب الرجل الثاني في الحركة، حتى انتهى أمره على النحو الذي أشرنا إليه بالنسبة لوقوعه في مصيدة حزب الوفد ليستخدم ضد [[الإخوان]].
===السيد المستشار المحامي [[حسن العشماوي]] ===
ومنذ سنة [[1950]]م أعطي الأستاذ [[حسن العشماوي]] مكانا في الصف القيادي لحركة [[الإخوان]] على الرغم من صغر سنه وقصر فترة عضويته، وما ظهر من تصرفاته فيما بعد من ضعف ولائه للدعوة. والذي أرجحه إن [[الإخوان]] لم يعطوه هذه المكانة إلا لأنه ابن محمد العشماوي باشا، الوزير السابق. وسيتبين لنا في الفصل السادس الدور الذي لعبه لأستاذ العشماوي في أحلك الظروف، وأصعب المآزق التي مرت بها حركة [[الإخوان]]، وسيجد القارئ عنها شيئا من التفصيل.
=== [[النظام الخاص]] ===
[[النظام الخاص]] عبارة عن تنظيم سري جرى تشكيله ضمن [[جماعة الإخوان المسلمين]] ليكون النواة الصلبة للحركة، ولذا كان يفترض أن يختار له الأشخاص الذين يظن فيهم صدق الإيمان، ويقظة الوعي، وعمق الفهم لأهداف الدعوة، والاستعداد لبذل النفس والجهد والمال في سبيل الله. وقد أطلقت الحكومة على هذا النظام اسم '''" الجهاز السري"''' .
وعندما عول [[حسن البنا]] على تكوين هذا النظام شكل ذلك لجنة خماسية لتتولى تكوينه وتطويره والإشراف المستمر عليه. وكان ترتيب الأشخاص الخمسة من حيث تولي السلطة وتحمل المسئولية بحيث يكون الأستاذ [[صالح العشماوي]] رأسا لهذه اللجنة القيادية، يليه حسين كمال الدين ف[[محمود عبد الحليم]]، فحامد شريت، فعبد العزيز أحمد. ولكن يبدو أن الذي تحمل العبء الفعلي شخص واحد، إذ يخبرنا الأستاذ [[محمود عبد الحليم]] قائلا: "وعند مباشرة العمل وجدت نفسي أشبه بالعضو المنتدب لهذه القيادة حيث رأيتني أعمل وحدي، ولعل ذلك لأن [[الإخوان]] في القيادة رأوا أنني أوثقهم صلة بالطلبة – باعتباري مندوبا للطلبة – والطلبة هم العنصر الأساسي في جميع التكوينات.
كان هذا أول خلل خطير يواجهه التنظيم. ومن الواضح من رواية أحد المؤسسين ، وهو الذي تولى العبء الأكبر في المرحلة الأولى، أن روح التوكل قد سيطرت على أربعة من أعضاء لجنة التأسيس والقيادة الخماسية فاكتفوا بإلقاء العبء على أحدهم. والمبرر هو الثقة في إخلاص الأخ ونشاطه وقدراته، وربما كان بجانب ذلك انشغالهم بقضايا إخوانية أخرى.
ثانيا : أما الخلل الثاني فكان أخطر من سابقه وأبعد أثرا، وأكثر مجلبة للكوارث على الدعوة. لقد وجد العضو القيادي الفعال الوحيد نفسه مضطرا للانتقال من العاصمة للعمل في مدينة دمنهور، ولما كان الأعضاء القياديون الآخرون بعيدين عن ممارسة أي جهد تنظيمي أو توجيهي أو إشرافي بالنسبة للنظام فقد اتجه نظر الأستاذ [[محمود عبد الحليم]] ، - بموافقة [[المرشد العام]]- إلى إيجاد شخص يحل محله في قيادة التنظيم والإشراف عليه، فكيف تم الاختيار؟ ونظرا لأهمية هذه الحادثة في تفسير ما تعرض له [[الإخوان]] من عثرات فإننا سندع الأستاذ [[محمود عبد الحليم]] نفسه يحدثنا بكلماته عن هذه الخطوة:
" لما استقر الرأي على أن التحق بهذه الوظيفة وأن أكون بذلك بعيدا عن [[القاهرة]]، وكان الأستاذ المرشد على علم بأنني أكاد أكون المباشر الوحيد- دون زملائي في القيادة- لمهمة الإشراف على ( [[النظام الخاص]]) طلب إلي الأستاذ أن أستخلف من يباشر الإشراف على هذا النظام. وقد نظر فإذا جميع أعضاء هذا النظام مرتبطون بأعمال تشغل أكثر وقتهم وتستفرغ معظم جهدهم. والإشراف على هذا النظام يحتاج إلى تفرغ أو ما يقرب من التفرغ على الأقل، كما يحتاج إلى صفات معينة تتناسب مع خطورة هذه المهمة.
منذ التحقت بكلية الزراعة كنت أسكن ب[[الجيزة]]، وفي السنة الأخيرة لي بالكلية اتخذت لي سكنا مع بعض [[الإخوان]] في منطقة خلف مباني الجامعة تسمى ( بين السرايات) وكانت الشقة التي نسكنها في الدور الأول من منزل رجل صالح كان يحبنا ونحبه. فلما جاءه ساكن للدور الأرضي من المنزل رأى أن يستشيرنا، وكان الساكن طالبا في كلية الآداب ومعه شقيقه الطالب بالمدارس الثانوية . فلما التقيت بالشابين وتحدثت معهما شمت فيهما الصلاح والخلق الفاضل، فصارا من جيراننا. وكان هذان الجاران هما [[عبد الرحمن السندي]] وشقيقه. ثم كان أن جاء الأخ [[عبد العزيز كامل]] ليلتحق بكلية الآداب، وكان من إخوان [[الإسكندرية]] الذين أعرفهم، وكان يريد أن يسكن قريبا منا، فسكن مع هذين الجارين مستقلا بحجرة من هذه الشقة.
ولما كانت صلتي بالأخ عبد العزيز تقتضي أن أكثر من زيارته لأونسه من ناحية، ولأنه كان قد التحق بقسم الجغرافيا بكلية الآداب، وكنت أحب أن أطلع على بحوث شائقة لهذا القسم في الأجناس والطبائع وما شابهها من ناحية أخرى.. لذا كثر ترددي على هذه الشقة، فكان هذا التردد فرصة للتحدث مع الساكنين الآخرين بها. وقد لاحظت على عبد الرحمن الهدوء والرزانة والجد، كما لاحظت إقباله علي إقبالا يوحي بأن الدعوة التي عرضتها عليه تملك شغاف قلبه وتشعر بتشوقه إلى يوم يفتديها فيه بنفسه.
وظللت طيلة ذلك العام على اتصال وثيق به، حتى أنه كان لشدة ثقته بي، وفرط حبه لي يعرض علي مشاكله الخاصة. فلما وثقت به تماما عرفته بالأستاذ المرشد باعتباره عضوا( ب[[النظام الخاص]]) . وقد فهمت منه أثناء ما عرضه على من شئونه الخاصة أن له إيرادا يمكن أن يقوم بشئونه. فلما كنت بصدد اختيار من يخلفني في الإشراف على ( [[النظام الخاص]]) تذكرت عبد الرحمن، فرجعت إليه لألم بظروفه التي طرأت منذ انتهت دراستي بالكلية وغادرت ( بين السرايات) ففهمت منه أن كل الذي طرأ عليه هو أنه لم يوفق في امتحان تلك السنة وأنه الآن يعيد السنة الأولى، فشرحت له ظروفي وأنني مضطر أن أكون خارج [[القاهرة]]، وأنني أبحث عن شخصية تخلفني للإشراف على ( [[النظام الخاص]]) واشترط أن تكون مستوفية شروطا معينة، وقلت له، إن هذه الشروط تكاد أن تكون مستوفاة فيك عدا ( التفرغ) فهو ليس بالأمر الميسور. فقال لي: إنني أشكر لك حسن ظنك بي – وأنت تعلم أولا أنني مريض بالقلب، ومعرض للموت في كل لحظة ، وأحب أن تكون موتتي في سبيل الله، كما تعلم أن لي إيرادا- وإن كان محدودا- إلا أنه يعينني على مطالب الحياة الضرورية، وتعلم كذلك أنني رسبت في السنة الأولى بالكلية ( كلية الآداب) ، وإنني أعيدها.
وقد استقر رأيي على الانقطاع عن الدراسة، وسألتحق بوظيفة في وزارة الزراعة ، بالثانوية العامة، وبذلك يتوفر لي عنصر التفرغ الذي تطلبه. وعرضت الأمل على الأستاذ المرشد فوافق عليه، وأحضرت عبد الرحمن للأستاذ المرشد حيث بايعه على أن يقود هذا النظام، وعلى أن لا يقدم على أية خطوة عملية إلا بعد الرجوع إلى لجنة القيادة، ثم إليه شخصيا. وسار عبد الرحمن بالنظام سيرا موفقا فحاز حب من يليه من القيادات..".
إنني أعتذر للقارئ الكريم عن هذا الاقتباس الطويل، فربما كان يفضل أن ألخص له فحواه في بضعة سطور، بيد أنني آثرت نقل النص كاملا ليستوعب القارئ المنطلقات التي انبنت عليها الممارسة التي نتحدث عنها والتوجهات التي طبعتها، وهذا لا يتأتى من خلال تلخيص الأفكار.
'''وفيما يلي بعض الملاحظات.'''
'''أولا''': أول ما نلاحظه أن الاختيار والقرار والتنفيذ في هذا الموضوع الخطير تم بين [[المرشد العام]] وأحد الأعضاء الذين اختيروا لتأسيس قيادة [[النظام الخاص]]، أعني الأستاذ [[محمود عبد الحليم]]، ولم يحط [[مكتب الإرشاد]] علما بالموضوع، ولا باقي أعضاء اللجنة التي كان يفترض أنها تشرف على [[النظام الخاص]].
'''ثانيا''': أن عبد الرحمن لم يتعرف على دعوة [[الإخوان]] وينضم إليها إلا قبل سنة وبعض سنة فقط من إناطة قيادة أهم قسم وأهم مجموعة في الحركة به،
'''ثالثا''': أنه كان فاشلا في دراسته، إذ رسب في السنة الأولى بكلية الآداب، وكان عند اختياره ما زال يعيد السنة الأولى، فانقطع عن الدراسة،
'''رابعا''': أنه كان مريضا بالقلب،
'''خامسا''' : أنه كان صغير السن قليل التجربة،
'''سادسا''': وحتى مسألة استعداده للتفرغ تبدو غامضة، لأن النص نقلناه يفيد أنه كان سيجمع بين الإشراف على [[النظام الخاص]] والتوظف بالثانوية العامة في وزارة الزراعة . وقد تأكد أنه ظل يجمع بين رئاسته للنظام ووظيفته في تلك الوزارة حتى صدور قرار الحكومة بحل [[جماعة الإخوان]] سنة [[1948]]م .
ولكن [[محمود عبد الحليم]] لم يلق بالا لهذه الحقائق السلبية في شخصية [[عبد الرحمن السندي|السندي]] عندما اختاره لرئاسة [[النظام الخاص]] سنة [[1940]]، وانخدع بقليل مما تظاهر به [[عبد الرحمن السندي|السندي]]. وكال له المديح الذي نفخ في شخصيته على الصورة التي رسمتها العبارات المقتبسة قبل قليل ، في الصفحة السابقة. وبعد اثنتى عشرة سنة تقريبا نجد [[محمود عبد الحليم]] يتذكر القصور الذي غفل عنه أو لم يلاحظه سنة [[1940]]، وذلك في تعليق له على مسلك [[عبد الرحمن السندي|السندي]] عندما سقط فريسة سهلة في يد [[عبد الناصر]] أثناء الصراع بين [[الإخوان]] و[[الثورة]] سنتي [[1953]] – [[1954]] .
فهذا [[محمود عبد الحليم]] يقول لنا ضمن تعليقه على تلك الأحداث : '''" .. وحسب القارئ أن يتصور موظفا صغيرا في وزارة لزراعة ( [[عبد الرحمن السندي|السندي]]) ، مؤهله الثانوية العامة يجد رئيس الحكومة ( [[عبد الناصر]]) يطلبه فيستقبله في مكتبه استقبال الند للند، أمام رجال الحكم، ثم يجلسه إلى جانبه، ويمضي ساعات في الحديث إليه منفردين، لا يسمح لأحد مهما علا شأنه بالدخول عليهما- وقد تنتهي الجلسة الطويلة بأن يصحبه إلى منزله فيتغديان معا.. فكان هذا للسندي مبعث غرور وزهو واستعلاء. ومن هذا المنطلق كان سلوكه الشائن المخرب الذي تمت جولاته بتدبير أثيم في [[عبد الناصر]] .."''' وكان [[عبد الناصر]] يستخدم نفس الأسلوب مع من يريد أن ينتقيهم من قيادات [[النظام الخاص]].
وهكذا تبين ل[[محمود عبد الحليم]] بالذات ، أن اختياره ل[[عبد الرحمن السندي]] لم يكن في محله، ليس من حيث كفاءته فحسب، بل ومن حيث انضباطه وطاعته لقيادة الحركة وولائه لها، ولكنه اكتشاف تأخر عن وقته زمنا طويلا.
===غرور الرئاسة===
من المعروف أن العمل في أجهزة المنظمات السياسية السرية يقوم على الطاعة، والتنفيذ الدقيق للتعليمات دون مناقشة، وقبل ذلك وبعده يقوم على الثقة المطلقة في الرئيس المباشر، والإخلاص الكامل للمنظمة وقيادتها ورئاسة التنظيم، ذلك أن عمل المنظمة السرية يتم تحت وطأة خطر الانكشاف أمام الخصوم، والانكشاف قد يؤدي إلى كارثة للأفراد و[[الجماعة]] على السواء. لذا فإن هذه القواعد من الطاعة ودقة التنفيذ، والثقة والإخلاص، لابد أن تحكم عمل جميع المنظمات السرية، إسلامية كانت أو غير إسلامية.
ومعنى ذلك أنه لا مجال أمام الأعضاء للحوار أو الاعتراض أو التساؤل، لأن المفروض أن القيادة هي التي لديها المعلومات والقدرة على الفهم ولديها السلطة. أي أن الشورى ، أو الديمقراطية لا محل لها في العمل السري، إلا أن تكون استثناء من القاعدة، وبمبادرة وحرص شخصي من جانب بعض القادة الأفراد.
وفي حالة '''"[[النظام الخاص]]"''' أو '''" الجهاز السري"''' [[للإخوان]] فقد كان المفروض أن الجهاز أحد أدوات الحركة، وأنه يخضع لقيادتها ويلتزم ويتقيد بتنفيذ تعليماتها والاهتداء بسياساتها. ولقد كان ذلك الخضوع والالتزام والتقيد المفترض هي الضمانات التي تكبح أي انحراف ينزلق إليه الجهاز. لكن الأمور لم تسر على هذا المنوال، لأن روح الثقة المفرطة انقلبت إلى اتكالية، وسيطرت فكرة فردية القيادة وحرمت [[الجماعة]] من إدراك فوائد النظام والرقابة والمحاسبة على الصغيرة والكبيرة وأفسحت المجال لكثير من الانحرافات.
ولقد كان المفروض في الجهاز السري أن يضم [[الإخوان]] الأوفر تربية، والأكثر إخلاصا واستعدادا للبذل والتضحية بالنفس والدم فضلا عن الجهد والمال. ولذا فقد نظر إخوان الجهاز السري إلى تنظيمهم على أنه قلب الحركة وجوهرها. وما دام [[الجهاد]] هو '''"ذروة سنام الإسلام"''' ، وما داموا هم القسم المنوط به الاضطلاع بواجب [[الجهاد]] فقد كان من السهل على قيادة التنظيم أن تعتقد أنها ومن تحت يدها هم الحركة و[[الجماعة]]، وأن من عداهم مجرد أجزاء هامشية وشكلية لا قيمة كبيرة لها. وهكذا يتحول قائد النظام إلى اعتبار نفسه حارس [[الجماعة]] والوصي على الحركة، خاصة بعد استشهاد [[حسن البنا]] سنة [[1949]]م ، واستحالة وجود خلف يكون له وزن مؤسس الحركة ومكانته واحترامه في النفوس، الأمر الذي مهد للمواجهة بين [[المرشد العام]] [[حسن الهضيبي|الهضيبي]] من جهة وقائد الجهاز السري [[عبد الرحمن السندي]] من جهة أخرى.
===استبداد قائد الجهاز السري في حياة [[حسن البنا]] ===

مراجعة ١٧:٤٦، ٣١ ديسمبر ٢٠١٤

الحركة الأم
" دراسة نقدية"

بقلم الدكتور : عبد الله أبو عزة

الإهداء

بسم لله الرحمن الرحيم

إلى روح الدكتور حسان حتحوت

مع الدعاء له بالرحمة وحسن المثوبة

عبد الله أبو عزة

مقدمة

كان الإسلام ، وما زال وسيظل، منطلق الرجاء لهذه الأمة، تفزع إليه كلما ألمت بها النوازل، وحيثما واجهت مواقف القهر، وتلوذ به فيفجر فيها طاقات هائلة ترتفع بها إلى مستو التحديات، ولقد صدق جهاد الشعوب الإسلامية ونضالها ضد التسلط الاستعماري هذه الحقيقة مرات ومرات.

وقد كانت حركة الإخوان المسلمين إحدى الصور التي عبر من خلالها الإسلام عن روحه الجهادية منذ أن نشأت الحركة في مصر في أواخر العشرينات من القرن العشرين الميلادي. ومن المعروف أن الحركات قد توجهت لنشر أفكارها في الأقطار العربية بعد أن شعر قادتها بثبات وضعها في مصر.

ولم تمض سنوات طويلة على هذا التوجه الإخواني إلى العالم العربي حتى شهدنا تيارا إخوانيا قويا في سوريا والعراق والأردن، كما وجد للحركة أنصار في فلسطين ولبنان والسودان وأقطار المغرب العربي.

وعلى الرغم من ظهور عدد من الدراسات التي تناولت الإخوان من هذا الجانب أو ذاك، فما زالت الحاجة ماسة إلى دراسات جديدة تكتشف الجانب المخبوءة، وتجلو الحقائق التي ضاعت حمأة المعارك التي خاضوها، وغيبتها الدعاية الصاخبة ضدهم أولهم.

ونظرا لما توفر لي من معرفة وثيقة بهذه الحركة، حيث كنت عضوا عاملا فيها مدة تزيد على عشرين سنة ( 1952م1962م) ، وحيث تنقلت في أماكن ومراكز متعددة عبر نشاطي في الحركة، على نحو لم يتيسر لكثيرين غيري، فقد رأيت من واجبي أن أقوم حصيلة هذه المعرفة على صورة دراسة نقدية لا تستهدف الضجيج بأمجاد الحركة بقدر ما تهدف إلى كشف العوامل والأسباب التي أعجزتها عن تحقيق أهدافها الرئيسية، بل وعم مجرد الاقتراب من تلك الأهداف، هذا من عدم إغفال ذكر إنجازاتها.

وعلى الرغم من أن هذا النهج ربما لا يرضي كثيرين من الإخوان، فإنه لا ينطلق – بكل تأكيد- من موقف معاد لهم، ولا يستهدف الإساءة إليهم. بيد أن هذا المؤلف لا يتردد في إلقاء الضوء على ما اعتبره أخطاء فيها الحركة، سواء كان عمله النقدي هذا من قبيل النصيحة أو من قبيل الترشيد، ذلك لأنني أعتقد أن هذه الحركة كانت وما زالت من أهم الحركات الشعبية التي شهدها تاريخ الشعوب الإسلامية في كل العصور- إن لم تكن الأهم- وما زالت كذلك إلى حد كبير ، ومن هنا جاء اهتمامي بها.

وقد رأينا أن نخصص هذا الكتاب لحركة الإخوان المسلمين في مصر، بعد أن تناولنا في كتاب سابق بعض جوانب من مسيرة حركة الإخوان في البلاد العربية. إن تنظيم الإخوان المسلمين في مصر هو التنظيم الأكبر الذي ولد التنظيمات الإخوانية جميعها، ولقد كان المجتمع المصري هو المنطلق الذي توجهت منه الفكرة، وانفجرت فيه الحركة، حيث امتدت دوحتها ومدت فروعها وأغصانها خارج حدود مصر. وفضلا عن ذلك فإن مصر هي أعرق البلاد الإسلامية حضارة وأغناها رصيدا على كل صعيد.

وتنقسم مادة هذا الكتاب في سبعة فصول تتبعها خاتمة، حيث يصور الفصل الأول البيئة والأجواء التي ولدت وتطورت فيها حركة الإخوان المسلمين في مصر ، وذلك دون إسهاب أو تفصيل على اعتبار أن جمهور القراء سبق لهم أن درسوا- من خلال مناهج التعليم الرسمية- تاريخ تطور مصر في العصر الحديث. لذا ا كتفينا بمجرد التذكير بالملامح العامة، والخطوط العريضة، والمعالم البارزة. أما الفصل الثاني فقد خصص لتحديد المراحل الرئيسية لمسيرة الإخوان المسلمين، مع تقديم لمحة مختصرة عن الأحداث والتطورات الرئيسية التي شهدتها كل مرحلة، بينما تناول الفصل الثالث المسار التنظيمي للحركة.

أما الفصل الرابع فيتيح للقارئ تتبع المسار السياسي للحركة في تعاملها مع مختلف القوى السياسية ابتداءا من المرحلة الأولى. فإذا وصلنا إلى الفصل الخامس فإن القارئ سيمر بمشاهد العنف الذي مارسته الحركة في ميدان العمل والتنافس السياسي الداخلي، وما ارتد عليها نتيجة لذلك. أما الفصل السادس فيتناول علاقة الإخوان بثورة 23 تموز ( يوليو ) 1952م، بينما نحاول في الفصل السابع أن نصطحب القراء في جولة للتعرف فيها على ذكر الإخوان المسلمين ، وكيف انساب من منابعه المتعددة، ثم من الروافد التي أمدته بالمزيد من العناصر والمكونات المتنوعة.

وفي الفصل الأخير من هذه الدراسة نحاول أن نلقي نظرة نتعرف من خلالها على ما قدمته الحركة من عناصر إيجابية، وما أخفقت في تقديمه مما نعتقده لازما وضروريا لتنشيط دماء الحياة في جسد أمتنا الإسلامية، وتمكينها من النهوض، واستعادة احترامها لنفسها، والاعتماد على الذات، والمشاركة في مسيرة إعلاء مستوى الحياة البشرية، والمساهمة بالعناصر التي تفتقر إليها البشرية لتحمل الإنسان إلى مستوى الانسجام مع القيم والمبادئ التي أراها الله تعالى لعباده في جميع الأقطار ليحيوا حياة طيبة، تقوم على ركائز البر التقوى، والتعاون الخير. وفي نهاية الرحلة تركز الخاتمة على خلاصة الدراسة ونتائجها. وقد ضممنا إلى ملاحق البحث بعض الوثائق التي تدعم بعض الاستنتاجات التي توصلنا إليها، أو تلقي أضواء خاصة على بعض الموضوعات الشائكة التي تعرضنا لها.

أما عن مصادر البحث فقد حرصت على أن أستند إلى المصادر الإخوانية في كل ما يمثل وجهة نظر الإخوان المسلمين أو يصف أحوالهم في مسار تطور حركتهم. وكان أهم هذه المصادر كتاب "مذكرات الدعوة والداعية"، للإمام حسن البنا، مؤسس حركة الإخوان ومرشدها الأول، وكذلك مجموعة الرسائل التي صدرت له في مناسبات مختلفة حيث ألقى بعضها على شكل خطب- في البداية- أو مقالات، أو رسائل موجهة إلى بعض كبار المسئولين الحكوميين. وقد طبعت الرسائل طبعات كثيرة وانتشرت انتشارا واسعا في كل البلاد العربية تقريبا.

وبجانب تراث مرشد الإخوان الأول هناك كتابات أصحابه وتلامذته المباشرين، وأبرز هؤلاء الأستاذ محمود عبد الحليم ، الذي كتب تاريخا لحركة الإخوان يقع في ثلاثة مجلدات في إطار مزيج من المذكرات الشخصية والتاريخ، حيث سجل المؤلف فيه مشاهداته وتجاربه ووجهات نظره وأحاسيسه من خلال تناوله للأحداث. وكان الأستاذ محمود عبد الحليم ممن اعتمد عليهم حسن البنا، - أي محمود عبد الحليم- الذي أسس النظام الخاص الذي عرف باسم الجهاز السري في مصطلحات الجهات الرسمية. وقد صدر كتابه بعنوان "الإخوان المسلمون: أحداث صنعت التاريخ".

أما الرائد صلاح شادي فقد كان من كبار الإخوان في عهد ولاية المرحوم حسن الهضيبي لمنصب الإرشاد. وكتابه "صفحات من التاريخ" يشكل أيضا مزيجا من المذكرات الشخصية والتأريخ للفترة التي عمل فيها مع الحركة . وكان هو والمرحوم حسن العشماوي من رجال الصف الأول في الحركة خاصة قبيل ثورة 23 يوليو وما بعدها.

وقد نشر المستشار حسن العشماوي قلب وفاته كتابا بعنوان: "قلب آخر لأجل الزعيم"، كما قامت أسرته بنشر مذكراته بعد وفاته في مجلة روز اليوسف المصرية، ثم سمحت بنشرها مرة ثانية في شكل كتاب اعتنى به صديقنا الأستاذ عز الدين بليق، صاحب دار الفتح اللبنانية، بمبادرة منه، حيث اتصل بالأسرة لهذا الغرض ، كما أخبرني.

ومن الكتب المهمة المعبرة عن رأي الإخوان كتاب " الإخوان المسلمون في ميزان الحق" للدكتور فريد عبد الخالق، وهو من كبار وقدماء الإخوان، ومن تلاميذ البنا المباشرين ومعاونيه الأقربين الموثوقين. ولم أنس كتاب النقط فوق الحروف. لمؤلفه الأستاذ أحمد عادل كمال، وهو من أبرز قادة النظام الخاص" الجهاز السري" من مساعدي المرحوم عبد الرحمن السندي. ومن كتب التاريخ العامة استخدمت كتاب في أعقاب الثورة المصرية لمؤلفه عبد الرحمن السندي. ومن كتب التاريخ العامة استخدمت كتاب في "أعقاب الثورة المصرية" لمؤلفه عبد الرحمن الرافعي ، من زعماء الحزب الوطني الذي أسسه الزعيم المصري المشهور مصطفى كامل، وكان الرافعي من المحامين المرموقين. ويبدو الرافعي في كتابه ملتزما بحيادية واضحة في تناوله لإنجازات الوزارات المختلفة، بحيث يحرص على ذكر المحاسن والمساوئ متتابعة.

وثمة مصدر آخر مهم استفدت منه إذ حصلت على عدد من الوثائق البريطانية المتعلقة بتاريخ مصر الحديث مصورة عن أصولها المحفوظة لدى الأرشيف البريطاني public records office وهي تتضمن جانبا من الاتصالات البرقية بين السفارة البريطانية في القاهرة ووزارة الخارجية البريطانية في لندن في فترة ما قبل منتصف العشرين، وقد وسمت تلك الرسائل عند إعدادها وتداولها بالسرية الشديدة في وقتها، والمراجع التي ذكرت، فقد قمت بعدد من المقابلات مع شخصيات إخوانية مهمة كان لها دور في الأحداث ، ومع شخصيتين من غير الإخوان ورد ذكرها بشأن بعض النقاط التي تناولتها.

ومع ذلك كله كانت حصيلة تجربتي الشخصية الطويلة مع الإخوان، فترة امتدت عشرين سنة ( 1952- 1962م).

لقد استهوتني فكرة الإخوان المسلمين فجذبتني غلى الالتحاق بهم عام 1952م ، وأثارت عاطفتي وحماستي شعارات ا لإخوان فرفعتها لي شعارا، وهزتني هتافات الإخوان فتبنيتها وهتفت بدعوتهم ودافعت عنها، وفكرت الليالي والأشهر والسنين الطوال في أقوم الطرق لنصرتها. وقد عملت – أثناء ذلك- مع التنظيم الفلسطيني للإخوان في قطاع غزة ، ثم مع التنظيم الفلسطيني العام عند إنشائه، ثم مع قيادة الإخوان في البلاد العربية التي اتصلت من خلالها بمعظم التنظيمات والقيادات في مختلف الأقطار.

وحين صدمت وشعرت بالإحباط إثر اكتشافي لعدد من مواطن الخلل القاتلة في بنية الجماعة وصدت محاولاتي للإصلاح من الداخل، أنهيت انتسابي للجماعة بشكل كلي. وبدلا من محاولات الإصلاح من الداخل لجأت إلى محاولة الإصلاح بعد أن خرجت من الصف، حيث اتجه تفكيري إلى القيام بمراجعة شاملة لفكر جماعة الإخوان وبنيتها ومساراتها، فكانت هذه الدراسة التي تناولت فيها نشأة وتطور الحركة في مصر على النحو الذي شرحت. وقد كانت النية متجهة إلى الجمع بين ما كتبته عن الإخوان في البلاد العربية- خارج مصر- وبين دراستي هذه عن الحركة في مصر لتصدر في كتاب واحد من جزأين إلا أن ظروفا خاصة حالت دون ذلك.

وأسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، ويرزقنا السداد في القول والعمل، إنه سميع مجيب.

عبد الله أبو عزة

تمهيد

تعرضت مصر في السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر الميلادي للغزو والاجتياح عندما اقتحم نابليون حدودها وامتهن حرمها سنة 1698م. ومنذئذ غدت مصر محط مطامع الدول الأوربية، خاصة فرنسا وبريطانيا. وقد ساعدت هذه المنافسة مصر على التخلص من الاحتلال الفرنسي بعد ثلاث سنوات، حيث عادت إلى كنف الدول العثمانية، كما هو معروف.

وقد تهيأت الفرصة لمغامر ذي مطامع واسعة لكي ينشئ له في مصر ملكا يتخذ منه قاعدة ينطلق منها لتحقيق أحمه. وبعد أن أحرز محمد على باشا، والي مصر أكبر انتصاراته، وظن أنه قد شب عن كل الأطواق طوحت به مؤامرات الدول الاستعمارية التي فزعت من ظهور دولة إسلامية شابة قوية في قلب العالم الإسلامي، فعملت على قص أجنحة محمد على وتحطيم أسباب قوته، باسم المحافظة على الدولة العثمانية والدفاع عنها.

ولكن الأسس التي وضعها محمد على من أجل بناء دولة قوية لم تمح كلها، فساعدت على أن ينمو في أرض الكنانة قدر من الوعي مهد لنهضة متواضعة رفعت مصر قليلا من الناحيتين الثقافية والحضارية، عن مستوى بقية الأقطار العربية والإسلامية. وهكذا أصبح المجتمع المصري البيئة الأصلح لتلقي بذور التوعية التي بذرها جمال الدين الأفغاني، ذلك المصلح الإسلامي، الذي اختلفت حوله الآراء أشد الاختلاف.

ثم دهيت مصر بداهية الاحتلال البريطاني سنة 1882م، ومنذئذ أصبحت قضية طرد الاحتلال وجلاء قواته عن مصر الشغل الشاغل للقوى الوطنية المصرية. وقد صاحبت الاحتلال هجمة ثقافية طاغية هدفها سلخ الشعب المصري عن إسلامه وإلحاقه بحضارة الغرب. ومن هنا أخذت المقاومة طابعا ثنائيا عند قطاع من المصريين التي سنتناولها بشيء من الدراسة في هذا البحث. وقد سبقنا رجال أفاضل كتبوا عن تاريخ الحركة وتطورها بكثير من التفصيل. وما زالت كتبهم بأيدي القراء، مما يعفينا من محاولة التأريخ الشامل والاستقصاء المتفرع لنمو الحركة وتطورها. ويهمنا- بالدرجة الأولى- أن نفتش عن أسباب عجز الحركة وما لاقته من إخفاقات ـ مع عدم غمطها حقها فيما توصلت إليه من إنجازات، حسبما أشرت في المقدمة.

الفصل الأول

البيئة التي ولدت وتطورت فيها حركة الإخوان المسلمين

لا يستطيع القارئ أن يقدر أعمال الإخوان ويقوم أنشطتهم ومواقفهم إلا إذا استحضر في وعيه الظروف العامة التي عاشته مصر في الفترة التي ظهرت فيها جماعة الإخوان وزاولت نشاطها خلالها. ورغم تيقني من أن معظم القراء لديهم فكرة – ولو مجملة- عن أوضاع مصر في تلك الحقبة إلا أن من طبيعة البشر أن يميلوا إلى تقويم المواقف لا في ضوء ظروفها المحيطة بها بل على أساس الظروف التي يعيشونها في لحظتهم، لحظة القراءة، ولذا كان من المفيد أن نعيد إلى الأذهان صورة الأوضاع في مصر في الحقبة الممتدة بين سنتي ( 1928م- 1970م) ، لكي يكون فهمنا وتقديرنا للمواقف سليما وموضوعيا.

التسلط البريطاني

تمكنت بريطانيا من تثبيت احتلالها لمصر بين سنة الاحتلال ( 1882م) وسنة اندلاع الحرب العالمية الأولى. وقد انتهزت فرصة اندلاع لحرب العالمية الأولى ومشاركة الدولة العثمانية فيها بجانب ألمانيا لكي تعلن – أي بريطانيا- الحماية على أرض الكنانة، وتلغي بذلك آخر خيط كان يربط مصر بالدولة العثمانية، وهو السيادة الاسمية. وقد سخرت كل مرافق مصر وإمكاناتها لخدمة المجهود الحربي البريطاني طوال فترة الحرب، وما أن وضعت الحرب أوزارها حتى انفجرت ثورة الشعب المصري سنة 1919م. وقد حاولت بريطانيا أن تمتص المشاعر الثورية بإعطاء مصر استقلالا شكليا، فكان تصريح 28 شباط ( فبراير) 1922م الذي أصدرته الحكومة البريطانية، متضمنا النقاط التالية:

1- إلغاء الحماية البريطانية على مصر.
2- رفع الأحكام العرفية شريطة أن تضع الحكومة المصرية القوانين البديلة المناسبة.
3- التحفظات الأربعة، وهي استثناءات من مقومات السيادة والاستقلال، أوضحت بريطانيا أنها ستبقيها على حالها قبل الإعلان ، وهي:
  1. - تأمين مواصلات الإمبراطورية البريطانية في مصر.
  2. - الدفاع عن مصر، وذلك يعني أن يبقى الدفاع عن مصر بيد بريطانيا، أي أنه كان دفاعا عن مصالحها بالدرجة الأولى وليس دفاعا عن مصر.
  3. - حماية المصالح الأجنبية في مصر وحماية الأقليات.

ومن الواضح أن هذه الاستثناءات أو التحفظات الأربعة، قد فرغت الاستقلال من أي محتوى حقيقي، وأدرك شعب مصر ذلك، وظهر صدى هذا الإدراك في البيان الذي أصدره الحزب الوطني المصري مبينا رأيه في مقاصد الحكومة الإنجليزية بالنسبة لمصر. ولم يكن التصريح البريطاني أكثر من وسيلة انكليزية جديدة هدفها إيهام المصريين وحملهم على اعتبار مركز بريطانيا في بلادهم شرعيا، وبذلك تتمكن انكلترا من وضع وتوظيف القواعد لتنظيم الحماية غير المشروعة تحت ستار الاعتراف باستقلال مصر وإعلان انتهاء الحماية:. غير أن الاستقلال المزعوم وإنهاء الحماية لم تكن في الحقيقة أكثر من أوهام صنعها الإنجليز مخادعة ومماطلة منهم للشعب المصري.

وعلى الرغم من أن التصريح كان استجابة لشروط ثروت باشا التي اشترطها لقبول تأليف الوزارة فإنه لم يحظ بموافقة الأحزاب السياسية في مصر، واستمر التوتر وتفاقمت الهجمات والاغتيالات ضد الإنجليز والمتعاونين معهم، والمتهمين بالتعاون. ومع ذلك فقد قبل ثروت باشا تشكيل الوزارة واتخذ إجراءات لوضع دستور البلاد، صدر في التاسع عشر من نيسان (أبريل) 1923م. وبذلك وضعت الحياة السياسية في إطار دستوري ديمقراطي من الناحية النظرية، وصارت القيم الدستورية والديمقراطية معيارا يرجع إليه العاملون في السياسة والمتحدثون بها في الحكم على الأحداث والمواقف وتقويمها.

والحق أن هذا الدستور لم ينشأ من فراغ، ولم تطرح فكرته لمجرد وجود الهيمنة البريطانية على مصر، بل أن فكرة الدستور استندت إلى جذور راسخة في عقول وقلوب الفئات المثقفة والمتعلمة وذات الوعي السياسي والتطلع السياسي في قمة المجتمع المصري في العقود الأولى من القرن العشرين.

ولا مراء غي أن منشأها يرجع غلى القرن التاسع عشر، منذ اتجاه محمد على إلى إنشاء دولة قوية، وما استلزمه ذلك الطموح من احتكاك بأوربا، وما تتبع ذلك من تطورات في عهد خلفائه، خاصة في عهد الخديوي إسماعيل. وكانت الشريحة العليا في المجتمع المصري منذئذ هي الأكثر نضجا بالنسبة لمثيلاتها في الأقطار العربية والإسلامية الأخرى.

ورغم صدور دستور سنة 1923م وعودة سعد زغلول وغيره من الزعماء السياسيين من منفاهم في سيشل ظلت البلاد تعاني من ويلات الاحتلال واعتداء سلطاته على كرامة وحقوق الشعب المصري. ففضلا عن إقدام هذه السلطات على تعطيل الصحف واعتقال الزعماء الوطنيين ومحاكمتهم، فقد اتخذ اللورد اللنبي، المندوب السامي البريطاني في مصر، قرارا بتعيين محافظ عسكري بريطاني لمدينة القاهرة. وكان الجنود البريطانيون يتمركزون في القلعة بوسط العاصمة، زيادة على وجود مراكز وقواعد عسكرية بريطانية في مناطق متعددة من الأراضي المصرية.

وقد سيطر البريطانيون على الاقتصاد والشئون المالية في مصر عن طريق فرض مستشار مالي بريطاني لوزارة المالية المصرية، كما حرصوا على إبقاء سيطرتهم على القضاء والمحاكم عن طريق المستشار القضائي الإنجليزي في وزارة الحقانية، وفوق ذلك كله سيطرة الضباط البريطانيين على أهم المراكز القيادية في الجيش المصري. فلا عجب، والحالة هذه، أن يظل التوتر مخيما على أجواء الحياة السياسية في مصر.

وقد بلغ التوتر ذروته إثر اغتيال الضابط البريطاني السير لي ستاك باشا، المشرف على الجيش المصري في السودان والذي كان – في الوقت نفسه- حاكما عاما للسودان، حيث أطلقت عليه النار في أحد شوارع القاهرة يوم 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 1924م بينما كان عائدا من مكتبه بوزارة الحربية المصرية إلى بيته في حي الزمالك. وعلى أثر ذلك توجه اللورد اللنبي، المندوب السامي البريطاني، في مظاهرة عسكرية إلى مقر رئاسة الوزارة المصرية، ووجه إنذارا مكتوبا سلمه إلى رئيس الوزراء سعد زغلول باشا، يتضمن عدة مطالب ابتزازية منها:

1- أن تدفع الحكومة المصرية غرامة مقدارها نصف مليون جنيه.
2- أن تسحب الجيش المصري من السودان.
3- أن تطلق يد حكومة السودان الإنجليزية في التوسع في الري على حساب كمية المياه التي تصل مصر، الأمر الذي يعني الإضرار بزراعتها، وذلك لحساب الشركات الإنجليزية التي كانت تتولى احتكار المشروعات الزراعية في السودان.

واستقالت حكومة سعد وجاءت حكومة زيور باشا التي سلمت بالمطالب البريطانية، ومارست حكما غير دستوري وغير مسئول حسب وصف المؤرخ عبد الرحمن الرافعي. وقد ضعفت الروح الوطنية، وأخذ كثيرون من الزعماء المصريين يتهافتون على المندوب السامي. بيد أن الأحزاب المصرية استطاعت أن ترتفع فوق خلافاتها وتوحد جهودها خلال سنتي 1925م و 1926م، وواصلت ضغطها ونضالها حتى أعيدت الحياة النيابية والدستورية.

وعندما طلبت لجنة فرعية بمجلس النواب تحسين مستوى تدريب الجيش المصري وإبعاد المفتش العام للجيش اسبنكس (باشا وكان بريطانيا) من مجلس الجيش سنة 1926م قابلت بريطانيا هذا الموقف بتعسف شديد، وأصرت على أن يعين ضابط بريطاني آخر مساعدا للمفتش العام، وأن تكون مصلحة الحدود تحت إشراف المفتش العام البريطاني أو نائبه، وأن تظل المراكز التي يشغلها ضباط بريطانيون في المصالح التابعة لوزارة الحربية دون تغيير. واضطرت الحكومة المصرية إلى مد خدمة سبنكس باشا، ومنحته رتبة فريق، وعينت له وكيلا بريطانيا. وعينت ضباطا بريطانيين في الجيش المصري، وذلك قبيل ولادة حركة الإخوان المسلمين في مصر بأشهر قليلة.

وفي ظل الاحتلال نشطت الهيئات التبشيرية المسيحية في عملها الهادف إلى تحويل من تستطيع من المصريين المسلمين إلى المسيحية وتحويل المسيحيين المصريين إلى المذهب البرتستنتيـ أو الكاثوليكي.

مولد حركة الإخوان المسلمين

في ظل هذه الظروف كان مولد حركة الإخوان المسلمين سنة 1928م. وفي المرحلة الأولى من نشأة الجماعة جرت المفاوضات بين مصر وبريطانيا من أجل وضع علاقات الطرفين في إطار جديد. وكان هدف المصريين تحرير بلادهم من نير الاحتلال والتسلط البريطاني وتحقيق استقلالهم الوطني. لكن المعاهدة التي تم التوصل إليها سنة 1936م لم تحقق لمصر سوى فوائد هامشية بينما أعطت الصفة الشرعية للوجود والتسلط البريطاني . وكان الغرض منها- بالنسبة لبريطانيا- هو أن " تقرر استقلال مصر وتنيل بريطانيا العظمى كل التأمينات والضمانات التي تراد من الحماية...".

وقد حددت المعاهدة عدد القوات البريطانية في مصر في وقت السلم بعشرة آلاف جندي من القوات البرية، وأربعمائة من رجال السلاح الجوي. وفرضت المعاهدة على مصر أن تبني ثكنات الجنود البريطانيين بالمستوى الرفيع الذي تحدده بريطانيا وأن تزودها بالمرافق والحدائق وتبني لها الطرق المعبدة ، فضلا عن إنشاء طرق حربية بالمواصفات التي تحددها بريطانيا بين بور سعيد والإسماعيلية والإسكندرية ثم بين القنال والقاهرة وبين القاهرة والإسكندرية مرسي مطروح قرب الحدود الليبية وطرقا أخرى للنيل إلى قنا وقوص، ومن قوص غلى القصير ومن قنا إلى الغردقة، أي أن توفر طرق المواصلات بين المناطق التي حددتها المعاهدة لتمركز القوات البريطانية، بما فيها القاهرة والجيزة ومنطقة قناة السويس وكل سيناء.

وبجانب ذلك كان على مصر أن تنشئ المطارات الصالحة والموانئ التي تحتاجها القوات البريطانية. وقد أباحت المعاهدة كذلك بقاء القوات البريطانية في الإسكندرية ثماني سنوات. كل ذلك في وقت السلم، أما في وقت الحرب أو خطر الحرب، فإن كل القيود التي تحد من تحرك بريطانيا وعدد قواتها تصبح لاغية.

وكما نعرف جميعا فإن نذر الحرب كانت تلوح في الأفق عندما تم التوقيع على معاهدة 1936م، وما لبثت الحرب أن انفجرت سنة 1939م، وبذا أصبحت مصر كلها قاعدة للقوات البريطانية، وأصبحت كل إمكاناتها مسخرة لخدمة المجهود الحربي البريطاني طوال سنوات الحرب (1939- 1945م) كما أخضع الشعب المصري للأحكام العرفية الصارمة.

تنصيب الملك فاروق

وفي هذه الفترة تولى الملك فاروق سلطاته الدستورية في التاسع والعشرين من تموز ( يوليو) 1937م، وتوقع الوطنيون المصريون منه الخير الكثير، وعدوه ملجأ وسندا للفريق الوطني حيث رضي حزب الوفد بالتحالف مع الاحتلال والرضوخ لمطالبه منذ اندلاع الحرب. وما لبثت العلاقات أن توترت بين القصر وحزب الوفد، وكان رئيس الديوان الملكي، على ماهر باشا، من مناوئي الوفد، كما وقف حزب مصر الفتاة ضد الوفد أيضا، بل وقام أحد أعضائه بمحاولة فاشلة لاغتيال مصطفى النحاس باشا، زعيم الوفد.

ثم جاءت أزمة حزيران( يونيو) 194مم، إذ اتهمت السفارة البريطانية في القاهرة القصر، واتهمت رئيس الديوان بالتعاطف مع ألمانيا وإيطاليا، وأجبرت الملك على إقصائه. وفشلت كل الجهود الرامية إلى تشكيل حكومة اتحاد وطني لإصرار النحاس على انفراده وحزبه بالحكم، ورافقت ذلك أزمة تموينية عسيرة. وتحت وطأة المعاناة التي أثقلت كاهل أغلبية المصريين انفجرت الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية. ويبدو أن بريطانيا خشيت من خروج الحالة المضطربة عن السيطرة فوجهت " إنذار 4 فبراير" المشهور إلى الملك وأجبرته على تكليف مصطفى النحاس باشا بتشكيل وزارة وفدية بعد أن زحفت الدبابات البريطانية إلى قصر عابدين ووجهت له مدافعها.

وفي شهر تشرين الثاني( نوفمبر) 1943م انتهز زعماء المعارضة المصريين فرصة انعقدا مؤتمر عام للحلفاء في القاهرة حضره رؤساء وزارات الحلفاء فقدموا مذكرة وقعوا عليها جميعا تحدد مطالب مصر عند انتهاء الحرب، وهي الاستقلال التام الحقيقي، لا الشكلي، واسترجاع سلطة مصر على قناة السويس، واسترداد حقوقها في السودان بالوحدة، وأن تشارك في مؤتمر السلام" وقد منعت وزارة النحاس نشر هذه المذكرة أو الإشارة إليها في الصحف" . وبقي النحاس في الحكم حتى تشرين أول ( أكتوبر) 1944م، وإذ ذاك أقاله الملك وتولى أحمد ماهر رئاسة الوزارة الجديدة.

وحيث وضحت نتيجة الحرب العالمية الثانية وأصبح انتهاء الحرب منتظرا خلال أسابيع أو أشهر قليلة، وحيث أن الحلفاء الذين كانوا يعدون لإنشاء هيئة الأمم المتحدة اشترطوا أن تعلن أي دولة تود الانضمام إلى المنظمة الدولية الجديدة الحرب على ألمانيا قبل أول آذار( مارس) 1945م، فقد أعلن رئيس الوزراء أحمد ماهر دخول مصر الحرب إلى جانب الحلفاء يوم 24 شباط( فبراير) 1945م، فكان أن أطلق عليه محمود العيسوي الرصاص فأرداه قتيلا في نفس اليوم. ومما ينبغي قوله وإعلانه هنا أن الإقدام على هذه الجريمة- قتل رئيس الوزراء أحمد ماهر- كان وليد الجهل المخجل، وضيق الأفق، ليس بالنسبة للقاتل وحده ولكن لمن شحنوه ثم دفعوه للتنفيذ، ومن ناحية أخرى فإن عملية الاغتيال وما أحاط بها تشير غلى مدى غضب الشعب المصري وكرهه لبريطانيا المحتلة لمصر، وكرهه لحلفائها بالتبعية، حيث كان هذا الغضب وذلك الكره هو السبب الوحيد الذي دفع المصريين وغيرهم من العرب للتعاطف مع ألمانيا.

وانتهت الحرب باستسلام ألمانيا دون قيد أو شرط في السابع من آيار( مايو) 1945م، ثم استسلمت اليابان بعد ذلك بثلاثة أشهر. وقد وصف زعيم بارز في الحزب الوطني المصري حالة مصر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية فقال:" إن الأمة ظهرت متراخية متخاذلة، فالطبقات الممتازة تؤثر الراحة وتستنيم إلى مهاد الدعة، فلم تشترك اشتراكا فعليا في الجهاد".

مصر بعد الحرب العالمية الثانية

وما أن وضعت الحرب أوزارها حتى انشغل المسرح السياسي المصري بقضية الاستقلال والجلاء ووحدة وادي النيل ، كما برزت على السطح قضية فلسطين، وذلك لأن هذه الفترة شهدت تحويل القضية غلى هيئة الأمم المتحدة وصدور قرار التقسيم سنة 1946م، كما انفجرت الثورة لأول مرة في اليمن وكان للإخوان المسلمين صلة بانفجارها ، بل كان قد ذهب وفد غلى يمن الثورة برئاسة عبد الحكيم عابدين، القيادي الإخواني، وصهر حسن البنا. وقد دخلت مصر والدول العربية الأخرى حرب فلسطين في الخامس عشر من آيار( مايو) 1948م، ولقيت الهزائم المنكرة نتيجة لعدم جدية قياداتها ا لسياسية، على النحو المعروف، فكان لهذه الكارثة ردود فعل وأصداء مختلفة في القوة والشكل من بلد عربي إلى آخر.

وقد كان لفشل الحملة العسكرية والجهود المصرية الرسمية في فلسطين أثر كبير في التطورات والأحداث التي أدت إلى سقوط النظام الملكي وقيام الثورة التي قادها الجيش. ولم تمض على هذه الثورة سنتان إلا وكانت علاقة الإخوان بها قد بلغت درجة عالية من الخلاف والتوتر، ثم انزلق الإخوان غل معركة حاسمة دون دراسة موضوعية وتقدير سليم، فكانت الخسارة حاسمة كذلك، فأخرجت حركة الإخوان من الساحة السياسية. وأسدل عليها ستار كثيف لتغييبها نهائيا، واستمر الوضع كذلك حوالي خمس عشرة سنة، وانتهت بذلك الحقبة الأولى من حياة الإخوان، الحقبة التي نشطت فيها الحركة على مسرح الحياة في مصر والعالم العربي في إطار علني وقانوني وفق أنماط الأنشطة السياسية التي كانت سائدة. وبخروج الإخوان من المعركة لم يبق للحكم الناصري أعداء داخليين يمكن أن تشكل عداوتهم أية مخاطر على النظام.

قوى الجذب والدفع الخارجية

لا مراء في أن الصراع الداخلي مع بقايا الأوضاع التي كانت سائدة في العهد الملكي، ثم بين النظام الحاكم والإخوان، قد استنفد قدرا كبيرا من طاقة الاندفاع الثوري، ومن طاقة مصر الدولة وقدرة مواردها على الاحتمال. بيد أن انتصار الثورة في معاركها مع جميع القوى الوطنية الداخلية لم يكن نهاية المطاف بالنسبة لعهد جمال عبد الناصر، ولم تعقبه فترة سلام وارتخاء يتمكن فيها من التقاط أنفاسه ومن استعادة الزخم وقوة الدفع التي كانت في مرحلتها الأولى. فقد تعرضت مصر الناصرية لمؤثرات خارجية سرعان ما شدتها وأدخلتها في معارك خارج الدائرة المصرية.

كانت الولايات المتحدة تسعى وحلفاؤها لإحكام الطوق حول الاتحاد السوفيتي لمنعه من التمدد، ومن هذا المنظور حرصت على جر الدول الصغيرة للانتظام في الخطط التي استهدفت الكتلة السوفيتية. وكانت مصر عبد الناصر تتطلع إلى عون خارجي لتمويل مشاريع التنمية، وعلى رأسها مشروع بناء السد العالي ، ومن أجل ذلك دخلت في اتفاق مبدئي مع الولايات المتحدة للحصول على التمويل، لكنها لن تستطع أن تف بالمطلب الأمريكي بالنسبة لموقعها والدور المراد لها في مجال صراع القطبين، أي الانضمام ، أي الانضمام للتحالفات التابعة للولايات المتحدة وحلفائها الكبار، فكان أن سحبت أمريكا عرض التمويل، فتوترت العلاقات بين الجانبين، وهنا وجد السوفيت فرصتهم للدخول من خلال بناء السد العالي .

وقد تزامنت مع ذلك حاجة مصر للسلاح لتتمكن من الوقوف في وجه الاستقواء الإسرائيلي، فلم تستجب أمريكا، ومرة ثانية جاءت النجدة من السوفييت. وعلى الرغم من أن مصر صارت عضوا مؤسسا في مجموعة دول عدم الانحياز التي ظهرت في نفس الفترة الزمنية إلا أن علاقاتها الجديدة مع السوفييت جرتها إلى اليسار. وبينما كان الشيوعيون المصريون هدفا للاضطهاد والملاحقة من بداية عهد الثورة في مصر فقد تغير حالهم بعد توطيد العلاقة مع الكتلة الشرقية، فظهر الشيوعيون المصريون على السطح حلفاء للعهد الناصري، وانفتحت أمامهم كل البواب للعمل بحرية ، وللمشاركة في الحكم، وفي الحراك السياسي والثقافي بمقدار يفوق بكثير حجمهم الحقيقي على الأرض ، في داخل الدولة المصرية.

ومن ناحية أخرى فإن الجهود الاستقطابية المنطلقة من موسكو وواشنطن سرعان ما قسمت دول العالم العربي فريقين، وقد جاءت الوحدة بين مصر وسوريا، ثم الانقلاب الذي أطاح بالعهد الملكي في العراق ليضع سوريا والعراق، ومن قبلها مصر في الخط المتحالف مع السوفييت. وفي الوقت نفسه اندلعت ثورة التحرير الوطني الجزائرية 1954، وانقلب الوضع في اليمن بأيدي الجيش، فوقفت السعودية بجانب بقايا العهد الإمامي في اليمن بينما دخلت مصر بقوتها لتساند الثورة اليمنية كما ساندت الثورة الجزائرية. وعلى الصعيد الشعبي انقسمت الجماهير العربية على الأساس نفسه. ونظرا لوجود إسرائيل وسياساتها التوسعية المبنية على الحكايات التوراتية، ووقوف الولايات المتحدة ودول الغرب الأوربي مؤازرين ومساندين لها فقد مالت الأغلبية الساحقة من الجماهير العربية إلى الجانب الآخر.

وقد شهدت فترة الخمسينات، من القرن العشرين، أحداثا ضخمة بالنسبة للعالم العربي تتابعت تداعياتها وأصداؤها حتى نهاية عقد السبعينات، ومن هذه الأحداث تأميم قناة السويس ردا على تراجع أمريكا عن تمويل بناء السد العالي ، ثم العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 ( بريطاني- فرنسي- إسرائيلي) ، واندحار هذا العدوان ، وقيام الجمهورية العربية المتحدة سنة 1958 ثم سقوطها سنة 1961، بجانب الانقلابات العسكرية المتكررة في كل من سوريا والعراق، والانقلاب العسكري في ليبيا سنة 1969، واستقلال كل من المغرب وتونس والجزائر، وعدد من الدول الأصغر حجما، وقرار بريطانيا إنهاء وجودها العسكري شرق السويس، وأثر ذلك في العالم العربي.

وكان أهم ههذ الأحداث وأكثرها تأثيرا العدوان الإسرائيلي الواسع في الخامس من حزيران 1967 حيث شنت إسرائيل حربا استباقية – بل هي حرب انتهاز الفرصة السانحة- مكنتها من احتلال أجزاء كبيرة من أراضي ثلاث دول عربية هي مصر وسوريا والأردن. وقد تأخر الرد العربي على ذلك حتى سنة 1973م، حيث قامت مصر وسوريا بهجوم مضاد متأخر استهدف تحرير أراضيها المحتلة، ذلك الهجوم ، وتلك الحرب التي جرى تحجيم نتائجها عبر تدخلات وضغوط واجتهادات وعوامل متعددة.

في غضون هذه الفترة كلها، حتى أوائل السبعينات من القرن الماضي، كان الإخوان متغيبين تماما في مصر قسرا، بينما كانوا محاصرين في الأقطار العربية الأخرى. وعند هذا المفصل الزمني التاريخي انتهى عهد جمال عبد الناصر ليفسح الطريق لعهد آخر مختلف في كثير من ملامحه.

جاء السادات إلى سدة الحكم بعد وفاة جمال عبد الناصر، رحمهما الله، ولم يلبث أن دخل في مواجهة مع " مراكز القوى" اليسارية وتمكن من إزاحتها ، ثم إنه بدأ بإخراج الإخوان من السجون ليكونوا القوة الشعبية التي تكفيه خطر أي تحرك يساري في المستوى الشعبي. وهكذا خرج آلاف الإخوان المثخنين بالجراح الجسدية والنفسية ليستأنفوا حياتهم العادية، ويعيدوا تأقلمهم مع حياة المجتمع من حولهم. ويبدو أن السادات اعتبر نفسه رسول التغيير – ليس فيما يتعلق بالإخوان المسلمين- بل في خيارات مصر بالنسبة لمسارها السياسي في العالم العربي، وفي العالم العربي، وفي العلاقات الدولية على السواء، ويبدو أنه كان واثقا من رؤيته وتصوراته كل الثقة، وبدرجة مبالغ فيها، مستمدا ذلك من الانتصار الكبير، والمنقوص- في الوقت نفسه- الذي تحقق في حرب 1973.

ولقد استند التغيير الذي أراد أنور السادات أن يحدثه غلى مقولتين:

أولا: أن استمرار الصراع العربي الإسرائيلي كان بسبب الحواجز النفسية وأن كسر هذه الحواجز كفيل بحل المشكلات والإتيان بالسلام.
ثانيا: أن كل أوراق اللعبة السياسية في يد الولايات المتحدة.

وهكذا سار على ضوء هاتين المقولتين، فزار القدس وألقى خطابا في الكنيست ، كما أدار ظهره للسوفييت وتحول بكل طاقته واندفاعه إلى الولايات المتحدة.

والحقيقة أن رد الفعل العربي على زيارته للقدس كان انفعاليا غوغائيا، وبعيدا عن العقلانية السياسية. وفي تقديري أنه لو كان رد الأطراف العربية التي عارضته هادئا وموضعيا إذن لكان السادات قد اكتشف خطأ مقولته عن حكاية الحواجز النفسية، ولربما كبح اندفاعته بنفسه. لكن ردود الفعل الصاخبة، التي تلطخت بالدماء، ما لبثت أن دفعته إلى العناد، سيما وأنه اعتقد أن مصر هي زعيمة العالم العربي، وأن قيادتها يجب أن تطاع، وريادتها يجب أن تتبع ، خاصة بعد الانتصار في " حرب أكتوبر 73".

أما بالنسبة لمقولته الثانية ( أن كل أوراق اللعبة بيد أمريكا) . فقد كانت صحيحة بنسبة غير قليلة، بيد أن الرئيس السادات رحمه الله نسي – في غمرة اندفاعه- أن أمريكا تلعب بأوراقها في إطار إستراتيجيتها هي- بغض النظر عما إذا كانت الإستراتيجية صائبة أو خاطئة بالنسبة لبعض جزئياتها- ولا تسمح للآخرين بالتأثير عليها، خاصة الآخرين الصغار، بالمقاييس الأمريكية.

لم يطل عهد السادات بعد " كامب ديفيد" ، وقد ساءت علاقته بالإخوان الذين أفرج عنهم، بالرغم من أن انتقاداتهم له كانت رقيقة وعلى استحياء. وما لبث عهده وحياته أو وصلا إلى نقطة النهاية، بأيدي إحدى " الجماعات الإسلامية" التي انشقت عن الإخوان، واختارت طريق العنف المسرف، واللاعقلاني ، فكان حادث المنصة سنة 1981، الذي أنهى حكم وحياة الرئيس الثالث لمصر منذ قيام ثورة 23 يوليو.

الفصل الثاني

المراحل الرئيسية لمسيرة الإخوان المسلمين

لقد بلغت حركة الإخوان المسلمين من العمر ثمانين سنة حتى الآن، يمكن تقسيمها في ست مراحل تتحدد زمنا على النحو التالي:

المرحلة الأولى: 1928- 1938

المرحلة الثانية: 1938- 1948

المرحلة الثالثة: 1948- 1952

المرحلة الرابعة: 1952- 1954

المرحلة الخامس: 1954- 1971

المرحلة السادسة: 1971- إلى 2011

المرحلة الأولى

لقد استمرت المرحلة الأولى عشر سنوات تميزت فيها الدعوة بالعمل السلمي المركز على جماهير الشعب، من غير تعرض للسلطات أو اصطدام معها. بل لقد بدا واضحا من سلوك الجماعة في هذه المرحلة أنها على استعداد للتعاون مع الحكومة في نطاق الحد الأدنى مما تستوجبه المبادئ التي تنادي بها. وكان أكبر مظهر لهذا الموقف الإخواني الودي تجاه السلطة تلك المظاهرة الضخمة التي نظمها الإخوان، وشاركتهم فيها الهيئات الإسلامية الأخرى لإظهار الولاء والتأييد للملك فاروق بمناسبة مباشرته لسلطاته الدستورية في شهر آيار ( مايو) 1937م، وقد قدر عدد المشاركين في المظاهرة من الإخوان بعشرين ألفا، اتجهوا إلى قصر عابدين بوسط القاهرة. " وهناك انتظم الإخوان على باب القصر رافعين أعلامهم يهتفون: " الله أكبر ولله الحمد" – الإخوان المسلمون يبايعون الملك المعظم.. الإسلام منقذ الإنسانية- القرآن دستور الدنيا، ومن يتبع غير القرآن قانونا فقد ضل – نبايعك على كتاب الله وسنة رسوله".

وقد يبدو هذا الموقف مستغربا لمن يعرفون أن الإخوان المسلمين حاربوا نظام الملك فاروق، وأن اغتيال الإمام الشهيد حسن البنا قد قام بتدبير من هذا الملك ورئيس وزرائه وكبار رجال الأمن في نظامه، غير أن هذا الاستغراب يزول عندما نعرف أن فاروقا كان قد تولى المنصب لتوه، ولم يكن يبدو عليه أي انحراف. وحيث أن مصر كلها، بما في ذلك القاهرة والإسكندرية كانت تحت الاحتلال البريطاني وأن تسلط بريطانيا على شئون الحكم والإدارة والجيش كان غصة في حلوق أغلبية المصريين، فقد صار الملك مركز السلطة الوطنية، ورمز الكفاح الوطني، حسب ما اخبرنا قيادي إخواني بار، حيث ذكر أن فاروقا الشاب كان" مناط آمال الشعب وموضع احترامه، لأن سيرته كانت سيرة مرضية ومسلكه كان مسلكا شريفا، ولعل ذلك نتيجة تأثير الشيخ مصطفى المراغي عليه.. ولم يبدأ فاروق في الانحراف إلا بعد وفاة الشيخ.." سنة 1945م. ولكن " فاروقا هذا تولاه هذا بعد ذلك شياطين الإنس من رؤساء أحزاب وبطانة فاجرة فصنعوا منه شيطانا.."

المرحلة الثانية

وانتهت هذه المرحلة الأولى من مسيرة الإخوان سنة 1938م، وإذ ذاك دخلوا مرحلة جديدة ولم يكن هذا الدخول عفو الخاطر، أو من غير إدراك، بل كان عن وعي واقتناع وتصميم، وقد نبه الإمام حسن البنا إخوانه إلى هذه النقلة بقوله:" هذه مرحلة من مراحل الإخوان اجتزناها بسلام وفق الخطة الموضوعة لها.. والآن أيها الإخوان وقد حان وقت العمل، وآن أوان الجد.." ثم سأل الأستاذ البنا إخوانه :" ما خطوتكم الثانية؟" ومضى يجيب على تساؤله:

" أقول لكم فاسمعوا: سننتقل من خير دعوة العامة إلى خير دعوة الخاصة، ومن دعوة الكلام وحده إلى دعوة الكلام المصحوب بالنضال والأعمال، وسنتوجه بدعوتنا إلى المسئولين من قادة البلد وزعمائه ووزرائه وحكامه وشيوخه ونوابه وأحزابه، وسندعوهم إلى منهاجنا ونضع بين أيديهم برنامجا، وسنطالبهم بأن يسيروا بهذا البلد المسلم، بل زعيم الأقطار الإسلامية.. في جرأة لا تردد معها، وفي وضوح لا لبس فيه.. فإن أجابوا الدعوة .. آزرناهم وإن لجئوا إلى المواربة والروغان، وتستروا بالأعذار الواهية والحجج المردودة فنحن حرب على كل زعيم أو رئيس حزب أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام ولا تسير في الطريق لاستعادة حكم الإسلام ومجد الإسلام.. سنعلنها خصومة لا سلم فيها ولا هوادة معها حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين..".

" كان موقفكم أيها الإخوان سلبيا ( كذا) هكذا فيما مضى ، أما اليوم، وأما في هذه الخطوة الجديدة فلن يكون كذلك، ستخاصمون هؤلاء جميعا في الحكم وخارجه خصومة شديدة إن لم يستجيبوا لكم ويتخذوا تعاليم الإسلام منهاجا..".

" أيها الإخوان – أعلن لكم هذه الخطوة على صفحات جريدتكم هذه ، لأول عدد منها، وأدعوكم إلى الجهاد العملي بعد الدعوة القولية، وفيه تضحيات ، وسيكون من نتائج جهادكم هذا في سبيل الله والإسلام أن يتعرض الموظفون منكم للاضطهاد وما فوق الاضطهاد، وأن يتعرض الأحرار منكم للمعاكسة وأكثر من المعاكسة، وأن يدعي المترفون المترفهون منكم إلى السجون وما هو أشق من السجون، ولتبلون في أموالكم وأنفسكم ، فمن كان معنا في هذه الخطوة فليتجهز وليستعد، ومن قعدت به ظروفه أو صعبت عليه تكاليف الهاد سواء أكان شعبة من شعب الإخوان أم فردا من أعضاء الجماعة فليبتعد عن الصف.." (انتهت الاقتباسات).

وعندما يمر الباحث والقارئ بهذا الكلام الخطير الذي كتبه مؤسس الجماعة ومرشدها الأول، منبها بوضوح غلى انتهاء المرحلة الأولى، مرحلة الدعوة السلمية ( 1928- 1938م) ، وولوج الحركة إلى المرحلة التالية، ومشيرا إلى تغير بل انقلاب في أساليب الممارسة من الالتزام بالتحرك السلمي إلى تبني أسلوب المواجهة والتحدي والتهديد المكشوف.

هنا لابد أن يتساءل الباحث والقارئ: هل كان حسن البنا يقصد بدقة كل ما قاله في كلمته المنشورة التي اقتبسنا منها ههذ المقتطفات والنصوص ؟ أم أن الأمر كان مجرد انزلاقه فلم ينفث مشاعر الحماسة والعاطفة المتأججة في إطار الأسلوب الخطابي؟ فحتى صدور هذا الإعلان في مقالة حسن البنا النارية كانت حركة الإخوان تمارس نشاطها مسالمة لكل القوى الوطنية، المدنية والرسمية طوال المرحلة الأولى، بما في ذلك التزام القواعد الاجتماعية المتعارف عليها في المجتمع المصري، حتى في استخدام الألقاب التركية الأصل (بك، وباشا، وأفندي، وغيرها)، سواء عند تناول أسماء الشخصيات المدنية أو الحكومية. أما مضمون الخطاب الجديد الذي قدمته مقالة حسن البنا رحمه الله فقد كان إنذارا لأطراف كثيرة بأن ثمة انقلاب رئيسي ومهم في طريقة تعامل جماعة الإخوان مع محيطها، وتوجهها إلى الدخول في مواجهة فاصلة مع كل الأطراف. ولعل من المفيد أن نحدد بنود هذا الإنذار في نقاط:

1- إعلان التغيير والانتقال من الأسلوب السلمي غلى حالة المواجهة،
2- التوجه بالدعوة إلى الخاصة: الحكام بمراتبهم المختلفة وإلى الأحزاب،
3- إن قبل كل هؤلاء تبني برنامج وأهداف دعوة الإخوان فلهم المؤازرة والتأييد،
4- وإن رفضوا، إعلانا أو مراوغة ، فالإخوان حرب عليهم جميعا
5- المرشد يدعو إخوانه للاستعداد لموجات الاضطهاد والسجون، والأكثر من السجون، أي التشريد والإعدامات والتصفية الجسدية.

وهنا نعود إلى التساؤل: لكان حسن البنا يلقي خطابا ، أو يكتب مقالا حماسيا، أم كان يعلن تغييرا فعليا وشيكا؟

لسنا بحاجة إلى التخمين أو الاستنتاج لمعرفة الإجابة على هذا السؤال. لقد أصبح هذا السؤال من ا لماضي البعيد الذي مر عليه أكثر من نصف قرن، والذي كان مستقبلا يوم نشر حسن البنا خطابه ذاك. وقد صار الخطاب وتداعياته جزءا من الماضي البعيد نسبيا، أي أن تداعياته صارت معروفة وواضحة. لقد كان الإعلان برنامج عمل، وقد وضع موضع التنفيذ في الأيام والسنوات التي تلت وانقضت من مسيرة الإخوان، وصار تاريخا موثقا، وصارت معالمه الرئيسية ، بل ونتائجه معروفة، ومتوفرة لكل من أراد أن يبحث عنها.

ويبدو واضحا من كل ذلك أن حسن البنا كان يعني ما يقول، فبعد سنتين من هذا الخطاب نجد الإخوان يؤسسون النظام الخاص، خطوة كان التحرك فيها والعلم بها ضمن دائرة صغيرة ومحدودة، على رأسها حسن البنا رحمه الله، وذلك سنة 1940 ، كما حدثنا الأستاذ محمود عبد الحليم، وفضلا عن ذلك فقد شهدت السنوات العشر التي نشرت في بدايتها مقالة المرشد العام، والمؤسس كثيرا من الممارسات الإخوانية التي استخدمت فيها الأسلحة والقنابل، وشهدت عددا من حوادث الاغتيال التي طالت عددا من القضاة، وضباط الشرطة وغير ذلك مما سيأتي تفصيله. ( انظر الفصل الخامس).

وقد نتج عن هذا الانقلاب في ممارسات الإخوان أيضا صدام مع الأحزاب والقوى السياسية المدنية، واتسمت المسيرة الإخوانية بمحدودية الوعي، وضيق الأفق، والافتقار إلى المرونة. ففي هذه المرحلة الثانية أخذ حسن البنا يتوجه بالخطاب إلى زعماء الأحزاب وأنصارها، وإلى الملك ورؤساء الوزارات والوزراء، بل وإلى رؤساء وزعماء الدول الإسلامية خارج مصر، موجها لهم الدعوة بلطف حاثا لهم على تبني النهج الإسلامي. وحيث لم تكن هناك استجابة، عدا بعض الاستجابات المحدودة والهامشية فقد أخذت الأمور تتعقد وتتجه نحو الصدام.

هنا قد يتساءل بعض القراء: هل كان هذا التغيير الذي أدخله المرشد العام على مسيرة الجماعة استمرارا لتنفيذ خطة إستراتيجية وضعت مرحلة منذ بداية انطلاق حركة الإخوان، أم أن حدثا مفاجئا- على الصعيد الوطني- جعل هذا التغيير ضروريا؟ إن تأمل المادة المعلوماتية التي بين أيدينا تنفي أن يكون هذا التغيير استمرارا لخطة إستراتيجية ، كما أن الساحة المصرية لم تشهد حدثا مفاجئا أو غير عادي استوجب التغيير. والذي اعتقده أن نمو الحركة بشكل سريع وامتلاكها لقدر لم يكن متوقعا من عناصر القوة الجماهيرية هو الذي أشعر الأستاذ البنا بثقة مفرطة في حساباته ووضعه وحركته على هذا المفترق الجديد.

ومن المرج أن الأحزاب السياسية استشعرت الخطر من شعبية الإخوان، سيما بعد أن أخذت قوتهم تظهر في المسيرات وفي رحاب الجامعات. ولابد أن السلطة الإنجليزية المتحكمة في مصر كانت قد أدركت ذلك وأخذت تعد الخطط لمواجهة ما قد يحمله التحرك الإخواني إلى الساحة المصرية. ولسنا بسبيل تتبع تفاصيل أحداث هذه الفترة، لأن ذلك يخرج بنا عن خطة البحث. ومن أراد الاطلاع على التفاصيل فيمكنه مراجعة ذلك في مصادر أخرى. ويكفي أن نرسم الخطوط العريضة لمسيرة الحركة في هذه المرحلة كي نخرج من ذلك بالعبرة والرؤية الصحيحة.

لقد وضع الإخوان أنفسهم في مواجهة مجموعتين من الأحزاب:

أ‌- الأحزاب التقليدية : الوفد، السعديون، الأحرار الدستوريون، الحزب الوطني.
ب‌- مصر الفتاة.

كما وضعوا أنفسهم في مواجهة القصر، والحكومة المصرية والوجود البريطاني الاستعماري. وفي هذه الفترة نشأت حركة " الضباط الأحرار" في الجيش المصري فكان الإخوان على صلة بنشأتها من بداية ألأمر. وفي هذه الفترة أيضا أنشأ الإخوان" النظام الخاص"، كما أشرنا قبل قليل ، الذي عرف فيما بعد، خاصة في مصطلح السلطة وأجهزة الإعلام، بالجهاز السري، وكان الهدف من إنشاء النظام أن يكون أداة عسكرية لمواجهة الاحتلال الإنجليزي والحركة الصهيونية في فلسطين، ولحماية الدعوة من بطش السلطة وربما – أيضا- ليكون أداة للتغيير عندما تحين ساعة التغيير، حسب تقدير قيادة الإخوان. وقد شهدت هذه المرحلة كذلك نشاطا إخوانيا متناميا لنصرة القضية الفلسطينية ومواجهة التحدي الصهيوني بلغت ذروتها في دخول كتائب المتطوعين الإخوان، وجلهم من أعضاء النظام الخاص، حرب فلسطين حيث ابلوا بلاء حسنا. وقد ظل الإخوان طوال هذه الفترة في الجانب الوطني من الصراع.

المرحلة الثالثة

وفي المرحلة الثالثة( 1948- 1952) تعرضت الحركة للحل، واغتيل مؤسسها وقائدها، وأخضعت لموجة طامة من الاضطهاد والتشريد والاعتقالات، وذلك نتيجة لانزلاق الإخوان إلى ممارسة العنف المسلح في العمل السياسي. وقد تفاقم الوضع المضطرب على أثر هزيمة الحكومة المصرية في حرب فلسطين وانفضاح عبثها وعدم جديتها. ومما ينبغي أن نلفت إليه الأنظار في مسيرة أحداث الحقبة الأولى من مسيرة الجماعة ( 1928- 1954) ، أن الحياة السياسية أثناءها لم تتسم بالدكتاتورية المطلقة، على الرغم مما ران عليها من فساد ومهاترات وطغيان.

لقد كانت هناك رموز وأشكال ديمقراطية، كانت هناك قشرة من الديمقراطية، وكانت المثل الديمقراطية موضع قداسة شكلية عند الشريحة العليم من المجتمع التي يأتي منها السياسيون ورجال الحكم. وقد ساعدت هذه الحال القوى الوطنية- بما فيها حركة الإخوان- على أن تجد طريقها للنهوض في أعقاب موجات القمع المحدودة. وحتى موجة المطاردة والاعتقالات التي تعرض لها الإخوان عام 1949م، والتي اتسمت بشيء من الاتساع والشمول بالمقارنة مع ما سبقها، لم تلبث أن انفرجت بمجرد أن سقطت حكومة حزب السعديين وجاءت حكومة غير حزبية. وقد نظمت تلك الحكومة الانتخابات العامة وأشرفت عليها سنة 1950 فجاءت الانتخابات بأغلبية وحكومة وفدية. ومع أن الوفد كان في خصومة مع الإخوان إلا أن الإخوان أيدوه في الانتخابات ، وكذلك فعل الشيوعيون، نكاية في حزب السعديين. وقد أراد الوفد – من ناحيته أن يتقرب إلى الإخوان ليستعين بهم ضد السعديين وغيرهم من مناوئيه.

ثم انطلقت الثورة المصرية التي فجرها تنظيم الضباط الأحرار سنة 1952م، وقد كانت حركة الضباط الأحرار على صلة وثيقة بالإخوان منذ نشأتها ومن حيث انتماء عدد من ضباطها إلى الإخوان المسلمين، ومن حيث تعاون الفريقين ، حتى لقد ساد الاعتقاد خلال السنة الأولى من عمر الثورة بأن الثورة إخوانية قلبا وقالبا.

المرحلة الرابعة

وبقيام الثورة في الثالث والعشرين من تموز ( يوليو) سنة 1952م بدأت المرحلة الرابعة من مسيرة الإخوان. وعلى الرغم مما بدا لعامة الناس، بل ولمعظم أعضاء حركة الإخوان، من أن الإخوان والثورة يد واحدة- وذلك خلال السنة الأولى من عمر الثورة على الأقل- فقد كانت عوامل التباعد والخصومة تتفاعل بعنف تحت قشرة الوفاق الرقيقة الخادعة.

ولم يأت عام 1954م حتى تحول الخلاف إلى صدام مباشر وعنفي جرى في العلن، وفتحت المعتقلات للإخوان من جديد ابتداء من شهر كانون الثاني ( يناير) 1954م. ثم أفرج عن زعماء الإخوان بعد ما يقرب من ثلاثة أشهر. وفي السادس والعشرين من تشرين الأول ( أكتوبر ) 1954م جاءت حادثة المنشية بالإسكندرية ، حيث أعلنت الحكومة أن الإخوان دبروا مؤامرة لاغتيال جمال عبد الناصر ، ومن هنا أخذت موجة القمع والمطاردة الحكومية شكلا بالغ العنف والشمول ، وانعدم أي أمل في الوفاق بين الجانبين، وبذلك بدأت مرحلة جديدة.

المرحلة الخامسة ( 1954- 1970)

لعل القارئ الكريم قد لاحظ أن ميدان الحراك في المرتحل الأربعة الأولى التي مر بها كان ضمن حدود أرض مصر، وأن القوى التي تحركت في الميدان، والقوى التي تواجهت وتنافست وتصارعت كانت قوى مصرية. أما في هذه المرحلة الخامسة فإن الأرض التي جرى عليها الحراك قد اتسعت ، وأن قوى أخرى ظهرت على الأرض وكانت لها أدوار مباشرة أو غير مباشرة، وتأثير بمقادير مختلفة. لقد شهدت ههذ المرحلة أدوارا وتحركات لبعض الدول الكبرى ومشروع بناء السد العالي ، وتأميم قناة السويس واندلاع الثورة الجزائرية ومساندة مصر لها، فضلا عن العدوان الثلاثي على مصر ( 1956- 1957) والانقلاب والحرب الأهلية في اليمن وتدخل السعودية والصراع الناصري السعودي وقيام الوحدة بين مصر وسورية وانفصامها، ودخول الاتحاد السوفيتي إلى الفضاء السياسي لعالمنا العربي، والعدوان الإسرائيلي في الخامس من حزيران، والأحداث التي شهدها الأردن سنة 1970، وحرب تشرين والانقلابات العسكرية المتكررة في سورية والعراق، وغير ذلك مما شهده عالمنا العربي، وكطل هذه الأحداث تقع خارج موضوع دراستنا على الرغم مما كان لها، أو لبعضها من التأثير المباشر أو غير المباشر في الأحداث التي نتناولها.

لقد شملت هذه المرحلة عهد رئاسة وحكم جمال عبد الناصر حتى وفاته في شهر أيلول ( سبتمبر) 1970. ومن غير أن ندخل في التفاصيل نكتفي بالقول بأن السمة الأولى التي ميزت هذه المرحلة أن حركة الإخوان لم تعد لاعبا رئيسا في ميدان السياسة المصرية، بل إنها لم يعد لها أي دور على الإطلاق. لقد قبعت معظم العناصر النشطة من الإخوان في المعتقلات والسجون، ومرت بمحنة قاسية تعرضت فيها لألوان هائلة ومسرفة من التعذيب.

أما الفريق الذي كان انشق عن قيادة المرشد الثاني، حسن الهضيبي رحمه الله، فقد احتضنهم جمال عبد الناصر، وترك لهم قدرا من الحرية، وأفسح لهم في الوظائف، فصار الشيخ محمد الغزالي ، والشيخ السيد سابق يرحمهما الله، كل منهما في منصب وكيل وزارة.

وبجانب ذلك، فإن بعض الشخصيات الإخوانية المهمة التي لن يعرف لها دور في الانشقاق الإخواني الذي نشا خلال وبعد اختيار وتنصيب المرشد العام حسن الهضيبي لقيت اهتماما خاصا من جمال عبد الناصر، وكان من أبرز هؤلاء الدكتور عبد العزيز كامل، الذي كان أستاذا في قسم الجغرافيا في جامعة القاهرة، فشغل منصب نائب رئيس الوزراء، كما شغل منصب وزير الأوقاف في فترة لاحقة. أما الدكتور أحمد كمال أبو المجد ، وهو أستاذ في القانون، فقد عين في منصب ملحق ثقافي في السفارة المصرية في واشنطن، ثم عين فيما بعد وزيرا للإعلام ، وفي مرة ثانية عين وزيرا للشباب. وقد كان كل منهما في مستوى عال من العلم والأهلية والحضور القوي على الصعيد العام، سواء في أجواء الإخوان، أو على الصعيد الوطني. ومن هذه المجموعة أيضا كان الشيخ أحمد حسن الباقوري رحمه الله، وقد صار وزيرا للأوقاف.

ومن ناحية أخرى فإن بعض شباب لإخوان لم ينقطعوا عن الاتصال بجمال عبد الناصر في فترة الانشقاقات وما بعدها، وهذا ما ذكره لي أحدهم- بعد عشرين سنة من تلك الأحداث، وقد صار أستاذا في كلية الطب- فقال : " لقد ظللنا حتى سنة 1957 نتردد على بيت جمال عبد الناصر وندخل من باب خلفي خاص لنلتقيه ، دون أية مشاكل من جانب الحراسة".

ويبدو أن جمال رحمه الله مال إلى التخفيف من حدة المواجهة تمهيدا لإنهائها، وذلك بعد أن ضعف الجانب الإخواني ولم يعد قادرا على الاستمرار في الصراع، وانسجاما مع هذا التوجه بدأ الإفراج عن أعداد من الإخوان أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، وكان سيد قطب على رأس المفرج عنهم. وفي هذه الفترة التي شهدت الانفراج، وعاد فيها سيد قطب إلى بيته حرا سعيت إلى الالتقاء به، وكنت من المعجبين به لسنوات طويلة، ولم يكن قد وصل إلى علمي ما كان قد طرأ على فكره من تغيير.

وقد ذهبت إلى بيته في شارع رستم باشا في حلوان، غير أن سيد لم يكن موجودا فاستقبلني الأستاذ محمد قطب، رحمه الله، وجلست معه بعض الوقت. ثم عدت في السنة التالية ( 1963 أو 1964) فلم أجده أيضا. واستقبلني ابن أخته، واسمه رفعت بكر الشافعي، وجلست معه قليلا، وأخبرني أن الأستاذ سيد ذهب إلى مصيف رأس البر. وقد ذهبت إلى مصيف رأس البر من غير أن يكون لدي عنوانه، على أمل أن ألتقيه، ولم أكن قد دخلت رأس البر من قبل، وبعد جولة على الشاطئ اقتنعت بتعذر الوصول غلى بغيتي، فعدت إلى القاهرة.

وكان ممن ذهب لزيارة سيد قطب بعد الإفراج عنه الأديب والروائي المشهور نجيب محفوظ رحمه الله. فقد ذكر ذلك الأستاذ محفوظ في مقال نشره في إحدى الصحف، فقال إنه كان يحفظ لسيد قطب أنه أول ناقد أدبي قدمه إلى القراء عندما لم يكن محفوظ قد وصل إلى مرحلة الشهرة، ولذا فقد ظل يشعر له بالامتنان منذئذ، - آنذاك- من مخاطر، من ناحية عدم رضا السلطة. وقد عبر محفوظ عن دهشته لما سمعه من سيد قطب، إذ بدأ يطرح عليه وصحبه نظريته التي أودعها في كتابه " معالم في الطريق" وكأنه يلقي عليهم درسا.

انتكاسة الانفراج وعودة إلى الصراع

غير أن هذا الانفراج الذي بعث الأمل في نفوس الكثيرين لم يلبث أن انتهى، واختفى معه الأمل، وحمل التطور الجديد موجة جديدة من الرعب والعنف. فقد أعلنت السلطة في مصر في بيان رسمي بثته وسائل الإعلام أن تنظيما إخوانيا بزعامة سيد قطب قد انهمك في إعداد العدة لمحاولة القيام بانقلاب وأخذ يجمع السلاح ويدرب المشاركين على استخدامه . وقد تم إفشال المحاولة، وألقي القبض على ذوي العلاقة، وضبطت الأسلحة وصودرت. وقد نفى المكتب التنفيذي لقيادة الإخوان في البلاد العربية- وكان مقره في بيروت- نفى ما جاء في البيان الرسمي المصري ، وكان مما جاء في البيان الذي أصدره المكتب:

" إن الإخوان المسلمين في البلاد العربية والإسلامية ينظرون بكثير من الأسف غلى الاعتقالات التي جرت في الجمهورية العربية المتحدة وشملت عددا من الإخوان المسلمين، في الوقت الذي يحتاج فيه العرب والمسلمون إلى رص صفوفهم، وحشد جهودهم لمواجهة الاستعمار..

" والإخوان المسلمون، بما توفر لديهم من معلومات يؤكدون أن الإخوان المسلمين في مصر لا علاقة لهم البتة بأية مؤامرة أو سلاح مختزن، ولسوف يكشف عن ذلك بصورة قاطعة أي تحقيق نزيه عادل".

والحقيقة أن هذا البيان الإخواني كان مجرد رد سياسي لم يكن هدفه الإعلان عما جرى بالفعل. لقد كنت- في تلك الفترة- متفرغا للعمل للمكتب التنفيذي، كما كانت لي علاقة بالاجتماع لذي صدر عنه القرار، ومن جانب آخر فإن أخا لبنانيا قياديا كان أيضا قريبا من الاجتماع، وفي حديث ثنائي بينه وبيني لم يتردد أن يسخر من النفي الذي ورد في بيان المكتب التنفيذي، وكان مما قاله لي: إنه زار مصر قبيل الأحداث موضوع البحث، وذهب إلى الإسكندرية، وأخذه بعض الإخوان المصريين إلى الشقة التي ذكر البيان الحكومي أن التدريب كان يجري فيها وضبط فيها شيء من السلاح، وقد شاهد الأخ المذكور التدريب والسلاح بنفسه. ويبدو لي أن سيد قطب لم يكن له دور عملي في إنشاء التنظيم أكثر من الفكرة " النظرية" التي أودعها في كتابه " معالم في الطريق" والذين شكلوا التنظيم كانوا- على ما يبدو- شبابا أغرارا متحمسين محدودي الفكر والخبرة.

ولما وجدوا أنفسهم عاجزين عن توجيه وتحريك التنظيم الذي أنشئوه ، لجئوا إلى صاحب النظرية. والذي أرجحه أن سيد قطب لم تكن لديه خبرة ولا معرفة، ولا قدرة جسدية في سنه وصحته. بعد سنوات السجن والعذاب الطويلة. ومن المرجح أنه وقع في حرج شديد أن يتهرب من المشاركة فيما دعا إليه ونظر له بلغة قوية عاطفية شديدة الحماسة. وهكذا دفع ثمنا مضاعفا ومبالغا فيه، لما صاغه ونشره من فكر.وشملت موجة الاعتقالات والتنكيل كل من عرف له أدنى نشاط إخواني، وهكذا بدت ساحات العمل الإسلامي خاوية فارغة. ولم تمض هذه الفترة الحالكة في امتدادها أكثر من سنوات خمس حتى توفي جمال عبد الناصر في شهر أيلول ( سبتمبر) 1970م، رحمهم الله جميعا.

ودعونا ننظر فيما كتبه الأستاذ فريد عبد الخالق- وهو من كبار وقدماء قادة الإخوان ومن تلاميذ حسن البنا المباشرين- عن تنظيم 1965 ، باختصار شديد:

بدأت نواة التنظيم أوائل الستينات بقيام عدد قليل من الإخوان الذين كانوا اعتقلوا في فترات سابقة بالتجمع في أسر، وقد اتل بعضهم بالأستاذ المرشد حسن الهضيبي مستأذنين بغرض دراسة القرآن الكريم وغير ذلك من مواد التربية الإسلامية. وقد أذن لهم المرشد بذلك في الحدود التي عيونها وقت استئذانهم. ومع الزمن تزايدت أعدادهم وكونوا قيادة منهم على رأسها الشيخ عبد الفتاح إسماعيل، ثم امتدت اتصالاتهم لتطال بعض الإخوان في السجون وخارجها. وأحس بعض الإخوان بوجود ذلك التنظيم بعد عامين، وتبين أنه قد يكون متجها لاستخدام القوة.

واتصل بمسئولي التنظيم من نبههم إلى خطورة تحركاتهم ومن خطورة وجود أي تنظيم، حتى من غير أية توجهات عنيفة، بيد ممثلي التنظيم لم يفصحوا عن حقيقة ما يتجهون إليه. وبعد ذلك اتصلوا بسيد قطب على اثر الإفراج عنه، وأخبروه بأنهم تأثروا بكتاباته وطلبوا منه أن يتولى قيادتهم، فقبل ذلك، واستمر سنتين إلى أن ألقي القبض عليه. وقد اعتقل عشرات الآلاف من الإخوان رجالا ونساء، وأعدم سيد قطب وعبد الفتاح إسماعيل، ومات عدد غيرهم تحت التعذيب . وظل الحال كذلك إلى ما بعد وفاة جمال عبد الناصر أواخر سنة 1970.

المرحلة السادسة( 1971- 2020)

وجاء عهد أنور السادات( 1970- 1981) حيث شهدت الأشهر الأولى صراعه مع ما سمي بمراكز القوى من بقايا النظام الناصري ، وكان على رأس تلك الفئات السيد علي صبري، وشعراوي جمعة، وسامي شرف. وقد نجح السادات في التخلص من مراكز القوى الظاهرة. وفى إطار صراعه مع هذه القوى رأى أن بإمكانه الاستفادة من القوى الإسلامية. ومن هنا بدأ يفرج عن الإخوان القابعين في السجون والمعتقلات، سواء بغرض الحصول على تأييدهم . ضد اليساريين والناصريين ، أو لتيقنه من أنهم، أو أن كثيرين منهم تعرضوا للظلم والعقوبات المسرفة. فماذا كان رد الفعل من جانب الإخوان على هذا التوجه من جانب خليفة عبد الناصر ؟

لقد كنت في تلك الفترة في الكويت، أعمل متفرغا لشئون المكتب الإقليمي الذي ضم ممثلين لمختلف التنظيمات الإخوانية بما فيه تنظيم الإخوان الكويتيين ، وبعض تنظيمات الإخوان من غير الكويتيين من العاملين الوافدين المقيمين ، خاصة من المصريين والفلسطينيين بجانب ممثل للاتحاد العالمي للطلبة المسلمين. وأزعم أنني أدركت أهمية هذه اللحظة التاريخية الفارقة بين عهدين ، عهد ولي وانقضى ، وعهد ينتظر من يبنيه ومن يتقدم ليشارك في بنائه. وقد سبق لي أن كتبت وصفا لتصرفاتي آنذاك في كتاب تأخر نشره لفترة بعد الحدث، غير أن كتابته كان قريبة ومفعمة بتلك الأجواء. وكان مما قلته:

" أما د الفعل بالنسبة لي فلم يغرق في العاطفة والانفعال، ولم يصبه شئ من البطء أو التواني، فبمجرد سماعي النبأ أدركت ضخامة الآثار التي سيتركها الحدث، وبدأت أعد بذلك مذكرة موجزة ركزت فيها على بضعة أفكار أساسية من غير إسهاب في التحليل والاستقصاء، مؤجلا ذلك إلى دراسة لاحق. وقد استغرقت هذه المذكرة صفحتين ، أو ثلاثا. وفي صبيحة اليوم التالي كنت أجري اتصالات من أجل عقد اجتماع غير عادي للجنة الإقليمية لبحث الموقف الجديد. وقد بدا موقفي أمام تحفظ الآخرين وكأنه مندفع أو متعجل، بيد أن اللقاء قد تم، حيث وزعت نسخا من المذكرة على المشاركين".

وكانت خلاصة ما ذكرته:

أولا: أن النظام الناصري كان قد بدأ انهياره منذ هزيمة الخامس من حزيران 1967،

ثانيا: أن عملية الانهيار تواصلت بعد ذلك من خلال الصراع من أجل تحميل مسئولية الهزيمة بين الأشخاص والقوى المكونة للنظام، وبانتحار عبد الحكيم عامر أو اغتياله بلغ الصراع ذروته،

ثالثا: وبموت جمال عبد الناصر وصعود السادات لمنصب الرئاسة انتهى النظام الناصري ودخلت مرحلة تأسيس وبناء نظام جديد,

رابعا: إن الموقف الراهن يتطلب أن يكون للإخوان المصريين حضور ملموس وفاعل في مرحلة البناء.

خامسا: لقد مضت على الإخوان المصريين القياديين أو القادرين الذين غادروا بلدهم مرغمين فترة طويلة ( بعضهم منذ 1954 وبعضهم من 1965 ) وهم يصرخون من خارج الأسوار التي فرضها النظام المنهار، وقد آن الأوان للعودة والتحرك من الداخل، والمشاركة في تشييد البناء الجديد.. الخ.

وكان رد الفعل الفوري بالسخرية والتندر من جانب البعض الذين أصروا على أن النظام هو نفسه برأس جديد. أما ممثل التنظيم المصري فقد قال أنه سيذهب إلى مصر لاستطلاع الوضع، على أن يعود بعد أسبوع. وعاد الدكتور سالم ليشارك في الاجتماع التالي، حيث بدأ يعرض تقريرا بتوقعات لا تخلو من الإيجابية والأمل والثقة، فانطلق صوت السيد عبد الله العقيل بصيحة استنكار لا تخلو من الإهانة والاستعلاء، فتوقف الدكتور سالم عن مواصلة الحديث، فعاد أبو مصطفى ليقول: طيب أكمل أكمل ، فأبى قائلا:" أنا ما كملت جملة حتى هبيت في" فانطلقت صيحة أخرى: أنا مو كلب حتى أهب فيك . هذا مع أن كلمة " هب" كلمة فصيحة وتستخدم في سياق إيجابي، عندما نقول: هب لمساعدته، لنجدته، للقائه والترحيب به، هب لمواجهة العدو ... " وانتهت الجلسة، وانسحب الدكتور سالم نجم من اللجنة، وقد علمت فيما بعد أنه ترك الكويت وعاد إلى مصر ليعمل أستاذا في كلية الطب بجامعة الأزهر وقد حل محله في اللجنة الدكتور محمد طلبة زايد.

أما في مصر فقد مرت سنوات تخللتها حرب " أكتوبر 1974" وبعدها زيارة السادات للقدس وما تلا ذلك من معاهدة كامب ديفيد، فساءت علاقة الإخوان بنظام السادات، وفتحت لهم السجون مجددا بسبب معارضتهم للمعاهدة وانتقاداتهم للسادات، بيد أن المحنة لم تصل في عنفها واتساعها إلى ما كان يحدث في العهد الناصري.

حركة إسلامية جديدة 1971- 1984

وعدا عن الإخوان المسلمين المضطهدين الذين كانوا مغيبين في السجون والمعتقلات ظهرت على الساحة في هذه الفترة قوى إسلامية جديدة، شابة ونشطة، بل شديدة النشاط والحماسة، وكان ظهورها مفاجئأ، بعد انفلات القبضة الحديدية، الأمنية والثقافية المتمثلة في نظام جمال عبد الناصر وأنصاره من الماركسيين واليساريين والعلمانيين. وقد نبتت البذرة الأولى للحركة الإسلامية الجديدة من نخاع الشعب المصري المتدين بفطرته الجديدة من نخاع الشعب المصري المتدين ، فظهرت في السنوات الأولى من عهد السادات، وأخذت تنمو وتتمدد، من غير أن تتعرض لها الأجهزة الأمنية، وذلك انسجاما مع سياسة السادات الجديدة. ويحدثنا الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح عن ولادة هذه الجماعة وتطورها بعد تغييب الإخوان المسلمين منذ سنة 1965 وامتدادا لما بعدها. ويبدو من روايته أنه صاحب هذه الحركة منذ ولادتها، بل إنه كان جزءا منها، وفي إطارها كانت ولادته السياسية والحركية .

ولد أبو الفتوح في منتصف أكتوبر 1951 في أسرة متدينة، وفي سنة 1970 التحق بالجامعة، وكانت رغبة والده أن يصبح طبيبا، فالتحق بكلية طب القصر العيني في جامعة القاهرة ، حيث حصل على مجموع عال في امتحان الثانوية. , " كنت أصلي مع زميل لي من المنيا اسمه عبد الشافي صاوي، على حصيرة متهالكة.. وكان دائما يتساءل : لماذا لا يأتي أحد للصلاة" معنا؟ كان ذلك في السنة الإعدادية طب، ضمن كلية العلوم. فلما ترفع إلى السنة الأولى طب وانتقل إلى كلية طب القصر العيني وجد أن مسجد الكلية يمتلئ ولكن من غير نشاط إسلامي. أما النشاط الذي كان شائعا ومتسيدا فهو نشاط الشيوعيين والناصريين المسيطرين على اتحادات الطلاب وعلى النشاط الثقافي، بما فيه مجلات الحائط، وكانوا يسبون الإسلام فيما يكتبونه فيها، ذلك ما أثار المتدينين ، ومنهم أبو الفتوح وزملاءه.

ولما اكتشفوا عجزهم وضعفهم، حتى في الحوار والمناقشة اتجهوا يسألون العلماء، ومنهم الشيخ محمد الغزالي والشيخ السيد سابق والشيخ محمد أبو زهرة وغيرهم. ثم اكتشفوا وجود أستاذ الباثولوجي في كلية الطب، الدكتور محمد عبد المنعم أبو الفضل، وكان إخوانيا ومتصوفا، ويعتبره الدكتور أبو الفتوح الأب الروحي للحركة الوليدة . وقد أسس الدكتور أبو الفضل لجنة التوعية الدينية ، فاتخذها الطلاب الإسلاميون مسربا بنشاطهم لكنهم فوجئوا بأنها تخضع لاتحاد الطلبة وتسلط اليساريين، ولذلك قرر الإسلاميون أن يستقلوا باللجنة، وغيروا اسمها إلى الجمعية الدينية، وبعد ذلك غيروا اسمها إلى " الجماعة الإسلامية" متأثرين باسم الجماعة الإسلامية في باكستان.

ومن غير إطالة وتتبع للتفاصيل وجد الطلاب الإسلاميون أن عليهم أن يتجهوا للسيطرة على اتحادات الطلبة من خلال الانتخابات، وتم لهم ذلك، وكانت آثار هزيمة 1967 وتحول توجهات وعواطف الشعب المصري ضد الناصريين واليساريين عاملا مساعدا وقويا. وقد ذهب الدكتور أبو الفتوح إلى القول بأن " الجماعة الإسلامية" التي ولدت في أحضان الجامعات المصرية يعز أن نجد لها مثيلا في تاريخ العمل الإسلامي والطلابي، وخاصة في مصر. لقد كانت هذه الجماعة تجربة فريدة في العلاقات الإنسانية والأخوية بين أبنائها، وكانت مثالا نادرا للتجرد والإخلاص، والرغبة الصادقة في العمل لنصرة دين الله، ولأجل الوطن.

ولا أبالغ إذا قلت ( والكلام للدكتور أبو الفتوح) : إن جيل السبعينات كان الأقوى والأكثر نضجا وتأثيرا بين كل أجيال الحركة الطلابية الإسلامية، ساعد على ذلك ظروف البلاد وأجواء الحرية التي عاشتها في عصر السادات، كما ساعد على ذلك أننا بدأنا من ى شئ، ولم ندرك مرحلة الإخوان السابقة علينا في الخمسينات ، وما أصابها من صراعات وخلافات.. لقد كنا نعيش فترة البراءة والفطرة النقية.. " كان هذا وصف الدكتور أبو الفتوح للحركة التي نشأ بها وفيها ومعها وقادها، ثم خلفه في قيادتها بعد تخرجه من الجامعة الدكتور عصام العريان الذي كان ضمن الدفعة التالية لدفعته. والحقيقة أنني ملت – في البداية- إلى شئ من التحفظ على وصف الدكتور أبو الفتوح، ولكنني عدت بذاكرتي أتتبع تطور حركة الدعوة منذ أنشأها حسن البنا رحمه الله سنة 1928، فوجدت أن الدكتور أبو الفتوح لم يبالغ.

الإخوان يتجهون إلى حصر نشاطهم في الإطار السلمي

وربما يبدو للباحث المتابع أن الإخوان أخذوا يتجهون- خلال هذه المرحلة الساداتية وما بعدها- إلى الاندماج في الحياة السياسية والابتعاد عن ممارسة العنف وعن استخدام السلاح في ميدان التنافس السياسي. ويمكن الاستدلال على ذلك من أنهم لم يعودوا لاستخدام ولم مارسوا العنف منذ بداية عهد السادات إلى الآن( 1971- 2008) وهذه الفترة تقرب من أربعين سنة، أي نصف عمر الحركة الإخوانية. وبدلا من العنف فقد حاولوا الانخراط في العمل السياسي السلمي، واستئناف أنشطتهم في حقل الخدمات الاجتماعية والعمل الخيري والتربوي. هذا بينما انغمست " الجماعات الإسلامية" المنشقة عن الإخوان ، سنوات طويلة في الصراع المسلح مع السلطات الحاكمة إلى أن استنفدت تلك الجماعات قواها وبلغت حد الإنهاك والعجز الكامل.

والحقيقة أننا نجد تأكيدا لحدوث هذا التغير فيما كتبه الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح : " كانت الفكرة المسيطرة على مجموعتنا نحن ألا نستخدم العنف وإنما نعد أنفسنا لاستخدامه حين تقوى شوكتنا ونصبح قادرين على القضاء على هذا النظام الممسك بالحكم، ولكن الفرق بيننا وبين من مارسوا العنف وأطلقوا على أنفسهم اسم " جماعة الجهاد" ، أنهم تعجلوا الأمور ونفذوا ما اعتقدوه بسرعة ودون حسابات دقيقة . وقد ظلت هذه الفكرة مسيطرة علينا حتى أواخر السبعينات، حتى بعد دخولنا جماعة الإخوان المسلمين ، إلا أننا بدأنا نراجعها تدريجيا.

وكان للأستاذ عمر التلمساني( المرشد العام للإخوان المسلمين) رحمه الله، الدور الرئيسي في حسم مسألة العنف، وتأكيد التوجه السلمي ، ليس لدينا فقط – نحن أبناء الجماعة الإسلامية التي قررت الانضواء تحت لواء الإخوان المسلمين، بل ولدى كثير من الإخوان المسلمين أيضا من أجيال سابقة علينا، خاصة أبناء تنظيم 1965 الذي عرف بتنظيم سيد قطب . " انتهى كرم الدكتور أبو الفتوح.

ولكن هنا لابد أن يبرز سؤال: وماذا عن جماعة النظام الخاص الذين سيطروا على قيادة الإخوان؟ والجواب الذي أراه: أنهم قد تعلموا درسا من أحداث ثورة 25 يناير 2011، بل تعلموا دروسا وما زالوا يتعلمون، والممارسة أقوى أدوات تعلم الديمقراطية، سواء للأحزاب والجماعات أو للشعوب أو للأفراد. ونأمل أن يكون قرار الإخوان ممارسة العمل السياسي من خلال النشاط السلمي، والجهاد السلمي المخلص نهائيا لا رجعة عنه.

الفصل الثالث

المسار التنظيمي للإخوان المسلمين

لسنا نقصد بالحديث عن المسار التنظيمي أن نتناول بالوصف والدراسة والتحليل التفصيلي الهياكل التنظيمية التي صاغتها قيادة الإخوان المسلمين، وإنما الذي نقصده هو أن نتفحص مدى فاعلية هذه الأطر التنظيمية ، ومدى ضبطها للمسيرة في جانبها الحركي، أي من حيث القدرة على التعامل مع كل الظروف الداخلية في إطار الحركة، والظروف الخارجية المحيطة بالجماعة تعاملا مثمرا. وسنكتفي بإعطاء فكرة عامة وموجزة عن الهياكل التنظيمية باعتبار أنها شرحت بالتفصيل في مصادر أخرى وتضمنها النظام الأساسي واللائحة الداخلية للإخوان في رسالتين طبعتا ووزعتا على نطاق واسع خلال سنوات عديدة.

وسنتعرض في هذا الموجز لأربعة جوانب رئيسية من مسيرة الإخوان التنظيمية تشمل أهم ما في المسار:

1- الأطر القيادية.

2- التقسيم الجغرافي لتحرك الإخوان.

3- التقسيم النوعي للأنشطة.

4- مراتب العضوية.

أولا: الأطر القيادية وتسلسلها

كان المرشد العام هو رأس النظام في حركة الإخوان ، يرأس مكتب الإرشاد المكون من عشرة أعضاء بالإضافة إليه. وقد ذكر حسن البنا أن مكتب الإرشاد " هو السلطة العليا للإخوان المسلمين في سائر لأرض". أما الإطار الأوسع من مكتب الإرشاد فهو الهيئة التأسيسية ، وكانت تتكون من مائة عضو، ويفترض فيها أن تجتمع مرة في العام . وكان لكل منطقة مكتب إداري، لكل محافظة من محافظات الدولة، ولكل شعبة نائب ومجلس إداري. وفي داخل الشعبة قسم الإخوان إلى أسر على رأس كل أسرة نقيب.

وكان عدد أعضاء الأسرة خمسة أفراد في الغالب ويمكن أن يوضح هذا الإطار التنظيمي في اللوحة المبينة:

المرشد العام

مكتب الإرشاد

الهيئة التأسيسية

المكاتب الإدارية

إدارات الشعب

النقباء

الأسر

الأفراد

ثانيا : التقسيم الجغرافي

اتبع الإخوان التقسيم الإداري الحكومي لأراضي الدولة المصرية إلى مديريات ، فجعلوا لكل مديرية " مكتبا إداريا" يصرف نشاط الدعوة فيها، له رئيس، ويضم أعضاء إدارة الشعبة الرئيسية في عاصمة تلك المديرية، كما يضم نواب الشعب التابعة لها. وكان لمدينة القاهرة مكتب إداري ، أي أن القاهرة عوملت كمديرية ، بجانب وجود المركز العام فيها.

ثالثا: التقسيم النوعي للأنشطة

أنشأ الإخوان عددا من الأقسام واللجان التي أنيط بكل منها الإشراف على لون من ألوان النشاط الذي مارسته الجماعة. وأهم الأقسام ما يلي:

1- قسم العمال

2- قسم الطلاب

3- قسم الكتائب والأسر.

4- قسم الجوالة.

5- قسم نشر الدعوة.

6- قسم الأخوات المسلمات.

7- قسم الوحدات.

8- قسم الخدمة الاجتماعية.

9- قسم الاتصال بالعالم الإسلامي.

10- النظام الخاص.

رابعا: مراتب العضوية

حدد الإمام الشهيد حسن البنا مراتب العضوية في أربع درجات:

(أ‌) الانضمام العام.

(ب) الانضمام الأخوي.

(ج‌) الانضمام العملي.

(د‌) الانضمام الجهادي.

ويبدو لي – من خلال خبرتي العملية بأوضاع الإخوان- أن مراتب العضوية لم تكن قانونا أو عرفا مستمرا إلتزمه الإخوان، على الرغم من أن مرشد الإخوان الأول هو الذي أورد ذكرها. وربما تكون قد روعيت في فترة محدودة من الزمن ثم أهملت في سياق درجات متفاوتة من التراخي. والحقيقة أن بعض الجوانب التنظيمية وبعض الأطر التي عددنا اتسمت بوضع شكلي لا يؤخذ مأخذ الجد في وقت الأزمات، بما في ذلك مكتب الإرشاد والهيئة التأسيسية .

فبالرغم من قول الإمام البنا عن مكتب الإرشاد بأنه " هو السلطة العليا للإخوان المسلمين في سائر بقاع الأرض.." وقول الأستاذ محمود عبد الحليم عن الهيئة التأسيسية بـأنها " الهيئة العليا للدعوة، يناط بها رسم الخطوط الرئيسية لسياسة الدعوة، ويرجع إليها في كل ما يمس هذه السياسة أو ما يجد من أمور خطيرة أو ما يستدعي تعديلا في هذه السياسة أو ما يتصل بكيان الدعوة من قوانين أو إجراءات أو تصرفات.."، بالرغم من كل هذه الأقوال، فإن هاتين الوحدتين لو تقوما بشيء مما نسب لهما من مهمات أساسية ، بل كان الطابع الفردي هو الغالب على تسيير أمور الدعوة كما سنرى. أما التقسيم الجغرافي والتقسيم النوعي للأنشطة فلا مراء في أنها كانت تقسيمات مفيدة من الناحية العملية إلى حد كبير. بيد أن النظام الخاص -السري ـ الذي لم يرد ذكره بين التقسيم النوعي للأنشطة في كتب الإخوان طغى على هذه التقسيمات جميعا، وقزم أدوار كل الوحدات التنظيمية.فكان فيه وفي طغيان الطابع الفردي في القيادة بعض أو جل مقاتل الحركة الإخوانية.

أمثلة من الثغرات القيادية

ولنستعرض الآن بعض الأمثلة العملية من مسار الإخوان التنظيمي لنستكشف من خلالها الملامح العامة التي ميزت الحركة. وستتضح الصورة للقارئ أكثر فأكثر حين يعود إلى الكتب التي أرخت لحركة الإخوان بأقلامهم والتي عددناها بين مراجع هذا البحث.

إن أول ما يلاحظه الباحث في ذلك حرص الإخوان على الانتشار السريع. فبالرغم من أن حسن البنا قد نوه بفضل التأني في التربية والعناية بالتكوين والتدرج إلا أن حرصه على الانتشار السريع حمله على إهمال ذلك المنهاج، أعني التأني في التربية والعناية بالتكوين والتدرج. ومن الملفت للنظر أن يعد جسن البنا خصائص الدعوة فيذكر من بينها:" سرعة الانتشار في القرى والبلاد.." وكأنه يحض عليها ويفخر بها.

وثمة سمة بارزة أخرى في نهج الإخوان التنظيمي تمثلت في حرصهم على ضم الشخصيات ذات الأهمية الكبيرة في المجتمع والتسرع في وضعها في مراكز قيادية وتوجيهية، وذلك على الرغم من تنويه الأستاذ البنا رحمه الله بضرورة " البعد عن هيمنة الكبراء والأعيان" وقد بدا هذا الحرص واضحا في تصرف المرشد البنا نفسه واعتقاده بإمكان كسب الملك فاروق نفسه إلى صف أنصار الدعوة، بل ولقد اقتنع هو وإخوانه بأنه كسبه فعلا. وفي هذا الإطار أيضا كان سعيه للاتصال برئيس الوزراء محمد محمود باشا، وبرئيس الوزراء إسماعيل صدقي باشا من بعده. ويبدو لي أن هذا الحرص على الانتشار السريع والانهماك وبذل الجهد من أجل تحقيقه إنما نشأ عن إحساس الإمام البنا بأنه مقبل على معارك لا تحتمل التأجيل بهدف تحرير مصر من الاستعمار البريطاني من ناحية، وإنهاء العبث والفساد السياسي الذي غلب على ممارسات الأحزاب والشخصيات السياسية المصرية ، غير أن التسرع وحسن النية قاداه بعيدا عن الجادة الصحيحة.

من المعروف أن انتشار الحركة في سنيها الأولى ظل محصورا في الإسماعيلية ومحيطها خاصة، وفي الوجه البحري بصفة عامة، واستمر ذلك إلى ما بعد انتقال المرشد الأول للعمل في القاهرة ( سنة 1932م) ببضع سنوات. ومن الطبيعي أن يكون المؤسس هو القيادة – في مرحلة الطفولة، شأنه شأن الزوج والوالد في العائلة الناشئة عن زواج جديد. وقد كان الأمر كذلك. وقبيل انتقال الأستاذ البنا من الإسماعيلية إلى القاهرة كان إخوانه يتوقعون ذلك ويخشون حدوثه، باعتبار أن المرشد كان موظفا ، يعمل مدرسا في وزارة المعارف العمومية.

ويحدثنا الأستاذ المرشد عن الهواجس التي راودت الإخوان بقوله:" وكان الإخوان يخشون انتقالي من الإسماعيلية قبل أن أقيم لهم من بينهم من ينهض بأعباء الدعوة، فعرضوا على التفكير جديا في هذا الأمر حتى لا نفاجأ بالانتقال، ونؤخذ على حين غرة. ورأيت الفكرة وجيهة فشغلتني حينا، وأخيرا رشحت لهذه المهمة أحدهم، وهو الأخ الشيخ على الجداوي، وهو من أفضل الإخوان خلقا ودينا، وعلى قدر مناسب من العلم والمعرفة.. ودعوت إلى اجتماع شامل، وعرضت على الإخوان فكرة إخوانهم من ترشيح نائب للإخوان يقوم بالعبء بإشراف قبل أن نفاجأ بنقل أو نحوه، فرحبوا جميعا، وعرضت عليهم ترشيحي ، فوافقوا عليه بالإجماع..".

ودلالة ههذ الحادثة واضحة.. فهي تبين لنا شخصية القيادة، فقد كانت الحركة- في ذلك الوقت المبكر ، بعد أربع سنوات من تأسيسها- تضم عددا من العلماء الأزهريين وغيرهم ممن تلقوا تعليما في الجامعة المصرية، ومع ذلك فقد كان شعورهم أن القيادة مركزة في شخص المؤسس . وليس غريبا أن يكون الوضع على هذا النحو في تلك المرحلة من عمر الدعوة، وقد استمر هذا النهج رغم حرص المرشد العام على استشارة إخوانه سواء بطريقة عفوية أو بطريقة تنظيمية. فقد دعا إلى اجتماع عام يشارك فيه " حضرات نواب فروع الإخوان المسلمين بالقطر المصري.. يعقد المؤتمر بمدينة الإسماعيلية يوم الخميس " 22 سفر سنة 1352هـ ( 19 يونيو 1933م) وسمي ذلك المؤتمر " اجتماع مجلس الشورى العام" . وبناء على قرارات ذلك المجلس تم تشكيل مكتب الإرشاد الذي ضم عشرة أعضاء بالإضافة إلى المرشد العام.

طريقة فتح الشعب

ولقد كان فتح الشعب وضم الناس إلى الدعوة يتم بطريقة عفوية وكأن الهدف هو ضم أكبر عدد ممكن من الأفراد، دون اعتبار لما قد يحدثه بعضهم من مشاكل وهزات تهدد كيان الحركة، ودون اعتبار لأن اللبنات الضعيفة قد تذوي وتنهار في أحرج الظروف ، مهددة البناء كله. ولنستمع إلى الإمام الشهيد يحدثنا عن طريقة تأسيس إحدى شعب الإخوان:" .. وبجوار الإسماعيلية وبعد المعسكر( معسكر الجيش البريطاني) تقع أبو صوير المحطة، وتبعد عن الإسماعيلية نحو خمسة عشر كيلو مترا، وفيها يقطن كثير من العمال الذين يعملون في معسكرات أبي صوير ومدرسة الطيران، ومعهم عدد من التجار والمزارعين.

زرت أبو صوير وبدا لي أن أنشئ فيها فرعا للجمعية بالإسماعيلية، فأخذت أتفرس في وجوه الناي في القهاوي وفي الطرقات والحوانيت حتى رأيت دكان الشيخ محمد العجرودي رحمه الله. وكان رجلا وقورا مهيبا سمحا فيه صلاح وله منطق ولسان، فسلمت عليه وجلست إليه وإلى من معه في الدكان، وقدمت إليه نفسي والغرض الذي من أجله زرت أبو صوير وأنني توسمت فيه الخير ليحمل أعباء هذه الدعوة، وأخذت في حديثي ألفت نظره ونظر الجالسين إلى نقط أساسية: إلى سمو مقاصد الإسلام وعلو أحكامه وإلى ما في المجتمع من فساد وشر وسوء مالي، وأن ذلك ناتج عن تركنا وإهمالنا لأحكام الإسلام.. وكان الرجل من معه يصغون باهتمام، ولكنهم لم يفقهوا بادئ ذي بدء إلا أنها دعوة خيرية أو استدراج إلى سماع درس ألقيته عليهم وأبى لطفه إلا أن يدعوني إلى الغداء ويحضر لي القهوة، فاعتذرت عن الغداء وأردت الانصراف، ولكنه شدد وأشار علي في أن القي درسا في المسجد في مصلى البحر.. فاخترت أن القي الدرس في القهوة..".

" وبعد زيارات متتالية اجتمعنا في منزل أحمد أفندي دسوقي وقررنا إنشاء شعبة الإخوان المسلمين في أبو صوير.. ولأنني لست مقيما بالبلد، ولأن أحمد أفدي دسوقي – وهو الذي اختير رئيسا للشعبة- ليس عالما، وهو كذلك مشغول بالتجارة لم يستطع أن يصمد للمنافسات والخصومات والأقاويل المختلفة، فكان يدع الأمور بدون علاج فتنحل الجماعة أو تكاد، وإنما تتجمع حين أعود إلى زيارتهم مرة أخرى.." وقد اهتدى البنا بعد ذلك إلى شخص أقدر على قيادة الدعوة وهو ناظر المدرسة، فنجحت الدعوة. ويتحدث الأستاذ البنا عن المتاعب التي كان يلقاها من بعض من يسند إليهم بعض المسئوليات، فيذكر أن اثنين من هؤلاء جاءاه ليحدثاه" بخصوص نظام مجلس الإدارة. إن هؤلاء الناس لم يفهموا بعد دعوة الإخوان المسلمين، وقليلون هم أولئك الذين يستطيعون النهوض بأعباء إدارتها وتنفيذ منهجها الواسع.. إن الكثيرين لا يفهمون من مجلس الإدارة إلا كلمة العضوية، فعم يتنافسون على حيازتها، وتقع بينهم العداوة والبغضاء".

طريقة اختيار القياديين لتحمل المسئولية

وحتى بعد انتقال المرشد العام إلى القاهرة وتحول مركز الثقل في حركة الإخوان إلى العاصمة ظل اختيار الأشخاص الذين توكل إليهم المهمات والمسئوليات يتم بطريقة متسرعة هي أقرب إلى العشوائية، والإسراف في التفاؤل وحسن الظن بالأشخاص، دون اختيار. ومن أمثلة ذلك أن مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية التي أصدرها الإخوان في 28 صفر سنة 1352هـ ( 22 حزيران / يونيو 1933م) والتي اعتبرت آنذاك من أعظم وسائل نشر الدعوة، واستلزم الإعداد لصدورها جهدا كبيرا ، ما لبث أن ضاعت من الإخوان بعد فترة قصيرة، إذ " تسلل إلى التحرير أحد الذين يجيدون السبك والخديعة.. فأراد أن يتخذ من جريدة الإخوان الأسبوعية.. سبيلا إلى مآربه، ولكن الدعوة .. نفته وأقصته إقصاء لا رجعة بعده، ولكنها – في سبيل هذا الإقصاء – فقدت ترخيص هذه الجريدة معه.." إذ أن الترخيص كان باسمه، وقد سماها بعد ذلك باسم آخر.

" واستصدر الإخوان بعد ذلك رخصة أخرى باسم مجلة النذير ( سياسية أسبوعية) ، وصدر العدد الأول منها بتاريخ الاثنين 29 من ربيع الأول 1357هـ ، ويوافق مايو سنة 1938م " ولكن لم تكد تمضي سنتان على صدور المجلة الجديدة حتى ضاعت هي الأخرى مثل سابقتها، حيث " انفصل صاحبها الأستاذ محمود أبو زيد عن الإخوان، وبعد ذلك صارت تنطق باسم شباب سيدنا محمد".

ويمكن أن يستنتج الباحث من هذين المثالين ما ترتب على عدم تميز دعوة الإخوان بفكر إسلامي خاص، حيث اكتفت بطرح شعارات عامة وتجنب كل ما يمكن أن يثير الخلاف، فقد كان كل من يعلن ولاءه للإسلام ، أو من يبدو عليه ذلك، ويظهر استعدادا للعمل تحت راية الجماعة يستقبل بترحاب، ويفتح له الباب على مصراعيه للانخراط في الحركة، وتناط به المسئوليات ويعطى السلطات الكبرى داخل الجماعة بتسرع ظاهر، سيما إن أبدى شيئا من النشاط منذ البداية، أو شيئا من معسول الكلام ، أو كانت لشخصيته بعض الأهمية الحقيقية أو الشكلية .

وكيل الجماعة ( المسئول الثاني بعد المرشد)

السيد أحمد السكري، كان عضوا قديما في جماعة الإخوان، منذ سنيها الخمس الأولى، وكان رئيسا لشعبة المحمودية في مديرية البحيرة. ولم يكن المرشد العام حسن البنا راض عن أسلوب أحمد السكري، حتى أنه كتب في يومياته قبل انتقاله إلى القاهرة سنة 1932م : " إن فرعي جمعية الإخوان بالمحمودية وشبراخيت سوف لا تنفع كثيرا، لأنها نشئت بغير أسلوبي، ولا ينفع في بناء الدعوة إلا ما بنيت بنفسي وبجهود الإخوان الحقيقيين .." وفي سنة 1937م لاحظ الأستاذ محمود عبد الحليم أثناء زيارته للمحمودية أن أحمد السكري كان يحقد على حسن البنا- الذي هو قائده ومرشده حسب مفهوم الدعوة- وينظر إليه بشيء من التعالي ، ولا يتحرج في التهوين من شأنه أمام الآخرين. وفى تلك الفترة تجلى نجاح الدعوة في القاهرة، وعلى صعيد القطر المصري، فقرر أحمد السكري أن يتشبث بالحصان السابق- حسب ما نفهم مما كتبه الأستاذ محمود عبد الحليم الذي واكب تلك التطورات عن قرب.

ولم يلبث أحمد السكري أن انتقل إلى القاهرة، ليكون قريبا من حسن البنا، ولم يمض طويل وقت حتى عينه البنا وكيلا عاما للجماعة سنة 1938م ، في منصب يلي منصب المرشد العام في الأهمية.

ورغم ذلك شاهد الأستاذ محمود عبد الحليم من أحمد السكري مظاهر سلوكية تؤكد استمراره في منحاه الأول، وقد حاول أن يثنيه عن ذلك، لكن المحاولة لم تفلح، وإذ ذاك قرر نقل الأمر إلى المرشد نفسه، فاختار ساعة خلوة معه- وكان محمود عبد الحليم من أقرب الإخوان إليه- وروى له كل ما عرفه ولاحظه بالنسبة للأستاذ أحمد السكري وما دار معه من مناقشات تتناول عدم احترامه للمرشد.

وقد ذكر محمود عبد الحليم أنه أحجم عن نقل ألأمر إلى الأستاذ البنا في البداية لكي لا يزيد النار ضراما، ولكن عندما أصبح السكري وكيلا للجماعة ومع ذلك استمر على نهجه القديم قرر محمود عبد الحليم أن يصارح المرشد بالخطر المتربص بالدعوة، باعتبار أن مصلحة الدعوة أكبر من الحساسيات والأشخاص، فماذا كان رد المرشد؟ يقول الأستاذ محمود عبد الحليم:

" فلما رأى الأستاذ مني هذا الأسلوب الجاد البالغ الجد ترقرقت عيناه بالدموع، ووجه إلي عبارات كأنما يسرها أذني، وقال: والله يا محمود إنني كنت أعرف كل ا لذي قلته من قبل أن تقوله، وأعرف أكثر منه، وقلبي يتقطع ألما لهذا الذي أعرفه، ولكنني كنت حريصا على أن لا يعرف ذلك أحد غيري، أما وقد عرفته فأستحلفك بالله لا تفضي لأحد به، وتجعل ذلك سرا بيني وبينك، وأن تدع لي معالجته في الوقت المناسب، فإن مصلحة الدعوة تقتضي إرجاء هذا الأمر الآن".

وظل أحمد السكري يشكل بتطلعاته بؤرة ضعف في جسم الدعوة حتى سنة 1947م عندما طعن الجماعة في فترة من أحرج فترات حياتها، وأخذ يكتب في بعض صحف الوفد مهاجما الجماعة، منفسا عن أحقاده إلى أن طرحه الوفديون جانبا بعد أن استخدموه. وقد علق الأستاذ محمود عبد الحليم على هذا الموقف بقوله:" كان الأستاذ أحمد السكري أعز على نفس المرشد من أن يراه مخطئا فلا يقيل عثرته، وأكرم عليه من أن يتركه مهما كثرت المآخذ عليه دون أن يأخذ بيده، ولكن الشحنة التي شحنها الأستاذ أحمد أذهلته عن نفسه وغشت على بصيرته حتى لم يعد يرى أبعد من موطئ قدمه، مع أنه ممن لا يغيب عن مثله أن هؤلاء الذين تلقوه في أحضنهم بضاعتهم الكذب، وهدفهم الاستغلال.

ولكن الأستاذ أحمد لم يدع للأستاذ المرشد فرصة يقيله فيها من عثرته، بعد أن كتب ما كتب، أو بالأحرى والأدق، بعد ما استكتبوه ما أرادوا، فأوغر بذلك صدور الإخوان في كل مكان . وهكذا انقلب الوكيل العام للجماعة إلى أداة بيد خصومها. ويحق لنا أن نعجب عندما نقرأ المرشد العام كان يعرف دخيلة نفسه من قبل أن يعينه وكيلا سنة 1938م، ويعرف ضيق الإخوان من تصرفاته، ومع ذلك عينه، وظل السكري ما يقرب من عشر سنوات يشغل منصب الرجل الثاني في الحركة، حتى انتهى أمره على النحو الذي أشرنا إليه بالنسبة لوقوعه في مصيدة حزب الوفد ليستخدم ضد الإخوان.

السيد المستشار المحامي حسن العشماوي

ومنذ سنة 1950م أعطي الأستاذ حسن العشماوي مكانا في الصف القيادي لحركة الإخوان على الرغم من صغر سنه وقصر فترة عضويته، وما ظهر من تصرفاته فيما بعد من ضعف ولائه للدعوة. والذي أرجحه إن الإخوان لم يعطوه هذه المكانة إلا لأنه ابن محمد العشماوي باشا، الوزير السابق. وسيتبين لنا في الفصل السادس الدور الذي لعبه لأستاذ العشماوي في أحلك الظروف، وأصعب المآزق التي مرت بها حركة الإخوان، وسيجد القارئ عنها شيئا من التفصيل.

النظام الخاص

النظام الخاص عبارة عن تنظيم سري جرى تشكيله ضمن جماعة الإخوان المسلمين ليكون النواة الصلبة للحركة، ولذا كان يفترض أن يختار له الأشخاص الذين يظن فيهم صدق الإيمان، ويقظة الوعي، وعمق الفهم لأهداف الدعوة، والاستعداد لبذل النفس والجهد والمال في سبيل الله. وقد أطلقت الحكومة على هذا النظام اسم " الجهاز السري" .

وعندما عول حسن البنا على تكوين هذا النظام شكل ذلك لجنة خماسية لتتولى تكوينه وتطويره والإشراف المستمر عليه. وكان ترتيب الأشخاص الخمسة من حيث تولي السلطة وتحمل المسئولية بحيث يكون الأستاذ صالح العشماوي رأسا لهذه اللجنة القيادية، يليه حسين كمال الدين فمحمود عبد الحليم، فحامد شريت، فعبد العزيز أحمد. ولكن يبدو أن الذي تحمل العبء الفعلي شخص واحد، إذ يخبرنا الأستاذ محمود عبد الحليم قائلا: "وعند مباشرة العمل وجدت نفسي أشبه بالعضو المنتدب لهذه القيادة حيث رأيتني أعمل وحدي، ولعل ذلك لأن الإخوان في القيادة رأوا أنني أوثقهم صلة بالطلبة – باعتباري مندوبا للطلبة – والطلبة هم العنصر الأساسي في جميع التكوينات.

كان هذا أول خلل خطير يواجهه التنظيم. ومن الواضح من رواية أحد المؤسسين ، وهو الذي تولى العبء الأكبر في المرحلة الأولى، أن روح التوكل قد سيطرت على أربعة من أعضاء لجنة التأسيس والقيادة الخماسية فاكتفوا بإلقاء العبء على أحدهم. والمبرر هو الثقة في إخلاص الأخ ونشاطه وقدراته، وربما كان بجانب ذلك انشغالهم بقضايا إخوانية أخرى.

ثانيا : أما الخلل الثاني فكان أخطر من سابقه وأبعد أثرا، وأكثر مجلبة للكوارث على الدعوة. لقد وجد العضو القيادي الفعال الوحيد نفسه مضطرا للانتقال من العاصمة للعمل في مدينة دمنهور، ولما كان الأعضاء القياديون الآخرون بعيدين عن ممارسة أي جهد تنظيمي أو توجيهي أو إشرافي بالنسبة للنظام فقد اتجه نظر الأستاذ محمود عبد الحليم ، - بموافقة المرشد العام- إلى إيجاد شخص يحل محله في قيادة التنظيم والإشراف عليه، فكيف تم الاختيار؟ ونظرا لأهمية هذه الحادثة في تفسير ما تعرض له الإخوان من عثرات فإننا سندع الأستاذ محمود عبد الحليم نفسه يحدثنا بكلماته عن هذه الخطوة:

" لما استقر الرأي على أن التحق بهذه الوظيفة وأن أكون بذلك بعيدا عن القاهرة، وكان الأستاذ المرشد على علم بأنني أكاد أكون المباشر الوحيد- دون زملائي في القيادة- لمهمة الإشراف على ( النظام الخاص) طلب إلي الأستاذ أن أستخلف من يباشر الإشراف على هذا النظام. وقد نظر فإذا جميع أعضاء هذا النظام مرتبطون بأعمال تشغل أكثر وقتهم وتستفرغ معظم جهدهم. والإشراف على هذا النظام يحتاج إلى تفرغ أو ما يقرب من التفرغ على الأقل، كما يحتاج إلى صفات معينة تتناسب مع خطورة هذه المهمة.

منذ التحقت بكلية الزراعة كنت أسكن بالجيزة، وفي السنة الأخيرة لي بالكلية اتخذت لي سكنا مع بعض الإخوان في منطقة خلف مباني الجامعة تسمى ( بين السرايات) وكانت الشقة التي نسكنها في الدور الأول من منزل رجل صالح كان يحبنا ونحبه. فلما جاءه ساكن للدور الأرضي من المنزل رأى أن يستشيرنا، وكان الساكن طالبا في كلية الآداب ومعه شقيقه الطالب بالمدارس الثانوية . فلما التقيت بالشابين وتحدثت معهما شمت فيهما الصلاح والخلق الفاضل، فصارا من جيراننا. وكان هذان الجاران هما عبد الرحمن السندي وشقيقه. ثم كان أن جاء الأخ عبد العزيز كامل ليلتحق بكلية الآداب، وكان من إخوان الإسكندرية الذين أعرفهم، وكان يريد أن يسكن قريبا منا، فسكن مع هذين الجارين مستقلا بحجرة من هذه الشقة.

ولما كانت صلتي بالأخ عبد العزيز تقتضي أن أكثر من زيارته لأونسه من ناحية، ولأنه كان قد التحق بقسم الجغرافيا بكلية الآداب، وكنت أحب أن أطلع على بحوث شائقة لهذا القسم في الأجناس والطبائع وما شابهها من ناحية أخرى.. لذا كثر ترددي على هذه الشقة، فكان هذا التردد فرصة للتحدث مع الساكنين الآخرين بها. وقد لاحظت على عبد الرحمن الهدوء والرزانة والجد، كما لاحظت إقباله علي إقبالا يوحي بأن الدعوة التي عرضتها عليه تملك شغاف قلبه وتشعر بتشوقه إلى يوم يفتديها فيه بنفسه.

وظللت طيلة ذلك العام على اتصال وثيق به، حتى أنه كان لشدة ثقته بي، وفرط حبه لي يعرض علي مشاكله الخاصة. فلما وثقت به تماما عرفته بالأستاذ المرشد باعتباره عضوا( بالنظام الخاص) . وقد فهمت منه أثناء ما عرضه على من شئونه الخاصة أن له إيرادا يمكن أن يقوم بشئونه. فلما كنت بصدد اختيار من يخلفني في الإشراف على ( النظام الخاص) تذكرت عبد الرحمن، فرجعت إليه لألم بظروفه التي طرأت منذ انتهت دراستي بالكلية وغادرت ( بين السرايات) ففهمت منه أن كل الذي طرأ عليه هو أنه لم يوفق في امتحان تلك السنة وأنه الآن يعيد السنة الأولى، فشرحت له ظروفي وأنني مضطر أن أكون خارج القاهرة، وأنني أبحث عن شخصية تخلفني للإشراف على ( النظام الخاص) واشترط أن تكون مستوفية شروطا معينة، وقلت له، إن هذه الشروط تكاد أن تكون مستوفاة فيك عدا ( التفرغ) فهو ليس بالأمر الميسور. فقال لي: إنني أشكر لك حسن ظنك بي – وأنت تعلم أولا أنني مريض بالقلب، ومعرض للموت في كل لحظة ، وأحب أن تكون موتتي في سبيل الله، كما تعلم أن لي إيرادا- وإن كان محدودا- إلا أنه يعينني على مطالب الحياة الضرورية، وتعلم كذلك أنني رسبت في السنة الأولى بالكلية ( كلية الآداب) ، وإنني أعيدها.

وقد استقر رأيي على الانقطاع عن الدراسة، وسألتحق بوظيفة في وزارة الزراعة ، بالثانوية العامة، وبذلك يتوفر لي عنصر التفرغ الذي تطلبه. وعرضت الأمل على الأستاذ المرشد فوافق عليه، وأحضرت عبد الرحمن للأستاذ المرشد حيث بايعه على أن يقود هذا النظام، وعلى أن لا يقدم على أية خطوة عملية إلا بعد الرجوع إلى لجنة القيادة، ثم إليه شخصيا. وسار عبد الرحمن بالنظام سيرا موفقا فحاز حب من يليه من القيادات..".

إنني أعتذر للقارئ الكريم عن هذا الاقتباس الطويل، فربما كان يفضل أن ألخص له فحواه في بضعة سطور، بيد أنني آثرت نقل النص كاملا ليستوعب القارئ المنطلقات التي انبنت عليها الممارسة التي نتحدث عنها والتوجهات التي طبعتها، وهذا لا يتأتى من خلال تلخيص الأفكار.

وفيما يلي بعض الملاحظات.

أولا: أول ما نلاحظه أن الاختيار والقرار والتنفيذ في هذا الموضوع الخطير تم بين المرشد العام وأحد الأعضاء الذين اختيروا لتأسيس قيادة النظام الخاص، أعني الأستاذ محمود عبد الحليم، ولم يحط مكتب الإرشاد علما بالموضوع، ولا باقي أعضاء اللجنة التي كان يفترض أنها تشرف على النظام الخاص.

ثانيا: أن عبد الرحمن لم يتعرف على دعوة الإخوان وينضم إليها إلا قبل سنة وبعض سنة فقط من إناطة قيادة أهم قسم وأهم مجموعة في الحركة به،

ثالثا: أنه كان فاشلا في دراسته، إذ رسب في السنة الأولى بكلية الآداب، وكان عند اختياره ما زال يعيد السنة الأولى، فانقطع عن الدراسة،

رابعا: أنه كان مريضا بالقلب،

خامسا : أنه كان صغير السن قليل التجربة،

سادسا: وحتى مسألة استعداده للتفرغ تبدو غامضة، لأن النص نقلناه يفيد أنه كان سيجمع بين الإشراف على النظام الخاص والتوظف بالثانوية العامة في وزارة الزراعة . وقد تأكد أنه ظل يجمع بين رئاسته للنظام ووظيفته في تلك الوزارة حتى صدور قرار الحكومة بحل جماعة الإخوان سنة 1948م .

ولكن محمود عبد الحليم لم يلق بالا لهذه الحقائق السلبية في شخصية السندي عندما اختاره لرئاسة النظام الخاص سنة 1940، وانخدع بقليل مما تظاهر به السندي. وكال له المديح الذي نفخ في شخصيته على الصورة التي رسمتها العبارات المقتبسة قبل قليل ، في الصفحة السابقة. وبعد اثنتى عشرة سنة تقريبا نجد محمود عبد الحليم يتذكر القصور الذي غفل عنه أو لم يلاحظه سنة 1940، وذلك في تعليق له على مسلك السندي عندما سقط فريسة سهلة في يد عبد الناصر أثناء الصراع بين الإخوان والثورة سنتي 19531954 .

فهذا محمود عبد الحليم يقول لنا ضمن تعليقه على تلك الأحداث : " .. وحسب القارئ أن يتصور موظفا صغيرا في وزارة لزراعة ( السندي) ، مؤهله الثانوية العامة يجد رئيس الحكومة ( عبد الناصر) يطلبه فيستقبله في مكتبه استقبال الند للند، أمام رجال الحكم، ثم يجلسه إلى جانبه، ويمضي ساعات في الحديث إليه منفردين، لا يسمح لأحد مهما علا شأنه بالدخول عليهما- وقد تنتهي الجلسة الطويلة بأن يصحبه إلى منزله فيتغديان معا.. فكان هذا للسندي مبعث غرور وزهو واستعلاء. ومن هذا المنطلق كان سلوكه الشائن المخرب الذي تمت جولاته بتدبير أثيم في عبد الناصر .." وكان عبد الناصر يستخدم نفس الأسلوب مع من يريد أن ينتقيهم من قيادات النظام الخاص.

وهكذا تبين لمحمود عبد الحليم بالذات ، أن اختياره لعبد الرحمن السندي لم يكن في محله، ليس من حيث كفاءته فحسب، بل ومن حيث انضباطه وطاعته لقيادة الحركة وولائه لها، ولكنه اكتشاف تأخر عن وقته زمنا طويلا.

غرور الرئاسة

من المعروف أن العمل في أجهزة المنظمات السياسية السرية يقوم على الطاعة، والتنفيذ الدقيق للتعليمات دون مناقشة، وقبل ذلك وبعده يقوم على الثقة المطلقة في الرئيس المباشر، والإخلاص الكامل للمنظمة وقيادتها ورئاسة التنظيم، ذلك أن عمل المنظمة السرية يتم تحت وطأة خطر الانكشاف أمام الخصوم، والانكشاف قد يؤدي إلى كارثة للأفراد والجماعة على السواء. لذا فإن هذه القواعد من الطاعة ودقة التنفيذ، والثقة والإخلاص، لابد أن تحكم عمل جميع المنظمات السرية، إسلامية كانت أو غير إسلامية.

ومعنى ذلك أنه لا مجال أمام الأعضاء للحوار أو الاعتراض أو التساؤل، لأن المفروض أن القيادة هي التي لديها المعلومات والقدرة على الفهم ولديها السلطة. أي أن الشورى ، أو الديمقراطية لا محل لها في العمل السري، إلا أن تكون استثناء من القاعدة، وبمبادرة وحرص شخصي من جانب بعض القادة الأفراد.

وفي حالة "النظام الخاص" أو " الجهاز السري" للإخوان فقد كان المفروض أن الجهاز أحد أدوات الحركة، وأنه يخضع لقيادتها ويلتزم ويتقيد بتنفيذ تعليماتها والاهتداء بسياساتها. ولقد كان ذلك الخضوع والالتزام والتقيد المفترض هي الضمانات التي تكبح أي انحراف ينزلق إليه الجهاز. لكن الأمور لم تسر على هذا المنوال، لأن روح الثقة المفرطة انقلبت إلى اتكالية، وسيطرت فكرة فردية القيادة وحرمت الجماعة من إدراك فوائد النظام والرقابة والمحاسبة على الصغيرة والكبيرة وأفسحت المجال لكثير من الانحرافات.

ولقد كان المفروض في الجهاز السري أن يضم الإخوان الأوفر تربية، والأكثر إخلاصا واستعدادا للبذل والتضحية بالنفس والدم فضلا عن الجهد والمال. ولذا فقد نظر إخوان الجهاز السري إلى تنظيمهم على أنه قلب الحركة وجوهرها. وما دام الجهاد هو "ذروة سنام الإسلام" ، وما داموا هم القسم المنوط به الاضطلاع بواجب الجهاد فقد كان من السهل على قيادة التنظيم أن تعتقد أنها ومن تحت يدها هم الحركة والجماعة، وأن من عداهم مجرد أجزاء هامشية وشكلية لا قيمة كبيرة لها. وهكذا يتحول قائد النظام إلى اعتبار نفسه حارس الجماعة والوصي على الحركة، خاصة بعد استشهاد حسن البنا سنة 1949م ، واستحالة وجود خلف يكون له وزن مؤسس الحركة ومكانته واحترامه في النفوس، الأمر الذي مهد للمواجهة بين المرشد العام الهضيبي من جهة وقائد الجهاز السري عبد الرحمن السندي من جهة أخرى.

استبداد قائد الجهاز السري في حياة حسن البنا