الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الحركة الأم»

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
سطر ٧٥٥: سطر ٧٥٥:


===قصر نظر وتناقض مذهل===
===قصر نظر وتناقض مذهل===
كان [[الإخوان]] – حتى ذلك الوقت- يشاركون في حركة وطنية أو جبهة وطنية عرفت باسم " جبهة الإنقاذ" ويحدثنا [[محمود عبد الحليم]] عن هذه الجبهة بقوله: " كان أحرار ال[[مصر]]يين يمقتون [[الإنجليز]]، ويتربصون بهم الدوائر، ويتمنون أن لو أصابتهم كارثة تأتي عليهم فلا تبقى ولا تذر . فلما قامت ألمانيا بهجومها لمكتسح على أوربا هب هؤلاء الأحرار ينتهزون ههذ الفرصة لتخليص البلاد من يد [[الإنجليز]].
كون الأحرار على اختلاف نزعاتهم جبهة لإنقاذ البلاد، وكان تكوين هذه الجبهة يجري تحت ستار السرية التامة ". ويتحدث الأستاذ [[محمود عبد الحليم]] عن دوره فيقول:'''" وأنا شخصيا مع أني كنت أقوم ببعض ما كان يوكل إلي من أعمال لهذه الجبهة- لا أعرف من الجهات المشتركة فيها ولا الأشخاص المشتركين فيها إلا الأستاذ المرشد وعلى ماهر، والسيد [[أمين الحسيني]] مفتي [[فلسطين]]'''.
كانت خطة الجبهة تتلخص في محاولة الاتصال بالحكومة الألمانية والاتفاق معها على أن تحمل [[مصر]] عبء الدفاع عن نفسها ضد [[الإنجليز]] في مقابل أن تستقل وتظل صديقة لألمانيا. وقد حدث الاتصال فعلا، وكانت تصلنا خطب هتلر بنصها، وكنا ننسخ منها نسخا لتوزيعها على المشتركين في الجبهة.
وأعدت الجبهة العدة لتهريب عزيز ال[[مصر]]ي إلى ألمانيا  في طائرة من طائرات الجيش. لكن الظروف حالت دون ذلك حيث اصطدمت الطائرة بأسلاك اضطرتها إلى الهبوط، وقبض على عزيز ال[[مصر]]ي وعلى قائدي الطائرة [[حسين ذو الفقار صبري]] و[[عبد المنعم عبد الرءوف]] ، وعلى غير ما كان منتظرا أصدرت المحكمة العسكرية التي حاكمتهم حكما برأهم، مما أثلج صدور الأحرار في كل مكان. كما استطاع السيد [[أمين الحسيني]] أن يهرب إلى ألمانيا، والتقى بهتلر وتفاوض معه فيما هدفت إليه الجبهة من استقلال [[مصر]] واستقلال [[فلسطين]] والبلاد العربية. وكان السيد أمين موضع احترام الحكومة الألمانية طيلة الفترة التي مكثها في ألمانيا".
كان [[الإنجليز]] يشعرون بعداء على ماهر لهم، ولذا وجهوا إنذارهم إلى فاروق بإبعاده عن رئاسة الوزارة سنة [[1949]]م، كما أشرنا فيما سبق. ومع ذلك ظل اسم على ماهر يتردد في البرقيات المتبادلة بين السفارة البريطانية ووزارة الخارجية في لندن. وكان [[الإنجليز]] وأصدقاؤهم من الزعماء ال[[مصر]]يين يعتبرون على ماهر المحرض على عدائهم ولذا أصروا على إبعاد عبد الوهاب طلعت وكيل الديوان الملكي، باعتباره أداة في يد على ماهر، وعندما تولى وزارة الوفد برئاسة مصطفى النحاس الحكم بعد حادثة 4 [[فبراير]] سنة [[1942]]م لم تتردد في القيام بحركة اعتقالات ضد الجبهة، بل إن النحاس لم يتردد في اعتقال " على ماهر في حرم مجلس الشيوخ سنة [[1942]]م" ، دون رعاية لحرمة المجلس.
===استدراج فانزلاق إلى المستنقع===
وبمجرد أن تولى الوفد الحكم محمولا على مدافع الدبابات البريطانية أراد أن يطهر نفسه مما عيره به خصومه فأراد أن يجري انتخابات عامة ليثبت أنه يحكم بإرادة الشعب لا بإرادة [[الإنجليز]]، ولذا قرر إجراء [[الانتخابات]] فور توليه الحكم، بالرغم مما أشار به السفير البريطاني من أن الوقت غير ملائم لإجراء  [[الانتخابات]]. وجت الاستعدادات بسرعة محمومة وقد طلبت الأحزاب المعارضة رفع الأحكام العرفية وإلغاء الرقابة على الصحف أثناء الحملة الانتخابية، لكن النحاس رفض طلبهم، وأصر على إجراء [[الانتخابات]] في ظل الأحكام العرفية، وفي ظل الرقابة على الصحف. وهنا أعلنت المعارضة مقاطعة [[الانتخابات]]، فصال فيها الوفد وجال وحده.
وهنا أيضا برز [[الإخوان]] على المسرح بشكل مفاجئ ومخالف لكل منطق سليم، فقد رشح [[حسن البنا]] نفسه للانتخابات عن دائرة [[الإسماعيلية]]، وبدا وكأن نجاحه أمر محقق لا يعتريه الشك، وهذا ما أزعج رئيس الوزراء مصطفى النحاس ، فدعاه لمقابلته بواسطة عبد الواحد الوكيل ( صهر النحاس) ، وحاول إقناعه بسحب ترشيحه ، مبطنا دعوته بالتهديد مظهرا النصح، " إيثارا للمصلحة العامة ولمصلحته ( أي مصلحة الأستاذ [[حسن البنا]]) إن كان يريد الإبقاء على جماعات [[الإخوان المسلمين]] في مختلف البلدان، فرفض [[البنا]] ذلك وقال إنه يستعمل حقا من حقوقه الدستورين، ولا يرى ما يمنعه من الترشيح، وإن كان هناك موانع فإنه يطلب بيانها لكي يتبين مبلغها من الصحة، وأضاف [[البنا]]، فضلا عن ذلك، أن قرار الترشيح صدر من هيئة [[مكتب الإرشاد]] العام ل[[جماعة الإخوان]]، وأنه شخصيا لا يملك الرجوع في ذلك.
'''" فرجاه رفعة النحاس باشا أن يعمل على إقناع الأعضاء بالعدول عن ذلك، وأن رفعته رأى أن يدعوه لينصح له بالتناول وإلا اضطر إلى اتخاذ إجراءات أخرى يراها رفعته قاسية ولا يرتاح إليها ضميره، ولكنه حرصا منه على مصلحة البلد مضطر غلى تنفيذها. "''' ولما استوضحه [[البنا]] تلك الإجراءات " قال رفعته: إنها حل جماعات [[الإخوان المسلمين]] ونفي زعمائها خارج القطر، وتلك هي رغبة هؤلاء الناس ( يقصد [[الإنجليز]]) الذين بيدهم الأمر يصرفونه كما يرون، ونحن مضطرون إلى مجاملتهم، خصوصا في هذه المسائل الفرعية، وفي هذه الظروف العصيبة، لأنهم يقدرون على كل شئ، وفي استطاعتهم إن شاءوا أن يدمروا البلد في ساعتين.
وانتهت الأزمة بنجاح [[المرشد العام]] في إقناع [[الإخوان]] بالموافقة على التنازل عن الترشيح، وذلك بعد معارضة شديدة من جانبهم. وبدلا من أن ينأى المرشد بنفسه وبجماعته عن النحاس وحكومته وحزبه، في تلك الفترة بكل ما ذكرناه، على الأقل، فقد طلب من النحاس " ضمانات بقيام الجمعية وفروعها بأنشطتها، وعدم الوقوف في سبيلها، وعدم مراقبتها والتضييق على أعضائها للحد من نشاطهم. فوعده رفعته بما طلب".
وبعد هذا اللقاء وما تم فيه من تفاهم بين الزعيمين عاد عبد الواحد الوكيل باش، فقابل " الأستاذ المرشد واقترح عليه أن يصدر بيانا يسجل فيه أن التنازل قد تم احتراما لقرار الوفد بترشيح شخص آخر، ويعلن فيه تأييده لسياسة الوفد في التعاون مع بريطانيا لتنفيذ معاهدة التحالف، فرفض المرشد ذلك، واكتفى بذكر فقرات من خطاب النحاس باشا معلنا أن [[الإخوان]] عون له في سياسة الإصلاح الديني والاجتماعي . ونثبت هنا نص الخطاب الذي وجهه الأستاذ المرشد إلى النحاس باشا كما نشر بجريدة ال[[مصر]]ي يوم 23 [[مارس]] [[1942]]م، وكما أورده الأستاذ [[محمود عبد الحليم]] ، تحت عنوان:
'''" [[الإخوان المسلمون]] يستجيبون لنداء الزعيم- ويعلنون أنهم عون للحكومة في تحقيق برنامجها الإصلاحي:'''
'''كتاب قيم من [[المرشد العام]] للرئيس الجليل'''
'''بسم الله الرحمن الرحيم'''
حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا رئيس الحكومة ال[[مصر]]ية.
أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وأحييكم فالسلام عليكم ورحمه الله وبركاته، وبعد:
فقد تحدثتم رفعتكم إلى الأمة ال[[مصر]]ية حديثا رائها جميلا ضمنتموه كثيرا من المبادئ القويمة والأماني الطيبة التي يسر كل [[مصر]]ي أن يحققها الله على يديكم. وقد أشدتم بالصراحة والتعاون الإخلاص، ودعوتم الأمة إلى مصارحتكم والتقدم إليكم بالنصح ووددتم أن تمتلئ صدورنا جميعا بهذه المعاني السامية( فنحن أبناء أسرة واحدة هي الأمة ال[[مصر]]ية الكريمة).
وقررتم رفعتكم أنه من دواعي سروركم أن تتعاون الأمة والحكومة في هذه الظروف الدقيقة في تنفيذ سياسة خارجية حكيمة، وتصميم سياسة داخلية بصيرة. فالواجب يقتضينا والمصلحة تدعونا إلى أن ننفذ بإخلاص وحسن نية أحكام المعاهدة التي وقنعاها بمحض اختيارنا وملء حريتنا وقصدنا من ورائها سلامة استقلالنا القومي والاحتياط لمثل هذه الظروف العصيبة، كما أن الحكومة والبرلمان أن يضعا في رأس برنامجها درس المسائل الاجتماعية والسعي غلى حلها حلا سريعا حاسما.
وقد أشرتم إلى ا لتطور الجديد في حياة العالم كله تطورا '''" هو مقدمة لتطور أعمق غورا وأبعد أثرا يجعل مظهر العالم في غير مظهره اليوم." ثم ختمتم هذا الحديث" بأن علينا أن نعبر الطريق المحفوف بالمخاطر، المحوط  بالمكاره، متعاونين متحدين مع الشعوب الشرقية وإخواننا أبناء العروبة الكريمة كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، مترقبين بزوغ فجر [[الحرية]] والإخاء بين الشعوب، فيقوم عدل الحكام على أنقاض الظلم والاستبداد، وتتفيأ الأمم ظلال الطمأنينة والسكينة والسلام"'''.
 
أصغينا إلى هذا الحديث القيم ثم طالعتنا الصحف بنصائحكم إلى حضرات المديرين والمحافظين ودعوتكم إياهم غلى أن " يكونوا أداة سلام ودعاة صلح وتفاهم بين العائلات، وأن يديموا التجوال في البلاد ليتبينوا مطالب الأهلين، وينظروا فيها بالعين المجردة عن كل ميل وهوى، وأن يستمعوا إلى شكاوي المظلومين ويعملوا على رفع المظالم عنهم" وقرأنا في الصحف أن معالي وزير الصحة أخذ يدرس باهتمام مشكلة البغاء تمهيدا لتخليص [[مصر]] من وصمته الشائنة، وأنه قرر فعلا البدء بإلغاء دور البغاء في القرى و[[البنا]]در من أول [[مايو]] المقبل.
و[[الإخوان المسلمون]] أمام هذه الآمال الصالحة، والأعمال الطيبة النافعة يرون من واجبهم أن يستجيبوا لندائكم وأن يعلنوا أنهم حريصون كل الحرص على أن يكونوا عونا لكم وللحكومة ال[[مصر]]ية في تحقيق برنامجكم الإصلاحي الذي أعلنتموه، مستمسكين دائما بآداب الإسلام العالية وتعاليمه القويمة وأخلاقه الفاضلة.
والله نسأل أن يعيننا جميعا لخير هذا الوطن العزيز والسلام عليكم ورحمه الله.
لقد حرصنا على نقل هذه النصوص كاملة في سبيل إعطاء الأفكار والاستنتاجات وأدلتها حقها من الوضوح الكامل، وعدم التدخل، وذلك نظرا لخطورة القضية التي تحدث عنها.
===مدى خطورة تصرف [[الإخوان]] ===
في هذا الجو الخانق- إذن- وصدى هدير الدبابات [[الإنجليز]]ية الزاحفة صوب المقر الرسمي لرئيس الدولة ال[[مصر]]ية ما زال يطن في آذني كل [[مصر]]ي، في هذا الجو تقدم [[حسن البنا]] – بموافقة إخوانه- بترشيح نفسه لانتخابات تجري في ظل الأحكام العرفية، والرقابة على الصحف، وفي ظل احتلال عسكري لأرض [[مصر]] كلها، من سيناء إلى الحدود الليبية، ومن شاطئ البحر المتوسط إلى ما وراء حدود [[السودان]].
في هذا الجو، وقلوب ال[[مصر]]يين تنزف من جراء هتك [[الإنجليز]] لعرض [[مصر]] السياسي بالفظاظة التي تمت بها حادثة 4 [[فبراير]] يوجه مشد [[الإخوان المسلمين]] باسمهم خطابا رسميا علنيا ينشر في الصحف يعلن فيه تأييد [[الإخوان]] لسياسة النحاس- بما في ذلك سياسته في التعاون مع بريطانيا- ويعلن استعداد [[الإخوان]] لمعاونة الحكومة والوقوف إلى جانبها.
لقد غفل [[حسن البنا]] وإخوانه عما انطوى عليه تصرفهم من خطأ فادح، ونسوا أنهم كانوا مشاركين في جبهة إنقاذ وطني تزعمها على ماهر ومفتي [[فلسطين]] من أجل تحرير [[مصر]] من دنس الاحتلال البريطاني، ونسوا أن الجبهة كانت تخوض نضالا يشاركون فيه أنسهم – بما فيهم [[محمود عبد الحليم]] نفسه- وأن بريطانيا كانت تضع على ماهر والمتعاونين معه، أمثال الشيخ [[مصطفى المراغي]]، وعبد الوهاب طلعت على رأس أعدائها، وأنها تدخلت لإبعاد على ماهر عن رئاسة الوزارة ورئاسة الديوان الملكي تحت طائلة التهديد منذ سنة [[1940]]م، ثم واصلت مطاردة المتعاونين معه. ونسي [[البنا]] وإخوانه أن النحاس وحزبه إنما جاءوا إلى الحكم تحت شعار التعاون مع بريطانيا ضد أهداف الجبهة، وأن ذلك التعاون كان ضد أماني شعب [[مصر]].
بل لقد نسي [[حسن البنا]] وإخوانه معنى إجبار النحاس له على سحب ترشيحه لمجلس النواب، وبدلا من أن ينسحب وينأى بنفسه وبحركته عن تلك الحكومة الملوثة- بعد أن فاته وإخوانه شرف مقاطعة [[الانتخابات]] كما فعلت أحزاب المعارضة التي يحتقرونها- إذا به يعلن تأييده لبطل حادث 4 [[فبراير]] ويسعى لتحقيق مكاسب إسلامية على يدي حكومة النحاس باشا، من مثل إعلان ذكرى المولد النبوي الشريف عيدا رسميا للدولة، وإغلاق محلات البغاء.
ومع ذلك يأتي قيادي إخواني هو الأستاذ [[محمود عبد الحليم]] ليقول لنا- بعد مرور أربعين سنة على الحادثة- وبكل براءة وعفوية، إن ذلك المسلك [[الإخوان]]ي تجاه تلك الأزمة كان مظهرا من مظاهر الحنكة التي حققت للدعوة مكاسب كبيرة.
لقد كان مصطفى النحاس وحزبه وحكومته بحاجة ماسة إلى من يساعدهم في مسح اللوثة التي تركتها على جباههم حادثة 4 [[فبراير]] خاصة مع إصراره على انفراده وحبه بالحكم، ولم يكن في مقدور أية جماعة [[مصر]]ية أخرى غير [[الإخوان المسلمين]] أن تقدم للوفد المساعدة الفعالة التي كان يبحث عنها، وذلك باعتبار [[الإخوان]] أكثر الهيئات الشعبية تمازجا مع كل قطاعات الشعب ال[[مصر]]ي، فضلا عن أنهم يخاطبون الشعب باسم الدين، وهو المؤثر الأقوى على الأغلبية الساحقة من أبناء [[مصر]].
ومع كل هذه الحاجة فإن النحاس لم يقبل أن يكون ثمن التأييد [[الإخوان]]ي المرجو السماح ل[[حسن البنا]] بالفوز بعضوية مجلس النواب التي تؤهله لها شعبيته . ويبدو أن الباشا كان واثقا من تحقيق غرضه بثمن أقل، وقد ظهر أنه كان مصيبا، فحماية النحاس الوهمية [[للإخوان]] من خطر التهديد [[الإنجليز]]ي واعتراف الدولة بالمولد النبوي الشريف عيدا رسميا، ومنع تقديم الخمر في بعض المناسبات الدينية – أو مجرد الوعد به- دفع [[الإخوان]] للاستجابة، فسحب مرشدهم ترشيحه، ووجه النحاس خطابه الذي أوردنا نصه قبل قليل والذي ختمه بقوله:'''" و[[الإخوان المسلمون]] أمام هذه الآمال الصالحة، والأعمال الطيبة النافعة، يرون من واجبهم أن يستجيبوا لندائكم، وأن يعلنوا أنهم حريصون كل الحرص على أن يكونوا عونا لكم وللحكومة ال[[مصر]]ية في تحقيق برنامجكم الإصلاحي الذي أعلنتموه.."'''.
وهكذا تحول [[الإخوان]] من مشاركين في '''" جبهة الإنقاذ الوطني"''' التي كانت تعمل ضد [[الإنجليز]] ممثلة لآمال وعواطف أغلبية أبناء [[مصر]]، فأصبحوا بهذا التحول حلفاء، أو مطايا، للنحاس وحزبه الذي جاء مفروضا بالقوة من [[الإنجليز]]، متفاهما معهم مسبقا على البطش بخصومهم.
وبهذا التأييد منح [[الإخوان المسلمون]] للوفد شهادة تزكية، وأتبعوا ذلك بتأييدهم له في [[الانتخابات]] التي أجبر مرشدهم على الانسحاب منها تحت التهديد، وهي [[الانتخابات]] التي كانت قد قاطعتها جميع القوى السياسية الأخرى. ثم إنهم مدوا أيديهم إلى النحاس وحزبه بالمساعدة أثناء أزمة انشقاق سكرتير الوفد، مكرم عبيد باشا، ومهاجمته للنحاس وفضحه لسياسة المحسوبية والفساد التي درج عليها.
لم تطلب الزعامة الوفدية من [[الإخوان]] إصدار بيان تأييد عند نشوب الأزمة التي أثارها فصل مكرم عبيد من الوفد، كما فعلوا في المرة السابقة، بل وضعوا الطلب في إطار إخراج مختلف، فقد أبدى رغبة " أعضاء الوزارة في زيارة المركز العام [[للإخوان]] ، فوجه [[الإخوان]] إليهم الدعوة" وتمت الزيارة ، ونشرت جريدة ال[[مصر]]ي، لسان حزب الوفد، وصفا شاملا لها في عددها الصادر بتاريخ 17 [[مايو]] [[1943]]م، وكان مما كتبته: '''" أقام المركز العام ل[[جماعة الإخوان المسلمين]] حفلة كبرى بداره بالحلمية الجديدة في الساعة السابعة من مساء أمس دعا إليها أصحاب المعالي الوزراء، فلبى الدعوة فؤاد سراج الدين، وزير الزراعة.. وعدد آخر من الوزراء ( ذكرت الجريدة أسماءهم) "''' وكان في استقبالهم فضيلة [[المرشد العام]] الأستاذ [[حسن البنا]] والأستاذ [[أحمد السكري]] وكيل [[الجماعة]] وبقية [[الإخوان]] وفرقة [[الجوالة]] الخاصة بهم.
وكان [[الإخوان]] يستقبلون كل وزير عند حضوره بالهتاف والتكبير( الله أكبر ولله الحمد) وعلى أثر وصول الوزراء حان وقت صلاة [[المغرب]] فأذن المؤذن وأم المصلين فضيلة [[المرشد العام]]. ولما كانت المصلى لا تتسع لجميع الذين حضروا فقد أدى العديدون الصلاة في الحجرات وفي حديقة الدار وخارجها، وقد فرشت بالبسط والحصير.
وتصادف أن حضر في هذه الأثناء وزير التموين الأستاذ أحمد حمزة فأدى الصلاة مع المصلين خارج الدار، فكان منظرا إسلاميا ديمقراطيا رائعا رؤية أصحاب المعالي الوزراء وهم بين [[الإخوان]] يؤدون صلاة [[المغرب]] في خشوع المؤمنين الصالحين وتابعت الجريدة وصفها للحفل وموائد الشاي والحلوى والمرطبات والخطب التي تبودلت بين الفريقين.
===تهويل النحاس وتهديده ل[[حسن البنا]] ===
لقد شكك المؤرخ ال[[مصر]]ي الدكتور عبد العظيم رمضان في أن يكون النحاس باشا قد ذكر ل[[حسن البنا]] شيئا عن تهديد بريطاني بحل [[الإخوان]] ونفى زعمائهم، مع أن مصدر الرواية لم يكن [[حسن البنا]] وأنصاره حتى يقال أنها سيقت لتبرير موقف [[الإخوان]]، بل إن مصدر الرواية هو نص تقرير رسمي لرجال الأمن العام ال[[مصر]]ي الذين تجسسوا على رئيس الوزراء وزائره وقد نقله الدكتور رمضان بنفسه من ملفات الوثائق الحكومية القديمة المحفوظة في دار الوثائق القومية..
إذن .. لماذا يتشكك الدكتور رمضان أن يشكك في صحة تقرير رجال الأمن العام ال[[مصر]]ي، وماذا عساها كانت دوافع أجهزة الأمن ال[[مصر]]ي في تزوير التقرير؟ إنني لا أشك في صحة ما ورد في التقرير أو في أن النحاس قد قال ما نسب إليه بالفعل، إذ لا مصلحة لضباط الأمن في تزوير وقائع ذلك اللقاء. ويبدو أن الدكتور رمضان أراد من وراء تشكيكه أن ينفي معاداة [[الإنجليز]] [[للإخوان]] انسجاما مع حرصه على إثبات التهمة القائلة بأن [[الإخوان]] عملاء لبريطانيا، وهي تهمة لا شك في بطلانها.
ومع يقيننا بأن النحاس هدد [[حسن البنا]] فعلا وزعم له أن التهديد صادر في لأصل عن [[الإنجليز]]، إلا أننا نرجح- في الوقت نفسه- أن القصة كلها، أعنى قصة التهديد، كانت من اختراع الزعيم الوفدي، فقد أراد مصطفى النحاس تخويف [[حسن البنا]] لحمله على سحب ترشيحه، وذلك بعد رفض [[المرشد العام]] الاستجابة لطلبه وأصر على ممارسة حقه الدستوري، رغم إلحاح رئيس الوزراء. وهنا أسعف النحاس دهاؤه وخبرته في المناورات السياسية، فرأى أن التهديد باسم [[الإنجليز]] أبلغ في التخويف من ناحية، ولا يثير مشاعر الغضب والتحدي في نفوس [[الإخوان]] ضده وضد حزبه من ناحية أخرى ، سيما وأن بطل يوم 4 [[فبراير]] حرص على أن يبدو [[للإخوان]] في ثوب الصديق الذي يكن لهم ودا، ويحرص على حمايتهم، وعلى مصلحتهم، شفقة عليهم، وبدافع من ضميره.
إن مجرد دخول نائب من [[الإخوان]] بين ثلاثمائة نائب معظمهم من الوفديين الذين يؤيدون الحكومة على بياض، وبالتلقين، دون أي تفكير، لم يكن يحمل في طياته خطورة بالنسبة لسيطرة الوفد الكاملة على المجلس، بل إن الحوادث اللاحقة تؤكد أن [[الإنجليز]] لم يلجئوا غلى اعتقال [[حسن البنا]] أو حل حركته عندما عاد إلى ترشيح نفسه للانتخابات سنة [[1944]]م، بل اعتمدوا على تزوير [[الانتخابات]]، وتزوير نتائجها بأيد [[مصر]]ية، وهي عملية درجت عليها كثير من الحكومات الحزبية منذ عرفت [[مصر]] الأحزاب في عشرينيات هذا القرن الماضي. وبالإضافة إلى ذلك فإن لدينا مثالا واضحا على دهاء [[الإنجليز]] وحذرهم في مثل هذه المواقف، ألا وهو تصرف السفير البريطاني عندما أرادت النيابة ووزارة الداخلية ال[[مصر]]ية تقديم [[حسن البنا]] للمحاكمة بتهمة طبع وتوزيع كتاب يهاجم بريطانيا بسبب سياستها وتصرفاتها في [[فلسطين]].
ولقد اعترف [[حسن البنا]] بأنه فعل ما نسب إليه، وأنه مؤمن بما فعل، و[[مصر]] عليه، ووقع على نص اعترافه لدى وكيل النيابة" ورفع التحقيق إلى النائب العام، كما قدمت صورة منه غلى وزارة الداخلية.. وقامت وزارة الداخلية بتقديم صورة التحقيق غلى السفير البريطاني في انتظار كلمة ثناء منه.. وقرأ السفير التحقيق.ز وقال لصنيعتهم: إنك بهذا التحقيق قدمت ل[[حسن البنا]] خدمة دون أن تدري.. أن أمنية هذا الرجل أن يقدم غلى القضاء ليتخذ من منصة الدفاع عن نفسه.. وسيلة غلى نشر أفكاره، وإلى التشهير بنا.. هذا التحقيق يجب أن يحفظ وأن يفرج عنه.. [[البنا]] في الحال. " وقد أفرج عن [[حسن البنا]] بالفعل قبل أن يمضي في الحجز أربعا وعشرين ساعة. وهذا الأسلوب [[الإنجليز]]ي في حد ذاته ينفي قصة التهديد البريطاني الذي خوف به النحاس [[البنا]] وحمله على سحب ترشيحه للانتخابات.
*'''وبجانب هذا فإن الباحث لابد وأن يتساءل: ماذا كانت حصيلة الأزمة بين [[حسن البنا]] والنحاس، وماذا كان هدف الوفد وهدف [[الإنجليز]]؟ وهل كان هدفهما واحدا؟'''
'''لقد كان هدف الوفد واضحا:''' أن تظل هيبته من حيث قوته الشعبية دون اهتزاز ، فقد أراد لقائمة مرشحيه أن تنجح كلها من غير أن يخترقها أي عنصر غير وفدي، حتى ولو كان نائبا واحدا. ولذا كن لابد من انسحاب [[حسن البنا]]. ولو افترضنا أن [[الإنجليز]] هم الذين تدخلوا فعلا وحملوا النحاس على ممارسته الضغط على [[الإخوان]] لكي يسحب مرشدهم ترشيحه، لو أن [[الإنجليز]] تدخلوا بهذه الكيفية فماذا كان هدفهم ؟ هل كان همهم أن يحافظوا على قائمة الوفد دون أن يخترقها أحد ؟ أم أنهم أرادوا إضعاف [[الإخوان]] وسد الطريق أمامهم حتى لا تقوى حركتهم وتنتشر؟
إن المنطق السليم يحملنا على القول بأن [[الإنجليز]] لو تدخلوا بالفعل، على النحو الذي ذكره النحاس، لكان تدخلهم من أجل إضعاف [[الإخوان]]، ومن أجل الحيلولة بينهم وبين العوامل التي تزيد من قوتهم ومن سعة انتشارهم. فأين هذه الفروض مما تحقق بالفعل، على أرض الواقع، نتيجة لاتفاق [[حسن البنا]] ومصطفى النحاس؟ والذي أعتقده أن دخول [[حسن البنا]] في عضوية مجلس النواب في تلك الفترة، مع ارتباط وتحالف [[الإخوان]] مع حزب الوفد الحاكم، مثل هذا التطور لو حدث- سيكون أكثر انسجاما مع أهداف السياسة البريطانية ، بحيث تتصرف هذه القوة الشعبية عن التحالف مع القوى المعادية ويقوي تحالفها مع القوة ال[[مصر]]ية الحليفة، أي حزب الوفد وزعيمه.
ويخبرنا عن ذلك الأستاذ [[محمود عبد الحليم]] القيادي [[الإخوان]]ي، فيقول: إن حكومة النحاس كافأت [[الإخوان]] على انسحاب المرشد وما تلاه، بل أتاحت لهم حرية العمل الجماهيري ورفعت [[العراق]]يل من طريقهم، فتوسع نشاط الدعوة وحققت انتشارا واسعا ومكاسب كبيرة على الصعيد الشعبي ما كان لها أن تحققها لولا ذلك الاتفاق. فهل كان هذا هو ما أراده [[الإنجليز]] من تهديدهم بحل [[الإخوان]] ونفي زعمائهم خارج القطر، لو صدقنا صدور التهديد عن [[الإنجليز]]؟ هل أرادوا إضعاف [[الإخوان]] أم أرادوا تقويتهم؟ أم أن علينا أن نصدق بأن [[الإنجليز]] هم الذين فرضوا هذه السياسة لمجرد المحافظة على الفكرة السائدة بأن قائمة مرشحي الوفد لا يمكن أن يخترقها أحد.
لكل هذا فإنني أرى أن الحديث الذي ألقاه النحاس على مسامع [[حسن البنا]] كان تهديدا وتهويلا من عنده هو، وقد نسبه للسفير البريطاني للسباب التي ذكرنا آنفا. أما ما دفع به الدكتور عبد العظيم رمضان من استبعاده أن يظهر النحاس ضعفه أمام [[حسن البنا]] لإقناعه بسحب ترشيحه، واستشهاده بإنكار النحاس خضوعه لتوجيهات [[الإنجليز]] في اعتقال على ماهر، هذا الدفاع الذي ساقه الدكتور رمضان لا يعدو كونه مجرد تعليل سطحي،
*'''وتفسير ذلك من وجهة نظري يكمن في النقاط التالية:'''
'''1'''- كان على ماهر زعيما بارزا، لكنه كان فردا ، لم يكن له حزب يدعمه، ولذا كان من السهل على النحاس أن يتبجح ويدعي بأنه اعتقله من تلقاء نفسه.
'''2'''- كان النقاش حول فكرة أن اعتقال على ماهر تم بأوامر إنجليزية ونفي النحاس للتهمة نقاشا جرى في العلن، وأمام السلطة التشريعية أعلى سلطة في البلاد أما في حالة [[حسن البنا]] فإن الأمر كان مختلفا:
'''أ‌'''- لقد كان [[حسن البنا]] زعيما لحركة شعبية ، تنافس في سعة انتشارها حزب الوفد،
'''ب‌'''- إن تهديد النحاس للبنا لو وضع في صيغة نحاسية وفدية فحسب، أي لو أنه نسب غلى النحاس وحده لما أخاف [[حسن البنا]]،
'''ت‌'''- إننا نرى في نسبة التهديد إلى [[الإنجليز]] إظهارا لعظم القوة الضاغطة على [[حسن البنا]] لإجباره على الانسحاب وليست إظهارا للضعف كما جادل الدكتور عبد العظيم رمضان. فقوة الوفد وحده لا تخيف [[حسن البنا]] لدرجة تحمله على الانسحاب، وقد تأكد هذا عمليا عندما رفض مرشد [[الإخوان]] أن يتنازل عن الترشيح استجابة لطلب النحاس، وأصر على ممارسة حقه الدستوري، وزاد التأكيد بأن الترشيح لا رجعة عنه أمام أي ضغط وفدي لأنه صادر عن الهيئة العامة [[للإخوان]]. ولكن قوة الوفد مضافا إليها قوة [[الإنجليز]] تعني شيئا آخر، جعل [[حسن البنا]] يحسب ألف حساب، ويقنع إخوانه بالموافقة على التنازل عن الترشيح.
'''ث‌'''- إن ادعاء النحاس الملفق بأن التهديد جاء من [[الإنجليز]] جرى بينه وبين [[حسن البنا]] في غرفة مغلقة وليس أمام البرلمان أو مجلس الشيوخ. والحديث في غرفة مغلقة أعفى الزعيم الوفدي من الشعور بأي حرج من نسبة التهديد غلى [[الإنجليز]]. ونستطيع أن نستنتج أن النحاس قد فكر في أنه إذا نجحت الخطة ورضخ [[حسن البنا]] فقد تحقق غرض الوفد بثمن بخس، وسيكون [[البنا]] حريصا على عدم إحراج رئيس الوزراء بحديث علني عن موضوع التهديد.
أما إذا رفض المرشد سحب ترشيحه ثم حاول التشهير برئيس الوزراء لائتماره بأمر [[الإنجليز]] في موضوع التهديد المزعوم فلن يكون لدى [[البنا]] دليل لإثبات ادعائه، وعلى العكس من ذلك سوف تكون لدى رئيس الوزراء القدرة والوسائل الضخمة التي تمكنه من نفي التهمة والتشهير ب[[حسن البنا]]، خاصة وأن حالة الطوارئ معلنة وسارية .
===الاستمرار في الدفاع عن الخطأ يعني التمسك بالأساليب الساذجة===
يحدثنا الأستاذ [[محمود عبد الحليم]] عن اقتناعه- وهو القيادي [[الإخوان]]ي- بأن من بين الأهداف التي توخاها [[الإنجليز]] من تسليم الحكم إلى الوفد في 4 [[فبراير]] [[1942]]" تحطيم الوفد نفسه والقضاء على سمعته..'''" ذلك أنهم كانوا يعلمون مدى تكالب الوفد على الحكم وتشوقه إليه، ويعلمون- في نفس الوقت- أن الذي يتولى الحكم في ظروف الحرب التي تلازمها دائما قسوة الحياة، وصعوبة وسائل التموين، مع تعرض البلاد للغارات.. كل ذلك سيخلق الكراهية في نفوس الشعب للجالس على قمة الحكم. وقد استطاع [[الإنجليز]] تحقيق هذه الأغراض جميعا حين أتوا بالنحاس إلى دست الحكم"'''.
ولقد نقلنا من قبل قول الأستاذ عبد الحليم: '''" ولقد كانت دهشة الناس في [[مصر]] على أشدها حين رأوا [[الإنجليز]] يطلبون الوفد للحكم، ويجدون الوفد يسارع بالإجابة كأنما كانا على ميعاد.ز" فإذا كان [[الإخوان]] قد أدركوا هذا الشعور الشعبي أفلم يخطر ببال قادتهم أن مسلكهم- حين قبلوا ربط أنفسهم بالوفد في ظل الظروف التي عرفوا- يثير دهشة وأسى كل من كانوا يحسنون الظن بهم بل ودهشة وأسى كل باحث أو دارس يتصدى لدراسة تاريخ حركة [[الإخوان]] في قادمات السنين؟ إنه لمن المؤلم والمؤسف حقا أن يستمر قادة [[الإخوان]] في الدفاع عن أخطائهم، وأن يحاولوا إخفاءها عن منتسبي الدعوة وأنصارها. ولعلهم يتوهمون أنهم بهذا يحجبونها عن خصومهم، لكن الحقيقة المرة هي أنهم ينجحون فقط في توجيه عقول أبناء الدعوة بعيدا عن الواقع الموضوعي معتمدين على الثقة المفرطة التي تسود بين أفراد [[الإخوان]] وقياداتهم في العادة، أما الخصوم فلا تضلهم محاولات التعتيم الساذجة عن معرفة السقطات'''.
=== [[الإخوان]] يؤيدون إسماعيل صدقي باشا===
إسماعيل صدقي سياسي عتيق، اشتهر بالشدة واللجوء إلى وسائل القمع، والاستهتار بالقواعد الدستورية. وكان قد تولى وزارة الداخلية أول مرة سنة [[1924]]م أثناء تفاقم الأزمة بين الشعب ال[[مصر]]ي والاحتلال البريطاني بعد اغتيال السير لي ستاك باشا. ولقد بلغت سمعة إسماعيل صدقي درجة من السوء حملت [[حسن البنا]] على رفض القيام بإلقاء خطبة في حفل أقيم لاستقبال رئيس الوزراء، أي إسماعيل صدقي، عند مروره ب[[الإسماعيلية]] أيام كانت حركة [[الإخوان]] ما زالت في طفولتها سنة 1248هـ / [[1930]]م، وعندما كان [[حسن البنا]] شابا في مقتبل العمر، في الرابعة والعشرين ، غير معروف لجماهير ال[[مصر]]يين. وقد هدد [[حسن البنا]] بالاستقالة من وظيفته الحكومية إن حاول ناظر المدرسة إجباره على أن يخطب أمام رئيس الوزراء المكروه.
إسماعيل صدقي هذا تولى رئاسة الوزارة مرة ثانية في شهر شباط ( [[فبراير]]) [[1946]]م. ولكنه كان يفتقر إلى التغطية الشعبية، لأنه كان من السياسيين المستقلين منذ ترك حزب الأحرار الدستوريين، وكذلك لسوء سمعته السياسية. ولذا فقد جاء يسعى – بعد ترشيحه لمنصب رئاسة الوزراء- للحصول على دعم [[الإخوان]] لحكومته باعتبارهم هم القوة الشعبية الوحيدة التي تستطيع الوقوف في وجه الوفدـ وبجانب ذلك فقد كان صدقي- فيما أرجح- يعرف سذاجة [[الإخوان]] وسهولة خداعهم وإقناعهم.
ويخبرنا الأستاذ [[محمود عبد الحليم]] بلغته:" اتصل صدقي بالأستاذ المرشد وكاشفه باتجاه النية غلى اختياره لرئاسة وزارة غير حزبية لمفاوضة [[الإنجليز]]، وأنه أرجأ رده بالقبول أو الرفض حتى يعرض الأمر على [[الإخوان المسلمين]] وينتهي معهم على وضع معين. فصارحه الأستاذ المرشد: إن ما شاع بين الناس عن تاريخك السياسي قد يبعث على النفور منك، ولكننا نحن [[الإخوان المسلمين]] مقيدون بقول الله تعالى:" '''ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ) فنستمع إليك ونزن ما تقول بميزان دعوتنا.. "''' فرد صدقي بمهاجمة خصومه السياسيين، وأشار إلى أن سلوكه كان مرتبطا بالمرحلة السياسية السابقة، " أما وقد تطورت هذه الحياة السياسية، ونشأت فيها هذه الهيئة ( [[الإخوان]]) التي تقوم على الدين والخلق، فلا يسعني حين أتقدم إليها إلا أن أخلع الثوب الذي لبسته طول حياتي وأعلن لها توبتي وافتتاح صفحة جديدة..".
" طلب الأستاذ المرشد من صدقي باشا أن يمهله حتى يجمع الهيئة التأسيسية [[للإخوان]] ويعرض عليهم الأمر. والأمر في هذه الحالة يقتصر على أخذ رأي الهيئة فيما إذا كانت تقبل التفاهم مع رجل مثل صدقي باشا له ماض قريب، وقد جاء مقرا بأخطائه، معلنا التوبة، عازما على افتتاح صفحة جديدة" وقبلت الهيئة. وبين المرشد لصدقي الحد الأدنى من المطالب ال[[مصر]]ية في أية مفاوضات مع [[الإنجليز]] الجلاء عن وادي النيل ووحدة [[مصر]] و[[السودان]]، وأعلن صدقي القبول ، وشكل الوزارة . ثم ماذا؟
ثم سير [[الإخوان]] مظاهرات ضخمة يوم 21 شباط ([[فبراير]]) [[1946]] م تأييدا لحكومة صدقي تطالب بالجلاء. وقد تصدى [[الإنجليز]] للمظاهرات بالعنف فسقط عدد من القتلى والجرحى ، وقد حمى [[الإخوان]] الحكومة من ضغوط الوفد وأفشلوا محاولاته لتنظيم إضراب في الجامعة، ولإثارة الشعب ضد الحكومة في أوائل شهر آذار ( [[مارس]]) [[1946]]م.
لكن إسماعيل صدقي ما لبث أن نكل عن تعهده وأبدى استعداده للتنازل عن حقوق البلاد بعد أن رفض [[الإنجليز]] المطالب الوطنية، ولهث وراء [[الإنجليز]] في موقف ذليل. وعندما قاوم [[الإخوان]] هذا الانحراف استعمل أساليب القمع ضدهم، وحاول الإصرار على المضي في سبيله للتوقيع على اتفاقية مع [[الإنجليز]] مفرطا في حقوق البلاد، ولم يثنه عن ذلك إلا موجة من إلقاء القنابل على مراكز الشرطة حملته على تقديم استقالته.
لا مراء في أن اتفاق [[الإخوان]] مع إسماعيل صدقي باشا وتأييدهم لحكومته لا يقارن باتفاق [[حسن البنا]] مع النحاس سنة [[1942]]م . بيد أن المسلك [[الإخوان]]ي في الحالتين كان يفتقر إلى الوعي السياسي ويستند إلى مبررات أسئ فهمها، وعلى التلهف والاستعداد لدفع أي ثمن سياسي في سبيل تحقيق أهداف وهمية. فلم يكن من الحكمة في شئ أن ينساق [[الإخوان]] في تأييد إسماعيل صدقي لمجرد إعلانه توبة كاذبة، ووعودا ما كان ينبغي أن تقبل ممن عرف عنه عدم الصدق.
لقد كان بوسع [[الإخوان]] أن يعدوا صدقي بعدم معارضته إلا أن ينحرف، وأن يعدوه بالتأييد العملي والتغطية الشعبية حين يرون منه الخطوات العملية القويمة في سبيل تحقيق الأهداف الوطنية، لا بمجرد وعد كلامي. أما الآية الكريمة التي سيقت لتبرير موقف [[الإخوان]]: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا " ليس هذا موضعها الصحيح، إن موضعها في ميدان معكرة حربية حسين يستسلم أحد جنود العدو ويعلن إسلامه. ذلك هو المعنى الذي يوضحه سبب نزول الآية الكريمة في موقف لأسامة بن زيد رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما إسماعيل صدقي فجاء ليتولى رئاسة الوزارة والسلطة على كل أجهزة الحكومة وجيشها وشرطتها وإدارتها وليحكم البلد. لم يجئ مستسلما وإن كان قد لبس جلد حمل. وعندما قرر السير في طريق الانحراف- بعد الاستسلام والتوبة المزيفة- كشر عن أنيابه المعروفة قديما، واستعمل أسلوب العنف والقمع ضد من استغفلهم وأظهر لهم استسلامه وتوبته المزعومة. لقد كان [[الإخوان]] في غنى عن الظهور بمظهر المطايا والأدوات في يد إسماعيل صدقي وحكومته. 
=== [[الإخوان]] يفاوضون [[الإنجليز]]؟ ===
وبينما كنت منغمسا وغارقا في إعداد هذه الدراسة التي بين يدي القارئ – بعد ما يقرب من ستين سنة من الأحداث التي نتناولها- وجدتني أمر بما كتبه الدكتور [[فريد عبد الخالق]]، من بين ما مررت به من مصادر ومؤلفات، حيث كتب . من ضمن ما رواه:
" .. وكان [[الإخوان]] قد تمكنوا من الوصول مع المستشار الشرقي للسفارة البريطانية إلى الجلاء غير المشروط.. ولكن الإنذار والتهديد البريطاني أوجد عنده( عند [[جمال عبد الناصر]]) استعدادا لقبول بعض الشروط.. "
إذن ، الأخ [[فريد عبد الخالق]] يعلم أن [[الإخوان]] فاوضوا [[الإنجليز]] بشأن موضوع جلاء قواتهم عن [[مصر]]، ونجحوا وتمكنوا من الوصول إلى موافقة بريطانية على الجلاء غير المشروط، إلا أن [[جمال عبد الناصر]] صار عنده استعداد لقبول الشروط من جراء خوفه من التهديدات البريطانية.
وحيث أن هذا الكلام قد صدر من جهة واحدة من طرفي الخلاف ( وهي الطرف [[الإخوان]]ي) ، فإن الباحث ملزم بالتدقيق التزاما أقوى ليصل إلى حكم صحيح يطمئن إليه، إما بقبول الرواية تماما، أو بتعديل المضمون حسب ما توصل إليه، أو بإبقائها موضع الشك والحاجة إلى مزيد من الفحص والتدقيق. وأول خطوات الفحص والتدقيق أن ننظر في النص متكاملا، بمقدماته وتوابعه، قبل أن نتجه إلى مصادر أخرى.
'''لقد بدأ الحديث عن الموضوع من أول صفحة 103 في كتابه تحت عنوان:'''
'''" اتهامات للتمهيد لضرب [[الجماعة]]"'''
" .. الضربة الأولى سددها [[جمال عبد الناصر]] ل[[جماعة الإخوان المسلمين]] في أول [[يناير]] [[1954]]م .. جاءت على أثر توقف المباحثات بين حكومة [[جمال عبد الناصر]] و[[الإنجليز]] بخصوص الاتفاق حول الجلاء عن قاعدة [[قناة السويس]]، وتوجيه [[الإنجليز]] إنذارا إلى [[مصر]] يهددها باتخاذ إجراءات عنيفة عندما اختفى أحد أفراد السلاح الجوي البريطاني. وكان [[الإخوان]] قد تمكنوا من الوصول مع المستشار الشرقي للسفارة البريطانية إلى الجلاء غير المشروط، حيث تم الاتصال به استجابة لطلب مباشر من السفير البريطاني في [[القاهرة]] للتعرف على رأي [[جماعة الإخوان المسلمين]] فيما يرتضونه لنجاح مفاوضات الجلاء التي ستبدأ مع الحكومة، وسبق هذا الاتصال إخطار [[جمال عبد الناصر]] وموافقته عليه، والتفاهم المباشر بينه وبين المرشد في الموضوع، كما لحقه إخطاره بالنتائج أولا بأول، وإعرابه هو وبعض زملائه في زيارتهم للمرشد في منزله عن سرورهم بها.
ولكن الإنذار والتهديد البريطاني أوجد عنده استعدادا لقبول بعض الشروط، كما زكاه عنده تدخل زيارة وزير خارجية أمريكا ل[[مصر]] ( كذا في الأصل ) وتأكيده موقف أمريكا السابق حينما استجابت لدعوة بريطانيا بحظر تقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية ل[[مصر]] ورفضها للاتفاق معها، فافتعل حادثة [[للإخوان]] في جامعة [[القاهرة]] أثناء احتفالهم بذكرى أحد شهداء [[الإخوان]]، بأن أرسل مجموعة من الجنود، وبعض شباب هيئة التحرير ليفسدوا على الطلبة هذا الاحتفال، وتطور الأمر إلى صدام مسلح ضد [[الإخوان]] الذين تمكنوا- رغم ذلك- من إرغامهم على الفرار.
وفي هذه الليلة وقعت الواقعة، إذ هاجمت قوات الشرطة بيوت [[الإخوان]]، كما فتشوها، وأرهبوا النساء والأطفال بقسوة.. واقتادوا [[الإخوان]] مكبلين بالحديد إلى السجن الحربي ومعتقل العامرية..الخ..
هنا نجد الأستاذ [[فريد عبد الخالق]] - رحمه الله- يؤكد أن [[الإخوان]] تفاوضوا مع [[الإنجليز]]، لكنه لا يقف عند ذلك، بل يضيف أن [[الإخوان]] حققوا من خلال تفاوضهم أفضل مما ارتضاه [[جمال عبد الناصر]] فيما بعد، حيث أجبره الخوف على تقديم تنازلات وقبول شروط، على عكس مفاوضي [[الإخوان]] الذين" .. تمكنوا من الوصول .. إلى الجلاء غير المشروط.."
'''ونتيجة لذلك قرر جمال توجيه ضربة إلى [[الإخوان]].. لماذا ؟'''
'''هل لأنهم حصلوا على نتيجة أفضل مما حصل عيه فضربهم بفعل الغيرة؟'''
'''أو خوفا من أن يأخذوا تقدير الشعب ال[[مصر]]ي وولاءه ويمنعوا ذلك عنه؟'''
'''أم لتطمين [[الإنجليز]] وإقناعهم بأن [[الإخوان]] تحت السيطرة؟'''
'''لم يبين لنا الدكتور فريد السبب، من هذه الثلاثة أو غيرها.'''
'''غير أن في هذه الرواية وهذا النص الذي نقلناه حرفيا ما لا يمكن غض الطرف عنه أو تجاهله أو المجاملة فيه.'''
إنه لما يثير العجب أن يقول لنا الدكتور فريد أن [[الإخوان]] فاوضوا [[الإنجليز]] بناء على طلب السفير – حسب النص المقتبس- الذي أراد أن يتعرف على رأي [[الإخوان]] قبل أن تبدأ المفاوضات ال[[مصر]]ية البريطانية مع الحكومة ال[[مصر]]ية، وليس مع [[الإخوان]]، بل للتعرف على " ما يرتضونه لنجاح مفاوضات الجلاء التي ستبدأ مع الحكومة.."
السفير إذن ، لم يرسل المستشار الشرقي للتفاوض مع [[الإخوان]]، بل أرسله للتعرف على رأي [[الإخوان]]. ولسنا نعرف إن كان [[الإخوان]] قد خطر ببالهم أن يفكروا في الهدف من سعي [[الإنجليز]] للتعرف على رأي [[الإخوان]] بيد أن من البديهي أنهم كانوا يبحثون عن نقاط الضعف في الجانب ال[[مصر]]ي ليستغلوها عند تفاوضهم معه.
فكيف فهم [[الإخوان]] أن المستشار جاء ليفاوضهم؟ وهل يعقل أنهم فهموا ذلك، وهل كان فهمهم ثقيلا لهذه الدرجة .
أم أن [[الإخوان]] سعوا للانخراط في المفاوضات من تلقاء أنفسهم وأخذوا دور الحكومة، ربما لأنهم لا يعترفون بأن تلك الحكومة تمثل الشعب ال[[مصر]]ي، ودون أن يدركوا أن الاتصال البريطاني كان بغرض التمهيد للتفاوض مع الحكومة ال[[مصر]]ية، ليكون لدى المفاوض البريطاني فهم أفضل لوضع الجانب ال[[مصر]]ي، بما في ذلك موقف هذه القوة الشعبية ال[[مصر]]ية الممثلة في [[الإخوان المسلمين]]؟
ومع ذلك قالوا: إنهم أخبروا الحكومة قبل القيام بذلك الدور، وكانوا يبلغونها بالنتائج.
وإذا كان [[الإخوان]] قد فهموا هذا الفهم، أو تجاهلوا هدف- أو أهداف- السفير من إرسال المستشار، وهو التعرف على رأي [[الإخوان]]، وحرصوا على أن يدخلوا هم في المفاوضات بدلا عن الحكومة، فهل نسي المستشار الشرقي حدود مهمته، أو تجاهل التعليمات التي أصدرها له السفير البريطاني، وانهمك في مفاوضات مع [[الإخوان]] من تلقاء نفسه كما فعلوا هم من تلقاء أنفسهم؟
أم أن السفير الذي جاء ليتعرف على رأي [[الإخوان]] موقفهم كان يستمع ويهز رأسه مظهرا الأدب، فاعتبروا ذلك إيماء بالموافقة أو قال لهم: هذا طيب this good أو مثل ذلك.
ألم تكن العلاقات متوترة بين [[الإخوان]] والحكومة منذ فصل [[جمال عبد الناصر]] المقدم [[عبد المنعم عبد الرءوف]] من [[الضباط الأحرار]] قبل [[الثورة]] بستة أشهر أو ثلاثة أشهر؟
ألم يكن التوتر موجودا عندما قال جمال للمرشد [[حسن الهضيبي|الهضيبي]] يوم 30 [[يوليو]] 52 أي بعد أسبوع واحد من حدوث الانقلاب، أو [[الثورة]] : " أنا لا أقبل وصاية أحد على [[الثورة]]"؟ ثم استمر التوتر يتصاعد بعد ذلك؟
أو لم يفكر [[الإخوان]] أن جمال الذي يخاصمونه – بغض النظر عما إذا كان الحق معهم أم معه- يمكن أن يناورهم ليورطهم مستغلا سذاجتهم وغفلتهم، كي يضعهم في موضع الاتهام، ثم يضربهم بقسوة؟
أم أن [[الإخوان]]  أرادوا الدفاع عن أنفسهم ونفي تهمة التفاوض من وراء ظهر الحكومة، فجاء دفاعهم بهذه السذاجة، وبهذه الدرجة من الضعف والتناقض؟ لقد أعلنوا أنهم فاوضوا [[الإنجليز]] بينما [[الإنجليز]] أنفسهم لم يأتوا لمفاوضتهم، ولم يدخلوا معهم في مفاوضات ، ولكن [[الإخوان]] أنفسهم توهموا أنهم فاوضوا [[الإنجليز]] فأعلنوا ذلك، وتفاخروا بأنهم حققوا نتائج أحسن من تلك التي حققها [[جمال عبد الناصر]] ورجاله.
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
==الفصل الخامس==
===ممارسة العنف في العمل السياسي الداخلي===
اتسمت الحياة السياسية في [[مصر]]- من بين ما ميزها من سمات- بصراع سياسي حاد لم يتقيد بحدود التنافس الواعي وإنما تعدى الحزبيون هذه الحدود وانغمسوا في صراع أضر بهم وبوطنهم وبجهادهم ضد الاستعمار. وعندما بلغ [[الإخوان]] نهاية المرحلة الأولى من سيرتهم الطويلة حوالي سنة [[1938]]م كانت العناصر المستغربة أو العلمانية التي قادت نضال الشعب ال[[مصر]]ي منذ سنة [[1919]]م ما زالت توجه دفة مسيرة الحياة الاستقلالية بالرغم من أنها " انتهت إلى التهادن مع الاستعمار الأجنبي بدل أن تتصدي لمقاومته.
لقد أغرتها مواقع السلطة والنفوذ التي احتلتها، كما وجهتها الامتيازات الطبقية التي حصلت عليها.." في هذه الأجزاء دخل [[الإخوان]] معترك الحياة السياسية في [[مصر]] حوالي سنة [[1938]]م بكثير من الحماسة، وكثير من الإخلاص، وقليل من الخبرة ، وقليل من الوعي والإدراك، فانغمسوا في العنف إلى الأذقان. والعنف الذي نقصده هما هو الموجه ضد القوة السياسية ال[[مصر]]ية المنافسة، ولا يدخل ضمنه جهاد [[الإخوان]] في [[فلسطين]] أو جهادهم في معارك منطقة القنال ضد القاعدة البريطانية سنة [[1951]]- [[1952]]م ، لأن ما قام به [[الإخوان]] في [[فلسطين]] والقنال ينبغي أن يكون محل تقدير وإعجاب. وبالرغم من أن هذه الأعمال قد تكون خالطتها بعض الأخطاء فإنه لا مجال لمناقشتها هنا. وعندي أن وضوح الهدف ووضوح الطريق هما اللذان أعطيا روح [[الإخوان]] [[الجهاد]]ية المتوثبة مجال انطلاقها الفسيح فأمكنهم إتمام إنجازاتهم المجلية في ميدان القتال.
أما تحركات [[الإخوان]] في الأحداث الداخلية ل[[مصر]] فلها شأن آخر. ففي سنة [[1946]]م شهدت [[القاهرة]] عددا من الهجمات التي تعرضت فيها مراكز الشرطة لإلقاء القنابل بهدف إسقاط حكومة رئيس الوزراء المكروه إسماعيل صدقي باشا ، وقد اضطر صدقي إلى الاستقالة. وبعد سنتين كانت [[القاهرة]] مسرحا لاشتباكات دامية ومتكررة بين [[الإخوان]] ورجال الشرطة، وذلك خلال سنة [[1948]] وامتدادا إلى الأشهر الأولى من عام [[1949]]، حيث قام أفراد [[النظام الخاص]] باغتيالات ونسف وإلقاء قنابل.
وبينما كان بعض هذه الأعمال موجها ضد الوجود العسكري البريطاني، وبعضها الآخر ضد [[اليهود]] ال[[مصر]]يين ، فقد استهدف منتسبوا " [[النظام الخاص]]" عددا من الشخصيات الحكومية ال[[مصر]]ية. وقد وجهت التهم في أكثر هذه الحوادث [[للإخوان المسلمين]]، وللنظام الخاص بالذات، واعترفت المصادر [[الإخوان]]ية بصحة الاتهام في عدد من هذه الأعمال، فكان من ذلك ما كتبه [[صلاح شادي]] إذ قال إن '''" السبب في كشف كل الأحداث التي قام بها [[النظام الخاص]] يعود إلى سوء التخطيط "''' بالإضافة غلى المغالاة في الطاعة.
وأضاف أن " [[حادث اغتيال الخازندار فى الميزان|حادث الخازندار]]، وحادث [[محمود فهمي النقراشي|النقراشي]]، وحادث المحكمة، وحادث حامد جوده، وقبلها حادث النادي البريطاني- بغض النظر عن علم المسئولين بها أو عدم علمهم- لم تحظ بقدر كاف من التخطيط السليم ، وهذه الأحداث كانت أظهر من قام به [[النظام الخاص]] سنة [[1948]]م، وما قبلها.. وكلها ضبط فاعلوها." ومن الواضح أن [[صلاح شادي]] – في تعليقه هذا- لم يقصد أن يعلن استنكاره لهذه الأعمال، بل إنه أراد انتقاد [[عبد الرحمن السندي]]- قائد [[النظام الخاص]]- والإزراء به والتهوين من قدراته القيادية. وفيما يلي نلقي نظرة سريعة على  كل واحد من الأحداث التي شهدتها فترة [[1948]]- [[1949]]م.
====أولا: اغتيال القاضي أحمد الخازندار====
كان القاضي أحمد الخازندار رئيس دائرة الجنايات بمحكمة الاستئناف وكان يقيم في [[حلوان]]. وبينما كان خارجا من منزله صبيحة يوم 22 آذار [[1948]]م متجها إلى المحطة ليركب القطار الذاهب إلى [[القاهرة]] اعترضه شابان وأطلقا عليه النار فصرعاه فورا. وكان هذان الشابان ، محمود زينهم وحسن عبد الحافظ، من [[الإخوان المسلمين]]، وقد " حكم عليهما بالسجن المؤبد في 22 [[نوفمبر]] سنة [[1948]]م" وقد تبين أن إقدامهما على ارتكاب هذه الجريمة قد تم بغير علم المرشد، الأمر الذي ترك في نفسه أسوأ الأثر.
وأراد المرشد بادئ الأمر أن يتحقق مما إذا كان هذا الحادث نفذ بأمر [[عبد الرحمن السندي|السندي]]، ظنا باحتمال ارتكابه من قبل بعض الطلبة غير لمسئولين. '''" واستفسر الأستاذ [[البنا]] من مسئول قسم الطلاب فأكد له المسئول بأنه "''' لا يمكن أن يصدر لأحد من الطلاب أمرا بهذا الخصوص. وأخذ الغضب والأسف من المرشد كل مأخذ وهو يقول: إن هذا يعني تدمير [[الجماعة]] الذي قضى عمره في بنائها، وأن الرصاصات التي أطلقت على الخازندار إنما أطلقت على صدره هو، أي المرشد.
ولم يخفف من هول الحادث ما تذرع به [[عبد الرحمن السندي|السندي]] عندما ووجه برد الفعل هذا لدى المرشد، فادعى أن المرشد قال في مجلس عام: " إن القاضي يستاهل القتل .. جزاء على أحكامه القاسية ضد شباب ( من [[الإخوان]]) كانوا يحملون قنابل وضبطوا بها أمام نادي الجيش [[الإنجليز]]ي قبل أن تنفجر ـ في حين حكما هو نفسه، أي القاضي على سفاح [[الإسكندرية]] الذي ارتكب الكثير من جرائم القتل وهتك الأعراض، ونشر الرعب في [[الإسكندرية]] بالسجن سبع سنوات فقط" قد ذهب [[عبد الرحمن السندي|السندي]] إلى أنه فهم من عبارة المرشد أنها إذن ضمني بقتل القاضي.
====ثانيا: قتل اللواء سليم زكي ، حكمدار [[القاهرة]] ====
وفى الرابع من كانون الأول( [[ديسمبر]]) [[1948]]م نظم [[الإخوان]] مظاهرة صاخبة في حرم جامعة [[القاهرة]]، وجاءت قوة من رجال الشرطة يقودها اللواء سليم زكي حكمدار [[القاهرة]]، وحدثت اشتباكات بين الطلبة والشرطة، فاعتصم عدد من الطلبة فوق أسطح المباني، وألقى أحدهم قنبلة أصاب بها اللواء سليم زكي فأردته قتيلا على الفور. ولم تتمكن سلطات التحقيق من توجيه التهمة لأي طالب بعينه، لكنها وجهتها إلى [[الإخوان]] بصفة عامة، لأنهم نظموا المظاهرة وقادوها .
وقد برر [[الإخوان]] قتل اللواء سليم زكي بدوره في قمع مظاهرة وطنية قام بها الطلبة يوم التاسع من شباط ( [[فبراير]]) [[1946]]م. وكانت تلك المظاهرة المشار إليها قد انطلقت من جامعة [[القاهرة]] واتجهت إلى قصر عابدين احتجاجا على ما ظهر من نية بريطانيا على الاستمرار في احتلال [[مصر]] والتسويف في تحقيق المطالب الوطنية ال[[مصر]]ية بالجلاء، ووحدة وادي النيل.
وقد ذكرت بعض المصادر [[الإخوان]]ية أن مائة وستين طالبا أصيبوا بجراح بينما فقد ثمانية وعشرون طالبا كانوا يلقون بأنفسهم في النيل من شدة إطلاق الرصاص من قبل الجنود الذين قادهم اللواء سليم زكي. ويبدو أن اتهامات [[الإخوان]] لسليم زكي كانت مبالغا فيها لدرجة كبيرة، فقد تناول المؤرخ عبد الرحمن الرافعي- وهو محام مشهور ومن زعماء [[الحزب الوطني]]- حادثة كوبري عباس بالوصف والبحث دون أن يشير إلى [[الإخوان]] بالذات، فذكر أن عدد الإصابات بلغ أربعا وثمانين إصابة وأضاف أن إشاعات انطلقت مفادها" أن بعض الطلبة قتلوا فيها. وبعضهم غرقوا في النيل من أعلى الكوبري، وقد تحققنا أنه لم يقتل أحد ولا غرق أحد في هذه الواقعة بالذات، ولو قتل أو غرق أحد لذكر اسمه ولو بعد حين" . ولم تكن هذه المظاهرة إخوانية فقط، بل شاركت فيها كل القوى السياسية المعارضة.
كذلك أخبرني الدكتور محمد عبد الحي شعبان أنه كان من المشاركين في تلك المظاهرة ومن بين الذين أنيط بهم الإشراف على النظام. وأكد أنه كان عند فتحة الجسر، ولم ير أحدا من الطلبة يسقط في النيل. وقال إن عددا من الطلاب أصيبوا من جراء الضرب فأخذ بعضهم إلى عيادة الدكتور برادة- وكانت قريبة من المكان- فأسعفوا وذهبوا إلى بيوتهم. وقد سمع أن ثمانية من زملائه الطلاب أدخلوا مستشفي القصر العيني للعلاج، فذهب لزيارتهم فلم يجد أحدا. وقال إنه سمع إشاعات بعد ذلك عندما ذهب إلى قريته عن سقوط بعض الطلاب في النيل، ولكنه لا يعتقد بصحتها باعتباره كان مشاركا، وكان في موقف يسمح له برؤيته ما يحدث ومعرفته.
بل إن عبارة الأستاذ [[محمود عبد الحليم]] عن هذه النقطة توحي بالظن لا باليقين ، فهو يقول: '''" وقد أصيب 160 طالبا إصابات شديدة وفقد 28 طالبا كانوا يلقون بأنفسهم من فوق الكوبري في النيل من شدة الضرب بالرصاص "''' فهو لم يقل غرقوا ولا ماتوا بل قال فقدوا الكارثة." وهي كلمة قد تعني أنهم فروا ، وربما اختفوا عن الأنظار خشية الملاحقة.
وثمة شاهد إسلامي آخر، هو القيادي في [[النظام الخاص]] [[أحمد عادل كمال]]، قال إنه شهد المظاهرة، وكانت سليمة قادها الأخ [[مصطفى مؤمن]]، وحدث فيها ضرب وإصابات وقفز في النيل، " وقد شهدتها وأصابتني بعض هراوات الشرطة، لكن الذي أؤكده أن أحدا لم يقتل يومها، رغم أن كثيرين ألقوا بأنفسهم من فوق الكبري إلى النيل.. وفضت المظاهرة بعنف بالغ.." وأسفرت عن مئات الجرحى.
====ثالثا: اغتيال رئيس الوزراء====
ونتيجة لهذه الأعمال أصدر رئيس الوزراء [[محمود فهمي النقراشي]]، أمرا بحل [[جماعة الإخوان المسلمين]] في الثامن من كانون الأول ( [[ديسمبر]]) [[1948]]م، ورد [[الإخوان]] على ذلك باغتياله في الثامن والعشرين من الشهر نفسه على يد الطالب عبد المجيد أحمد حسن، عضو [[الإخوان المسلمين]] الذي اعترف بأن الحادث كان انتقاما لما أنزله رئيس الوزراء ب[[جماعة الإخوان]] وقد بذل [[المرشد العام]] [[حسن البنا]] " محاولات متعددة ومريرة .. في تجنب هذه الكارثة.." ولكن دون جدوى.
====رابعا: محاولة نسف محكمة الاستئناف====
وفي الثالث عشر من كانون الثاني( [[يناير]]) [[1949]]م جرت محاولة قام بها أحد إخوان [[النظام الخاص]] لنسف مقر محكمة الاستئناف بميدان باب الخلق بمدينة [[القاهرة]]، وقد جرت المحاولة بأمر من [[عبد الرحمن السندي]] الذي كان معتقلا آنذاك على ذمة قضية أخرى عرفت بـ '''" [[قضايا النظام الخاص للإخوان .. قضية السيارة الجيب|سيارة الجيب]]"''' . وقد فشلت المحاولة لأن واحدا من الحراس تنبه لوجود الحقيبة المليئة بالمتفجرات، فسارع بنقلها إلى خارج المبنى، وما لبثت أن انفجرت بعد قليل محدثة فجوة عميقة في الميدان، وتلفا كبيرا في دار المحكمة وتكسير زجاج نوافذها. وأصيب من جراء الانفجار خمسة عشر شخصا أغلبهم من المارة. وقد دلت ملابسات هذا الحادث على أن المحاولة كانت تستهدف نسف مكتب النائب العام وما فيه من أوراق ووثائق تدين بعض.. أعضاء [[الجماعة]].. وقد ضبط الجاني وحكم عليه في [[مارس]] سنة [[1949]]م بالأشغال الشاقة المؤبدة".
====خامسا: محاولة اغتيال [[إبراهيم عبد الهادي]]، رئيس الوزراء====
وما لبثت حكومة [[إبراهيم عبد الهادي]] أن أعدت عملية اغتيال الإمام [[حسن البنا]]، فتم الاغتيال يوم 12 شباط ( [[فبراير]]) [[1949]]م بأيدي رجال الأمن المتنكرين بثياب مدنية، وبموافقة القصر وتأييده بطبيعة الحال. وعلى أثر ذلك حاول [[الإخوان]] اغتيال رئيس الوزراء، فاستأجروا بيتا يقع على طريق انتقاله بين [[القاهرة]] و[[حلوان]]، وهيئوا فيه كمينا لتنفيذ العملية، غير أن خطتهم لم تكن بالدقة المطلوبة، فأثناء تربصهم ب[[إبراهيم عبد الهادي]] مرت سيارة رئيس مجلس النواب، حامد جودة، فظنوها سيارة رئيس الوزراء، فأمطروها بالقنابل، وبصليات مدفع رشاش، لكنهم أخطئوا الهدف، واستطاع السائق أن يفر بمن معه دون أن يصاب أي منهما. بيد أن الحادث لم يمر دون ضحايا فقد قتل شخص عابر جره أجله إلى موقع العملية.
====سادسا: إلقاء القنابل على الشرطة من المدرسة الخديوية====
في السادس من كانون الأول( [[ديسمبر]]) [[1948]]م تجمع طلبة المدرسة الخديوية( وهي مدرية ثانوية) في تظاهرة داخل المدرسة، وألقى أشخاص من بينهم قنبلتين على رجال الشرطة الذين كانوا يقفون خارج سور المدرسة، فأصيب ثمانية جنود بينهم ضابط، وقد اتهم أعضاء من [[الإخوان]] بالقيام بهذه العملية.
====سابعا: ويدخل في إطار هذه الحوادث انسياق [[الإخوان]] لاشتباك مسلح في حرم جامعة [[القاهرة]] ====
في الثاني عشر من كانون الثاني ( [[يناير]]) [[1954]]م، مع طلاب آخرين يتظاهرون تأييدا لحكومة [[الثورة]]، ومعهم أعضاء منظمات الشباب الحكومية، من خارج الجامعة. وذهبت الرايات [[الإخوان]]ية إلى أن طلاب [[الإخوان]] انتصروا وقلبوا السيارة التي كانت تحمل مكبرات الصوت التي استخدمها الطرف الآخر وأحرقوها. وأجبروا خصومهم على الفرار. وقد اتخذت تلك الحادثة – مع غيرها- ذريعة لحل [[الجماعة]].
===هجمات ضد [[اليهود]] ال[[مصر]]يين===
وبجانب ذلك فإن الفترة ذاتها شهدت عددا من الهجمات ضد مؤسسات وأحياء يهودية وأجنبية في [[القاهرة]] و[[الإسكندرية]]. ويبدو أن عددا من هذه الهجمات قد تم بأيدي [[الإخوان]]، وإن كانت السلطات الحكومية لم تثر هذا الاتهام. ونحن نستدل على نسبة هذه الحوادث إلى [[الإخوان]] مما كتبه الأستاذ [[صلاح شادي]] في معرض تعليقه على الاتهامات التي وجهتها الحكومة [[للإخوان]] في القضايا الأخرى باعتبارها مسوغات قرار حلهم. وقد بدا الأسف على [[صلاح شادي]] لأن بيان الحكومة لم ينسب هذه الهجمات الموجهة ضد [[اليهود]] إلى [[الإخوان]] كما فعل بالنسبة للهجمات الأخرى السابقة التي عددناها.
وظاهر أن الرائد شادي اعتبر تلك الهجمات التي أغفلت الحكومة نسبتها إلى [[الإخوان]] مدعاة فخر، وأن الحكومة أرادت أن تحرمهم منه، وفي ذلك قال: " وأخيرا من العجيب أن قرار الحل لم يشر إلى شئ من حوادث نسف حارة ( [[اليهود]] القرائين) أو حادث حارة ( [[اليهود]] الربانيين ) أو حوادث شركة الإعلانات الشرقية أو حوادث جاتينيو .. لأن السبب في هذه الأحداث كان كامنا في قبول [[محمود فهمي النقراشي|النقراشي]] توقيع الهدنة الثانية مع [[اليهود]] في الوقت الذي كانت فيه كتائب [[الإخوان المسلمين]] تقذف فلذات أكبادها في [[فلسطين]] لحرب [[اليهود]]، فأراد [[محمود فهمي النقراشي|النقراشي]] أن يسدل ستارا من التعتيم على قرار الهدنة الذي كان يمهد له".
هذا النشاط الحركي الذي مارس [[الإخوان]] خلاله العنف الذي ذكرنا لم يخضع حتى الآن لدراسة علمية من جانب كتابهم للاستفادة مما فيه من عبر ودروس. لقد اكتفى [[الإخوان]] حتى الآن بالنظرات العاطفية السريعة وأطلقوا الاتهامات والتفسيرات التي تعينهم على استبعاد أي إدراك لأخطائهم. وما دام الاستعمار هو الذي يسعى لتدمير الإسلام ممثلا في حركة [[الإخوان المسلمين]] فإن أعداء الإسلام لا يحتاجون إلى دوافع غير رغبتهم الجامحة وعدائهم الحاقد على الإسلام. ذلك هو جل ما توصل له [[الإخوان المسلمون]] أفرادا وجماعة لتفسير الأحداث.
ولقد برر [[الإخوان]] لأنفسهم هذه الأعمال ضد السلطة باعتبار أنها سلطة فاسدة تعمل مع العدو الأجنبي ضد مصلحة البلد وهي سلطة غير إسلامية، بل معادية للإسلام الحقيقي. ومن هنا وجدوا المبررات الدينية والوطنية لهذا اللون من النشاط. أما الهجمات التي استهدفت [[اليهود]] ومؤسساتهم فلم يكن لدى [[الإخوان]] ما يدفعهم لمساءلة أنفسهم عن شرعيتها من الناحية الإسلامية أو الوطنية، ف[[اليهود]] يرتكبون المذابح ضد المسلمين في [[فلسطين]]، والشركات [[اليهود]]ية تسيطر على قطاعات هامة من الاقتصاد ال[[مصر]]ي. ومن الحق أن نقول أن عملية مهاجمة [[اليهود]] كانت تلقى التأييد الشامل من الجماهير في البلاد العربية كرد فعل لما قامت به العصابات [[الصهيونية]] وما كانت تقوم به ضد الشعب ال[[فلسطين]]ي. غير أن موقف حركة [[الإخوان]] بشعاراتها وأهدافها وما يفترض فيها من وعي، وأهلية مفترضة لقيادة الشعوب الإسلامية، لا يجيز أن تكون نظرتها ومواقفها وتحركاتها محكومة بالانفعالات التي تحكم سلوك عامة الناس.
لا مراء في أن الشعوب تمارس الاحتجاج على تصرفات الحكام، وتمارس الضغط عليهم أحيانا، بل قد تنفجر عمليات عنف على نطاق ضيق من النوع الذي [[مارس]]ه [[الإخوان]] في [[مصر]]، وفي بلدان أخرى غير [[مصر]] في بعض الأوقات أيضا. إن الشعوب تلجأ إلى الاحتجاج عن طريق تقديم العرائض، والشكاوي، عن طريق التظاهر، عن طريق الإضراب. وقد عرف تاريخ المسلمين في القرون الماضية أمثلة من هذه المقاومة كما عرفها تاريخ البشرية منذ العصور القديمة.
ولقد مارسها [[الإخوان]] أيضا، قبل ومع ممارستهم لأعمال العنف التي عددنا. ولو أن [[الإخوان]] اكتفوا بأساليب الاحتجاج التي لا تصل إلى استعمال الأسلحة والقنابل والحرائق في ممارستهم داخل بلدهم ومجتمعهم، لو أنهم التزموا هذا الحد إذن لجنبوا أنفسهم ومجتمعهم ما أوقعوه فيه من كوارث، ولحفظوا سمعة حركتهم مما شانها. أما حين يقررون أن النظام فاسد فسادا لا رجاء في إصلاحه.
وأن الأبواب كلها مسدودة في طريق أي إصلاح سلمي فعال بقوة السلطة الغاشمة المستبدة، فقد كان عليهم ألا يقدموا على أي عمل عنفي إلا من خلال قرار مدروس، وخطة شاملة ومعركة فاصلة تشاركهم فيها الأمة أو – على الأقل- تؤيدهم أغلبيتها وتتعاطف معهم. وأي خروج عن هذه الدرجة من الانضباط يعني تبديد الطاقات والإمكانات وإعطاء الخصم الفرصة والمبرر للانقضاض على الدعوة وتحطيمها قبل أن تبلغ مستوى يمكنها من المواجهة الشاملة التي تتوافر لها عناصر النجاح، وبذلك يضيعون على أنفسهم فرصة التغيير الشامل، فحادثة [[حادث اغتيال الخازندار فى الميزان|اغتيال القاضي أحمد الخازندار]]، رئيس دائرة الجنايات بمحكمة الاستئناف لا تزيد عن عملية انتقام من هذا القاضي الفرد عقابا له على حكم أصده ضد [[الإخوان]]، وهو مقيد بنصوص القانون، فضلا عن ضغط الظروف السياسية القائمة في [[مصر]].
وقد كان رد الفعل [[الإخوان]]ي بعيدا عن التروي والتفكير وقد استنكره الإمام [[حسن البنا]] واعتبره عملا يفتح الطريق لتدمير [[الجماعة]] التي '''" قضى عمره في بنائها وأن الرصاصات التي أطلقت على الخازندار إنما أطلقت على صدره هو أي صدر [[حسن البنا]]"'''.وقد أكد لي بنسبة هذا الكلام وهذا الموقف إلى [[حسن البنا]] عدد من [[الإخوان]] غير [[محمود عبد الحليم]].
أما إلقاء القنابل على رجال الشرطة في حرم الجامعة وقتل مدير شرطة [[القاهرة]] اللواء سليم زكي فلا يقل سوءا وطيشا عن حادث القاضي الخازندار. اللواء سليم زكي ومن معه من ضباط وأفراد الشرطة، كان يؤدي واجبه الرسمي المكلف به، حفظ الأمن، ولم يكن يستطيع التخلف عن ذلك. ولو كان هناك أي ضابط آخر غيره في منصبه فلن يستطيع أن يتخلف عن ذلك أيضا، وقد صرع وهو يؤدي واجبه الرسمي.
فإذا أصدر رئيس الوزراء بعد ذلك بأربعة أيام قرارا بحل [[جماعة الإخوان المسلمين]] فإن مثل هذا القرار كان يمكن أن تتخذه أية حكومة وجدت في السلطة ضد أية جماعة أو حركة مارست مثل هذه الأعمال ، حتى لو كانت الحكومة من الإسلاميين. ثم تواصلت حلقات ردود الفعل، فبعد عشرين يوما أقدم أحد [[الإخوان]] على اغتيال رئيس الوزراء انتقاما منه لإقدامه على حل [[الجماعة]].
وقد برر بعض [[الإخوان]] عملية اغتيال [[محمود فهمي النقراشي|النقراشي]] بأن حل [[الجماعة]] ترك أفرادها دون قيادة تضبط تصرفاتهم، فضلا عن استهدافهم للاضطهاد والمطاردة المثيرة، فإذا أقدم أحدهم على قتل رئيس الوزراء الذي أصدر قرار الحل فإن المسئولية الأولى تقع على رئيس الوزراء نفسه، حسب تصورهم. ولقد نسي أصحاب هذا المنطق أن يسألوا أنفسهم عن سبب عدم ضبط قيادة [[الجماعة]] لسلوك أفرادها وعدم منعهم من اغتيال القاضي الخازندار، واغتيال مدير شرطة العاصمة.
لقد وضع [[الإخوان]] بهذه العمليات أنفسهم في مركز الخصم والحكم والمنفذ للحكم في آن واحد، ومن عجب أن الأستاذ [[محمود عبد الحليم]] اعتبر قرار [[محمود فهمي النقراشي|النقراشي]] بحل [[جماعة الإخوان المسلمين]] مؤامرة عالمية، خطط لها الاستعمار، واختار لها التوقيت كما اختار لها المنفذ، وهو رئيس الوزراء [[محمود فهمي النقراشي]]، ولم ير رابطا بين القرار المذكور واغتيال القاضي الخازندار، والحكمدار اللواء سليم زكي، وامتلاك [[الإخوان]] لأسلحة وقنابل وقوة عسكرية استعملوها ضد السلطة، وأن الحكومة رجحت احتمال أن يكرر [[الإخوان]] تلك الأعمال في أي وقت، على غرار [[حادث اغتيال الخازندار فى الميزان|حادث الخازندار]] وسليم زكي وحدث التكرار بالفعل.
واستمرت ردود الفعل من الجانبين فأقدم [[الإخوان]] على محاولة نسف محكمو الاستئناف لإتلاف وثائقها كما ذكرنا، وأقدمت السلطة على اغتيال [[حسن البنا]]، وبعد ذلك دبر [[الإخوان]] عملية لاغتيال رئيس الوزراء [[إبراهيم عبد الهادي]]، الذي خلف [[محمود فهمي النقراشي|النقراشي]]، والذي اعتبروه مسئولا عن اغتيال [[الإمام الشهيد]]، كما ذكرنا قبل قليل. ولا مراء في أن اغتيال [[حسن البنا]] كان جريمة بكل المقاييس، إذ كان يفترض أن يقدم للقضاء، وأن تحدد العقوبة ضده محكمة مختصة إن وضعته سلطات التحقيق القضائي في وضع الاتهام.
لم يحدث في التاريخ الحديث أو القديم، كما لم يحدث في عصور التاريخ الإسلامي أن قبل نظام حكم ما وجود قوة لها أداة عسكرية تستخدمها في داخل الدولة ولا تخضع لحكم وأوامر النظام القائم أو الهيئة الحاكمة المتمتعة بصفة الشرعية من وجهة نظر جمهور الأمة، أو حتى من وجهة نظر الحاكم المستبد نفسه. وإذا وجدت هذه القوة فجأة فإن الهم الأول للهيئة الحاكمة كان يتركز عندئذ في محاولة إخضاعها أو القضاء عليها بأسرع ما يمكن.
ولعمري لقد شكل [[الإخوان]] في [[مصر]] قوة كبيرة بقياسات ذلك الزمن، وكان لهذه القوة نظامها الخاص، أي الجهاز السري الذي حرصت على تدريبه وتسليحه، كما كان لها نظام [[الجوالة]]، الذي أنشئ باعتباره فرقة كشفية- من الناحية الرسمية- ولكنه كان يدرب تدريبات أقرب إلى العسكرية، والأهم من ذلك أنه كان يربي على الروح القتالية و[[الجهاد]]ية البالغة الحماسة، ابتداء من سنة 1357هـ/ [[1938]]م، وكان له نشيد حربي حماسي يردده [[الإخوان]] مصحوبا بقرع الطبول والموسيقى العسكرية المثيرة لمزيد من التحمس ، مطلعه:
'''هو الحق يحشد أجناده'''       
:::::::'''ويعتد للموقف الفاصل'''
'''فصفوا الكتائب آساده'''       
:::::::'''ودكوا به دولة الباطل'''
وقد ذكر أن هذا النشيد من إنشاء الأستاذ [[عبد الحكيم عابدين]] رحمه الله، الذي كان من أبرز القيادات [[الإخوان]]ية، وشغل موقع الرجل الثاني في [[الجماعة]] فترة من الزمن، وهو صهر [[الإمام البنا]]. كل هذه الأدوات كانت من ضمن ما أعدته [[الجماعة]] لتحركاتها الحربية الداخلية، من غير أن يمتلك [[الإخوان]]، وتمتلك قيادة [[النظام الخاص]] أية درجات مناسبة من الوعي تمكنها من تلافي سوء الاستخدام والممارسة.
لقد كانت الفكرة الأساسية أن [[الجهاد]] سيكون موجها ضد الاحتلال الأجنبي، بيد أن الممارسات الفعلية انزلقت وتحولت فصارت ضد السلطات ال[[مصر]]ية وضد موظفي الدولة. ولا ينبغي أن ننسى أو ينسى القراء أن [[الإخوان]] أعلنوا تغييرا في مواقفهم السياسية، أو إستراتجيتهم ، حسب التعبير الشائع، وبينوا أنهم تركوا سياسة عدم الاصطدام والمجابهة، واختاروا سياسة المجابهة بكل ما تعنيه من استعداد للاضطهاد والتشريد والسجن والقتل والتضحية وبذل النفوس رخيصة في سبيل الله، وذلك في بداية المرحلة الثنية من مسيرتهم، سنة [[1938]]م. وقد اعتبر [[الإخوان]] أن مجابهتهم ستكون ضد جميع الأحزاب وجميع الحكومات التي ترفض الانصياع لهم.
وعلى الرغم من ذلك فقد ظلت حركة [[الإخوان]] تمارس أنشطتها في حرية نسبية، حتى داخل الجيش والشرطة، وبصورة علنية، إلى أن بدأت في استعمال قوتها العسكرية ضد الحكومة ومؤسساتها. واستعمال القوة العسكرية من جانب [[الإخوان]] لإجبار السلطة القائمة على اتباع الخط الذي يريدونه أو لمنعها من اتباع الخط الذي لا يريدونه يعني سلبها اختصاصها الأول والأهم، وإلغاء وجودها. ولذا فإن السلطة تحارب حرب حياة أو موت، وتدخل في معركة فاصلة تجند لها كل إمكاناتها المادية والمعنوية، من شرطة وجيش وأسلحة وأجهزة إعلام، وسلطات وعلاقات وشرعية رسمية وإغراءات مادية وغير ذلك من الأساليب.
فإذا تذكرنا أن [[الإخوان]] أعلنوا الحرب على جميع الأحزاب والسياسيين، حربا لا هوادة فيها، قبل تلك الأحداث بسنين تبين لنا السبب الذي جعل أعمال الحكومة تلقى كثيرا من التأييد. وحتى عامة الشعب التي اعتبر [[الإخوان]] أنفسهم ممثلين لها ومعبرين عن مصلحتها وقفت تساند إجراءات الحكومة وتؤيدها، ليس في عهد [[عبد الناصر]] فحسب، بل وفي عهد [[محمود فهمي النقراشي|النقراشي]] و[[إبراهيم عبد الهادي]]. لقد دفع [[الإخوان]] السلطة إلى القيام بتعبئة كل قواها والدخول معهم في معركة فاصلة، بينما كانوا هم أنفسهم يقومون بعمليات جزئية صغيرة بدافع ردود الفعل.
ولا مراء في أن حل [[الإخوان]] والقضاء عليهم كان يرضي [[الإنجليز]] وكثيرين غيرهم، بيد أن الاتكاء على ادعاء وجوده مؤامرة، ومحاولة تغطية مسئولية [[الإخوان]] وتمويه أخطائهم يمثل محاولة ساذجة للخروج من النور إلى الظلام، من الوضع الذي يمكنهم فيه دراسة أفعالهم السابقة بدقة وموضوعية من أجل اكتشاف أسباب التعثر، إلى الوضع الذي يقفزون فيه على الحقائق أو يضعونها خلف ظهورهم أو يغمضون عيونهم عنها. أما بعد قيام [[الثورة]] ومجيء [[عبد الناصر]] إلى السلطة فقد كانت تصرفات [[الإخوان]] أوغل في الخطأ ، كما سنرى في الصفحات القادمة، في فصل تال من هذا الكتاب.
===عودة إلى الهجمات ضد [[اليهود]] ال[[مصر]]يين===
بقيت نقطة واحدة لم نتعرض لها بالتعليق وهي مسألة الهجمات التي تعرضت لها الأحياء والمحلات [[اليهود]]ية في [[مصر]]، وقد أشرنا إليها باقتضاب قبل قليل. لقد قلنا أن تلك الهجمات كانت تلقى تأييدا جماهيريا واسعا في [[مصر]] والدول العربية المستقلة، وكل ذلك كان رد فعل للمذابح التي ارتكبها الصهاينة في [[فلسطين]]، وأشرنا إلى أن الحركة الإسلامية كان ينبغي عليها أن تتصرف بوعي وبمسئولية أكبر، ونعود الآن إلى جلاء هذه النقطة بوضوح:
[[اليهود]] ال[[مصر]]يون في المفهوم الإسلامي التاريخي القديم أهل ذمة، يجب على السلطة القائمة أن توفر لهم الحماية وتردع كل من ينالهم باعتداء، وإذا أجرم بعضهم أو أكثرهم أو كلهم فإن السلطة القائمة أيضا هي وحدها المخولة بمعاقبة المسيء بالصورة التي تحقق العدل ومصلحة المجتمع الإسلامي.
أما في المفهوم الوطني ال[[مصر]]ي في إطار النظام الملكي الدستوري الليبرالي الذي كان قائما في منتصف القرن العشرين، فقد كان [[اليهود]] هناك مواطنين [[مصر]]يين، يحميهم الدستور ال[[مصر]]ي والقوانين ال[[مصر]]ية وتضطلع السلطة الوطنية القائمة المكونة من الملك والوزارة والهيئات التشريعية والسلطات القضائية وأجهزة الأمن بالحماية. فإذا أجرم أحد من [[اليهود]] ال[[مصر]]يين أو أقلية أو أكثرية منهم كان على تلك السلطة الوطنية نفسها أن تعاقب المجرمين، وتبرئ غير المجرمين وتحميهم.
وليس ثمة شك في أن بعض [[اليهود]] ال[[مصر]]يين أو كثرة منهم قد تعاطفت مع [[اليهود]] الصهاينة في [[فلسطين]] وعاونتهم في تنفيذ جرائمهم ولكن حتى تنزل العقاب بالمجرم- سواء حسب المفهوم الإسلامي أو حسب المفهوم الوطني- فلابد أن تحدد المجرم، وتثبت ارتكابه للجريمة، ثم تتولى السلطة صاحبة الاختصاص تحديد نوع العقوبة ومقدارها ومدى شمولها، ثم تقوم أجهزة التنفيذ بتطبيقها. ذلك هو المنطق الإسلامي والإنساني على السواء، وأي خروج عليه يعتبر خروجا على مبادئ الإسلام والوطنية والإنسانية.
وهنا يجمل بنا أن نذكر مثلا حيا على سبيل المقارنة، بين موقف متحمس ولكنه يتسم بالوعي وبين مواقف الحماسة العفوية الساذجة، ففي الفترة بين 17/ 12/ [[2008]] و 18/ 1/ [[2009]] انطلقت موجة إسرائيلية من ممارسة العنف المسرف في قمع الشعب ال[[فلسطين]]ي المحاصر في [[قطاع غزة]]، وقد تعاطفت الشعوب العربية والإسلامية، وشعوب أخرى حول العالم، مع الضحية وكانت [[تركيا]]، الشعب والدولة، من بين الدول والشعوب التي ظهر فيها هذا التعاطف.
وفي أثناء ذلك ظهرت من بعض العناصر نقمة عامة وإدانة ليس لإسرائيل وحكامها الصهاينة، ولكن لليهود بصفة عامة، وهنا تدخل رجال الدولة المعروفون بمرجعيتهم المزدوجة ( الإسلامية والعلمانية) ، تدخلوا لتصويب هذا الخطأ وترشيد الوعي الشعبي، فسارع رئيس الوزراء كما سارع رئيس الجمهورية بتخطئة التعبيرات والمشاعر التي تجاوزت الحدود، وكان مما قاله الرئيس التركي عبد الله قل في مؤتمر صحفي عقده لهذا الغرض:  إن إسرائيل والمواطنون [[اليهود]] الأتراك شيء آخر، وأضاف : " إن مواطنينا [[اليهود]] يتساوون معي ومعكم، إن أيا منهم له الحق أن يصبح نائبا في البرلمان التركي، وأن يصبح رئيسا للجمهورية. إن كل مواطن من مواطني الجمهورية له حقوق متساوية مع حقوق المواطنين الآخرين، وأي تمييز ضد [[اليهود]] الأتراك غير مسموح به، إن إسرائيل  شيء والمواطنون [[اليهود]] في [[تركيا]] شئ آخر، ولا ينبغي الخلط بينهما". ومن ناحيته أدان رئيس الوزراء التركي رد الفعل العاطفي غير الواعي، بينما كان يحذر إسرائيل من جرائر عدوانها على الشعب ال[[فلسطين]]ي في [[قطاع غزة|غزة]].
ولو أننا درسنا النتائج العملية التي ترتبت على الهجمات التي انطلقت ضد يهود بعض البلاد العربية المستقلة آنذاك- ردا على المذابح التي ارتكبها الصهاينة في [[فلسطين]]- لتبين لنا مدى الخطأ في ذلك، فلقد أدى ذلك الضغط غلى هجرة أكثرهم غلى [[فلسطين]]، وهناك زادوا القوة البشرية للدولة [[الصهيونية]] وأصبح أفرادهم يشكلون نسبة كبيرة من أفراد الجيش الإسرائيلي.
وهناك تقارير ومعلومات مؤكدة تفيد أن الحركة [[الصهيونية]] بذلت جهودا كبيرة لحمل يهود البلاد العربية على الهجرة إلى [[فلسطين]] واستعملت لتحقيق هذا الغرض وسائل الضغط والإرهاب والتوريط، ولم يستثنوا أية وسيلة، وفعلوا الشيء نفسه لتسريع هجرة [[اليهود]] من كثير من البلاد غير العربية، وغير الإسلامية، بما في ذلك الاتحاد السوفيتي السبق الذي كان دولة عظمى. ومعنى ذلك أن ضغط بعض العرب على مواطنيهم [[اليهود]] خارج [[فلسطين]] خدم الهدف الصهيوني الإسرائيلي من غير قصد واستهداف، وكان ضد المصلحة ال[[فلسطين]]ية والعربية بشكل عام. ومنذ سنوات الخمسينات في القرن الماضي صار المتحدثون الإسرائيليون في الأمم المتحدة وغيرها من المنابر يستخدمون موضوع هجرة يهود البلاد العربية في تصريحاتهم الدعائية ضد المطالبة العربية بعودة اللاجئين ال[[فلسطين]]يين إلى بلادهم ، ويعلنون أن ما تم من الهجرة بالنسبة للجانبين كان نوعا من تبادل السكان، كما حدث في بلاد أخرى كثيرة.
وقد استمر استخدام الإسرائيليين لهذا الادعاء بعد ذلك وما زال، وممن استخدمه بشكل خاص شيمون بيرز في كتابه الشرق الأوسط الجديد، الذي أصدره في تسعينات القرن الماضي بعد أوسلو. لقد نفى شيمون بيرز أن يكون الجيش الإسرائيلي قد رحل ال[[فلسطين]]يين من أرضهم ، وزعم " أن ما حدث كان نتيجة لم يخطط لها تمخضت عنها الظروف المأساوية للحرب وسط دعوات من قادة الدول العربية لل[[فلسطين]]يين بأن يفروا. وقد هرب ما يقرب من ستمائة ألف [[فلسطين]]ي من إسرائيل خلال حرب [[1948]]م، خلال حرب الاستقلال، في حين أننا استوعبنا عددا مساويا من المهاجرين [[اليهود]] الذين هربوا إلى هنا ( أي إسرائيل) من البلاد العربية، وكانوا حوالي ستمائة يهودي من أصل مجموع السكان الذين بلغ عددهم حوالي تسعمائة وأربعين ألفا.
وقد تم استيعاب [[اليهود]] اللاجئين من البلاد العربية في إسرائيل فورا ، وأعطيت لهم كامل الحقوق المتساوية، بينما احتفظ باللاجئين ال[[فلسطين]]يين في مخيمات اللاجئين.. " غير أن السيد شيمون بيرز لم يقل الحقيقة، بل حاول تغييبها في إطار من المغالطات التي توقع أن تقنع قراءه من الغربيين. ذلك أننا إذا رجعنا إلى ما كتبه المؤرخ الإسرائيلي بيني مورس Benny Morris نجده يخبرنا" أنه لم يجد أي دليل معاصر ( للأحداث) يظهر أن قادة الدول العربية، أو المفتي ( الزعيم ال[[فلسطين]]ي محمد [[أمين الحسيني]]) أمروا أو شجعوا بصورة مباشرة الهجرة الجماعية لل[[فلسطين]]يين في شهر نيسان ( [[أبريل]] [[1948]]م) .
ومما تجدر ملاحظته ( وهذا قول بينى مورس) أن سياسات القادة ال[[فلسطين]]يين العرب ظلت طوال عقود تدعو إلى الثبات والتمسك بتراب [[فلسطين]]، وإلى مقاومة محاولات إخلاء وتهجير السكان العرب" ومن المعروف أن بينى مورس اعتمد اعتمادا كليا على دراسة وثائق أرشيفات منظمة الهاجانا، ووثائق الجيش الإسرائيلي، ووثائق سلطة الحكم الذاتي [[الصهيونية]] قبل إعلان الاستقلال وقيام الدولة في منتصف أيار [[1948]]م.
والظاهر أن بيرز وقع في خطأ يتعلق بالأرقام، فعندما قال لنا إن ستمائة ألف من يهود البلاد العربية هربوا إلى [[فلسطين]] في النصف الأول من عام [[1948]]م وصاروا ضمن تسعمائة وأربعين ألفا هم جملة عدد [[اليهود]] في [[فلسطين]] في شهر نيسان ( [[أبريل]]) من سنة [[1948]]م عند إعلانهم الاستقلال فإن هذه الأرقام تكشف لنا أنه كذب متعمدا، لأن عدد المهاجرين الذين وصلوا عند إعلانهم الاستقلال فإن هذه الأرقام تكشف لنا أنه كذب متعمدا، لأن عدد المهاجرين الذين وصلوا من البلاد العربية لم يكن ستمائة ألف، بل كان اقل من ذلك بكثير، في حدود بضعة آلاف. ففي سنة [[1922]] كان عدد [[اليهود]] في [[فلسطين]] – حسب الإحصاء البريطاني الرسمي في السنة الأولى من عهد الانتداب- 83,790 بينما قدر عددهم بين سنتي [[1916]]- [[1918]] بـ 56,000 والفرق هو عدد الذين دخلوا [[فلسطين]] بمجرد سيطرة القوات البريطانية عليها وطوال الأربع سنوات التي سبقت إعلان نظام الانتداب وبداية تطبيقه.
وفى آخر سنة [[1944]] كان عدد [[اليهود]] قد ارتفع إلى 554,000 حسب الإحصاء البريطاني. فإذا أضفنا موجات الهجرة [[اليهود]]ية التي تدفقت على [[فلسطين]] بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بين سنتي [[1945]] و [[1948]] وطرحنا ذلك من الرقم الذي ذكره بيرز ( 940 ألفا مجموع عدد [[اليهود]] منتصف عام [[1948]]) فإننا ندرك أن عدد المهاجرين [[اليهود]] من البلاد العربية في الفترة التي ذكرها لا يزيد عن بضعة آلاف.
وقد اكتشف العرب خطأهم متأخرين بالنسبة للضغط على مواطنيهم [[اليهود]] في موجة رد الفعل على ما تعرض له أهل [[فلسطين]] على أيدي العصابات [[الصهيونية]]. وحين اتضحت النتائج للقيادات ال[[فلسطين]]يين وتوصلت إلى هذا الاقتناع " قدمت حركة المقاومة ال[[فلسطين]]ية، في منتصف العام [[1975]]م مذكرة إلى الملوك والرؤساء العرب اقترحت عليهم فيها، تبني خطة متكاملة لتنظيم الهجرة [[اليهود]]ية المعاكسة من إسرائيل.. وإعادتهم إلى الدول العربية التي نزحوا منها.
وحينئذ أصبحت المسألة مطروحة عمليا وواقعيا، إذ بادرت بعض الحكومات العربية إلى تبني اقتراح حركة المقاومة ودعوة [[اليهود]] العرب إلى العدة، في حين كفت حكومات أخرى عن دراسة الموضوع جديا " وقد عاد عدد قليل من [[اليهود]] المغاربة و[[العراق]]يين إلى بلادهم، وهذا يقطع بأن الضغط الذي مارسه بعض العرب ضد مواطنيهم [[اليهود]] وساهم في حملهم على الهجرة كان خطأ. ولست أعني أن [[الإخوان]] كانوا مسئولين عن كل ذلك، لقد كانوا مشاركين فقط. لقد كان جزءا من هذا الموقف العاطفي وتعبيرا عنه. وقد جرى مثله في بلاد عربية أخرى على أيدي غير [[الإخوان المسلمين]] كذلك. وكل ما نريد قوله هنا إنه كان على [[الإخوان المسلمين]] – باعتبارهم أنفسهم حركة إنقاذ إسلامي- أن لا ينساقوا مع العواطف وأن يكونوا أبعد نظرا من عامة الجماهير.
ولا يفوتنا أن نشير إلى أن كثيرين من [[اليهود]] لهم دوافع أخرى قوية للهجرة، منها الدعاية [[الصهيونية]] أو التعصب الديني أو الضغط الصهيوني. ومع ذلك فكثيرون من [[اليهود]] كان يمكن أن يظلوا حيث هم لم يتعرضوا للضغط، والدليل أن معظم مواطني غرب أوربا وأمريكا الشمالية من [[اليهود]] لم يهاجروا إلى [[فلسطين]] المحتلة على الرغم من كل الدعاية [[الصهيونية]]، وكذلك الأمر بالنسبة للمواطنين [[اليهود]] في بعض الدول العربية.
ولقد كانت الهجرة كبيرة وشاملة كلما عانى [[اليهود]] ضغطا أو حياة قاسية، سواء في الأقطار العربية أو غيرها، بل إن نشأة الحركة [[الصهيونية]] في أواخر القرن التاسع عشر كانت نتيجة لما تعرض له [[اليهود]] من اضطهاد في روسيا القيصرية ، ومن روسيا جاءت معظم القيادات [[الصهونية]]. فضلا عن أعداد كبيرة من المهاجرين الروس بعد انهيار الاتحاد السوفييتي . ومع ذلك فإن من اللازم التنبيه إلى أن مجموع [[اليهود]] الذين هاجروا من البلاد العربية لا يشكل إلا نسبة قليلة مع الملايين الذين جاءوا من دول أخرى كثيرة، غير عربية، خاصة من الاتحاد السوفييتي السابق.
إن دور [[الإخوان المسلمين]] في الدفاع عن [[فلسطين]] من أبرز النقاط المضيئة في سجل تاريخهم، ومثل هذا يقال أيضا عن دورهم في معركة القناة سنة [[1951]]م. ولقد كان هذا الدور موضع تقدير الشعب ال[[مصر]]ي وإكباره، وموضع تقدير الشعوب العربية والإسلامية. وكل ما استطاعت السلطة المعادية [[للإخوان]] فعله حيال هذه الأمجاد الكبيرة لم يتعد محاولة إخفائها أو طمسها عن طريق إغفالها وعدم ذكرها، أو نسبة دورهم في [[فلسطين]] إلى " المتطوعين ال[[مصر]]يين" كل ذلك للتعتيم على ما قاموا به.
لقد انصرف الشارع ال[[مصر]]ي عن تأييد [[الإخوان]] عندما انغمسوا في أعمال القتل والنسف ضد السلطة القائمة حيث تبع ذلك دعاية ضخمة من جانب السلطة وصمت [[الإخوان]] بالإرهاب والتخريب والتعطش لسفك الدماء. وإذا كان [[حسن البنا]] قد قال أن تلك الأعمال تهدم ما بناه طوال عمره، وأن الرصاصات التي أطلقت على الخازندار إنما أطلقت على صدره هو ( صدر [[البنا]]) ، فلماذا يغمض [[الإخوان]] أعينهم عن كل هذا ليربطوا قرار الحل وغيره من الكوارث التي حلت بهم بأسباب أخرى.
والتحرك الرئيسي الذي أبرزه سياق هذا الفصل يظهر أن [[الإخوان المسلمين]] دخلوا معترك السياسة الوطني بعد سنتين من إبرام معاهدة سنة [[1936]]م بين [[مصر]] وبريطانيا، وقد افتتح [[المرشد العام]] [[حسن البنا]] هذا الدخول بمقال أبرز فيه التغيير الذي أشرنا إليه في مسار الحركة، وأعلن عن رؤية جديدة، و( إستراتيجية) جديدة كذلك.
==الفصل السادس==
=== [[الإخوان]] و[[ثورة 23 يوليو]] ( تموز ) [[1952]] ===

مراجعة ١٨:٢٢، ٣١ ديسمبر ٢٠١٤

الحركة الأم
" دراسة نقدية"

بقلم الدكتور : عبد الله أبو عزة

الإهداء

بسم لله الرحمن الرحيم

إلى روح الدكتور حسان حتحوت

مع الدعاء له بالرحمة وحسن المثوبة

عبد الله أبو عزة

مقدمة

كان الإسلام ، وما زال وسيظل، منطلق الرجاء لهذه الأمة، تفزع إليه كلما ألمت بها النوازل، وحيثما واجهت مواقف القهر، وتلوذ به فيفجر فيها طاقات هائلة ترتفع بها إلى مستو التحديات، ولقد صدق جهاد الشعوب الإسلامية ونضالها ضد التسلط الاستعماري هذه الحقيقة مرات ومرات.

وقد كانت حركة الإخوان المسلمين إحدى الصور التي عبر من خلالها الإسلام عن روحه الجهادية منذ أن نشأت الحركة في مصر في أواخر العشرينات من القرن العشرين الميلادي. ومن المعروف أن الحركات قد توجهت لنشر أفكارها في الأقطار العربية بعد أن شعر قادتها بثبات وضعها في مصر.

ولم تمض سنوات طويلة على هذا التوجه الإخواني إلى العالم العربي حتى شهدنا تيارا إخوانيا قويا في سوريا والعراق والأردن، كما وجد للحركة أنصار في فلسطين ولبنان والسودان وأقطار المغرب العربي.

وعلى الرغم من ظهور عدد من الدراسات التي تناولت الإخوان من هذا الجانب أو ذاك، فما زالت الحاجة ماسة إلى دراسات جديدة تكتشف الجانب المخبوءة، وتجلو الحقائق التي ضاعت حمأة المعارك التي خاضوها، وغيبتها الدعاية الصاخبة ضدهم أولهم.

ونظرا لما توفر لي من معرفة وثيقة بهذه الحركة، حيث كنت عضوا عاملا فيها مدة تزيد على عشرين سنة ( 1952م1962م) ، وحيث تنقلت في أماكن ومراكز متعددة عبر نشاطي في الحركة، على نحو لم يتيسر لكثيرين غيري، فقد رأيت من واجبي أن أقوم حصيلة هذه المعرفة على صورة دراسة نقدية لا تستهدف الضجيج بأمجاد الحركة بقدر ما تهدف إلى كشف العوامل والأسباب التي أعجزتها عن تحقيق أهدافها الرئيسية، بل وعم مجرد الاقتراب من تلك الأهداف، هذا من عدم إغفال ذكر إنجازاتها.

وعلى الرغم من أن هذا النهج ربما لا يرضي كثيرين من الإخوان، فإنه لا ينطلق – بكل تأكيد- من موقف معاد لهم، ولا يستهدف الإساءة إليهم. بيد أن هذا المؤلف لا يتردد في إلقاء الضوء على ما اعتبره أخطاء فيها الحركة، سواء كان عمله النقدي هذا من قبيل النصيحة أو من قبيل الترشيد، ذلك لأنني أعتقد أن هذه الحركة كانت وما زالت من أهم الحركات الشعبية التي شهدها تاريخ الشعوب الإسلامية في كل العصور- إن لم تكن الأهم- وما زالت كذلك إلى حد كبير ، ومن هنا جاء اهتمامي بها.

وقد رأينا أن نخصص هذا الكتاب لحركة الإخوان المسلمين في مصر، بعد أن تناولنا في كتاب سابق بعض جوانب من مسيرة حركة الإخوان في البلاد العربية. إن تنظيم الإخوان المسلمين في مصر هو التنظيم الأكبر الذي ولد التنظيمات الإخوانية جميعها، ولقد كان المجتمع المصري هو المنطلق الذي توجهت منه الفكرة، وانفجرت فيه الحركة، حيث امتدت دوحتها ومدت فروعها وأغصانها خارج حدود مصر. وفضلا عن ذلك فإن مصر هي أعرق البلاد الإسلامية حضارة وأغناها رصيدا على كل صعيد.

وتنقسم مادة هذا الكتاب في سبعة فصول تتبعها خاتمة، حيث يصور الفصل الأول البيئة والأجواء التي ولدت وتطورت فيها حركة الإخوان المسلمين في مصر ، وذلك دون إسهاب أو تفصيل على اعتبار أن جمهور القراء سبق لهم أن درسوا- من خلال مناهج التعليم الرسمية- تاريخ تطور مصر في العصر الحديث. لذا ا كتفينا بمجرد التذكير بالملامح العامة، والخطوط العريضة، والمعالم البارزة. أما الفصل الثاني فقد خصص لتحديد المراحل الرئيسية لمسيرة الإخوان المسلمين، مع تقديم لمحة مختصرة عن الأحداث والتطورات الرئيسية التي شهدتها كل مرحلة، بينما تناول الفصل الثالث المسار التنظيمي للحركة.

أما الفصل الرابع فيتيح للقارئ تتبع المسار السياسي للحركة في تعاملها مع مختلف القوى السياسية ابتداءا من المرحلة الأولى. فإذا وصلنا إلى الفصل الخامس فإن القارئ سيمر بمشاهد العنف الذي مارسته الحركة في ميدان العمل والتنافس السياسي الداخلي، وما ارتد عليها نتيجة لذلك. أما الفصل السادس فيتناول علاقة الإخوان بثورة 23 تموز ( يوليو ) 1952م، بينما نحاول في الفصل السابع أن نصطحب القراء في جولة للتعرف فيها على ذكر الإخوان المسلمين ، وكيف انساب من منابعه المتعددة، ثم من الروافد التي أمدته بالمزيد من العناصر والمكونات المتنوعة.

وفي الفصل الأخير من هذه الدراسة نحاول أن نلقي نظرة نتعرف من خلالها على ما قدمته الحركة من عناصر إيجابية، وما أخفقت في تقديمه مما نعتقده لازما وضروريا لتنشيط دماء الحياة في جسد أمتنا الإسلامية، وتمكينها من النهوض، واستعادة احترامها لنفسها، والاعتماد على الذات، والمشاركة في مسيرة إعلاء مستوى الحياة البشرية، والمساهمة بالعناصر التي تفتقر إليها البشرية لتحمل الإنسان إلى مستوى الانسجام مع القيم والمبادئ التي أراها الله تعالى لعباده في جميع الأقطار ليحيوا حياة طيبة، تقوم على ركائز البر التقوى، والتعاون الخير. وفي نهاية الرحلة تركز الخاتمة على خلاصة الدراسة ونتائجها. وقد ضممنا إلى ملاحق البحث بعض الوثائق التي تدعم بعض الاستنتاجات التي توصلنا إليها، أو تلقي أضواء خاصة على بعض الموضوعات الشائكة التي تعرضنا لها.

أما عن مصادر البحث فقد حرصت على أن أستند إلى المصادر الإخوانية في كل ما يمثل وجهة نظر الإخوان المسلمين أو يصف أحوالهم في مسار تطور حركتهم. وكان أهم هذه المصادر كتاب "مذكرات الدعوة والداعية"، للإمام حسن البنا، مؤسس حركة الإخوان ومرشدها الأول، وكذلك مجموعة الرسائل التي صدرت له في مناسبات مختلفة حيث ألقى بعضها على شكل خطب- في البداية- أو مقالات، أو رسائل موجهة إلى بعض كبار المسئولين الحكوميين. وقد طبعت الرسائل طبعات كثيرة وانتشرت انتشارا واسعا في كل البلاد العربية تقريبا.

وبجانب تراث مرشد الإخوان الأول هناك كتابات أصحابه وتلامذته المباشرين، وأبرز هؤلاء الأستاذ محمود عبد الحليم ، الذي كتب تاريخا لحركة الإخوان يقع في ثلاثة مجلدات في إطار مزيج من المذكرات الشخصية والتاريخ، حيث سجل المؤلف فيه مشاهداته وتجاربه ووجهات نظره وأحاسيسه من خلال تناوله للأحداث. وكان الأستاذ محمود عبد الحليم ممن اعتمد عليهم حسن البنا، - أي محمود عبد الحليم- الذي أسس النظام الخاص الذي عرف باسم الجهاز السري في مصطلحات الجهات الرسمية. وقد صدر كتابه بعنوان "الإخوان المسلمون: أحداث صنعت التاريخ".

أما الرائد صلاح شادي فقد كان من كبار الإخوان في عهد ولاية المرحوم حسن الهضيبي لمنصب الإرشاد. وكتابه "صفحات من التاريخ" يشكل أيضا مزيجا من المذكرات الشخصية والتأريخ للفترة التي عمل فيها مع الحركة . وكان هو والمرحوم حسن العشماوي من رجال الصف الأول في الحركة خاصة قبيل ثورة 23 يوليو وما بعدها.

وقد نشر المستشار حسن العشماوي قلب وفاته كتابا بعنوان: "قلب آخر لأجل الزعيم"، كما قامت أسرته بنشر مذكراته بعد وفاته في مجلة روز اليوسف المصرية، ثم سمحت بنشرها مرة ثانية في شكل كتاب اعتنى به صديقنا الأستاذ عز الدين بليق، صاحب دار الفتح اللبنانية، بمبادرة منه، حيث اتصل بالأسرة لهذا الغرض ، كما أخبرني.

ومن الكتب المهمة المعبرة عن رأي الإخوان كتاب " الإخوان المسلمون في ميزان الحق" للدكتور فريد عبد الخالق، وهو من كبار وقدماء الإخوان، ومن تلاميذ البنا المباشرين ومعاونيه الأقربين الموثوقين. ولم أنس كتاب النقط فوق الحروف. لمؤلفه الأستاذ أحمد عادل كمال، وهو من أبرز قادة النظام الخاص" الجهاز السري" من مساعدي المرحوم عبد الرحمن السندي. ومن كتب التاريخ العامة استخدمت كتاب في أعقاب الثورة المصرية لمؤلفه عبد الرحمن السندي. ومن كتب التاريخ العامة استخدمت كتاب في "أعقاب الثورة المصرية" لمؤلفه عبد الرحمن الرافعي ، من زعماء الحزب الوطني الذي أسسه الزعيم المصري المشهور مصطفى كامل، وكان الرافعي من المحامين المرموقين. ويبدو الرافعي في كتابه ملتزما بحيادية واضحة في تناوله لإنجازات الوزارات المختلفة، بحيث يحرص على ذكر المحاسن والمساوئ متتابعة.

وثمة مصدر آخر مهم استفدت منه إذ حصلت على عدد من الوثائق البريطانية المتعلقة بتاريخ مصر الحديث مصورة عن أصولها المحفوظة لدى الأرشيف البريطاني public records office وهي تتضمن جانبا من الاتصالات البرقية بين السفارة البريطانية في القاهرة ووزارة الخارجية البريطانية في لندن في فترة ما قبل منتصف العشرين، وقد وسمت تلك الرسائل عند إعدادها وتداولها بالسرية الشديدة في وقتها، والمراجع التي ذكرت، فقد قمت بعدد من المقابلات مع شخصيات إخوانية مهمة كان لها دور في الأحداث ، ومع شخصيتين من غير الإخوان ورد ذكرها بشأن بعض النقاط التي تناولتها.

ومع ذلك كله كانت حصيلة تجربتي الشخصية الطويلة مع الإخوان، فترة امتدت عشرين سنة ( 1952- 1962م).

لقد استهوتني فكرة الإخوان المسلمين فجذبتني غلى الالتحاق بهم عام 1952م ، وأثارت عاطفتي وحماستي شعارات ا لإخوان فرفعتها لي شعارا، وهزتني هتافات الإخوان فتبنيتها وهتفت بدعوتهم ودافعت عنها، وفكرت الليالي والأشهر والسنين الطوال في أقوم الطرق لنصرتها. وقد عملت – أثناء ذلك- مع التنظيم الفلسطيني للإخوان في قطاع غزة ، ثم مع التنظيم الفلسطيني العام عند إنشائه، ثم مع قيادة الإخوان في البلاد العربية التي اتصلت من خلالها بمعظم التنظيمات والقيادات في مختلف الأقطار.

وحين صدمت وشعرت بالإحباط إثر اكتشافي لعدد من مواطن الخلل القاتلة في بنية الجماعة وصدت محاولاتي للإصلاح من الداخل، أنهيت انتسابي للجماعة بشكل كلي. وبدلا من محاولات الإصلاح من الداخل لجأت إلى محاولة الإصلاح بعد أن خرجت من الصف، حيث اتجه تفكيري إلى القيام بمراجعة شاملة لفكر جماعة الإخوان وبنيتها ومساراتها، فكانت هذه الدراسة التي تناولت فيها نشأة وتطور الحركة في مصر على النحو الذي شرحت. وقد كانت النية متجهة إلى الجمع بين ما كتبته عن الإخوان في البلاد العربية- خارج مصر- وبين دراستي هذه عن الحركة في مصر لتصدر في كتاب واحد من جزأين إلا أن ظروفا خاصة حالت دون ذلك.

وأسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، ويرزقنا السداد في القول والعمل، إنه سميع مجيب.

عبد الله أبو عزة

تمهيد

تعرضت مصر في السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر الميلادي للغزو والاجتياح عندما اقتحم نابليون حدودها وامتهن حرمها سنة 1698م. ومنذئذ غدت مصر محط مطامع الدول الأوربية، خاصة فرنسا وبريطانيا. وقد ساعدت هذه المنافسة مصر على التخلص من الاحتلال الفرنسي بعد ثلاث سنوات، حيث عادت إلى كنف الدول العثمانية، كما هو معروف.

وقد تهيأت الفرصة لمغامر ذي مطامع واسعة لكي ينشئ له في مصر ملكا يتخذ منه قاعدة ينطلق منها لتحقيق أحمه. وبعد أن أحرز محمد على باشا، والي مصر أكبر انتصاراته، وظن أنه قد شب عن كل الأطواق طوحت به مؤامرات الدول الاستعمارية التي فزعت من ظهور دولة إسلامية شابة قوية في قلب العالم الإسلامي، فعملت على قص أجنحة محمد على وتحطيم أسباب قوته، باسم المحافظة على الدولة العثمانية والدفاع عنها.

ولكن الأسس التي وضعها محمد على من أجل بناء دولة قوية لم تمح كلها، فساعدت على أن ينمو في أرض الكنانة قدر من الوعي مهد لنهضة متواضعة رفعت مصر قليلا من الناحيتين الثقافية والحضارية، عن مستوى بقية الأقطار العربية والإسلامية. وهكذا أصبح المجتمع المصري البيئة الأصلح لتلقي بذور التوعية التي بذرها جمال الدين الأفغاني، ذلك المصلح الإسلامي، الذي اختلفت حوله الآراء أشد الاختلاف.

ثم دهيت مصر بداهية الاحتلال البريطاني سنة 1882م، ومنذئذ أصبحت قضية طرد الاحتلال وجلاء قواته عن مصر الشغل الشاغل للقوى الوطنية المصرية. وقد صاحبت الاحتلال هجمة ثقافية طاغية هدفها سلخ الشعب المصري عن إسلامه وإلحاقه بحضارة الغرب. ومن هنا أخذت المقاومة طابعا ثنائيا عند قطاع من المصريين التي سنتناولها بشيء من الدراسة في هذا البحث. وقد سبقنا رجال أفاضل كتبوا عن تاريخ الحركة وتطورها بكثير من التفصيل. وما زالت كتبهم بأيدي القراء، مما يعفينا من محاولة التأريخ الشامل والاستقصاء المتفرع لنمو الحركة وتطورها. ويهمنا- بالدرجة الأولى- أن نفتش عن أسباب عجز الحركة وما لاقته من إخفاقات ـ مع عدم غمطها حقها فيما توصلت إليه من إنجازات، حسبما أشرت في المقدمة.

الفصل الأول

البيئة التي ولدت وتطورت فيها حركة الإخوان المسلمين

لا يستطيع القارئ أن يقدر أعمال الإخوان ويقوم أنشطتهم ومواقفهم إلا إذا استحضر في وعيه الظروف العامة التي عاشته مصر في الفترة التي ظهرت فيها جماعة الإخوان وزاولت نشاطها خلالها. ورغم تيقني من أن معظم القراء لديهم فكرة – ولو مجملة- عن أوضاع مصر في تلك الحقبة إلا أن من طبيعة البشر أن يميلوا إلى تقويم المواقف لا في ضوء ظروفها المحيطة بها بل على أساس الظروف التي يعيشونها في لحظتهم، لحظة القراءة، ولذا كان من المفيد أن نعيد إلى الأذهان صورة الأوضاع في مصر في الحقبة الممتدة بين سنتي ( 1928م- 1970م) ، لكي يكون فهمنا وتقديرنا للمواقف سليما وموضوعيا.

التسلط البريطاني

تمكنت بريطانيا من تثبيت احتلالها لمصر بين سنة الاحتلال ( 1882م) وسنة اندلاع الحرب العالمية الأولى. وقد انتهزت فرصة اندلاع لحرب العالمية الأولى ومشاركة الدولة العثمانية فيها بجانب ألمانيا لكي تعلن – أي بريطانيا- الحماية على أرض الكنانة، وتلغي بذلك آخر خيط كان يربط مصر بالدولة العثمانية، وهو السيادة الاسمية. وقد سخرت كل مرافق مصر وإمكاناتها لخدمة المجهود الحربي البريطاني طوال فترة الحرب، وما أن وضعت الحرب أوزارها حتى انفجرت ثورة الشعب المصري سنة 1919م. وقد حاولت بريطانيا أن تمتص المشاعر الثورية بإعطاء مصر استقلالا شكليا، فكان تصريح 28 شباط ( فبراير) 1922م الذي أصدرته الحكومة البريطانية، متضمنا النقاط التالية:

1- إلغاء الحماية البريطانية على مصر.
2- رفع الأحكام العرفية شريطة أن تضع الحكومة المصرية القوانين البديلة المناسبة.
3- التحفظات الأربعة، وهي استثناءات من مقومات السيادة والاستقلال، أوضحت بريطانيا أنها ستبقيها على حالها قبل الإعلان ، وهي:
  1. - تأمين مواصلات الإمبراطورية البريطانية في مصر.
  2. - الدفاع عن مصر، وذلك يعني أن يبقى الدفاع عن مصر بيد بريطانيا، أي أنه كان دفاعا عن مصالحها بالدرجة الأولى وليس دفاعا عن مصر.
  3. - حماية المصالح الأجنبية في مصر وحماية الأقليات.

ومن الواضح أن هذه الاستثناءات أو التحفظات الأربعة، قد فرغت الاستقلال من أي محتوى حقيقي، وأدرك شعب مصر ذلك، وظهر صدى هذا الإدراك في البيان الذي أصدره الحزب الوطني المصري مبينا رأيه في مقاصد الحكومة الإنجليزية بالنسبة لمصر. ولم يكن التصريح البريطاني أكثر من وسيلة انكليزية جديدة هدفها إيهام المصريين وحملهم على اعتبار مركز بريطانيا في بلادهم شرعيا، وبذلك تتمكن انكلترا من وضع وتوظيف القواعد لتنظيم الحماية غير المشروعة تحت ستار الاعتراف باستقلال مصر وإعلان انتهاء الحماية:. غير أن الاستقلال المزعوم وإنهاء الحماية لم تكن في الحقيقة أكثر من أوهام صنعها الإنجليز مخادعة ومماطلة منهم للشعب المصري.

وعلى الرغم من أن التصريح كان استجابة لشروط ثروت باشا التي اشترطها لقبول تأليف الوزارة فإنه لم يحظ بموافقة الأحزاب السياسية في مصر، واستمر التوتر وتفاقمت الهجمات والاغتيالات ضد الإنجليز والمتعاونين معهم، والمتهمين بالتعاون. ومع ذلك فقد قبل ثروت باشا تشكيل الوزارة واتخذ إجراءات لوضع دستور البلاد، صدر في التاسع عشر من نيسان (أبريل) 1923م. وبذلك وضعت الحياة السياسية في إطار دستوري ديمقراطي من الناحية النظرية، وصارت القيم الدستورية والديمقراطية معيارا يرجع إليه العاملون في السياسة والمتحدثون بها في الحكم على الأحداث والمواقف وتقويمها.

والحق أن هذا الدستور لم ينشأ من فراغ، ولم تطرح فكرته لمجرد وجود الهيمنة البريطانية على مصر، بل أن فكرة الدستور استندت إلى جذور راسخة في عقول وقلوب الفئات المثقفة والمتعلمة وذات الوعي السياسي والتطلع السياسي في قمة المجتمع المصري في العقود الأولى من القرن العشرين.

ولا مراء غي أن منشأها يرجع غلى القرن التاسع عشر، منذ اتجاه محمد على إلى إنشاء دولة قوية، وما استلزمه ذلك الطموح من احتكاك بأوربا، وما تتبع ذلك من تطورات في عهد خلفائه، خاصة في عهد الخديوي إسماعيل. وكانت الشريحة العليا في المجتمع المصري منذئذ هي الأكثر نضجا بالنسبة لمثيلاتها في الأقطار العربية والإسلامية الأخرى.

ورغم صدور دستور سنة 1923م وعودة سعد زغلول وغيره من الزعماء السياسيين من منفاهم في سيشل ظلت البلاد تعاني من ويلات الاحتلال واعتداء سلطاته على كرامة وحقوق الشعب المصري. ففضلا عن إقدام هذه السلطات على تعطيل الصحف واعتقال الزعماء الوطنيين ومحاكمتهم، فقد اتخذ اللورد اللنبي، المندوب السامي البريطاني في مصر، قرارا بتعيين محافظ عسكري بريطاني لمدينة القاهرة. وكان الجنود البريطانيون يتمركزون في القلعة بوسط العاصمة، زيادة على وجود مراكز وقواعد عسكرية بريطانية في مناطق متعددة من الأراضي المصرية.

وقد سيطر البريطانيون على الاقتصاد والشئون المالية في مصر عن طريق فرض مستشار مالي بريطاني لوزارة المالية المصرية، كما حرصوا على إبقاء سيطرتهم على القضاء والمحاكم عن طريق المستشار القضائي الإنجليزي في وزارة الحقانية، وفوق ذلك كله سيطرة الضباط البريطانيين على أهم المراكز القيادية في الجيش المصري. فلا عجب، والحالة هذه، أن يظل التوتر مخيما على أجواء الحياة السياسية في مصر.

وقد بلغ التوتر ذروته إثر اغتيال الضابط البريطاني السير لي ستاك باشا، المشرف على الجيش المصري في السودان والذي كان – في الوقت نفسه- حاكما عاما للسودان، حيث أطلقت عليه النار في أحد شوارع القاهرة يوم 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 1924م بينما كان عائدا من مكتبه بوزارة الحربية المصرية إلى بيته في حي الزمالك. وعلى أثر ذلك توجه اللورد اللنبي، المندوب السامي البريطاني، في مظاهرة عسكرية إلى مقر رئاسة الوزارة المصرية، ووجه إنذارا مكتوبا سلمه إلى رئيس الوزراء سعد زغلول باشا، يتضمن عدة مطالب ابتزازية منها:

1- أن تدفع الحكومة المصرية غرامة مقدارها نصف مليون جنيه.
2- أن تسحب الجيش المصري من السودان.
3- أن تطلق يد حكومة السودان الإنجليزية في التوسع في الري على حساب كمية المياه التي تصل مصر، الأمر الذي يعني الإضرار بزراعتها، وذلك لحساب الشركات الإنجليزية التي كانت تتولى احتكار المشروعات الزراعية في السودان.

واستقالت حكومة سعد وجاءت حكومة زيور باشا التي سلمت بالمطالب البريطانية، ومارست حكما غير دستوري وغير مسئول حسب وصف المؤرخ عبد الرحمن الرافعي. وقد ضعفت الروح الوطنية، وأخذ كثيرون من الزعماء المصريين يتهافتون على المندوب السامي. بيد أن الأحزاب المصرية استطاعت أن ترتفع فوق خلافاتها وتوحد جهودها خلال سنتي 1925م و 1926م، وواصلت ضغطها ونضالها حتى أعيدت الحياة النيابية والدستورية.

وعندما طلبت لجنة فرعية بمجلس النواب تحسين مستوى تدريب الجيش المصري وإبعاد المفتش العام للجيش اسبنكس (باشا وكان بريطانيا) من مجلس الجيش سنة 1926م قابلت بريطانيا هذا الموقف بتعسف شديد، وأصرت على أن يعين ضابط بريطاني آخر مساعدا للمفتش العام، وأن تكون مصلحة الحدود تحت إشراف المفتش العام البريطاني أو نائبه، وأن تظل المراكز التي يشغلها ضباط بريطانيون في المصالح التابعة لوزارة الحربية دون تغيير. واضطرت الحكومة المصرية إلى مد خدمة سبنكس باشا، ومنحته رتبة فريق، وعينت له وكيلا بريطانيا. وعينت ضباطا بريطانيين في الجيش المصري، وذلك قبيل ولادة حركة الإخوان المسلمين في مصر بأشهر قليلة.

وفي ظل الاحتلال نشطت الهيئات التبشيرية المسيحية في عملها الهادف إلى تحويل من تستطيع من المصريين المسلمين إلى المسيحية وتحويل المسيحيين المصريين إلى المذهب البرتستنتيـ أو الكاثوليكي.

مولد حركة الإخوان المسلمين

في ظل هذه الظروف كان مولد حركة الإخوان المسلمين سنة 1928م. وفي المرحلة الأولى من نشأة الجماعة جرت المفاوضات بين مصر وبريطانيا من أجل وضع علاقات الطرفين في إطار جديد. وكان هدف المصريين تحرير بلادهم من نير الاحتلال والتسلط البريطاني وتحقيق استقلالهم الوطني. لكن المعاهدة التي تم التوصل إليها سنة 1936م لم تحقق لمصر سوى فوائد هامشية بينما أعطت الصفة الشرعية للوجود والتسلط البريطاني . وكان الغرض منها- بالنسبة لبريطانيا- هو أن " تقرر استقلال مصر وتنيل بريطانيا العظمى كل التأمينات والضمانات التي تراد من الحماية...".

وقد حددت المعاهدة عدد القوات البريطانية في مصر في وقت السلم بعشرة آلاف جندي من القوات البرية، وأربعمائة من رجال السلاح الجوي. وفرضت المعاهدة على مصر أن تبني ثكنات الجنود البريطانيين بالمستوى الرفيع الذي تحدده بريطانيا وأن تزودها بالمرافق والحدائق وتبني لها الطرق المعبدة ، فضلا عن إنشاء طرق حربية بالمواصفات التي تحددها بريطانيا بين بور سعيد والإسماعيلية والإسكندرية ثم بين القنال والقاهرة وبين القاهرة والإسكندرية مرسي مطروح قرب الحدود الليبية وطرقا أخرى للنيل إلى قنا وقوص، ومن قوص غلى القصير ومن قنا إلى الغردقة، أي أن توفر طرق المواصلات بين المناطق التي حددتها المعاهدة لتمركز القوات البريطانية، بما فيها القاهرة والجيزة ومنطقة قناة السويس وكل سيناء.

وبجانب ذلك كان على مصر أن تنشئ المطارات الصالحة والموانئ التي تحتاجها القوات البريطانية. وقد أباحت المعاهدة كذلك بقاء القوات البريطانية في الإسكندرية ثماني سنوات. كل ذلك في وقت السلم، أما في وقت الحرب أو خطر الحرب، فإن كل القيود التي تحد من تحرك بريطانيا وعدد قواتها تصبح لاغية.

وكما نعرف جميعا فإن نذر الحرب كانت تلوح في الأفق عندما تم التوقيع على معاهدة 1936م، وما لبثت الحرب أن انفجرت سنة 1939م، وبذا أصبحت مصر كلها قاعدة للقوات البريطانية، وأصبحت كل إمكاناتها مسخرة لخدمة المجهود الحربي البريطاني طوال سنوات الحرب (1939- 1945م) كما أخضع الشعب المصري للأحكام العرفية الصارمة.

تنصيب الملك فاروق

وفي هذه الفترة تولى الملك فاروق سلطاته الدستورية في التاسع والعشرين من تموز ( يوليو) 1937م، وتوقع الوطنيون المصريون منه الخير الكثير، وعدوه ملجأ وسندا للفريق الوطني حيث رضي حزب الوفد بالتحالف مع الاحتلال والرضوخ لمطالبه منذ اندلاع الحرب. وما لبثت العلاقات أن توترت بين القصر وحزب الوفد، وكان رئيس الديوان الملكي، على ماهر باشا، من مناوئي الوفد، كما وقف حزب مصر الفتاة ضد الوفد أيضا، بل وقام أحد أعضائه بمحاولة فاشلة لاغتيال مصطفى النحاس باشا، زعيم الوفد.

ثم جاءت أزمة حزيران( يونيو) 194مم، إذ اتهمت السفارة البريطانية في القاهرة القصر، واتهمت رئيس الديوان بالتعاطف مع ألمانيا وإيطاليا، وأجبرت الملك على إقصائه. وفشلت كل الجهود الرامية إلى تشكيل حكومة اتحاد وطني لإصرار النحاس على انفراده وحزبه بالحكم، ورافقت ذلك أزمة تموينية عسيرة. وتحت وطأة المعاناة التي أثقلت كاهل أغلبية المصريين انفجرت الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية. ويبدو أن بريطانيا خشيت من خروج الحالة المضطربة عن السيطرة فوجهت " إنذار 4 فبراير" المشهور إلى الملك وأجبرته على تكليف مصطفى النحاس باشا بتشكيل وزارة وفدية بعد أن زحفت الدبابات البريطانية إلى قصر عابدين ووجهت له مدافعها.

وفي شهر تشرين الثاني( نوفمبر) 1943م انتهز زعماء المعارضة المصريين فرصة انعقدا مؤتمر عام للحلفاء في القاهرة حضره رؤساء وزارات الحلفاء فقدموا مذكرة وقعوا عليها جميعا تحدد مطالب مصر عند انتهاء الحرب، وهي الاستقلال التام الحقيقي، لا الشكلي، واسترجاع سلطة مصر على قناة السويس، واسترداد حقوقها في السودان بالوحدة، وأن تشارك في مؤتمر السلام" وقد منعت وزارة النحاس نشر هذه المذكرة أو الإشارة إليها في الصحف" . وبقي النحاس في الحكم حتى تشرين أول ( أكتوبر) 1944م، وإذ ذاك أقاله الملك وتولى أحمد ماهر رئاسة الوزارة الجديدة.

وحيث وضحت نتيجة الحرب العالمية الثانية وأصبح انتهاء الحرب منتظرا خلال أسابيع أو أشهر قليلة، وحيث أن الحلفاء الذين كانوا يعدون لإنشاء هيئة الأمم المتحدة اشترطوا أن تعلن أي دولة تود الانضمام إلى المنظمة الدولية الجديدة الحرب على ألمانيا قبل أول آذار( مارس) 1945م، فقد أعلن رئيس الوزراء أحمد ماهر دخول مصر الحرب إلى جانب الحلفاء يوم 24 شباط( فبراير) 1945م، فكان أن أطلق عليه محمود العيسوي الرصاص فأرداه قتيلا في نفس اليوم. ومما ينبغي قوله وإعلانه هنا أن الإقدام على هذه الجريمة- قتل رئيس الوزراء أحمد ماهر- كان وليد الجهل المخجل، وضيق الأفق، ليس بالنسبة للقاتل وحده ولكن لمن شحنوه ثم دفعوه للتنفيذ، ومن ناحية أخرى فإن عملية الاغتيال وما أحاط بها تشير غلى مدى غضب الشعب المصري وكرهه لبريطانيا المحتلة لمصر، وكرهه لحلفائها بالتبعية، حيث كان هذا الغضب وذلك الكره هو السبب الوحيد الذي دفع المصريين وغيرهم من العرب للتعاطف مع ألمانيا.

وانتهت الحرب باستسلام ألمانيا دون قيد أو شرط في السابع من آيار( مايو) 1945م، ثم استسلمت اليابان بعد ذلك بثلاثة أشهر. وقد وصف زعيم بارز في الحزب الوطني المصري حالة مصر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية فقال:" إن الأمة ظهرت متراخية متخاذلة، فالطبقات الممتازة تؤثر الراحة وتستنيم إلى مهاد الدعة، فلم تشترك اشتراكا فعليا في الجهاد".

مصر بعد الحرب العالمية الثانية

وما أن وضعت الحرب أوزارها حتى انشغل المسرح السياسي المصري بقضية الاستقلال والجلاء ووحدة وادي النيل ، كما برزت على السطح قضية فلسطين، وذلك لأن هذه الفترة شهدت تحويل القضية غلى هيئة الأمم المتحدة وصدور قرار التقسيم سنة 1946م، كما انفجرت الثورة لأول مرة في اليمن وكان للإخوان المسلمين صلة بانفجارها ، بل كان قد ذهب وفد غلى يمن الثورة برئاسة عبد الحكيم عابدين، القيادي الإخواني، وصهر حسن البنا. وقد دخلت مصر والدول العربية الأخرى حرب فلسطين في الخامس عشر من آيار( مايو) 1948م، ولقيت الهزائم المنكرة نتيجة لعدم جدية قياداتها ا لسياسية، على النحو المعروف، فكان لهذه الكارثة ردود فعل وأصداء مختلفة في القوة والشكل من بلد عربي إلى آخر.

وقد كان لفشل الحملة العسكرية والجهود المصرية الرسمية في فلسطين أثر كبير في التطورات والأحداث التي أدت إلى سقوط النظام الملكي وقيام الثورة التي قادها الجيش. ولم تمض على هذه الثورة سنتان إلا وكانت علاقة الإخوان بها قد بلغت درجة عالية من الخلاف والتوتر، ثم انزلق الإخوان غل معركة حاسمة دون دراسة موضوعية وتقدير سليم، فكانت الخسارة حاسمة كذلك، فأخرجت حركة الإخوان من الساحة السياسية. وأسدل عليها ستار كثيف لتغييبها نهائيا، واستمر الوضع كذلك حوالي خمس عشرة سنة، وانتهت بذلك الحقبة الأولى من حياة الإخوان، الحقبة التي نشطت فيها الحركة على مسرح الحياة في مصر والعالم العربي في إطار علني وقانوني وفق أنماط الأنشطة السياسية التي كانت سائدة. وبخروج الإخوان من المعركة لم يبق للحكم الناصري أعداء داخليين يمكن أن تشكل عداوتهم أية مخاطر على النظام.

قوى الجذب والدفع الخارجية

لا مراء في أن الصراع الداخلي مع بقايا الأوضاع التي كانت سائدة في العهد الملكي، ثم بين النظام الحاكم والإخوان، قد استنفد قدرا كبيرا من طاقة الاندفاع الثوري، ومن طاقة مصر الدولة وقدرة مواردها على الاحتمال. بيد أن انتصار الثورة في معاركها مع جميع القوى الوطنية الداخلية لم يكن نهاية المطاف بالنسبة لعهد جمال عبد الناصر، ولم تعقبه فترة سلام وارتخاء يتمكن فيها من التقاط أنفاسه ومن استعادة الزخم وقوة الدفع التي كانت في مرحلتها الأولى. فقد تعرضت مصر الناصرية لمؤثرات خارجية سرعان ما شدتها وأدخلتها في معارك خارج الدائرة المصرية.

كانت الولايات المتحدة تسعى وحلفاؤها لإحكام الطوق حول الاتحاد السوفيتي لمنعه من التمدد، ومن هذا المنظور حرصت على جر الدول الصغيرة للانتظام في الخطط التي استهدفت الكتلة السوفيتية. وكانت مصر عبد الناصر تتطلع إلى عون خارجي لتمويل مشاريع التنمية، وعلى رأسها مشروع بناء السد العالي ، ومن أجل ذلك دخلت في اتفاق مبدئي مع الولايات المتحدة للحصول على التمويل، لكنها لن تستطع أن تف بالمطلب الأمريكي بالنسبة لموقعها والدور المراد لها في مجال صراع القطبين، أي الانضمام ، أي الانضمام للتحالفات التابعة للولايات المتحدة وحلفائها الكبار، فكان أن سحبت أمريكا عرض التمويل، فتوترت العلاقات بين الجانبين، وهنا وجد السوفيت فرصتهم للدخول من خلال بناء السد العالي .

وقد تزامنت مع ذلك حاجة مصر للسلاح لتتمكن من الوقوف في وجه الاستقواء الإسرائيلي، فلم تستجب أمريكا، ومرة ثانية جاءت النجدة من السوفييت. وعلى الرغم من أن مصر صارت عضوا مؤسسا في مجموعة دول عدم الانحياز التي ظهرت في نفس الفترة الزمنية إلا أن علاقاتها الجديدة مع السوفييت جرتها إلى اليسار. وبينما كان الشيوعيون المصريون هدفا للاضطهاد والملاحقة من بداية عهد الثورة في مصر فقد تغير حالهم بعد توطيد العلاقة مع الكتلة الشرقية، فظهر الشيوعيون المصريون على السطح حلفاء للعهد الناصري، وانفتحت أمامهم كل البواب للعمل بحرية ، وللمشاركة في الحكم، وفي الحراك السياسي والثقافي بمقدار يفوق بكثير حجمهم الحقيقي على الأرض ، في داخل الدولة المصرية.

ومن ناحية أخرى فإن الجهود الاستقطابية المنطلقة من موسكو وواشنطن سرعان ما قسمت دول العالم العربي فريقين، وقد جاءت الوحدة بين مصر وسوريا، ثم الانقلاب الذي أطاح بالعهد الملكي في العراق ليضع سوريا والعراق، ومن قبلها مصر في الخط المتحالف مع السوفييت. وفي الوقت نفسه اندلعت ثورة التحرير الوطني الجزائرية 1954، وانقلب الوضع في اليمن بأيدي الجيش، فوقفت السعودية بجانب بقايا العهد الإمامي في اليمن بينما دخلت مصر بقوتها لتساند الثورة اليمنية كما ساندت الثورة الجزائرية. وعلى الصعيد الشعبي انقسمت الجماهير العربية على الأساس نفسه. ونظرا لوجود إسرائيل وسياساتها التوسعية المبنية على الحكايات التوراتية، ووقوف الولايات المتحدة ودول الغرب الأوربي مؤازرين ومساندين لها فقد مالت الأغلبية الساحقة من الجماهير العربية إلى الجانب الآخر.

وقد شهدت فترة الخمسينات، من القرن العشرين، أحداثا ضخمة بالنسبة للعالم العربي تتابعت تداعياتها وأصداؤها حتى نهاية عقد السبعينات، ومن هذه الأحداث تأميم قناة السويس ردا على تراجع أمريكا عن تمويل بناء السد العالي ، ثم العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 ( بريطاني- فرنسي- إسرائيلي) ، واندحار هذا العدوان ، وقيام الجمهورية العربية المتحدة سنة 1958 ثم سقوطها سنة 1961، بجانب الانقلابات العسكرية المتكررة في كل من سوريا والعراق، والانقلاب العسكري في ليبيا سنة 1969، واستقلال كل من المغرب وتونس والجزائر، وعدد من الدول الأصغر حجما، وقرار بريطانيا إنهاء وجودها العسكري شرق السويس، وأثر ذلك في العالم العربي.

وكان أهم ههذ الأحداث وأكثرها تأثيرا العدوان الإسرائيلي الواسع في الخامس من حزيران 1967 حيث شنت إسرائيل حربا استباقية – بل هي حرب انتهاز الفرصة السانحة- مكنتها من احتلال أجزاء كبيرة من أراضي ثلاث دول عربية هي مصر وسوريا والأردن. وقد تأخر الرد العربي على ذلك حتى سنة 1973م، حيث قامت مصر وسوريا بهجوم مضاد متأخر استهدف تحرير أراضيها المحتلة، ذلك الهجوم ، وتلك الحرب التي جرى تحجيم نتائجها عبر تدخلات وضغوط واجتهادات وعوامل متعددة.

في غضون هذه الفترة كلها، حتى أوائل السبعينات من القرن الماضي، كان الإخوان متغيبين تماما في مصر قسرا، بينما كانوا محاصرين في الأقطار العربية الأخرى. وعند هذا المفصل الزمني التاريخي انتهى عهد جمال عبد الناصر ليفسح الطريق لعهد آخر مختلف في كثير من ملامحه.

جاء السادات إلى سدة الحكم بعد وفاة جمال عبد الناصر، رحمهما الله، ولم يلبث أن دخل في مواجهة مع " مراكز القوى" اليسارية وتمكن من إزاحتها ، ثم إنه بدأ بإخراج الإخوان من السجون ليكونوا القوة الشعبية التي تكفيه خطر أي تحرك يساري في المستوى الشعبي. وهكذا خرج آلاف الإخوان المثخنين بالجراح الجسدية والنفسية ليستأنفوا حياتهم العادية، ويعيدوا تأقلمهم مع حياة المجتمع من حولهم. ويبدو أن السادات اعتبر نفسه رسول التغيير – ليس فيما يتعلق بالإخوان المسلمين- بل في خيارات مصر بالنسبة لمسارها السياسي في العالم العربي، وفي العالم العربي، وفي العلاقات الدولية على السواء، ويبدو أنه كان واثقا من رؤيته وتصوراته كل الثقة، وبدرجة مبالغ فيها، مستمدا ذلك من الانتصار الكبير، والمنقوص- في الوقت نفسه- الذي تحقق في حرب 1973.

ولقد استند التغيير الذي أراد أنور السادات أن يحدثه غلى مقولتين:

أولا: أن استمرار الصراع العربي الإسرائيلي كان بسبب الحواجز النفسية وأن كسر هذه الحواجز كفيل بحل المشكلات والإتيان بالسلام.
ثانيا: أن كل أوراق اللعبة السياسية في يد الولايات المتحدة.

وهكذا سار على ضوء هاتين المقولتين، فزار القدس وألقى خطابا في الكنيست ، كما أدار ظهره للسوفييت وتحول بكل طاقته واندفاعه إلى الولايات المتحدة.

والحقيقة أن رد الفعل العربي على زيارته للقدس كان انفعاليا غوغائيا، وبعيدا عن العقلانية السياسية. وفي تقديري أنه لو كان رد الأطراف العربية التي عارضته هادئا وموضعيا إذن لكان السادات قد اكتشف خطأ مقولته عن حكاية الحواجز النفسية، ولربما كبح اندفاعته بنفسه. لكن ردود الفعل الصاخبة، التي تلطخت بالدماء، ما لبثت أن دفعته إلى العناد، سيما وأنه اعتقد أن مصر هي زعيمة العالم العربي، وأن قيادتها يجب أن تطاع، وريادتها يجب أن تتبع ، خاصة بعد الانتصار في " حرب أكتوبر 73".

أما بالنسبة لمقولته الثانية ( أن كل أوراق اللعبة بيد أمريكا) . فقد كانت صحيحة بنسبة غير قليلة، بيد أن الرئيس السادات رحمه الله نسي – في غمرة اندفاعه- أن أمريكا تلعب بأوراقها في إطار إستراتيجيتها هي- بغض النظر عما إذا كانت الإستراتيجية صائبة أو خاطئة بالنسبة لبعض جزئياتها- ولا تسمح للآخرين بالتأثير عليها، خاصة الآخرين الصغار، بالمقاييس الأمريكية.

لم يطل عهد السادات بعد " كامب ديفيد" ، وقد ساءت علاقته بالإخوان الذين أفرج عنهم، بالرغم من أن انتقاداتهم له كانت رقيقة وعلى استحياء. وما لبث عهده وحياته أو وصلا إلى نقطة النهاية، بأيدي إحدى " الجماعات الإسلامية" التي انشقت عن الإخوان، واختارت طريق العنف المسرف، واللاعقلاني ، فكان حادث المنصة سنة 1981، الذي أنهى حكم وحياة الرئيس الثالث لمصر منذ قيام ثورة 23 يوليو.

الفصل الثاني

المراحل الرئيسية لمسيرة الإخوان المسلمين

لقد بلغت حركة الإخوان المسلمين من العمر ثمانين سنة حتى الآن، يمكن تقسيمها في ست مراحل تتحدد زمنا على النحو التالي:

المرحلة الأولى: 1928- 1938

المرحلة الثانية: 1938- 1948

المرحلة الثالثة: 1948- 1952

المرحلة الرابعة: 1952- 1954

المرحلة الخامس: 1954- 1971

المرحلة السادسة: 1971- إلى 2011

المرحلة الأولى

لقد استمرت المرحلة الأولى عشر سنوات تميزت فيها الدعوة بالعمل السلمي المركز على جماهير الشعب، من غير تعرض للسلطات أو اصطدام معها. بل لقد بدا واضحا من سلوك الجماعة في هذه المرحلة أنها على استعداد للتعاون مع الحكومة في نطاق الحد الأدنى مما تستوجبه المبادئ التي تنادي بها. وكان أكبر مظهر لهذا الموقف الإخواني الودي تجاه السلطة تلك المظاهرة الضخمة التي نظمها الإخوان، وشاركتهم فيها الهيئات الإسلامية الأخرى لإظهار الولاء والتأييد للملك فاروق بمناسبة مباشرته لسلطاته الدستورية في شهر آيار ( مايو) 1937م، وقد قدر عدد المشاركين في المظاهرة من الإخوان بعشرين ألفا، اتجهوا إلى قصر عابدين بوسط القاهرة. " وهناك انتظم الإخوان على باب القصر رافعين أعلامهم يهتفون: " الله أكبر ولله الحمد" – الإخوان المسلمون يبايعون الملك المعظم.. الإسلام منقذ الإنسانية- القرآن دستور الدنيا، ومن يتبع غير القرآن قانونا فقد ضل – نبايعك على كتاب الله وسنة رسوله".

وقد يبدو هذا الموقف مستغربا لمن يعرفون أن الإخوان المسلمين حاربوا نظام الملك فاروق، وأن اغتيال الإمام الشهيد حسن البنا قد قام بتدبير من هذا الملك ورئيس وزرائه وكبار رجال الأمن في نظامه، غير أن هذا الاستغراب يزول عندما نعرف أن فاروقا كان قد تولى المنصب لتوه، ولم يكن يبدو عليه أي انحراف. وحيث أن مصر كلها، بما في ذلك القاهرة والإسكندرية كانت تحت الاحتلال البريطاني وأن تسلط بريطانيا على شئون الحكم والإدارة والجيش كان غصة في حلوق أغلبية المصريين، فقد صار الملك مركز السلطة الوطنية، ورمز الكفاح الوطني، حسب ما اخبرنا قيادي إخواني بار، حيث ذكر أن فاروقا الشاب كان" مناط آمال الشعب وموضع احترامه، لأن سيرته كانت سيرة مرضية ومسلكه كان مسلكا شريفا، ولعل ذلك نتيجة تأثير الشيخ مصطفى المراغي عليه.. ولم يبدأ فاروق في الانحراف إلا بعد وفاة الشيخ.." سنة 1945م. ولكن " فاروقا هذا تولاه هذا بعد ذلك شياطين الإنس من رؤساء أحزاب وبطانة فاجرة فصنعوا منه شيطانا.."

المرحلة الثانية

وانتهت هذه المرحلة الأولى من مسيرة الإخوان سنة 1938م، وإذ ذاك دخلوا مرحلة جديدة ولم يكن هذا الدخول عفو الخاطر، أو من غير إدراك، بل كان عن وعي واقتناع وتصميم، وقد نبه الإمام حسن البنا إخوانه إلى هذه النقلة بقوله:" هذه مرحلة من مراحل الإخوان اجتزناها بسلام وفق الخطة الموضوعة لها.. والآن أيها الإخوان وقد حان وقت العمل، وآن أوان الجد.." ثم سأل الأستاذ البنا إخوانه :" ما خطوتكم الثانية؟" ومضى يجيب على تساؤله:

" أقول لكم فاسمعوا: سننتقل من خير دعوة العامة إلى خير دعوة الخاصة، ومن دعوة الكلام وحده إلى دعوة الكلام المصحوب بالنضال والأعمال، وسنتوجه بدعوتنا إلى المسئولين من قادة البلد وزعمائه ووزرائه وحكامه وشيوخه ونوابه وأحزابه، وسندعوهم إلى منهاجنا ونضع بين أيديهم برنامجا، وسنطالبهم بأن يسيروا بهذا البلد المسلم، بل زعيم الأقطار الإسلامية.. في جرأة لا تردد معها، وفي وضوح لا لبس فيه.. فإن أجابوا الدعوة .. آزرناهم وإن لجئوا إلى المواربة والروغان، وتستروا بالأعذار الواهية والحجج المردودة فنحن حرب على كل زعيم أو رئيس حزب أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام ولا تسير في الطريق لاستعادة حكم الإسلام ومجد الإسلام.. سنعلنها خصومة لا سلم فيها ولا هوادة معها حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين..".

" كان موقفكم أيها الإخوان سلبيا ( كذا) هكذا فيما مضى ، أما اليوم، وأما في هذه الخطوة الجديدة فلن يكون كذلك، ستخاصمون هؤلاء جميعا في الحكم وخارجه خصومة شديدة إن لم يستجيبوا لكم ويتخذوا تعاليم الإسلام منهاجا..".

" أيها الإخوان – أعلن لكم هذه الخطوة على صفحات جريدتكم هذه ، لأول عدد منها، وأدعوكم إلى الجهاد العملي بعد الدعوة القولية، وفيه تضحيات ، وسيكون من نتائج جهادكم هذا في سبيل الله والإسلام أن يتعرض الموظفون منكم للاضطهاد وما فوق الاضطهاد، وأن يتعرض الأحرار منكم للمعاكسة وأكثر من المعاكسة، وأن يدعي المترفون المترفهون منكم إلى السجون وما هو أشق من السجون، ولتبلون في أموالكم وأنفسكم ، فمن كان معنا في هذه الخطوة فليتجهز وليستعد، ومن قعدت به ظروفه أو صعبت عليه تكاليف الهاد سواء أكان شعبة من شعب الإخوان أم فردا من أعضاء الجماعة فليبتعد عن الصف.." (انتهت الاقتباسات).

وعندما يمر الباحث والقارئ بهذا الكلام الخطير الذي كتبه مؤسس الجماعة ومرشدها الأول، منبها بوضوح غلى انتهاء المرحلة الأولى، مرحلة الدعوة السلمية ( 1928- 1938م) ، وولوج الحركة إلى المرحلة التالية، ومشيرا إلى تغير بل انقلاب في أساليب الممارسة من الالتزام بالتحرك السلمي إلى تبني أسلوب المواجهة والتحدي والتهديد المكشوف.

هنا لابد أن يتساءل الباحث والقارئ: هل كان حسن البنا يقصد بدقة كل ما قاله في كلمته المنشورة التي اقتبسنا منها ههذ المقتطفات والنصوص ؟ أم أن الأمر كان مجرد انزلاقه فلم ينفث مشاعر الحماسة والعاطفة المتأججة في إطار الأسلوب الخطابي؟ فحتى صدور هذا الإعلان في مقالة حسن البنا النارية كانت حركة الإخوان تمارس نشاطها مسالمة لكل القوى الوطنية، المدنية والرسمية طوال المرحلة الأولى، بما في ذلك التزام القواعد الاجتماعية المتعارف عليها في المجتمع المصري، حتى في استخدام الألقاب التركية الأصل (بك، وباشا، وأفندي، وغيرها)، سواء عند تناول أسماء الشخصيات المدنية أو الحكومية. أما مضمون الخطاب الجديد الذي قدمته مقالة حسن البنا رحمه الله فقد كان إنذارا لأطراف كثيرة بأن ثمة انقلاب رئيسي ومهم في طريقة تعامل جماعة الإخوان مع محيطها، وتوجهها إلى الدخول في مواجهة فاصلة مع كل الأطراف. ولعل من المفيد أن نحدد بنود هذا الإنذار في نقاط:

1- إعلان التغيير والانتقال من الأسلوب السلمي غلى حالة المواجهة،
2- التوجه بالدعوة إلى الخاصة: الحكام بمراتبهم المختلفة وإلى الأحزاب،
3- إن قبل كل هؤلاء تبني برنامج وأهداف دعوة الإخوان فلهم المؤازرة والتأييد،
4- وإن رفضوا، إعلانا أو مراوغة ، فالإخوان حرب عليهم جميعا
5- المرشد يدعو إخوانه للاستعداد لموجات الاضطهاد والسجون، والأكثر من السجون، أي التشريد والإعدامات والتصفية الجسدية.

وهنا نعود إلى التساؤل: لكان حسن البنا يلقي خطابا ، أو يكتب مقالا حماسيا، أم كان يعلن تغييرا فعليا وشيكا؟

لسنا بحاجة إلى التخمين أو الاستنتاج لمعرفة الإجابة على هذا السؤال. لقد أصبح هذا السؤال من ا لماضي البعيد الذي مر عليه أكثر من نصف قرن، والذي كان مستقبلا يوم نشر حسن البنا خطابه ذاك. وقد صار الخطاب وتداعياته جزءا من الماضي البعيد نسبيا، أي أن تداعياته صارت معروفة وواضحة. لقد كان الإعلان برنامج عمل، وقد وضع موضع التنفيذ في الأيام والسنوات التي تلت وانقضت من مسيرة الإخوان، وصار تاريخا موثقا، وصارت معالمه الرئيسية ، بل ونتائجه معروفة، ومتوفرة لكل من أراد أن يبحث عنها.

ويبدو واضحا من كل ذلك أن حسن البنا كان يعني ما يقول، فبعد سنتين من هذا الخطاب نجد الإخوان يؤسسون النظام الخاص، خطوة كان التحرك فيها والعلم بها ضمن دائرة صغيرة ومحدودة، على رأسها حسن البنا رحمه الله، وذلك سنة 1940 ، كما حدثنا الأستاذ محمود عبد الحليم، وفضلا عن ذلك فقد شهدت السنوات العشر التي نشرت في بدايتها مقالة المرشد العام، والمؤسس كثيرا من الممارسات الإخوانية التي استخدمت فيها الأسلحة والقنابل، وشهدت عددا من حوادث الاغتيال التي طالت عددا من القضاة، وضباط الشرطة وغير ذلك مما سيأتي تفصيله. ( انظر الفصل الخامس).

وقد نتج عن هذا الانقلاب في ممارسات الإخوان أيضا صدام مع الأحزاب والقوى السياسية المدنية، واتسمت المسيرة الإخوانية بمحدودية الوعي، وضيق الأفق، والافتقار إلى المرونة. ففي هذه المرحلة الثانية أخذ حسن البنا يتوجه بالخطاب إلى زعماء الأحزاب وأنصارها، وإلى الملك ورؤساء الوزارات والوزراء، بل وإلى رؤساء وزعماء الدول الإسلامية خارج مصر، موجها لهم الدعوة بلطف حاثا لهم على تبني النهج الإسلامي. وحيث لم تكن هناك استجابة، عدا بعض الاستجابات المحدودة والهامشية فقد أخذت الأمور تتعقد وتتجه نحو الصدام.

هنا قد يتساءل بعض القراء: هل كان هذا التغيير الذي أدخله المرشد العام على مسيرة الجماعة استمرارا لتنفيذ خطة إستراتيجية وضعت مرحلة منذ بداية انطلاق حركة الإخوان، أم أن حدثا مفاجئا- على الصعيد الوطني- جعل هذا التغيير ضروريا؟ إن تأمل المادة المعلوماتية التي بين أيدينا تنفي أن يكون هذا التغيير استمرارا لخطة إستراتيجية ، كما أن الساحة المصرية لم تشهد حدثا مفاجئا أو غير عادي استوجب التغيير. والذي اعتقده أن نمو الحركة بشكل سريع وامتلاكها لقدر لم يكن متوقعا من عناصر القوة الجماهيرية هو الذي أشعر الأستاذ البنا بثقة مفرطة في حساباته ووضعه وحركته على هذا المفترق الجديد.

ومن المرج أن الأحزاب السياسية استشعرت الخطر من شعبية الإخوان، سيما بعد أن أخذت قوتهم تظهر في المسيرات وفي رحاب الجامعات. ولابد أن السلطة الإنجليزية المتحكمة في مصر كانت قد أدركت ذلك وأخذت تعد الخطط لمواجهة ما قد يحمله التحرك الإخواني إلى الساحة المصرية. ولسنا بسبيل تتبع تفاصيل أحداث هذه الفترة، لأن ذلك يخرج بنا عن خطة البحث. ومن أراد الاطلاع على التفاصيل فيمكنه مراجعة ذلك في مصادر أخرى. ويكفي أن نرسم الخطوط العريضة لمسيرة الحركة في هذه المرحلة كي نخرج من ذلك بالعبرة والرؤية الصحيحة.

لقد وضع الإخوان أنفسهم في مواجهة مجموعتين من الأحزاب:

أ‌- الأحزاب التقليدية : الوفد، السعديون، الأحرار الدستوريون، الحزب الوطني.
ب‌- مصر الفتاة.

كما وضعوا أنفسهم في مواجهة القصر، والحكومة المصرية والوجود البريطاني الاستعماري. وفي هذه الفترة نشأت حركة " الضباط الأحرار" في الجيش المصري فكان الإخوان على صلة بنشأتها من بداية ألأمر. وفي هذه الفترة أيضا أنشأ الإخوان" النظام الخاص"، كما أشرنا قبل قليل ، الذي عرف فيما بعد، خاصة في مصطلح السلطة وأجهزة الإعلام، بالجهاز السري، وكان الهدف من إنشاء النظام أن يكون أداة عسكرية لمواجهة الاحتلال الإنجليزي والحركة الصهيونية في فلسطين، ولحماية الدعوة من بطش السلطة وربما – أيضا- ليكون أداة للتغيير عندما تحين ساعة التغيير، حسب تقدير قيادة الإخوان. وقد شهدت هذه المرحلة كذلك نشاطا إخوانيا متناميا لنصرة القضية الفلسطينية ومواجهة التحدي الصهيوني بلغت ذروتها في دخول كتائب المتطوعين الإخوان، وجلهم من أعضاء النظام الخاص، حرب فلسطين حيث ابلوا بلاء حسنا. وقد ظل الإخوان طوال هذه الفترة في الجانب الوطني من الصراع.

المرحلة الثالثة

وفي المرحلة الثالثة( 1948- 1952) تعرضت الحركة للحل، واغتيل مؤسسها وقائدها، وأخضعت لموجة طامة من الاضطهاد والتشريد والاعتقالات، وذلك نتيجة لانزلاق الإخوان إلى ممارسة العنف المسلح في العمل السياسي. وقد تفاقم الوضع المضطرب على أثر هزيمة الحكومة المصرية في حرب فلسطين وانفضاح عبثها وعدم جديتها. ومما ينبغي أن نلفت إليه الأنظار في مسيرة أحداث الحقبة الأولى من مسيرة الجماعة ( 1928- 1954) ، أن الحياة السياسية أثناءها لم تتسم بالدكتاتورية المطلقة، على الرغم مما ران عليها من فساد ومهاترات وطغيان.

لقد كانت هناك رموز وأشكال ديمقراطية، كانت هناك قشرة من الديمقراطية، وكانت المثل الديمقراطية موضع قداسة شكلية عند الشريحة العليم من المجتمع التي يأتي منها السياسيون ورجال الحكم. وقد ساعدت هذه الحال القوى الوطنية- بما فيها حركة الإخوان- على أن تجد طريقها للنهوض في أعقاب موجات القمع المحدودة. وحتى موجة المطاردة والاعتقالات التي تعرض لها الإخوان عام 1949م، والتي اتسمت بشيء من الاتساع والشمول بالمقارنة مع ما سبقها، لم تلبث أن انفرجت بمجرد أن سقطت حكومة حزب السعديين وجاءت حكومة غير حزبية. وقد نظمت تلك الحكومة الانتخابات العامة وأشرفت عليها سنة 1950 فجاءت الانتخابات بأغلبية وحكومة وفدية. ومع أن الوفد كان في خصومة مع الإخوان إلا أن الإخوان أيدوه في الانتخابات ، وكذلك فعل الشيوعيون، نكاية في حزب السعديين. وقد أراد الوفد – من ناحيته أن يتقرب إلى الإخوان ليستعين بهم ضد السعديين وغيرهم من مناوئيه.

ثم انطلقت الثورة المصرية التي فجرها تنظيم الضباط الأحرار سنة 1952م، وقد كانت حركة الضباط الأحرار على صلة وثيقة بالإخوان منذ نشأتها ومن حيث انتماء عدد من ضباطها إلى الإخوان المسلمين، ومن حيث تعاون الفريقين ، حتى لقد ساد الاعتقاد خلال السنة الأولى من عمر الثورة بأن الثورة إخوانية قلبا وقالبا.

المرحلة الرابعة

وبقيام الثورة في الثالث والعشرين من تموز ( يوليو) سنة 1952م بدأت المرحلة الرابعة من مسيرة الإخوان. وعلى الرغم مما بدا لعامة الناس، بل ولمعظم أعضاء حركة الإخوان، من أن الإخوان والثورة يد واحدة- وذلك خلال السنة الأولى من عمر الثورة على الأقل- فقد كانت عوامل التباعد والخصومة تتفاعل بعنف تحت قشرة الوفاق الرقيقة الخادعة.

ولم يأت عام 1954م حتى تحول الخلاف إلى صدام مباشر وعنفي جرى في العلن، وفتحت المعتقلات للإخوان من جديد ابتداء من شهر كانون الثاني ( يناير) 1954م. ثم أفرج عن زعماء الإخوان بعد ما يقرب من ثلاثة أشهر. وفي السادس والعشرين من تشرين الأول ( أكتوبر ) 1954م جاءت حادثة المنشية بالإسكندرية ، حيث أعلنت الحكومة أن الإخوان دبروا مؤامرة لاغتيال جمال عبد الناصر ، ومن هنا أخذت موجة القمع والمطاردة الحكومية شكلا بالغ العنف والشمول ، وانعدم أي أمل في الوفاق بين الجانبين، وبذلك بدأت مرحلة جديدة.

المرحلة الخامسة ( 1954- 1970)

لعل القارئ الكريم قد لاحظ أن ميدان الحراك في المرتحل الأربعة الأولى التي مر بها كان ضمن حدود أرض مصر، وأن القوى التي تحركت في الميدان، والقوى التي تواجهت وتنافست وتصارعت كانت قوى مصرية. أما في هذه المرحلة الخامسة فإن الأرض التي جرى عليها الحراك قد اتسعت ، وأن قوى أخرى ظهرت على الأرض وكانت لها أدوار مباشرة أو غير مباشرة، وتأثير بمقادير مختلفة. لقد شهدت ههذ المرحلة أدوارا وتحركات لبعض الدول الكبرى ومشروع بناء السد العالي ، وتأميم قناة السويس واندلاع الثورة الجزائرية ومساندة مصر لها، فضلا عن العدوان الثلاثي على مصر ( 1956- 1957) والانقلاب والحرب الأهلية في اليمن وتدخل السعودية والصراع الناصري السعودي وقيام الوحدة بين مصر وسورية وانفصامها، ودخول الاتحاد السوفيتي إلى الفضاء السياسي لعالمنا العربي، والعدوان الإسرائيلي في الخامس من حزيران، والأحداث التي شهدها الأردن سنة 1970، وحرب تشرين والانقلابات العسكرية المتكررة في سورية والعراق، وغير ذلك مما شهده عالمنا العربي، وكطل هذه الأحداث تقع خارج موضوع دراستنا على الرغم مما كان لها، أو لبعضها من التأثير المباشر أو غير المباشر في الأحداث التي نتناولها.

لقد شملت هذه المرحلة عهد رئاسة وحكم جمال عبد الناصر حتى وفاته في شهر أيلول ( سبتمبر) 1970. ومن غير أن ندخل في التفاصيل نكتفي بالقول بأن السمة الأولى التي ميزت هذه المرحلة أن حركة الإخوان لم تعد لاعبا رئيسا في ميدان السياسة المصرية، بل إنها لم يعد لها أي دور على الإطلاق. لقد قبعت معظم العناصر النشطة من الإخوان في المعتقلات والسجون، ومرت بمحنة قاسية تعرضت فيها لألوان هائلة ومسرفة من التعذيب.

أما الفريق الذي كان انشق عن قيادة المرشد الثاني، حسن الهضيبي رحمه الله، فقد احتضنهم جمال عبد الناصر، وترك لهم قدرا من الحرية، وأفسح لهم في الوظائف، فصار الشيخ محمد الغزالي ، والشيخ السيد سابق يرحمهما الله، كل منهما في منصب وكيل وزارة.

وبجانب ذلك، فإن بعض الشخصيات الإخوانية المهمة التي لن يعرف لها دور في الانشقاق الإخواني الذي نشا خلال وبعد اختيار وتنصيب المرشد العام حسن الهضيبي لقيت اهتماما خاصا من جمال عبد الناصر، وكان من أبرز هؤلاء الدكتور عبد العزيز كامل، الذي كان أستاذا في قسم الجغرافيا في جامعة القاهرة، فشغل منصب نائب رئيس الوزراء، كما شغل منصب وزير الأوقاف في فترة لاحقة. أما الدكتور أحمد كمال أبو المجد ، وهو أستاذ في القانون، فقد عين في منصب ملحق ثقافي في السفارة المصرية في واشنطن، ثم عين فيما بعد وزيرا للإعلام ، وفي مرة ثانية عين وزيرا للشباب. وقد كان كل منهما في مستوى عال من العلم والأهلية والحضور القوي على الصعيد العام، سواء في أجواء الإخوان، أو على الصعيد الوطني. ومن هذه المجموعة أيضا كان الشيخ أحمد حسن الباقوري رحمه الله، وقد صار وزيرا للأوقاف.

ومن ناحية أخرى فإن بعض شباب لإخوان لم ينقطعوا عن الاتصال بجمال عبد الناصر في فترة الانشقاقات وما بعدها، وهذا ما ذكره لي أحدهم- بعد عشرين سنة من تلك الأحداث، وقد صار أستاذا في كلية الطب- فقال : " لقد ظللنا حتى سنة 1957 نتردد على بيت جمال عبد الناصر وندخل من باب خلفي خاص لنلتقيه ، دون أية مشاكل من جانب الحراسة".

ويبدو أن جمال رحمه الله مال إلى التخفيف من حدة المواجهة تمهيدا لإنهائها، وذلك بعد أن ضعف الجانب الإخواني ولم يعد قادرا على الاستمرار في الصراع، وانسجاما مع هذا التوجه بدأ الإفراج عن أعداد من الإخوان أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، وكان سيد قطب على رأس المفرج عنهم. وفي هذه الفترة التي شهدت الانفراج، وعاد فيها سيد قطب إلى بيته حرا سعيت إلى الالتقاء به، وكنت من المعجبين به لسنوات طويلة، ولم يكن قد وصل إلى علمي ما كان قد طرأ على فكره من تغيير.

وقد ذهبت إلى بيته في شارع رستم باشا في حلوان، غير أن سيد لم يكن موجودا فاستقبلني الأستاذ محمد قطب، رحمه الله، وجلست معه بعض الوقت. ثم عدت في السنة التالية ( 1963 أو 1964) فلم أجده أيضا. واستقبلني ابن أخته، واسمه رفعت بكر الشافعي، وجلست معه قليلا، وأخبرني أن الأستاذ سيد ذهب إلى مصيف رأس البر. وقد ذهبت إلى مصيف رأس البر من غير أن يكون لدي عنوانه، على أمل أن ألتقيه، ولم أكن قد دخلت رأس البر من قبل، وبعد جولة على الشاطئ اقتنعت بتعذر الوصول غلى بغيتي، فعدت إلى القاهرة.

وكان ممن ذهب لزيارة سيد قطب بعد الإفراج عنه الأديب والروائي المشهور نجيب محفوظ رحمه الله. فقد ذكر ذلك الأستاذ محفوظ في مقال نشره في إحدى الصحف، فقال إنه كان يحفظ لسيد قطب أنه أول ناقد أدبي قدمه إلى القراء عندما لم يكن محفوظ قد وصل إلى مرحلة الشهرة، ولذا فقد ظل يشعر له بالامتنان منذئذ، - آنذاك- من مخاطر، من ناحية عدم رضا السلطة. وقد عبر محفوظ عن دهشته لما سمعه من سيد قطب، إذ بدأ يطرح عليه وصحبه نظريته التي أودعها في كتابه " معالم في الطريق" وكأنه يلقي عليهم درسا.

انتكاسة الانفراج وعودة إلى الصراع

غير أن هذا الانفراج الذي بعث الأمل في نفوس الكثيرين لم يلبث أن انتهى، واختفى معه الأمل، وحمل التطور الجديد موجة جديدة من الرعب والعنف. فقد أعلنت السلطة في مصر في بيان رسمي بثته وسائل الإعلام أن تنظيما إخوانيا بزعامة سيد قطب قد انهمك في إعداد العدة لمحاولة القيام بانقلاب وأخذ يجمع السلاح ويدرب المشاركين على استخدامه . وقد تم إفشال المحاولة، وألقي القبض على ذوي العلاقة، وضبطت الأسلحة وصودرت. وقد نفى المكتب التنفيذي لقيادة الإخوان في البلاد العربية- وكان مقره في بيروت- نفى ما جاء في البيان الرسمي المصري ، وكان مما جاء في البيان الذي أصدره المكتب:

" إن الإخوان المسلمين في البلاد العربية والإسلامية ينظرون بكثير من الأسف غلى الاعتقالات التي جرت في الجمهورية العربية المتحدة وشملت عددا من الإخوان المسلمين، في الوقت الذي يحتاج فيه العرب والمسلمون إلى رص صفوفهم، وحشد جهودهم لمواجهة الاستعمار..

" والإخوان المسلمون، بما توفر لديهم من معلومات يؤكدون أن الإخوان المسلمين في مصر لا علاقة لهم البتة بأية مؤامرة أو سلاح مختزن، ولسوف يكشف عن ذلك بصورة قاطعة أي تحقيق نزيه عادل".

والحقيقة أن هذا البيان الإخواني كان مجرد رد سياسي لم يكن هدفه الإعلان عما جرى بالفعل. لقد كنت- في تلك الفترة- متفرغا للعمل للمكتب التنفيذي، كما كانت لي علاقة بالاجتماع لذي صدر عنه القرار، ومن جانب آخر فإن أخا لبنانيا قياديا كان أيضا قريبا من الاجتماع، وفي حديث ثنائي بينه وبيني لم يتردد أن يسخر من النفي الذي ورد في بيان المكتب التنفيذي، وكان مما قاله لي: إنه زار مصر قبيل الأحداث موضوع البحث، وذهب إلى الإسكندرية، وأخذه بعض الإخوان المصريين إلى الشقة التي ذكر البيان الحكومي أن التدريب كان يجري فيها وضبط فيها شيء من السلاح، وقد شاهد الأخ المذكور التدريب والسلاح بنفسه. ويبدو لي أن سيد قطب لم يكن له دور عملي في إنشاء التنظيم أكثر من الفكرة " النظرية" التي أودعها في كتابه " معالم في الطريق" والذين شكلوا التنظيم كانوا- على ما يبدو- شبابا أغرارا متحمسين محدودي الفكر والخبرة.

ولما وجدوا أنفسهم عاجزين عن توجيه وتحريك التنظيم الذي أنشئوه ، لجئوا إلى صاحب النظرية. والذي أرجحه أن سيد قطب لم تكن لديه خبرة ولا معرفة، ولا قدرة جسدية في سنه وصحته. بعد سنوات السجن والعذاب الطويلة. ومن المرجح أنه وقع في حرج شديد أن يتهرب من المشاركة فيما دعا إليه ونظر له بلغة قوية عاطفية شديدة الحماسة. وهكذا دفع ثمنا مضاعفا ومبالغا فيه، لما صاغه ونشره من فكر.وشملت موجة الاعتقالات والتنكيل كل من عرف له أدنى نشاط إخواني، وهكذا بدت ساحات العمل الإسلامي خاوية فارغة. ولم تمض هذه الفترة الحالكة في امتدادها أكثر من سنوات خمس حتى توفي جمال عبد الناصر في شهر أيلول ( سبتمبر) 1970م، رحمهم الله جميعا.

ودعونا ننظر فيما كتبه الأستاذ فريد عبد الخالق- وهو من كبار وقدماء قادة الإخوان ومن تلاميذ حسن البنا المباشرين- عن تنظيم 1965 ، باختصار شديد:

بدأت نواة التنظيم أوائل الستينات بقيام عدد قليل من الإخوان الذين كانوا اعتقلوا في فترات سابقة بالتجمع في أسر، وقد اتل بعضهم بالأستاذ المرشد حسن الهضيبي مستأذنين بغرض دراسة القرآن الكريم وغير ذلك من مواد التربية الإسلامية. وقد أذن لهم المرشد بذلك في الحدود التي عيونها وقت استئذانهم. ومع الزمن تزايدت أعدادهم وكونوا قيادة منهم على رأسها الشيخ عبد الفتاح إسماعيل، ثم امتدت اتصالاتهم لتطال بعض الإخوان في السجون وخارجها. وأحس بعض الإخوان بوجود ذلك التنظيم بعد عامين، وتبين أنه قد يكون متجها لاستخدام القوة.

واتصل بمسئولي التنظيم من نبههم إلى خطورة تحركاتهم ومن خطورة وجود أي تنظيم، حتى من غير أية توجهات عنيفة، بيد ممثلي التنظيم لم يفصحوا عن حقيقة ما يتجهون إليه. وبعد ذلك اتصلوا بسيد قطب على اثر الإفراج عنه، وأخبروه بأنهم تأثروا بكتاباته وطلبوا منه أن يتولى قيادتهم، فقبل ذلك، واستمر سنتين إلى أن ألقي القبض عليه. وقد اعتقل عشرات الآلاف من الإخوان رجالا ونساء، وأعدم سيد قطب وعبد الفتاح إسماعيل، ومات عدد غيرهم تحت التعذيب . وظل الحال كذلك إلى ما بعد وفاة جمال عبد الناصر أواخر سنة 1970.

المرحلة السادسة( 1971- 2020)

وجاء عهد أنور السادات( 1970- 1981) حيث شهدت الأشهر الأولى صراعه مع ما سمي بمراكز القوى من بقايا النظام الناصري ، وكان على رأس تلك الفئات السيد علي صبري، وشعراوي جمعة، وسامي شرف. وقد نجح السادات في التخلص من مراكز القوى الظاهرة. وفى إطار صراعه مع هذه القوى رأى أن بإمكانه الاستفادة من القوى الإسلامية. ومن هنا بدأ يفرج عن الإخوان القابعين في السجون والمعتقلات، سواء بغرض الحصول على تأييدهم . ضد اليساريين والناصريين ، أو لتيقنه من أنهم، أو أن كثيرين منهم تعرضوا للظلم والعقوبات المسرفة. فماذا كان رد الفعل من جانب الإخوان على هذا التوجه من جانب خليفة عبد الناصر ؟

لقد كنت في تلك الفترة في الكويت، أعمل متفرغا لشئون المكتب الإقليمي الذي ضم ممثلين لمختلف التنظيمات الإخوانية بما فيه تنظيم الإخوان الكويتيين ، وبعض تنظيمات الإخوان من غير الكويتيين من العاملين الوافدين المقيمين ، خاصة من المصريين والفلسطينيين بجانب ممثل للاتحاد العالمي للطلبة المسلمين. وأزعم أنني أدركت أهمية هذه اللحظة التاريخية الفارقة بين عهدين ، عهد ولي وانقضى ، وعهد ينتظر من يبنيه ومن يتقدم ليشارك في بنائه. وقد سبق لي أن كتبت وصفا لتصرفاتي آنذاك في كتاب تأخر نشره لفترة بعد الحدث، غير أن كتابته كان قريبة ومفعمة بتلك الأجواء. وكان مما قلته:

" أما د الفعل بالنسبة لي فلم يغرق في العاطفة والانفعال، ولم يصبه شئ من البطء أو التواني، فبمجرد سماعي النبأ أدركت ضخامة الآثار التي سيتركها الحدث، وبدأت أعد بذلك مذكرة موجزة ركزت فيها على بضعة أفكار أساسية من غير إسهاب في التحليل والاستقصاء، مؤجلا ذلك إلى دراسة لاحق. وقد استغرقت هذه المذكرة صفحتين ، أو ثلاثا. وفي صبيحة اليوم التالي كنت أجري اتصالات من أجل عقد اجتماع غير عادي للجنة الإقليمية لبحث الموقف الجديد. وقد بدا موقفي أمام تحفظ الآخرين وكأنه مندفع أو متعجل، بيد أن اللقاء قد تم، حيث وزعت نسخا من المذكرة على المشاركين".

وكانت خلاصة ما ذكرته:

أولا: أن النظام الناصري كان قد بدأ انهياره منذ هزيمة الخامس من حزيران 1967،

ثانيا: أن عملية الانهيار تواصلت بعد ذلك من خلال الصراع من أجل تحميل مسئولية الهزيمة بين الأشخاص والقوى المكونة للنظام، وبانتحار عبد الحكيم عامر أو اغتياله بلغ الصراع ذروته،

ثالثا: وبموت جمال عبد الناصر وصعود السادات لمنصب الرئاسة انتهى النظام الناصري ودخلت مرحلة تأسيس وبناء نظام جديد,

رابعا: إن الموقف الراهن يتطلب أن يكون للإخوان المصريين حضور ملموس وفاعل في مرحلة البناء.

خامسا: لقد مضت على الإخوان المصريين القياديين أو القادرين الذين غادروا بلدهم مرغمين فترة طويلة ( بعضهم منذ 1954 وبعضهم من 1965 ) وهم يصرخون من خارج الأسوار التي فرضها النظام المنهار، وقد آن الأوان للعودة والتحرك من الداخل، والمشاركة في تشييد البناء الجديد.. الخ.

وكان رد الفعل الفوري بالسخرية والتندر من جانب البعض الذين أصروا على أن النظام هو نفسه برأس جديد. أما ممثل التنظيم المصري فقد قال أنه سيذهب إلى مصر لاستطلاع الوضع، على أن يعود بعد أسبوع. وعاد الدكتور سالم ليشارك في الاجتماع التالي، حيث بدأ يعرض تقريرا بتوقعات لا تخلو من الإيجابية والأمل والثقة، فانطلق صوت السيد عبد الله العقيل بصيحة استنكار لا تخلو من الإهانة والاستعلاء، فتوقف الدكتور سالم عن مواصلة الحديث، فعاد أبو مصطفى ليقول: طيب أكمل أكمل ، فأبى قائلا:" أنا ما كملت جملة حتى هبيت في" فانطلقت صيحة أخرى: أنا مو كلب حتى أهب فيك . هذا مع أن كلمة " هب" كلمة فصيحة وتستخدم في سياق إيجابي، عندما نقول: هب لمساعدته، لنجدته، للقائه والترحيب به، هب لمواجهة العدو ... " وانتهت الجلسة، وانسحب الدكتور سالم نجم من اللجنة، وقد علمت فيما بعد أنه ترك الكويت وعاد إلى مصر ليعمل أستاذا في كلية الطب بجامعة الأزهر وقد حل محله في اللجنة الدكتور محمد طلبة زايد.

أما في مصر فقد مرت سنوات تخللتها حرب " أكتوبر 1974" وبعدها زيارة السادات للقدس وما تلا ذلك من معاهدة كامب ديفيد، فساءت علاقة الإخوان بنظام السادات، وفتحت لهم السجون مجددا بسبب معارضتهم للمعاهدة وانتقاداتهم للسادات، بيد أن المحنة لم تصل في عنفها واتساعها إلى ما كان يحدث في العهد الناصري.

حركة إسلامية جديدة 1971- 1984

وعدا عن الإخوان المسلمين المضطهدين الذين كانوا مغيبين في السجون والمعتقلات ظهرت على الساحة في هذه الفترة قوى إسلامية جديدة، شابة ونشطة، بل شديدة النشاط والحماسة، وكان ظهورها مفاجئأ، بعد انفلات القبضة الحديدية، الأمنية والثقافية المتمثلة في نظام جمال عبد الناصر وأنصاره من الماركسيين واليساريين والعلمانيين. وقد نبتت البذرة الأولى للحركة الإسلامية الجديدة من نخاع الشعب المصري المتدين بفطرته الجديدة من نخاع الشعب المصري المتدين ، فظهرت في السنوات الأولى من عهد السادات، وأخذت تنمو وتتمدد، من غير أن تتعرض لها الأجهزة الأمنية، وذلك انسجاما مع سياسة السادات الجديدة. ويحدثنا الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح عن ولادة هذه الجماعة وتطورها بعد تغييب الإخوان المسلمين منذ سنة 1965 وامتدادا لما بعدها. ويبدو من روايته أنه صاحب هذه الحركة منذ ولادتها، بل إنه كان جزءا منها، وفي إطارها كانت ولادته السياسية والحركية .

ولد أبو الفتوح في منتصف أكتوبر 1951 في أسرة متدينة، وفي سنة 1970 التحق بالجامعة، وكانت رغبة والده أن يصبح طبيبا، فالتحق بكلية طب القصر العيني في جامعة القاهرة ، حيث حصل على مجموع عال في امتحان الثانوية. , " كنت أصلي مع زميل لي من المنيا اسمه عبد الشافي صاوي، على حصيرة متهالكة.. وكان دائما يتساءل : لماذا لا يأتي أحد للصلاة" معنا؟ كان ذلك في السنة الإعدادية طب، ضمن كلية العلوم. فلما ترفع إلى السنة الأولى طب وانتقل إلى كلية طب القصر العيني وجد أن مسجد الكلية يمتلئ ولكن من غير نشاط إسلامي. أما النشاط الذي كان شائعا ومتسيدا فهو نشاط الشيوعيين والناصريين المسيطرين على اتحادات الطلاب وعلى النشاط الثقافي، بما فيه مجلات الحائط، وكانوا يسبون الإسلام فيما يكتبونه فيها، ذلك ما أثار المتدينين ، ومنهم أبو الفتوح وزملاءه.

ولما اكتشفوا عجزهم وضعفهم، حتى في الحوار والمناقشة اتجهوا يسألون العلماء، ومنهم الشيخ محمد الغزالي والشيخ السيد سابق والشيخ محمد أبو زهرة وغيرهم. ثم اكتشفوا وجود أستاذ الباثولوجي في كلية الطب، الدكتور محمد عبد المنعم أبو الفضل، وكان إخوانيا ومتصوفا، ويعتبره الدكتور أبو الفتوح الأب الروحي للحركة الوليدة . وقد أسس الدكتور أبو الفضل لجنة التوعية الدينية ، فاتخذها الطلاب الإسلاميون مسربا بنشاطهم لكنهم فوجئوا بأنها تخضع لاتحاد الطلبة وتسلط اليساريين، ولذلك قرر الإسلاميون أن يستقلوا باللجنة، وغيروا اسمها إلى الجمعية الدينية، وبعد ذلك غيروا اسمها إلى " الجماعة الإسلامية" متأثرين باسم الجماعة الإسلامية في باكستان.

ومن غير إطالة وتتبع للتفاصيل وجد الطلاب الإسلاميون أن عليهم أن يتجهوا للسيطرة على اتحادات الطلبة من خلال الانتخابات، وتم لهم ذلك، وكانت آثار هزيمة 1967 وتحول توجهات وعواطف الشعب المصري ضد الناصريين واليساريين عاملا مساعدا وقويا. وقد ذهب الدكتور أبو الفتوح إلى القول بأن " الجماعة الإسلامية" التي ولدت في أحضان الجامعات المصرية يعز أن نجد لها مثيلا في تاريخ العمل الإسلامي والطلابي، وخاصة في مصر. لقد كانت هذه الجماعة تجربة فريدة في العلاقات الإنسانية والأخوية بين أبنائها، وكانت مثالا نادرا للتجرد والإخلاص، والرغبة الصادقة في العمل لنصرة دين الله، ولأجل الوطن.

ولا أبالغ إذا قلت ( والكلام للدكتور أبو الفتوح) : إن جيل السبعينات كان الأقوى والأكثر نضجا وتأثيرا بين كل أجيال الحركة الطلابية الإسلامية، ساعد على ذلك ظروف البلاد وأجواء الحرية التي عاشتها في عصر السادات، كما ساعد على ذلك أننا بدأنا من ى شئ، ولم ندرك مرحلة الإخوان السابقة علينا في الخمسينات ، وما أصابها من صراعات وخلافات.. لقد كنا نعيش فترة البراءة والفطرة النقية.. " كان هذا وصف الدكتور أبو الفتوح للحركة التي نشأ بها وفيها ومعها وقادها، ثم خلفه في قيادتها بعد تخرجه من الجامعة الدكتور عصام العريان الذي كان ضمن الدفعة التالية لدفعته. والحقيقة أنني ملت – في البداية- إلى شئ من التحفظ على وصف الدكتور أبو الفتوح، ولكنني عدت بذاكرتي أتتبع تطور حركة الدعوة منذ أنشأها حسن البنا رحمه الله سنة 1928، فوجدت أن الدكتور أبو الفتوح لم يبالغ.

الإخوان يتجهون إلى حصر نشاطهم في الإطار السلمي

وربما يبدو للباحث المتابع أن الإخوان أخذوا يتجهون- خلال هذه المرحلة الساداتية وما بعدها- إلى الاندماج في الحياة السياسية والابتعاد عن ممارسة العنف وعن استخدام السلاح في ميدان التنافس السياسي. ويمكن الاستدلال على ذلك من أنهم لم يعودوا لاستخدام ولم مارسوا العنف منذ بداية عهد السادات إلى الآن( 1971- 2008) وهذه الفترة تقرب من أربعين سنة، أي نصف عمر الحركة الإخوانية. وبدلا من العنف فقد حاولوا الانخراط في العمل السياسي السلمي، واستئناف أنشطتهم في حقل الخدمات الاجتماعية والعمل الخيري والتربوي. هذا بينما انغمست " الجماعات الإسلامية" المنشقة عن الإخوان ، سنوات طويلة في الصراع المسلح مع السلطات الحاكمة إلى أن استنفدت تلك الجماعات قواها وبلغت حد الإنهاك والعجز الكامل.

والحقيقة أننا نجد تأكيدا لحدوث هذا التغير فيما كتبه الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح : " كانت الفكرة المسيطرة على مجموعتنا نحن ألا نستخدم العنف وإنما نعد أنفسنا لاستخدامه حين تقوى شوكتنا ونصبح قادرين على القضاء على هذا النظام الممسك بالحكم، ولكن الفرق بيننا وبين من مارسوا العنف وأطلقوا على أنفسهم اسم " جماعة الجهاد" ، أنهم تعجلوا الأمور ونفذوا ما اعتقدوه بسرعة ودون حسابات دقيقة . وقد ظلت هذه الفكرة مسيطرة علينا حتى أواخر السبعينات، حتى بعد دخولنا جماعة الإخوان المسلمين ، إلا أننا بدأنا نراجعها تدريجيا.

وكان للأستاذ عمر التلمساني( المرشد العام للإخوان المسلمين) رحمه الله، الدور الرئيسي في حسم مسألة العنف، وتأكيد التوجه السلمي ، ليس لدينا فقط – نحن أبناء الجماعة الإسلامية التي قررت الانضواء تحت لواء الإخوان المسلمين، بل ولدى كثير من الإخوان المسلمين أيضا من أجيال سابقة علينا، خاصة أبناء تنظيم 1965 الذي عرف بتنظيم سيد قطب . " انتهى كرم الدكتور أبو الفتوح.

ولكن هنا لابد أن يبرز سؤال: وماذا عن جماعة النظام الخاص الذين سيطروا على قيادة الإخوان؟ والجواب الذي أراه: أنهم قد تعلموا درسا من أحداث ثورة 25 يناير 2011، بل تعلموا دروسا وما زالوا يتعلمون، والممارسة أقوى أدوات تعلم الديمقراطية، سواء للأحزاب والجماعات أو للشعوب أو للأفراد. ونأمل أن يكون قرار الإخوان ممارسة العمل السياسي من خلال النشاط السلمي، والجهاد السلمي المخلص نهائيا لا رجعة عنه.

الفصل الثالث

المسار التنظيمي للإخوان المسلمين

لسنا نقصد بالحديث عن المسار التنظيمي أن نتناول بالوصف والدراسة والتحليل التفصيلي الهياكل التنظيمية التي صاغتها قيادة الإخوان المسلمين، وإنما الذي نقصده هو أن نتفحص مدى فاعلية هذه الأطر التنظيمية ، ومدى ضبطها للمسيرة في جانبها الحركي، أي من حيث القدرة على التعامل مع كل الظروف الداخلية في إطار الحركة، والظروف الخارجية المحيطة بالجماعة تعاملا مثمرا. وسنكتفي بإعطاء فكرة عامة وموجزة عن الهياكل التنظيمية باعتبار أنها شرحت بالتفصيل في مصادر أخرى وتضمنها النظام الأساسي واللائحة الداخلية للإخوان في رسالتين طبعتا ووزعتا على نطاق واسع خلال سنوات عديدة.

وسنتعرض في هذا الموجز لأربعة جوانب رئيسية من مسيرة الإخوان التنظيمية تشمل أهم ما في المسار:

1- الأطر القيادية.

2- التقسيم الجغرافي لتحرك الإخوان.

3- التقسيم النوعي للأنشطة.

4- مراتب العضوية.

أولا: الأطر القيادية وتسلسلها

كان المرشد العام هو رأس النظام في حركة الإخوان ، يرأس مكتب الإرشاد المكون من عشرة أعضاء بالإضافة إليه. وقد ذكر حسن البنا أن مكتب الإرشاد " هو السلطة العليا للإخوان المسلمين في سائر لأرض". أما الإطار الأوسع من مكتب الإرشاد فهو الهيئة التأسيسية ، وكانت تتكون من مائة عضو، ويفترض فيها أن تجتمع مرة في العام . وكان لكل منطقة مكتب إداري، لكل محافظة من محافظات الدولة، ولكل شعبة نائب ومجلس إداري. وفي داخل الشعبة قسم الإخوان إلى أسر على رأس كل أسرة نقيب.

وكان عدد أعضاء الأسرة خمسة أفراد في الغالب ويمكن أن يوضح هذا الإطار التنظيمي في اللوحة المبينة:

المرشد العام

مكتب الإرشاد

الهيئة التأسيسية

المكاتب الإدارية

إدارات الشعب

النقباء

الأسر

الأفراد

ثانيا : التقسيم الجغرافي

اتبع الإخوان التقسيم الإداري الحكومي لأراضي الدولة المصرية إلى مديريات ، فجعلوا لكل مديرية " مكتبا إداريا" يصرف نشاط الدعوة فيها، له رئيس، ويضم أعضاء إدارة الشعبة الرئيسية في عاصمة تلك المديرية، كما يضم نواب الشعب التابعة لها. وكان لمدينة القاهرة مكتب إداري ، أي أن القاهرة عوملت كمديرية ، بجانب وجود المركز العام فيها.

ثالثا: التقسيم النوعي للأنشطة

أنشأ الإخوان عددا من الأقسام واللجان التي أنيط بكل منها الإشراف على لون من ألوان النشاط الذي مارسته الجماعة. وأهم الأقسام ما يلي:

1- قسم العمال

2- قسم الطلاب

3- قسم الكتائب والأسر.

4- قسم الجوالة.

5- قسم نشر الدعوة.

6- قسم الأخوات المسلمات.

7- قسم الوحدات.

8- قسم الخدمة الاجتماعية.

9- قسم الاتصال بالعالم الإسلامي.

10- النظام الخاص.

رابعا: مراتب العضوية

حدد الإمام الشهيد حسن البنا مراتب العضوية في أربع درجات:

(أ‌) الانضمام العام.

(ب) الانضمام الأخوي.

(ج‌) الانضمام العملي.

(د‌) الانضمام الجهادي.

ويبدو لي – من خلال خبرتي العملية بأوضاع الإخوان- أن مراتب العضوية لم تكن قانونا أو عرفا مستمرا إلتزمه الإخوان، على الرغم من أن مرشد الإخوان الأول هو الذي أورد ذكرها. وربما تكون قد روعيت في فترة محدودة من الزمن ثم أهملت في سياق درجات متفاوتة من التراخي. والحقيقة أن بعض الجوانب التنظيمية وبعض الأطر التي عددنا اتسمت بوضع شكلي لا يؤخذ مأخذ الجد في وقت الأزمات، بما في ذلك مكتب الإرشاد والهيئة التأسيسية .

فبالرغم من قول الإمام البنا عن مكتب الإرشاد بأنه " هو السلطة العليا للإخوان المسلمين في سائر بقاع الأرض.." وقول الأستاذ محمود عبد الحليم عن الهيئة التأسيسية بـأنها " الهيئة العليا للدعوة، يناط بها رسم الخطوط الرئيسية لسياسة الدعوة، ويرجع إليها في كل ما يمس هذه السياسة أو ما يجد من أمور خطيرة أو ما يستدعي تعديلا في هذه السياسة أو ما يتصل بكيان الدعوة من قوانين أو إجراءات أو تصرفات.."، بالرغم من كل هذه الأقوال، فإن هاتين الوحدتين لو تقوما بشيء مما نسب لهما من مهمات أساسية ، بل كان الطابع الفردي هو الغالب على تسيير أمور الدعوة كما سنرى. أما التقسيم الجغرافي والتقسيم النوعي للأنشطة فلا مراء في أنها كانت تقسيمات مفيدة من الناحية العملية إلى حد كبير. بيد أن النظام الخاص -السري ـ الذي لم يرد ذكره بين التقسيم النوعي للأنشطة في كتب الإخوان طغى على هذه التقسيمات جميعا، وقزم أدوار كل الوحدات التنظيمية.فكان فيه وفي طغيان الطابع الفردي في القيادة بعض أو جل مقاتل الحركة الإخوانية.

أمثلة من الثغرات القيادية

ولنستعرض الآن بعض الأمثلة العملية من مسار الإخوان التنظيمي لنستكشف من خلالها الملامح العامة التي ميزت الحركة. وستتضح الصورة للقارئ أكثر فأكثر حين يعود إلى الكتب التي أرخت لحركة الإخوان بأقلامهم والتي عددناها بين مراجع هذا البحث.

إن أول ما يلاحظه الباحث في ذلك حرص الإخوان على الانتشار السريع. فبالرغم من أن حسن البنا قد نوه بفضل التأني في التربية والعناية بالتكوين والتدرج إلا أن حرصه على الانتشار السريع حمله على إهمال ذلك المنهاج، أعني التأني في التربية والعناية بالتكوين والتدرج. ومن الملفت للنظر أن يعد جسن البنا خصائص الدعوة فيذكر من بينها:" سرعة الانتشار في القرى والبلاد.." وكأنه يحض عليها ويفخر بها.

وثمة سمة بارزة أخرى في نهج الإخوان التنظيمي تمثلت في حرصهم على ضم الشخصيات ذات الأهمية الكبيرة في المجتمع والتسرع في وضعها في مراكز قيادية وتوجيهية، وذلك على الرغم من تنويه الأستاذ البنا رحمه الله بضرورة " البعد عن هيمنة الكبراء والأعيان" وقد بدا هذا الحرص واضحا في تصرف المرشد البنا نفسه واعتقاده بإمكان كسب الملك فاروق نفسه إلى صف أنصار الدعوة، بل ولقد اقتنع هو وإخوانه بأنه كسبه فعلا. وفي هذا الإطار أيضا كان سعيه للاتصال برئيس الوزراء محمد محمود باشا، وبرئيس الوزراء إسماعيل صدقي باشا من بعده. ويبدو لي أن هذا الحرص على الانتشار السريع والانهماك وبذل الجهد من أجل تحقيقه إنما نشأ عن إحساس الإمام البنا بأنه مقبل على معارك لا تحتمل التأجيل بهدف تحرير مصر من الاستعمار البريطاني من ناحية، وإنهاء العبث والفساد السياسي الذي غلب على ممارسات الأحزاب والشخصيات السياسية المصرية ، غير أن التسرع وحسن النية قاداه بعيدا عن الجادة الصحيحة.

من المعروف أن انتشار الحركة في سنيها الأولى ظل محصورا في الإسماعيلية ومحيطها خاصة، وفي الوجه البحري بصفة عامة، واستمر ذلك إلى ما بعد انتقال المرشد الأول للعمل في القاهرة ( سنة 1932م) ببضع سنوات. ومن الطبيعي أن يكون المؤسس هو القيادة – في مرحلة الطفولة، شأنه شأن الزوج والوالد في العائلة الناشئة عن زواج جديد. وقد كان الأمر كذلك. وقبيل انتقال الأستاذ البنا من الإسماعيلية إلى القاهرة كان إخوانه يتوقعون ذلك ويخشون حدوثه، باعتبار أن المرشد كان موظفا ، يعمل مدرسا في وزارة المعارف العمومية.

ويحدثنا الأستاذ المرشد عن الهواجس التي راودت الإخوان بقوله:" وكان الإخوان يخشون انتقالي من الإسماعيلية قبل أن أقيم لهم من بينهم من ينهض بأعباء الدعوة، فعرضوا على التفكير جديا في هذا الأمر حتى لا نفاجأ بالانتقال، ونؤخذ على حين غرة. ورأيت الفكرة وجيهة فشغلتني حينا، وأخيرا رشحت لهذه المهمة أحدهم، وهو الأخ الشيخ على الجداوي، وهو من أفضل الإخوان خلقا ودينا، وعلى قدر مناسب من العلم والمعرفة.. ودعوت إلى اجتماع شامل، وعرضت على الإخوان فكرة إخوانهم من ترشيح نائب للإخوان يقوم بالعبء بإشراف قبل أن نفاجأ بنقل أو نحوه، فرحبوا جميعا، وعرضت عليهم ترشيحي ، فوافقوا عليه بالإجماع..".

ودلالة ههذ الحادثة واضحة.. فهي تبين لنا شخصية القيادة، فقد كانت الحركة- في ذلك الوقت المبكر ، بعد أربع سنوات من تأسيسها- تضم عددا من العلماء الأزهريين وغيرهم ممن تلقوا تعليما في الجامعة المصرية، ومع ذلك فقد كان شعورهم أن القيادة مركزة في شخص المؤسس . وليس غريبا أن يكون الوضع على هذا النحو في تلك المرحلة من عمر الدعوة، وقد استمر هذا النهج رغم حرص المرشد العام على استشارة إخوانه سواء بطريقة عفوية أو بطريقة تنظيمية. فقد دعا إلى اجتماع عام يشارك فيه " حضرات نواب فروع الإخوان المسلمين بالقطر المصري.. يعقد المؤتمر بمدينة الإسماعيلية يوم الخميس " 22 سفر سنة 1352هـ ( 19 يونيو 1933م) وسمي ذلك المؤتمر " اجتماع مجلس الشورى العام" . وبناء على قرارات ذلك المجلس تم تشكيل مكتب الإرشاد الذي ضم عشرة أعضاء بالإضافة إلى المرشد العام.

طريقة فتح الشعب

ولقد كان فتح الشعب وضم الناس إلى الدعوة يتم بطريقة عفوية وكأن الهدف هو ضم أكبر عدد ممكن من الأفراد، دون اعتبار لما قد يحدثه بعضهم من مشاكل وهزات تهدد كيان الحركة، ودون اعتبار لأن اللبنات الضعيفة قد تذوي وتنهار في أحرج الظروف ، مهددة البناء كله. ولنستمع إلى الإمام الشهيد يحدثنا عن طريقة تأسيس إحدى شعب الإخوان:" .. وبجوار الإسماعيلية وبعد المعسكر( معسكر الجيش البريطاني) تقع أبو صوير المحطة، وتبعد عن الإسماعيلية نحو خمسة عشر كيلو مترا، وفيها يقطن كثير من العمال الذين يعملون في معسكرات أبي صوير ومدرسة الطيران، ومعهم عدد من التجار والمزارعين.

زرت أبو صوير وبدا لي أن أنشئ فيها فرعا للجمعية بالإسماعيلية، فأخذت أتفرس في وجوه الناي في القهاوي وفي الطرقات والحوانيت حتى رأيت دكان الشيخ محمد العجرودي رحمه الله. وكان رجلا وقورا مهيبا سمحا فيه صلاح وله منطق ولسان، فسلمت عليه وجلست إليه وإلى من معه في الدكان، وقدمت إليه نفسي والغرض الذي من أجله زرت أبو صوير وأنني توسمت فيه الخير ليحمل أعباء هذه الدعوة، وأخذت في حديثي ألفت نظره ونظر الجالسين إلى نقط أساسية: إلى سمو مقاصد الإسلام وعلو أحكامه وإلى ما في المجتمع من فساد وشر وسوء مالي، وأن ذلك ناتج عن تركنا وإهمالنا لأحكام الإسلام.. وكان الرجل من معه يصغون باهتمام، ولكنهم لم يفقهوا بادئ ذي بدء إلا أنها دعوة خيرية أو استدراج إلى سماع درس ألقيته عليهم وأبى لطفه إلا أن يدعوني إلى الغداء ويحضر لي القهوة، فاعتذرت عن الغداء وأردت الانصراف، ولكنه شدد وأشار علي في أن القي درسا في المسجد في مصلى البحر.. فاخترت أن القي الدرس في القهوة..".

" وبعد زيارات متتالية اجتمعنا في منزل أحمد أفندي دسوقي وقررنا إنشاء شعبة الإخوان المسلمين في أبو صوير.. ولأنني لست مقيما بالبلد، ولأن أحمد أفدي دسوقي – وهو الذي اختير رئيسا للشعبة- ليس عالما، وهو كذلك مشغول بالتجارة لم يستطع أن يصمد للمنافسات والخصومات والأقاويل المختلفة، فكان يدع الأمور بدون علاج فتنحل الجماعة أو تكاد، وإنما تتجمع حين أعود إلى زيارتهم مرة أخرى.." وقد اهتدى البنا بعد ذلك إلى شخص أقدر على قيادة الدعوة وهو ناظر المدرسة، فنجحت الدعوة. ويتحدث الأستاذ البنا عن المتاعب التي كان يلقاها من بعض من يسند إليهم بعض المسئوليات، فيذكر أن اثنين من هؤلاء جاءاه ليحدثاه" بخصوص نظام مجلس الإدارة. إن هؤلاء الناس لم يفهموا بعد دعوة الإخوان المسلمين، وقليلون هم أولئك الذين يستطيعون النهوض بأعباء إدارتها وتنفيذ منهجها الواسع.. إن الكثيرين لا يفهمون من مجلس الإدارة إلا كلمة العضوية، فعم يتنافسون على حيازتها، وتقع بينهم العداوة والبغضاء".

طريقة اختيار القياديين لتحمل المسئولية

وحتى بعد انتقال المرشد العام إلى القاهرة وتحول مركز الثقل في حركة الإخوان إلى العاصمة ظل اختيار الأشخاص الذين توكل إليهم المهمات والمسئوليات يتم بطريقة متسرعة هي أقرب إلى العشوائية، والإسراف في التفاؤل وحسن الظن بالأشخاص، دون اختيار. ومن أمثلة ذلك أن مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية التي أصدرها الإخوان في 28 صفر سنة 1352هـ ( 22 حزيران / يونيو 1933م) والتي اعتبرت آنذاك من أعظم وسائل نشر الدعوة، واستلزم الإعداد لصدورها جهدا كبيرا ، ما لبث أن ضاعت من الإخوان بعد فترة قصيرة، إذ " تسلل إلى التحرير أحد الذين يجيدون السبك والخديعة.. فأراد أن يتخذ من جريدة الإخوان الأسبوعية.. سبيلا إلى مآربه، ولكن الدعوة .. نفته وأقصته إقصاء لا رجعة بعده، ولكنها – في سبيل هذا الإقصاء – فقدت ترخيص هذه الجريدة معه.." إذ أن الترخيص كان باسمه، وقد سماها بعد ذلك باسم آخر.

" واستصدر الإخوان بعد ذلك رخصة أخرى باسم مجلة النذير ( سياسية أسبوعية) ، وصدر العدد الأول منها بتاريخ الاثنين 29 من ربيع الأول 1357هـ ، ويوافق مايو سنة 1938م " ولكن لم تكد تمضي سنتان على صدور المجلة الجديدة حتى ضاعت هي الأخرى مثل سابقتها، حيث " انفصل صاحبها الأستاذ محمود أبو زيد عن الإخوان، وبعد ذلك صارت تنطق باسم شباب سيدنا محمد".

ويمكن أن يستنتج الباحث من هذين المثالين ما ترتب على عدم تميز دعوة الإخوان بفكر إسلامي خاص، حيث اكتفت بطرح شعارات عامة وتجنب كل ما يمكن أن يثير الخلاف، فقد كان كل من يعلن ولاءه للإسلام ، أو من يبدو عليه ذلك، ويظهر استعدادا للعمل تحت راية الجماعة يستقبل بترحاب، ويفتح له الباب على مصراعيه للانخراط في الحركة، وتناط به المسئوليات ويعطى السلطات الكبرى داخل الجماعة بتسرع ظاهر، سيما إن أبدى شيئا من النشاط منذ البداية، أو شيئا من معسول الكلام ، أو كانت لشخصيته بعض الأهمية الحقيقية أو الشكلية .

وكيل الجماعة ( المسئول الثاني بعد المرشد)

السيد أحمد السكري، كان عضوا قديما في جماعة الإخوان، منذ سنيها الخمس الأولى، وكان رئيسا لشعبة المحمودية في مديرية البحيرة. ولم يكن المرشد العام حسن البنا راض عن أسلوب أحمد السكري، حتى أنه كتب في يومياته قبل انتقاله إلى القاهرة سنة 1932م : " إن فرعي جمعية الإخوان بالمحمودية وشبراخيت سوف لا تنفع كثيرا، لأنها نشئت بغير أسلوبي، ولا ينفع في بناء الدعوة إلا ما بنيت بنفسي وبجهود الإخوان الحقيقيين .." وفي سنة 1937م لاحظ الأستاذ محمود عبد الحليم أثناء زيارته للمحمودية أن أحمد السكري كان يحقد على حسن البنا- الذي هو قائده ومرشده حسب مفهوم الدعوة- وينظر إليه بشيء من التعالي ، ولا يتحرج في التهوين من شأنه أمام الآخرين. وفى تلك الفترة تجلى نجاح الدعوة في القاهرة، وعلى صعيد القطر المصري، فقرر أحمد السكري أن يتشبث بالحصان السابق- حسب ما نفهم مما كتبه الأستاذ محمود عبد الحليم الذي واكب تلك التطورات عن قرب.

ولم يلبث أحمد السكري أن انتقل إلى القاهرة، ليكون قريبا من حسن البنا، ولم يمض طويل وقت حتى عينه البنا وكيلا عاما للجماعة سنة 1938م ، في منصب يلي منصب المرشد العام في الأهمية.

ورغم ذلك شاهد الأستاذ محمود عبد الحليم من أحمد السكري مظاهر سلوكية تؤكد استمراره في منحاه الأول، وقد حاول أن يثنيه عن ذلك، لكن المحاولة لم تفلح، وإذ ذاك قرر نقل الأمر إلى المرشد نفسه، فاختار ساعة خلوة معه- وكان محمود عبد الحليم من أقرب الإخوان إليه- وروى له كل ما عرفه ولاحظه بالنسبة للأستاذ أحمد السكري وما دار معه من مناقشات تتناول عدم احترامه للمرشد.

وقد ذكر محمود عبد الحليم أنه أحجم عن نقل ألأمر إلى الأستاذ البنا في البداية لكي لا يزيد النار ضراما، ولكن عندما أصبح السكري وكيلا للجماعة ومع ذلك استمر على نهجه القديم قرر محمود عبد الحليم أن يصارح المرشد بالخطر المتربص بالدعوة، باعتبار أن مصلحة الدعوة أكبر من الحساسيات والأشخاص، فماذا كان رد المرشد؟ يقول الأستاذ محمود عبد الحليم:

" فلما رأى الأستاذ مني هذا الأسلوب الجاد البالغ الجد ترقرقت عيناه بالدموع، ووجه إلي عبارات كأنما يسرها أذني، وقال: والله يا محمود إنني كنت أعرف كل ا لذي قلته من قبل أن تقوله، وأعرف أكثر منه، وقلبي يتقطع ألما لهذا الذي أعرفه، ولكنني كنت حريصا على أن لا يعرف ذلك أحد غيري، أما وقد عرفته فأستحلفك بالله لا تفضي لأحد به، وتجعل ذلك سرا بيني وبينك، وأن تدع لي معالجته في الوقت المناسب، فإن مصلحة الدعوة تقتضي إرجاء هذا الأمر الآن".

وظل أحمد السكري يشكل بتطلعاته بؤرة ضعف في جسم الدعوة حتى سنة 1947م عندما طعن الجماعة في فترة من أحرج فترات حياتها، وأخذ يكتب في بعض صحف الوفد مهاجما الجماعة، منفسا عن أحقاده إلى أن طرحه الوفديون جانبا بعد أن استخدموه. وقد علق الأستاذ محمود عبد الحليم على هذا الموقف بقوله:" كان الأستاذ أحمد السكري أعز على نفس المرشد من أن يراه مخطئا فلا يقيل عثرته، وأكرم عليه من أن يتركه مهما كثرت المآخذ عليه دون أن يأخذ بيده، ولكن الشحنة التي شحنها الأستاذ أحمد أذهلته عن نفسه وغشت على بصيرته حتى لم يعد يرى أبعد من موطئ قدمه، مع أنه ممن لا يغيب عن مثله أن هؤلاء الذين تلقوه في أحضنهم بضاعتهم الكذب، وهدفهم الاستغلال.

ولكن الأستاذ أحمد لم يدع للأستاذ المرشد فرصة يقيله فيها من عثرته، بعد أن كتب ما كتب، أو بالأحرى والأدق، بعد ما استكتبوه ما أرادوا، فأوغر بذلك صدور الإخوان في كل مكان . وهكذا انقلب الوكيل العام للجماعة إلى أداة بيد خصومها. ويحق لنا أن نعجب عندما نقرأ المرشد العام كان يعرف دخيلة نفسه من قبل أن يعينه وكيلا سنة 1938م، ويعرف ضيق الإخوان من تصرفاته، ومع ذلك عينه، وظل السكري ما يقرب من عشر سنوات يشغل منصب الرجل الثاني في الحركة، حتى انتهى أمره على النحو الذي أشرنا إليه بالنسبة لوقوعه في مصيدة حزب الوفد ليستخدم ضد الإخوان.

السيد المستشار المحامي حسن العشماوي

ومنذ سنة 1950م أعطي الأستاذ حسن العشماوي مكانا في الصف القيادي لحركة الإخوان على الرغم من صغر سنه وقصر فترة عضويته، وما ظهر من تصرفاته فيما بعد من ضعف ولائه للدعوة. والذي أرجحه إن الإخوان لم يعطوه هذه المكانة إلا لأنه ابن محمد العشماوي باشا، الوزير السابق. وسيتبين لنا في الفصل السادس الدور الذي لعبه لأستاذ العشماوي في أحلك الظروف، وأصعب المآزق التي مرت بها حركة الإخوان، وسيجد القارئ عنها شيئا من التفصيل.

النظام الخاص

النظام الخاص عبارة عن تنظيم سري جرى تشكيله ضمن جماعة الإخوان المسلمين ليكون النواة الصلبة للحركة، ولذا كان يفترض أن يختار له الأشخاص الذين يظن فيهم صدق الإيمان، ويقظة الوعي، وعمق الفهم لأهداف الدعوة، والاستعداد لبذل النفس والجهد والمال في سبيل الله. وقد أطلقت الحكومة على هذا النظام اسم " الجهاز السري" .

وعندما عول حسن البنا على تكوين هذا النظام شكل ذلك لجنة خماسية لتتولى تكوينه وتطويره والإشراف المستمر عليه. وكان ترتيب الأشخاص الخمسة من حيث تولي السلطة وتحمل المسئولية بحيث يكون الأستاذ صالح العشماوي رأسا لهذه اللجنة القيادية، يليه حسين كمال الدين فمحمود عبد الحليم، فحامد شريت، فعبد العزيز أحمد. ولكن يبدو أن الذي تحمل العبء الفعلي شخص واحد، إذ يخبرنا الأستاذ محمود عبد الحليم قائلا: "وعند مباشرة العمل وجدت نفسي أشبه بالعضو المنتدب لهذه القيادة حيث رأيتني أعمل وحدي، ولعل ذلك لأن الإخوان في القيادة رأوا أنني أوثقهم صلة بالطلبة – باعتباري مندوبا للطلبة – والطلبة هم العنصر الأساسي في جميع التكوينات.

كان هذا أول خلل خطير يواجهه التنظيم. ومن الواضح من رواية أحد المؤسسين ، وهو الذي تولى العبء الأكبر في المرحلة الأولى، أن روح التوكل قد سيطرت على أربعة من أعضاء لجنة التأسيس والقيادة الخماسية فاكتفوا بإلقاء العبء على أحدهم. والمبرر هو الثقة في إخلاص الأخ ونشاطه وقدراته، وربما كان بجانب ذلك انشغالهم بقضايا إخوانية أخرى.

ثانيا : أما الخلل الثاني فكان أخطر من سابقه وأبعد أثرا، وأكثر مجلبة للكوارث على الدعوة. لقد وجد العضو القيادي الفعال الوحيد نفسه مضطرا للانتقال من العاصمة للعمل في مدينة دمنهور، ولما كان الأعضاء القياديون الآخرون بعيدين عن ممارسة أي جهد تنظيمي أو توجيهي أو إشرافي بالنسبة للنظام فقد اتجه نظر الأستاذ محمود عبد الحليم ، - بموافقة المرشد العام- إلى إيجاد شخص يحل محله في قيادة التنظيم والإشراف عليه، فكيف تم الاختيار؟ ونظرا لأهمية هذه الحادثة في تفسير ما تعرض له الإخوان من عثرات فإننا سندع الأستاذ محمود عبد الحليم نفسه يحدثنا بكلماته عن هذه الخطوة:

" لما استقر الرأي على أن التحق بهذه الوظيفة وأن أكون بذلك بعيدا عن القاهرة، وكان الأستاذ المرشد على علم بأنني أكاد أكون المباشر الوحيد- دون زملائي في القيادة- لمهمة الإشراف على ( النظام الخاص) طلب إلي الأستاذ أن أستخلف من يباشر الإشراف على هذا النظام. وقد نظر فإذا جميع أعضاء هذا النظام مرتبطون بأعمال تشغل أكثر وقتهم وتستفرغ معظم جهدهم. والإشراف على هذا النظام يحتاج إلى تفرغ أو ما يقرب من التفرغ على الأقل، كما يحتاج إلى صفات معينة تتناسب مع خطورة هذه المهمة.

منذ التحقت بكلية الزراعة كنت أسكن بالجيزة، وفي السنة الأخيرة لي بالكلية اتخذت لي سكنا مع بعض الإخوان في منطقة خلف مباني الجامعة تسمى ( بين السرايات) وكانت الشقة التي نسكنها في الدور الأول من منزل رجل صالح كان يحبنا ونحبه. فلما جاءه ساكن للدور الأرضي من المنزل رأى أن يستشيرنا، وكان الساكن طالبا في كلية الآداب ومعه شقيقه الطالب بالمدارس الثانوية . فلما التقيت بالشابين وتحدثت معهما شمت فيهما الصلاح والخلق الفاضل، فصارا من جيراننا. وكان هذان الجاران هما عبد الرحمن السندي وشقيقه. ثم كان أن جاء الأخ عبد العزيز كامل ليلتحق بكلية الآداب، وكان من إخوان الإسكندرية الذين أعرفهم، وكان يريد أن يسكن قريبا منا، فسكن مع هذين الجارين مستقلا بحجرة من هذه الشقة.

ولما كانت صلتي بالأخ عبد العزيز تقتضي أن أكثر من زيارته لأونسه من ناحية، ولأنه كان قد التحق بقسم الجغرافيا بكلية الآداب، وكنت أحب أن أطلع على بحوث شائقة لهذا القسم في الأجناس والطبائع وما شابهها من ناحية أخرى.. لذا كثر ترددي على هذه الشقة، فكان هذا التردد فرصة للتحدث مع الساكنين الآخرين بها. وقد لاحظت على عبد الرحمن الهدوء والرزانة والجد، كما لاحظت إقباله علي إقبالا يوحي بأن الدعوة التي عرضتها عليه تملك شغاف قلبه وتشعر بتشوقه إلى يوم يفتديها فيه بنفسه.

وظللت طيلة ذلك العام على اتصال وثيق به، حتى أنه كان لشدة ثقته بي، وفرط حبه لي يعرض علي مشاكله الخاصة. فلما وثقت به تماما عرفته بالأستاذ المرشد باعتباره عضوا( بالنظام الخاص) . وقد فهمت منه أثناء ما عرضه على من شئونه الخاصة أن له إيرادا يمكن أن يقوم بشئونه. فلما كنت بصدد اختيار من يخلفني في الإشراف على ( النظام الخاص) تذكرت عبد الرحمن، فرجعت إليه لألم بظروفه التي طرأت منذ انتهت دراستي بالكلية وغادرت ( بين السرايات) ففهمت منه أن كل الذي طرأ عليه هو أنه لم يوفق في امتحان تلك السنة وأنه الآن يعيد السنة الأولى، فشرحت له ظروفي وأنني مضطر أن أكون خارج القاهرة، وأنني أبحث عن شخصية تخلفني للإشراف على ( النظام الخاص) واشترط أن تكون مستوفية شروطا معينة، وقلت له، إن هذه الشروط تكاد أن تكون مستوفاة فيك عدا ( التفرغ) فهو ليس بالأمر الميسور. فقال لي: إنني أشكر لك حسن ظنك بي – وأنت تعلم أولا أنني مريض بالقلب، ومعرض للموت في كل لحظة ، وأحب أن تكون موتتي في سبيل الله، كما تعلم أن لي إيرادا- وإن كان محدودا- إلا أنه يعينني على مطالب الحياة الضرورية، وتعلم كذلك أنني رسبت في السنة الأولى بالكلية ( كلية الآداب) ، وإنني أعيدها.

وقد استقر رأيي على الانقطاع عن الدراسة، وسألتحق بوظيفة في وزارة الزراعة ، بالثانوية العامة، وبذلك يتوفر لي عنصر التفرغ الذي تطلبه. وعرضت الأمل على الأستاذ المرشد فوافق عليه، وأحضرت عبد الرحمن للأستاذ المرشد حيث بايعه على أن يقود هذا النظام، وعلى أن لا يقدم على أية خطوة عملية إلا بعد الرجوع إلى لجنة القيادة، ثم إليه شخصيا. وسار عبد الرحمن بالنظام سيرا موفقا فحاز حب من يليه من القيادات..".

إنني أعتذر للقارئ الكريم عن هذا الاقتباس الطويل، فربما كان يفضل أن ألخص له فحواه في بضعة سطور، بيد أنني آثرت نقل النص كاملا ليستوعب القارئ المنطلقات التي انبنت عليها الممارسة التي نتحدث عنها والتوجهات التي طبعتها، وهذا لا يتأتى من خلال تلخيص الأفكار.

وفيما يلي بعض الملاحظات.

أولا: أول ما نلاحظه أن الاختيار والقرار والتنفيذ في هذا الموضوع الخطير تم بين المرشد العام وأحد الأعضاء الذين اختيروا لتأسيس قيادة النظام الخاص، أعني الأستاذ محمود عبد الحليم، ولم يحط مكتب الإرشاد علما بالموضوع، ولا باقي أعضاء اللجنة التي كان يفترض أنها تشرف على النظام الخاص.

ثانيا: أن عبد الرحمن لم يتعرف على دعوة الإخوان وينضم إليها إلا قبل سنة وبعض سنة فقط من إناطة قيادة أهم قسم وأهم مجموعة في الحركة به،

ثالثا: أنه كان فاشلا في دراسته، إذ رسب في السنة الأولى بكلية الآداب، وكان عند اختياره ما زال يعيد السنة الأولى، فانقطع عن الدراسة،

رابعا: أنه كان مريضا بالقلب،

خامسا : أنه كان صغير السن قليل التجربة،

سادسا: وحتى مسألة استعداده للتفرغ تبدو غامضة، لأن النص نقلناه يفيد أنه كان سيجمع بين الإشراف على النظام الخاص والتوظف بالثانوية العامة في وزارة الزراعة . وقد تأكد أنه ظل يجمع بين رئاسته للنظام ووظيفته في تلك الوزارة حتى صدور قرار الحكومة بحل جماعة الإخوان سنة 1948م .

ولكن محمود عبد الحليم لم يلق بالا لهذه الحقائق السلبية في شخصية السندي عندما اختاره لرئاسة النظام الخاص سنة 1940، وانخدع بقليل مما تظاهر به السندي. وكال له المديح الذي نفخ في شخصيته على الصورة التي رسمتها العبارات المقتبسة قبل قليل ، في الصفحة السابقة. وبعد اثنتى عشرة سنة تقريبا نجد محمود عبد الحليم يتذكر القصور الذي غفل عنه أو لم يلاحظه سنة 1940، وذلك في تعليق له على مسلك السندي عندما سقط فريسة سهلة في يد عبد الناصر أثناء الصراع بين الإخوان والثورة سنتي 19531954 .

فهذا محمود عبد الحليم يقول لنا ضمن تعليقه على تلك الأحداث : " .. وحسب القارئ أن يتصور موظفا صغيرا في وزارة لزراعة ( السندي) ، مؤهله الثانوية العامة يجد رئيس الحكومة ( عبد الناصر) يطلبه فيستقبله في مكتبه استقبال الند للند، أمام رجال الحكم، ثم يجلسه إلى جانبه، ويمضي ساعات في الحديث إليه منفردين، لا يسمح لأحد مهما علا شأنه بالدخول عليهما- وقد تنتهي الجلسة الطويلة بأن يصحبه إلى منزله فيتغديان معا.. فكان هذا للسندي مبعث غرور وزهو واستعلاء. ومن هذا المنطلق كان سلوكه الشائن المخرب الذي تمت جولاته بتدبير أثيم في عبد الناصر .." وكان عبد الناصر يستخدم نفس الأسلوب مع من يريد أن ينتقيهم من قيادات النظام الخاص.

وهكذا تبين لمحمود عبد الحليم بالذات ، أن اختياره لعبد الرحمن السندي لم يكن في محله، ليس من حيث كفاءته فحسب، بل ومن حيث انضباطه وطاعته لقيادة الحركة وولائه لها، ولكنه اكتشاف تأخر عن وقته زمنا طويلا.

غرور الرئاسة

من المعروف أن العمل في أجهزة المنظمات السياسية السرية يقوم على الطاعة، والتنفيذ الدقيق للتعليمات دون مناقشة، وقبل ذلك وبعده يقوم على الثقة المطلقة في الرئيس المباشر، والإخلاص الكامل للمنظمة وقيادتها ورئاسة التنظيم، ذلك أن عمل المنظمة السرية يتم تحت وطأة خطر الانكشاف أمام الخصوم، والانكشاف قد يؤدي إلى كارثة للأفراد والجماعة على السواء. لذا فإن هذه القواعد من الطاعة ودقة التنفيذ، والثقة والإخلاص، لابد أن تحكم عمل جميع المنظمات السرية، إسلامية كانت أو غير إسلامية.

ومعنى ذلك أنه لا مجال أمام الأعضاء للحوار أو الاعتراض أو التساؤل، لأن المفروض أن القيادة هي التي لديها المعلومات والقدرة على الفهم ولديها السلطة. أي أن الشورى ، أو الديمقراطية لا محل لها في العمل السري، إلا أن تكون استثناء من القاعدة، وبمبادرة وحرص شخصي من جانب بعض القادة الأفراد.

وفي حالة "النظام الخاص" أو " الجهاز السري" للإخوان فقد كان المفروض أن الجهاز أحد أدوات الحركة، وأنه يخضع لقيادتها ويلتزم ويتقيد بتنفيذ تعليماتها والاهتداء بسياساتها. ولقد كان ذلك الخضوع والالتزام والتقيد المفترض هي الضمانات التي تكبح أي انحراف ينزلق إليه الجهاز. لكن الأمور لم تسر على هذا المنوال، لأن روح الثقة المفرطة انقلبت إلى اتكالية، وسيطرت فكرة فردية القيادة وحرمت الجماعة من إدراك فوائد النظام والرقابة والمحاسبة على الصغيرة والكبيرة وأفسحت المجال لكثير من الانحرافات.

ولقد كان المفروض في الجهاز السري أن يضم الإخوان الأوفر تربية، والأكثر إخلاصا واستعدادا للبذل والتضحية بالنفس والدم فضلا عن الجهد والمال. ولذا فقد نظر إخوان الجهاز السري إلى تنظيمهم على أنه قلب الحركة وجوهرها. وما دام الجهاد هو "ذروة سنام الإسلام" ، وما داموا هم القسم المنوط به الاضطلاع بواجب الجهاد فقد كان من السهل على قيادة التنظيم أن تعتقد أنها ومن تحت يدها هم الحركة والجماعة، وأن من عداهم مجرد أجزاء هامشية وشكلية لا قيمة كبيرة لها. وهكذا يتحول قائد النظام إلى اعتبار نفسه حارس الجماعة والوصي على الحركة، خاصة بعد استشهاد حسن البنا سنة 1949م ، واستحالة وجود خلف يكون له وزن مؤسس الحركة ومكانته واحترامه في النفوس، الأمر الذي مهد للمواجهة بين المرشد العام الهضيبي من جهة وقائد الجهاز السري عبد الرحمن السندي من جهة أخرى.

استبداد قائد الجهاز السري في حياة حسن البنا

ليس من الصعب أن نعرف الأسباب التي أعطت حسن البنا مكانة أقرب إلى القداسة في نفوس أكثر الإخوان، فمن خلال نظراته الواثقة، وإخلاصه، وتضحياته وطاقاته وفنائه في الدعوة التي نذر نفسه لها، بالإضافة غلى مواهبه القيادية والتوجيهية والتربوية والخطابية، وشخصيته الجذابة ( الكارزمية) من خلال ذلك كله نشأت حركة الإخوان ونمت وازدهرت. ومع كل هذا فإن زمام عبد الرحمن السندي- ومعه الجهاز السري- أفلت من يد المرشد المؤسس في السنتين الأخيرتين من حياته.

ويذكر القيادي الإخواني، الصاغ صلاح شادي أن عبد الرحمن السندي لم يكن يعطي المرشد العام حسن البنا حقه في الاحترام، وكان يتصرف معه كما لو كان ندا له، ويعرفنا أن حسن البنا لم يكن غافلا عن نزعات السندي ، ولكن .. " هل يقوم وهو في رئاسة النظام أم تنزع عنه السلطة؟ لم تكن الإجابة.. بالأمر الهين، ولكني أدركت في نهاية الأمر أن المرشد لم يكن مخدوعا، ولم يتوقف عن علاج أمراض أتباعه، ولم يدخر وسعا في وضع الرجل الصالح في مكانه المناسب، ولكن عاجلته منيته قبل أن يتم رسالته.." ولقد أورد صلاح شادي بشيء من التفصيل ، كيف قاد السندي الجهاز السري للقيام بعمليات لم يرض عنها المرشد حسن البنا ، مثل اغتيال القاضي أحمد الخازندار رئيس دائرة الجنايات بمحكمة الاستئناف، واغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي.

وقد وجدت أن الأستاذ محمود عبد الحليم يؤكد قول صلاح شادي بأن اغتيال القاضي الخازندار لم يكن بأمر المرشد، بل كان انحرافا عن الطريق الذي حددته قيادة الدعوة، وقد تبرأت قيادة الإخوان من هذا العمل، وبعد ذلك أصدر حسن البنا بيانين أحدهما بعنوان " بيان للناس " والآخر بعنوان : " ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين" يستنكر فيهما اغتيال رئيس الوزراء النقراشي، كما يستنكر حادثة محاولة نسف محكمة الاستئناف. وفي أثناء لقاء لي مع الأستاذ سعد الدين الوليلي. وصف مقدار الصدمة التي أصابت الإمام الشهيد حسن البنا عندما علم باغتيال الخازندار ، حيث كان معه في تلك اللحظة ورأى بعينه مدى استنكار المرشد لذلك العمل الأخرق.

السندي ينشق عن قيادة حسن الهضيبي

إذا كان ذلك موقف السندي في ظل الإمام الشهيد حسن البنا فليس من المستغرب أن يكون أشد تطرفا في موقفه من خليفته الذي افتقر إلى كثير من المزايا التي حازها مؤسس الحركة. ولعل ما شجع السندي على موقفه التمردي أن المرشد الجديد جئ به من خارج صفوف الإخوان ليوضع على رأس جماعتهم. لقد كان واحدا من أصدقاء الإخوان المتعاطفين معهم من بعيد.

ومهما يكن من أمر فقد قبلت القيادات الإخوانية بالأستاذ حسن الهضيبي مرشدا عاما وخليفة لحسن البنا ، وأبدى جميع الإخوان قبولا عاما بما حصل، ولم يظهر اعتراض من أحد في بادئ الأمر. إلا أن الخلاف ما لبث أن انفجر بعد مضي فترة ليست بالطويلة، ولقد كان منطقيا أن تخضع قيادات الجماعة وأجهزتها وسياساتها لعملية تقويم وإصلاح شاملة بعد محنة سنة 48- 49 ومقدماتها ثم ما نتج عنها. ربما لأنهم أرادوا إبقاء الأوضاع على ما كانت عليه، لأن الخطأ لم يكن-من وجهة نظرهم- في أوضاع الإخوان، بل جاء من الخارج، من تآمر الأعداء وحقدهم على الدعوة. ولعل بعض الإخوان رأى أن الإصلاح المنشود ينبغي أن يتم بغير طريقة حسن الهضيبي، وكان عبد الرحمن السندي من أبرز المعارضين.

وقد روى الأستاذ محمد الطبجي- رحمه الله- للمؤلف الحالي قصة الخلاف بين الهضيبي والسندي بإيجاز، ورواية الطبجي تعكس وجهة نظر السندي بطبيعة الحال. قال: إن عبد الرحمن السندي لم يعترض عندما عول المرشد الجديد على تغيير قيادة النظام الخاص ( الجهاز السري)، لكن الهضيبي كان يريد إلغاء النظام جملة وتفصيلا- يقصد الجهاز السري- وذلك انسجاما مع شعار رفعه وردده، وهو أن " لا سرية في الإسلام" وقد وقف السندي ضد فكرة حل الجهاز السري بوضوح وبين للمرشد أنه سيكون أول من يقف له ويحاربه إن شرع في حل الجهاز.

لقد حرصت على أن أنقل رأس الأستاذ الطبجي، رحمه الله بأمانة ودقة. ومع ذلك فإنني غير مقيد بقبول تفسيراته للأحداث. إن للباحث أن يفسر وأن يستنتج من خلال دراسته لجميع الروايات والادعاءات والأقوال من فير ضرورة بأن يلتزم بآراء بعض الرواة. ولقد اتفقت مع الأستاذ الطبجي- خلال لقائنا- على القول بأن الأستاذ حسن الهضيبي لم يكن من الإخوان المسلمين قبل توليه منصب الإرشاد. كما اتفقت معه على لوم مجموعة القيادة التي رتبت مجئ الأستاذ الهضيبي غلى هذا المنصب القيادي الأعلى قبل ذلك بالطريقة التي تم بها تنصيبه.

غير أنني سلا أتفق معه في تقييمه لمواهب وقدرات ومواقف صهره المرحوم عبد الرحمن السندي. وهذه مسألة لا يمكن أن تخضع لاعتبارات المجاملة . وبجانب ذلك فإن الأستاذ الهضيبي رحمه الله كان مثالا رفيعا في الصدق والاستقامة، بغض النظر عن أنه لم يكن في حركة الإخوان قبل توليه منصب الإرشاد، سواء كان ذلك بسبب كونه من كبار القضاة، وموظفا في وزارة العدل، وذلك ما يمنعه من الانتماء لأية حركة سياسية أو حزب سياسي، أو لأنه كان عازفا عن الانخراط في أي نشاط عام، بسبب منصبه، وسنه وتقاعده، وأنه كان أصيب بانفجار شرياني في الدماغ قبل ن يبلغ سن التقاعد.

شادي يشكك في أمانة السندي

ولقد اتهم صلاح شادي عبد الرحمن السندي بعدم الأمانة، ودلل على ذلك برواية قصة ضرب أحد القطارات الإنجليزية بالقنابل . فقد روى صلاح شادي أنه رتب عملية لضرب قطار للقوات الإنجليزية في منطقة قناة السويس بالقنابل، وذلك ردا على مساندة الإنجليز للصهاينة في فلسطين، وبعد أن تمت العملية بنجاح ذهب ليخبر عبد الرحمن السندي بخبرها إذ لم يكن له علم بالخطة ولا بمن أعدها أو نفذها.

ولما التقيا بادره السندي بالحديث عن العملية إياها، متفاخرا ببراعة الإعداد والتنفيذ، ناسبا ذلك إلى نفسه ورجاله. وعلق صلاح شادي على تصرف السندي بقوله:" وخرجت من منزله كسيف الخاطر، مهزوز الوجدان، تعصف بي كل الظنون، وكأن الله أراد أن ينزع من قلبي هذه القداسة التي أضفيتها على من يحملون مثل هذه المسئولية" ولست أنقل رواية صلاح شادي هنا تصديقا أو تأكيدا لما جاء فيها، ولا أريد من القارئ أن يعتقد بأنني أتبناها، كما أنني لا أملك من القرائن ما يحملني على نفيها أو تكذيبها.

إننا لا نبحث عن تزكية أو تجريح الأشخاص، مهما علت مناصبهم أو دنت، لكننا نبحث عن الأسباب التي أضعفت حركة الإخوان المسلمين وأعجزتها عن الوصول إلى أهدافها، كما ذكرت في مقدمة هذه الدراسة. وسواء كان صلاح شادي صادقا أو أنه لم يقل الحقيقة في اتهامه للسندي فإن ما نستنتجه من الرواية لا يتغير: إن بعض من تولوا المناصب القيادية في الحركة واضطلعوا بأخطر المهمات في أحرج المواقف لم يكونوا من الأمانة والإخلاص والخلق الإسلامي على المستوى الأدنى اللازم لأعضاء الجماعة العاديين، فضلا عن قادتها. فإذا صدق صلاح شادي ففجيعة الإخوان بالسندي كبيرة. وإذا لم يكن حديث صلاح- القيادي الكبير وأحد أبرز معاوني المرشد- صحيحا ففجيعة الإخوان بصلاح شادي كبيرة، وفجيعتنا نحن – أعني المؤلف والقراء- بما كنا ننتظره من هذه الحركة الإسلامية العملاقة كبيرة أيضا عندما نكتشف أن هذا هو مستوى بعض قادتها.

وعلى عكس رواية السيد محمد الطبجي فإنا نعرف يقينا أن حسن الهضيبي لم يقم بحل الجهاز السري، ومع ذلك فقد رفع السندي راية العصيان في وجهه وحاربه.وقبل ذلك وبين سنتي 1940 و 1949 كان السندي مسئولا عن الجهاز السري، ولا يمكن تبرئته من المسئولية عن أكثر العمليات التي قام بها هذا النظام، والتي أساءت غلى الحركة ووصمتها بالإرهاب. وقد أكد هذه المسئولية غير واحد من الإخوان ، عدا صلاح شادي.

ومن الغريب أن ينضم عبد الرحمن السندي غلى صف جمال عبد الناصر ، أي غلى صف الحكومة، ضد الهضيبي وضد الإخوان ، بينما كان يعلن – حسب رواية الأستاذ الطبجى- أن السبب الرئيسي لمعارضته هو أن المرشد الجديد كان يريد حل النظام الخاص، وذلك في الوقت الذي نعرف جميعا، وكما كان يعرف السندي، ويعرف قادة النظام الخاص أن أحد المطالب الرئيسية لحكومة جمال عبد الناصر من الهضيبي ركزت على طلب " حل الجهاز السري" ولنا عودة إلى هذا الموضوع في فصل تال إن شاء الله.

وقد اتهم صلاح شادي عبد الرحمن السندي بأنه المسئول عن اغتيال المهندس سيد فايز، الذي عينه المرشد " رئيسا للنظام الخاص" بدلا من السندي. ويؤكد محمود عبد الحليم كذلك أن السندي هو الذي قتل المهندس سيد فايز الذي كان من كبار المسئولين في النظام الخاص، وعزا ذلك إلى أن السندي " كان يعلم أن المهندس سيد فايز كان من أشد الناقمين على تصرفاته، وأنه وضع نفسه تحت إمرة المرشد لتحرير هذا النظام، في القاهرة على الأقل، من سلطاته، وأنه قطع في ذلك شوطا بعيدا باتصاله بأعضاء النظام في القاهرة وإقناعهم بذلك. وإذن ، فالخطوة الأولى في إعلان الحرب.. وكذلك سولت له نفسه، أن يتخلص من سيد فايز.. " وقد تم ذلك بطرد ملغوم في شكل علبة حلوى تم توصيلها إليه بمناسبة عيد المولد النبوي الشريف ، فقتل وبعض من أفراد أسرته في المنزل يوم 27/ 11/ 1953، وقد اعترف السندي اعترافا ضمنيا بمسئوليته عن الحادث أمام لجنة تحقيق من الإخوان.

اختيار المرشد العام الجديد

بعد أن أصدرت حكومة السعديين قرارها بحل الإخوان المسلمين في الثامن من كانون الأول ( ديسمبر) سنة 1948م واعتقلت عددا كبيرا منهم، من بينهم وكيل الجماعة الأستاذ صالح عشماوي، وكثير من أعضاء مكتب الإرشاد والهيئة التأسيسية تركت المرشد العام طليقا دون اعتقال . وقد تبين- فيما بعد- أن هذا الاستثناء كان تمهيدا لاغتياله . وفي ظل تلك الظروف عزم الإمام الشهيد على مغادرة القاهرة والإقامة في الريف إلى أن تنجلي الأمور. ولهذا عمد إلى تكليف الشيخ أحمد حسن الباقوري بأن ينوب عنه في قيادة الدعوة.

وكان الباقوري عضوا في مكتب الإرشاد، وقد استعان في مهمته بالأستاذين منير الدلة وحسن العشماوي. ثم تعرض حسن البنا للاغتيال عن طريق مؤامرة دبرها رئيس الوزراء آنذاك إبراهيم عبد الهادي، وتم التنفيذ على أيدي عدد من رجال الأمن في الدولة، كبارهم وصغارهم، كما كشفت عن ذلك المحاكمات التي تمت في أول عهد الثورة. وقد وصف الأستاذ محمود عبد الحليم الحركة عشية اغتيال المرشد بأنها صارت بلا قيادة، وجسما بلا رأس، وسفينة بعير ربان.

ومما يدعو للعجب أن يقال هذا عن جماعة بعد عشرين سنة من تأسيسها، وبعد أن أصبحت تضم مئات الآلاف من الأعضاء. من مختلف قطاعات الشعب المصري. والأعجب من ذلك أن يرشح الأستاذ محمود عبد الحليم أبا الحسن الندوي- رحمه الله- ليكون مرشدا للجماعة وخليفة لحسن البنا. وكان قد قابله في الحج، بعد اغتيال حسن البنا بأشهر ، قبل أن تتجه الأنظار لانتخاب الأستاذ الهضيبي.

وفي رحلة الحج تلك سمع محمود عبد الحليم الندوي وجماعته لأول مرة، وقابله في أول لقاء، كما أكد هو نفسه، ومع ذلك فقد عرض عليه أن يكون مرشدا للإخوان المسلمين في مصر، وحاول إقناعه، وأكد له أنه سيرشحه لدى إخوانه وأشار الأستاذ محمود عبد الحليم فيما كتبه عن ذلك اللقاء أن فكرة الندوي عن الإخوان كانت مشوشة نتيجة لإقدام الحكومة على حل الجماعة، وأنه شرح له الموقف وناقشه طويلا غلى أن انتهى النقاش" باقتناع الرجل بعد أن تكشفت له الحقائق التي طمسها المغرضون" وذلك حسب ظن الأستاذ محمود عبد الحليم بطبيعة الحال. ومع ذلك فقد اعتذر أبو الحسن الندوي عن قبول الترشيح لمنصب المرشد، لأنه غريب عن مصر وغير ملم بظروفها، فضلا عن أن الظروف الحاضرة في مصر أي آنذاك، لا تسمح لرجل مثله باقتحامها، وغير ذلك.

ولست أدري كيف تصور محمود عبد الحليم أن تولي الندوي لمنصب المرشد العام للإخوان المسلمين قد يكون ممكنا من الناحية العملية، وكيف لم تخطر بباله مسائل من مثل تأشيرة الدخول وتصريح الإقامة في البلاد، وكونه لا يحمل الجنسية المصرية، وأن الغرض من مجيئه هو قيادة جماعة تنظر إليها كثير من القوى المصرية بالشكوك، وتتهمها جهات أخرى بكثير من التجاوزات.

لقد شغل التفكير في اختيار مرشد جديد عقول الإخوان منذ اغتيال حسن البنا في الثامن عشر من شهر شباط ( فبراير) 1949م. وما لبثوا أن انقسموا حيال الموضوع في اتجاهين ، أطلق الأستاذ محمود عبد الحليم على أولهما اسم : " أولو القربى" وعلى الاتجاه الآخر اسم:" أولو القوة" ، وكان مرشح الفريق الأول عبد الرحمن البنا، الملقب بالساعاتي، وهو شقيق حسن البنا وشبيهه في الخلقة، ثم صهرهما الأستاذ عبد الحكيم عابدين.

بينما كان على رأس الفريق الثاني الأستاذ صالح عشماوي، وكيل الإخوان، والرجل الثاني بعد المرشد، الذي كان يحظى بتأييد النظام الخاص. ومن هنا جاءت تسمية : " أول القوة" وبجانب هؤلاء الثلاثة كان هناك مرشحون آخرون هم: الشيخ أحمد حسن الباقوري رحمه الله، الذي كان أنابه الأستاذ البنا عنه بعد صدور قرار الحل، وكان قد أنابه عنه مرة أخرى سابقة قبل ذلك، سنة 1944م عندما أصدر وزير المعارف آنذاك، الدكتور محمد حسين هيكل، قرارا بنقل الأستاذ البنا إلى قنا. وكان من هؤلاء المرشحين أيضا مصطفى مؤمن، والأستاذ سعيد رمضان، والأستاذ عبد العزيز كامل، هذا مع العلم بأن بعض أصحاب هذه الأسماء لم يتقدموا بترشيح أنفسهم، ولم يكونوا راغبين في ذلك، ومن هؤلاء كان الشيخ الباقوري رحمه الله .

ويبدو أن التحرك من أجل اختيار مرشد جديد قد بدأ بعد وقت قصير من اغتيال الإمام الشهيد، وربما لم يتأخر ذلك التحرك عن شهر أبريل( نيسان) من السنة ذاتها، أي 1949م. وما لبثت غيوم تلك المحنة أن أخذت في الانقشاع، فقد أقال الملك وزارة إبراهيم عبد الهادي في 25 يوليو 1949م وعين حسين سري باشا ليشكل وزارة محايدة، غير حزبية، استمرت في الحكم بضة أشهر أجرت فيها الانتخابات النيابية، ثم أفسحت مكانها لحكومة وفدية برئاسة مصطفى النحاس باشا، الذي فاز حزبه بأغلبية مقاعد المجلس النيابي وتولى الحكم في 12 يناير 1950م.

وكانت وزارة حسين سري قد أفرجت عن المعتقلين السياسيين بينما ظل المتهمون على ذمة قضايا الإخوان المعروفة التي كانت بأيدي المحاكم غلى أن فصل فيها القضاء، وأفرج عنهم. ومن الطريف أن الملك فاروق اعتبر إقالته لوزارة إبراهيم عبد الهادي هدية إلى شعبه بمناسبة عيد الفطر لسنة 1368هـ وصرح بذلك في نطق ملكي رسمي، وكأنه كان يتبرأ من كل ما حدث للإخوان المسلمين في عهد حكومة عبد الهادي. وقد أصدر حسين سري باشا أمرا بنقل عبد الرحمن عمار وكيل وزارة الداخلية المتهم بالإسراف في محاربة الإخوان فتم نقله إلى وزارة المواصلات، وألغى المصروفات السرية التي كانت تمنحها إدارة الأمن العام لعملائها. وهكذا أصبحت الظروف ميسرة لاختيار خليفة للمرحوم حسن البنا.

وقد تولى المرحوم منير الدلة ترتيب هذه العملية، إذ جمع الإخوان المرشحين للمنصب في منزله أوائل عام 1950م ، " وقد بدأ الاجتماع في المساء واستمر حتى منتصف الليل . وأثناء الاجتماع استعرض السيد منير الدلة المشكلة بأبعادها وجوانبها المختلفة، وما يمكن أن يؤدي إليه الخلاف من ضرر مضاعف على وحدة الصف، إن أصر كل منهم على ترشيح نفسه مما سيكون له أسوأ الأثر على الجماعة. وبناء على ذلك فقد دعاهم الأستاذ منير إلى أن يتفقوا على واحد منهم،أو على شخص آخر من غير الحاضرين لكي يقدموه إلى الإخوان، وبذلك يبعدون احتمال الخلاف والشقاق.

" بدا الاقتناع التام من الحاضرين بكلام ورأي الأستاذ منير، ووافقوا بالإجماع على هذا الاقتراح. وبناء على ذلك فقد دعاهم الأستاذ منير إلى أن يطرح كل منهم وجهة نظره الخاصة ، فإن كان أحدهم يرى نفسه أهلا لهذا المنصب ثم وافق عليه الثلاثة الباقون انتهت المشكلة وزال خطرها.

بدأ عبد الرحمن البنا بالكلام، فقال ما ملخصه إنه يرشح نفسه لمنصب المرشد العام، وتلاه الأستاذ صالح عشماوي فقال : إنه سيرشح نفسه للمنصب ولن يسعى إليه ، بل يترك القرار للإخوان. وأما الأستاذ عبد الحكيم عابدين فقال أنه لن يرشح نفسه ولن يسعى غلى المنصب، ولكن إذا دعي إليه من الإخوان أجاب. أما الأستاذ الباقوري فقال إنه لن يرشح نفسه ، ولن يسعى إلى الانتخاب، وإذا دعي إلى المنصب رفض. ولما كان الأستاذ عبد الرحمن البنا هو الذي رشح نفسه أولا، وقال إنه سيسعى إلى المنصب بقوة واعتبر نفسه الوحيد الذي يصلح لهذا الأمر، فقد عرض الأستاذ منير اسمه على الثلاثة الآخرين فرفضوه بالإجماع، وتكرر الإجراء بالنسبة لكل من الثلاثة الآخرين فلم ينل أحد منهم موافقة أي من إخوانه الثلاثة.

وهنا عاد الأستاذ منير إلى التأكيد على خطورة الاختلاف، ثم عرض عليهم اسم المرحوم حسن الهضيبي، وأشار إلى علاقته بالدعوة من قديم وصلته بالأستاذ البنا، وأسباب عدم ظهوره وقد كان الأستاذ الهضيبي معروفا للأستاذ الباقوري وعبد الحكيم عابدين، ولكنه لم يكن معروفا للآخرين. لم يرفض المجتمعون اقتراح الأستاذ منير الدلة لأول وهلة ، ولكنهم أرجئوا البت وإبداء الرأي حتى يلتقوا بالهضيبي ويتعرفوا عليه ويدرسوه بصفته مرشحا لهذه المنصب الخطير. وكان هذا رأي الاثنين اللذين كانا يعرفانه من قبل أيضا، وانتهى الإجماع عند هذا الحد على أن ينعقد بعد أن يقابل الإخوة الأربعة الأستاذ حسن الهضيبي. وبعد عدة زيارات للأستاذ الهضيبي توصلوا إلى اتفاق كامل على اختياره ، فزاروه بعدها لمفاتحته في الموضوع ولكنه اعتذر بشدة عن قبول المنصب.

غير أنهم أصروا على التمسك به وفندوا الأسباب التي ساقها مؤيدة لاعتذاره، ووعدوه أن يكونوا سندا له. " وأخيرا قبل، على أن يكون هذا الوعد أحد الشروط، والشرط الآخر هو موافقة أعضاء الهيئة التأسيسية بالإجماع. وقد تم اختياره فعلا من الهيئة التأسيسية بالإجماع في أكتوبر سنة 1951م كما هو معروف أيضا. ومما يذكر أن كل ذلك قد تم وقرار حل الجماعة لا يزال قائما.

ولا ينبغي أن يفهم من عبارة الأستاذ محمود عبد الحليم الأخيرة أن عملية اختيار المرشد الجديد وانتخابه رسميا قد جرت في الوقت الذي كانت فيه معظم القيادات داخل المعتقلات، مما قد يبرر بعض الممارسات المستغربة، إن الأمر لم يكن كذلك، فقد انتهت فترة الاعتقال في عهد وزارة حسين سري التي تولت الحكم في 25 يوليو 1949 واستقالت في 12 يناير 1950م وعندما جمع منير الدلة المرشحين في منزله أوائل عام 1950 وكان المرشحون الثلاثة الذين سبق اعتقالهم عند صدور قرار الحل قد أفرج عنهم، وقد شاركوا في ذلك الاجتماع.

ورغم أن إلغاء قرار الحل قد تأخر حتى آخر شهر حزيران ( يونيو) 1952م فإن هذا التأخير كان شكليا، إذ أن الإخوان كانوا قد استأنفوا نشاطهم العلني عمليا بعد سقوط حكومة السعديين برئاسة إبراهيم عبد الهادي باشا .

وقد كان من مظاهر هذا النشاط العلني أنهم صاروا يقدمون المذكرات للحكومة وإلى مجلس النواب، بل وحشدوا ثلاثة آلاف من أعضاء الجماعة قاموا بمظاهرة أمام مجلس النواب أثناء مناقشته للقضايا التي تمسهم، وذلك يوم السابع عشر من نيسان ( أبريل ) 1950م. وأهم من هذا كله ذلك القرار الذي أصدره مجلس الدولة، وكان أكبر هيئة فضائية في مصر آنذاك، وأوقف بموجبه قرارا حكوميا سابقا ببيع دار المركز العام للإخوان المسلمين حيث أعلن أن الجماعة ما زالت قائمة بحكم القانون.

وبهذا القرار أعطت أكبر هيئة قضائية مصرية لنشاط الإخوان العلني صفة الشرعية في السابع عشر من أيلول ( سبتمبر ) 1951م. كل ذلك حدث قبل أن يتم اختيار الأستاذ الهضيبي لمنصب المرشد العام بشكل نهائي في التاسع عشر من تشرين الثاني ( أكتوبر) 1951.

والذي أرجحه أن المستشار منير الدلة أراد أن يقلد ما جرى بين الصحابة. رضوان الله عليهم ، بعد أن تعرض عمر بن الخطاب للاغتيال، فعين ستة أشخاص يتولون اختيار الخليفة من بعده، وجعل رئاسة اللجنة- إن جاز لنا أن نستعمل هذه التسمية الحديثة- لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه. وربما رأى السيد منير الدلة رحمه الله أنه هو نفسه يمكن أن يقوم بدور مشابه لما قام به ذلك الصحابي. بيد أن هناك فرقا كبيرا بين الظروف التي صاحبت اغتيال عمر رضي الله عنه، إذ كان عمر رئيس الدولة وليس رئيس جماعة وحزب، كما كانت الدولة مشتبكة في حرب مصيرية في جبهتي العراق والشام ضد الإمبراطوريتين الساسانية والرومانية، بالإضافة إلى فروق أخرى كثيرة في الظروف المصاحبة لكل من الحالتين، لا نريد الإطالة بالتوسع في الحديث عنهما، فكان الترتيب الذي اختاره الفاروق رضي الله عنه – بينما كان يعاني سكرات الموت وجراحه تنزف ووفاته وشيكة – هو أفضل الخيارات الممكنة آنذاك، حيث لم تكن لدى المجتمع أية خبرات أو تنظيمات سياسية وإدارية لمواجهة مثل تلك الأزمة.

وفى ضوء ذلك يصبح من حق أي باحث محايد أن يتساءل : ولماذا يتم انتخاب المرشد عن طريق الهيئة التأسيسية ؟ ولماذا يتولى المرحوم منير الدلة ومجموعته ترتيب اختيار المرشد من خارج الصف وحمل المرشحين الإخوان على القبول والتنازل لصالحه، ثم يدورون – بعد ذلك- على أعضاء الهيئة التأسيسية لأخذ موافقتهم على تولى الهضيبي؟ ولماذا قبل أعضاء الهيئة التأسيسية أن يعاملوا بهذه الطريقة التي تنم عن الاستجهال والاستصغار. أو عدم الثقة في قدراتهم؟ والذي أرجحه أنهم تعرضوا للتخويف من مغبة الخلاف وخطورة استمرار فترة الشغور. لا مراء في أن جمع من أعضاء الهيئة التأسيسية في بيت أحد الإخوان كن أهون وأقل إثارة من حشد ثلاثة آلاف متظاهر أمام مجلس النواب، ولكن جمع الهيئة التأسيسية لم يكن هدفا ولم يتم.

ويحق لنا أن نعجب لعدم حدوثه سيما وأن الإخوان كانت لهم قيادة مؤقتة وطليقة أثناء فترة الشغور حيث استناب المرحوم حسن البنا قبل وفاته الأستاذ أحمد حسن الباقوري، ومارس الباقوري القيادة مستعينا بالمرحومين منير الدلة وحسن العشماوي كما ذكرنا قبل قليل. ويجب أن نستحضر إلى الأذهان- ونحن نحاول تفسير هذا الحدث- أن الأستاذ صالح عشماوي وكان وكيل الجماعة ، أي الرجل الثاني نائب المرشد. وكان مركزه هذا يجعله المرشح الأول لمنصب المرشد، والأهم من ذلك أن صالح عشماوي كان ينبغي أن يتولى قيادة الجماعة بعد الإفراج عنه في الأشهر الأخيرة من عام 1949م إلى أن يتم حسم اختيار المرشد العام الجديد بطريقة صحيحة لا تترك مجالا للانشقاقات والانقسامات.

ولماذا يلجأ المستشار منير الدلة إلى تلك الطريقة في الاختيار ، فيقتصر على جمع المرشحين وحدهم في منزله لكي يتفقوا على أحدهم، بينما يعرف، وهو رجل القانون الكبير، المستشار المساعد بمجلس الدولة، أن الاتفاق بينهم مستحيل، لأن كل واحد منهم يرى في نفسه الكفاءة للمنصب والأولوية بالأحقية بناء على ذل الاقتناع الذاتي، سيما وأن الاتفاق لم يحدث حتى بين كبار الصحابة بعد وفاة الفاروق رضي الله عنه. وعلى ذلك فإن أي مرشح من الإخوان لم يكن يرى في أي واحد من المرشحين الآخرين أهلية لشغل المنصب. وإذ تعذر اتفاقهم- كما كان ينبغي أن يتوقع أي عاقل- أخذ يخوفهم من مخاطر الخلاف والتنازع، ثم أقنعهم باختيار شخص من خارج صفوف الجماعة.

ولا ينبغي أن يفهم أنني أعترض على شخص المرحوم حسن الهضيبي أو أحاول الغض من مكانته، فإنني أكن له الكثير من التقدير والاحترام بل واشعر بالإشفاق عليه في شيخوخته، وقد ورطوه في وضع لم تكن عنده معلومات مناسبة عنه، ولكن المناقشة هنا تنصب على نقطة واحدة، وهي مبدأ المؤسسية واحترام الهيئات التنظيمية التي كان الإخوان شكلوها من سنين طويلة قبل ذلك، ثم يجري تجاهلها على النحو الذي ذكرنا والمضي في اختيار شخص من خارج الصف، بينما الجماعة عمرها عشرون عاما، وتضم ما لا يقل عن نصف مليون عضو من مختلف قطاعات المجتمع، بينهم عدد من الجامعيين، وبعض مدرسي الجامعة. فضلا عن رجال القانون، وكثير من خريجي الأزهر وبعض مدرسيه ممن مارسوا العمل في الدعوة منذ سنيها الأولى. ولقد حاول بعض الإخوان الذين تعرضوا للموضوع أن ينفوا كون الأستاذ الهضيبي من خارج صف الإخوان قبل انتخابه. ولكن نفيهم نفسه يوضح أنه كان خارج الصف، وأن عواطفهم فقط هي التي أملت عليهم ذلك الموقف الدفاعي.

فالأستاذ محمود عبد الحليم – مثلا- يكتب في معرض الرد على ذلك تحت عنوان : " هل الهضيبي طارئ على الدعوة؟ إن الذين يريدون أن يقصروا صفة الإخوان المسلمين على الأشخاص الذين ضمت سجلات العضوية الرسمية أسماءهم والذين يؤدون اشتراكاتهم والذين ينتظمون في تشكيلات الجماعة – يريدون أن يضيقوا واسعا ويحجروا سهلا ميسورا، فالإخوان المسلمون ليسوا شيئا مخترعا، ولا فكر مبتكرا، ولا دعوة مبتدعة- وإنما هي الفكرة الإسلامية : من اعتنقها وعمل لها وجاهد في سبيلها فقد صار من الإخوان المسلمين، له كل حقوقهم..

وقد كان الأستاذ حسن الهضيبي عريقا في فهمه للفكرة الإسلامية وفي جرأته في التقدم بها وفي شرحها وفي الدفاع عنها أمام أعلى هيئة تشريعية في البلاد، فهل يكون رجل كهذا غريبا على الدعوة الإسلامية، دخيلا على الجماعة التي رصدت نفسها لنفس الفكرة ولشرحها والدفاع عنها.. والمرشد العام الجديد رجل يميل بطبيعته إلى الهدوء والتنسك ومناجاة ربه، وكان يحلم بتلك الأيام التي ينهي فيها عمله بالقضاء لينعم بما حرمه منصبه القضائي منه طول حياته- بالانتظام في كتائب الإخوان في الجو الروحي الخالص..".

كذلك اجتهد الأستاذ محمود عبد الحليم في إثبات أن الإمام حسن البنا كان يقابل الأستاذ حسن الهضيبي سرا ليستشيره في أمور الدعوة. ومهما يكن من أمر فإن من الواضح الذي لا خفاء فيه أن الأستاذ الهضيبي لم يكن معروفا لعامة الإخوان، كما لم يكن معروفا لخاصتهم، بما في ذلك أعضاء مكتب الإرشاد، مع استثناء بعضهم. وحتى الأستاذ محمود عبد الحليم نفسه، الأخ القديم، ومؤسس النظام الخاص، والذي كان من أقرب الإخوان لحسن البنا، لم يكن يعرف حسن الهضيبي حتى ما بعد طرح اسمه مرشحا لمنصب المرشد العام، وإذ ذاك التقى به أول مرة وحتى الإخوان الذين كانوا مرشحين لمنصب المرشد العام لم يكونوا يعرفون الأستاذ الهضيبي، إذ عندما اقترح الأستاذ منير الدلة اسمه:" لم يرفض المجتمعون اقتراح الأستاذ منير لأول مرة، ولكنهم أرجئوا البت وإبداء الرأي حتى يلتقوا به ويتعرفوا عليه ويدرسوه عن قرب".

وقد رأيت- أثناء معالجتي لهذه النقطة- أن أستطلع آراء بعض الإخوان، فكان لي لقاء مع الأستاذ محمد الطبجي رحمه الله، وقد كان من قدامى وكبار الإخوان، ومن ألصق الناس بالمرشد العام البنا، إذ كان مراقبا للمركز العام ومتفرغا للعمل فيه، كما كان من خريجي كلية الحقوق لسنة 1935م، وفضلا عن ذلك فقد كان ممن تسند إليه أخطر المهمات وأكثرها سرية.

سألت الأستاذ الطبجي عن رأيه في أقوال كل من الأستاذين محمود عبد الحليم وصلاح شادي بشأن اختيار الأستاذ الهضيبي، وكان جوابه إن المرحوم حسن الهضيبي لم يكن في تنظيم الإخوان قبل ولايته لمنصب المرشد العام. أما عن صلته بحسن البنا فأكد أنه أي الأستاذ الهضيبي لم يقابل الإمام الشهيد سوى مرتين فقط ، وأضاف أن المجموعة المكونة من الأساتذة منير الدلة وصلاح شادي وحسن عشماوي وآخرين هي التي سعت لتعيين الهضيبي في منصب المرشد العام.

وقد أطلق الأستاذ الطبجي على المجموعة لقب " الشلة" وقال إن الشلة تولت الطواف على أعضاء الهيئة بأنها نتجت عن أنهم خدعوا ببعض المظاهر، وأن تأييد الأستاذ منير الدلة كان هو العامل الحاسم في الموافقة. لقد كان إخوان الهيئة التأسيسية كثيرا ما يرون الأستاذ حسن البنا مع منير الدلة في سيارته يوصله إلى بيته فتوهموا أهمية خاصة للأستاذ الدلة، واعتقدوا بتمتعه بثقة خاصة لدى الأستاذ البنا وكانت الحقيقة- حسب فهم الأستاذ الطبجي- غير ذلك فكل ما في الأمر أن أحدا من الإخوان لم يكن يمتلك سيارة كرايزلر مثل سيارة منير الدلة الذي كان يحرص عل معاونة المرشد في تنقلاته.

أما الأستاذ سعد الدين الوليلي الذي كان سكرتيرا خاصا لحسن البنا فقد أكد ما قاله محمود عبد الحليم من أن حسن البنا عرف حسن الهضيبي وكان على صلة وثيقة به مدة طويلة، وكان يستشيره في كثير من القضايا، لكنه كان يحرص على بعده عن التنظيم والانتساب. ولما اقترحت تصنيف الهضيبي صديقا للإخوان، ومتعاطفا معهم لكنه ليس من داخل صفهم المنظم وافق الوليلي على هذا التصنيف ثم ساق الأستاذ الوليلي تفسيره لاختيار الإخوان واحدا من خارج الصف المنظم ليكون مرشدا لهم بأن الرؤوس تساوت بالنسبة لمن هم داخل الصف، ولم يوجد أخ مميز وشامخ. وفي رأيه أن المرحلة كانت تحتاج غلى قانوني بارز مثل حسن الهضيبي.

النتائج المرة

وأهم من كل الحجج والمناقشات ما حصده الإخوان من نتائج هذه الترتيبات، فقد أثبتت الأحداث أن الاتفاق المظهري الذي تم بالضغط عن طريق التخويف من الأخطار المحيطة بالجماعة لم يبن على اقتناع، وإنما بني على أساس شعور مؤقت بالعجز- من جانب أصحاب الرأي المعارض. ولكن المعارضة المكبوتة لم تلبث أن تفجرت في أصعب المواقف وأكثرها خطورة، فاشتعل الخلاف وحدث الانشقاق المعروف، وجرى اقتحام بيت المرشد العام من قبل مجموعة من النظام الخاص لإجباره على الاستقالة- وقد حدثني عن ذلك أحد الذين شاركوا في الاقتحام، وهو يحترق ألما وندما على مشاركته- واحتلال صالح عشماوي وأنصاره لدار المركز العام، وقدوم مجموعة من الجبهة الأخرى أخرجت المعتصمين وسيطرت على المركز، ثم فصل صالح العشماوي وسيد سابق ومحمد الغزالي ومحمود الصباغ من عضوية جماعة الإخوان المسلمين، وبعد ذلك جاء اغتيال المهندس سيد فايز، الذي كان من القيادات البارزة في النظام الخاص، وانضمام السندي ومعه مجموعات من رجاله إلى جبهة جمال عبد الناصر.

وهذه النتائج تبين بجلاء مدى عاطفية قول الأستاذ محمود عبد الحليم في معرض تأكيده على موافقة الإخوان على اختيار الأستاذ حسن الهضيبي:" وقد أيد الإخوان في جميع نواحي القطر – عن طريق مندوبيهم الذين كانوا يفدون إلى القاهرة كل أسبوع" هذا الاختيار.. ولقي هذا الاتجاه ارتياحا من جماهير الإخوان.. " ولقد مر معنا – فيما اقتبسناه في الصفحات السابقة- أن الأستاذ حسن الهضيبي لم يكن معروفا حتى لقيادات الإخوان، ولا لجماهيرهم وعامتهم. وإذا كانت وفود الإخوان قد قدمت من الأقاليم مبدية ارتياحها فإن هذا الارتياح لم ينشأ من معرفتها بشخص المرشد الجديد ومدى ملاءمته للمنصب، بل نشأ من شعور وهمي بانتهاء الأزمة المتمثلة في كون الجماعة بغير رأس وكون القيادات مختلفة حول اختيار الشخص المناسب. ومع ذلك فإن من الأمور الجلية التي تتضح لأي دارس لحركة الإخوان أنهم أميل إلى الطاعة وإعطاء الثقة بالقيادة .

وهذا ما يجعل أكثرهم أميل إلى السلبية، اللهم إلا إذا استثنينا الأشخاص القلائل جدا الذين يشذون عن هذا السمت، ثم أولئك الذين تكون لهم تطلعات للوصول إلى المنصب. وهنا أود أن أربط هذا الاتجاه الميال للطاعة وإعطاء الثقة دون مناقشة بما أشار إليه الأستاذ محمد الطبجي، فالقبول السهل بما عرضه الأستاذ منير الدلة ومجموعته، أو " شلته" حسب تعبير الأخ محمد الطبجي، لم يكن لمجرد التوهم بأن الدلة كان موضع ثقة البنا فقط، بل عضد هذا الوهم كون الإخوان أكثر ميلا إلى الطاعة دون مناقشة بحكم تربيتهم. ولعل من المناسب أن أذكر هنا مثلا من تجربة حدثت معي، فقد كانت في إحدى فترات عملي في الإخوان أشغل منصبا قياديا، رأسا لمجلس، أو لجنة ثلاثية، وكان شريكاي يوافقاني بسرعة على كان ما أطرحه من أفكار لتوجيه سير الحركة، وقد ثرت عليهما مرارا، وكنت أقول لهما أن من واجبهما أن يتناولا الموضوعات المطروحة باهتمام وجدية ينتج عنهما جهد فكري ومناقشة، وأكدت لهما أنني أكون سعيدا حتى لو ناقشاني بحدة وقوة، حتى يكون الرأي الناتج ثمرة عمل ثلاثة أدمغة لا عمل دماغ واحد فقط.

هل قصد باختيار الهضيبي إرضاء جهات غير إخوانية؟

لقد نشر وقيل الكثير عن هذه النقطة، فالمصادر الحكومية التي مثلت جمال عبد الناصر اتهمت الأستاذ الهضيبي بأنه كان مرشح القصر. أما رتشارد متشل فقد ذهب في تفسيراته إلى القول بأن تعيين " قاض في منصب المرشد العام سيكون له وقعه لطيب في الأوساط القضائية والقانونية – حيث لم ينمح بعد من الذاكرة العامة مصرع القاضي أحمد الخازندار- كما أن ذلك كان سيساعد الدعاوي المرفوعة من قبل الإخوان.

وكانت ما تزال أمام المحاكم. كما أن القصر سيهدأ روعه ( فزج شقيقة الهضيبي رئيس للياوران الملكي) وبالتالي سيساعد ذلك على تعجيل العودة إلى الشرعية. كذلك فإن الجماعة في حاجة إلى " وجه جديد ودماء جديدة وشخصية جديدة تظهر أمام المجتمع " وكان الانطباع الذي خلفته تلك الاعتبارات جميعا هو أن الجماعة تحتاج إلى شخصية محترمة ومعروفة، فالهضيبي شخص محترم ومعروف. وكما أوضح ( صالح عشماوي) بعد ذلك بقوله : " كان ضروريا أن تختفي أسماء الإرهابيين الذين جعلتهم الصحافة موضوعا لقصص عديدة من الذعر والإرهاب" وبالنسبة لمعظم الأعضاء القدامى كان هذا التعيين يمثل حلا وسطا ينسجم مع الظروف القائمة" ونجد في بعض ما كتبه الأستاذ محمود عبد الحليم تأييدا لبعض ما ورد في تفسير متشل، إذ يقول إن الإخوان رأوا" في اختياره مصالحة مع القضاء الذي يعتبرون التصالح معه رد اعتبار للدعوة وتصحيحا لوضعها أمام الناس".

إن ما عرفناه عن حسن الهضيبي من صدق واستقامة خلق وصرامة في الحق وصبر على البلاء، خاصة بعد توليه المنصب، يمنعنا ويمنع أي عاقل من قبول اتهامه بأنه رضي أن يكون مرشح القصر، أو أنه رجل القصر. ولكن عبارة الأستاذ محمود عبد الحليم توحي بأن الإخوان كان في وعيهم الحرص على استرضاء الجسم القضائي خاصة، واسترضاء الناس عامة:" وتصحيحا لوضعها أمام الناس". كما نلاحظ في العبارة المنسوبة إلى الأستاذ صالح عشماوي رغبة في تحسين صورة الجماعة ونفي صفة الإرهاب عنها. وليس مستبعدا أن يكون القصر إحدى الجهات التي حاولوا التخفيف من عداوتها وتهدئة مخاوفها.

التخبط في تحديد وضع التنظيم الإخواني بين ضباط الجيش

ما زالت المعلومات التي نشرت عن نشاط الإخوان المبكر داخل صفوف القوات المسلحة المصرية قليلة. فضلا عن أنها متناقضة أحيانا، بيد أن ما نشره صلاح شادي وحسن عشماوي وكمال الدين حسين، وعبد اللطيف البغدادي، بالإضافة إلى ما نشر في الشهور الأولى التي تلت ثورة 23 يوليو، وإجراءات وتصرفات الثورة، كل ذلك يجعلنا نقول باطمئنان إن الصلة كانت وثيقة بين الإخوان والضباط.

وقد كان مما كتبه الرائد صلاح شادي- رحمه الله- أن دعوة الإخوان دخلت ا لجيش منذ سنة 1938م، وأنه قد تم ضم ضباط الجيش الإسلاميين إلى النظام الخاص بعد إنشائه، وأن جمال عبد الناصر انضم إلى الإخوان- حسب قول صلاح شادي- في أوائل الأربعينات على يد الضابط عبد المنعم عبد الرءوف، وما لبث أن انضم غلى النظام الخاص وأدى يمين الولاء مقسما على المصحف والمسدس في غرفة مظلمة أمام رئيس ذلك النظام عبد الرحمن السندي. وسنعود لتناول علاقة الإخوان بضباط الجيش – بإذن الله- بشيء من التوسع، مع كثير من التفاصيل في الفصل السادس، الذي خصصناه لدراسة علاقة الإخوان بثورة 23 يوليو.

الفصل الرابع

المسار السياسي: غفلة واستغفال

مر معنا- في الفصول السابقة- أن حركة الإخوان المسلمين ظلت في سنيها الأولى دعوة مسالمة لجميع القوى والأحزاب في مصر، لم تحاول أن تصطدم لا بالسلطة ولا بالأحزاب، بل حرصت على تجنب كل أسباب الصدام. وما أن انصرمت السنون العشر حتى انتقلت الدعوة نقلة جديدة واتخذت نهجا جديدا أعلنه المرشد العام، والقائد والمؤسس، الإمام حسن البنا بكل وضوح سنة 1938م.

وقد تبع هذا الإعلان خطوات عملية تجسد كثيرا من التغيير الذي أشار إليه حسن البنا، ومن ذلك : إنشاء النظام الخاص، أو الجهاز السري، وكذلك إنشاء الجوالة وإنشاء تنظيم إخواني بين رجال الجيش وآخر بين رجال الشرطة. وقد أشرنا غلى كل هذا آنفا بأقدار متفاوتة من التفصيل. ونذكر القارئ هنا أيضا أن الحرب العالمية الثانية انفجرت بعد سنة من هذا التحول، واستمرت ست سنوات، وكانت القوات البريطانية تنتشر في كل ناحية من أرض مصر، وقد اقتربت المعارك الضخمة من حدودها الغربية. في هذا الجو بدأ الإخوان رحلة تحركهم السياسي. وفي هذا الفصل نريد أن نلقي نظرة خاطفة على تطور الخيارات والممارسات السياسية الفعلية الرئيسية التي جسد الإخوان فيها التحول الذي أعلنوه سنة 1938م.

مواقف ودية تجاه النظام الحاكم

ولعل أول موقف سياسي أظهره الإخوان بعد إعلانهم هذا ، بل معه، هو إبداؤهم الولاء للملك فاروق الذي كان تولى سلطاته الدستورية لتوه، فقد ختم حسن البنا مقالته المنشورة في مجلة النذير بهذه العبارات : " وإن لنا في جلالة الملك أيده الله أملا محققا وفي الشعب المصري الذي صقلته الحوادث ونبهته التجارب ومعه الشعوب الإسلامية المتآخية بعقيدة الإسلام نظرا صادقا، وتأييد الله ومعونته قبل ذلك وبعده.." وتلا هذا الموقف لقاء المرشد برئيس الوزراء محمد محمود باشا. وقد أطنب الأستاذ محمود عبد الحليم في تعداد مناقب رئيس الوزراء ونوه بأنه كان " من الشخصيات التي غمطت حقها لأن استمساكها بالمثل، وتعلقها بأهداف النبل وترفعها عن الدنايا جعلها حصادا سهلا.."

وكان محمد محمود باشا هذا قد عينه الملك فاروق لتشكيل وزارة جديدة ورئاستها في 30 ديسمبر 1937م على اثر إقالة الملك لوزارة مصطفى النحاس باشا الذي استندت وزارته إلى أغلبية شعبية منتخبة. وقد وصف مؤرخ مصري معاصر سلوك محمد محمود في تلك الوزارة بأن رئيس الوزراء " اسلم مقاليد الشؤون العليا إلى السراي، وكان مصير وزارته نفسها رهنا بإرادة السراي، وجعل برنامجه الخارجي قائما على أساس تنفيذ معاهدة 1936م بروح الود والصداقة تجاه الدولة الحليفة بريطانيا.

وما لبث محمد محمود أن استصدر أمرا بحل مجلس النواب الذي كانت أغلبيته من الوفديين ، كما أنه أشرف على إجراء انتخابات جديدة تدخل فيها تدخلا سافرا حتى جاء بأغلبية مؤيده له، لكن الملك لم يلبث أن أقاله وعين للوزارة غيره، وذلك في أغسطس من عام 1939م، وتخبرنا إحدى الوثائق البريطانية السرية أن محمد محمود هذا قد نصح الإنجليز وهو على فراش الموت بأن يزيحوا الملك فاروق عن عرشه إذا أرادوا أن ينعموا بسلام حقيقي في مصر حسب ما قاله السفير البريطاني في القاهرة: I remain convinced (as was the late Mohammed Mahmud- see his dying advice recorded by telegram at the time that) we shall no real peace here as long as king Farouk is on throne

كما جاء في برقية السفير إلى وزارة الخارجية بلندن. ومن الواضح أن هذه الصورة التي يرسمها الرافعي لسياسة محمد محمود وتؤكدها الوثائق البريطانية، تناقض الصورة الزاهية التي رسمها الأستاذ محمود عبد الحليم. ونحن نعرف- كما يعرف كل من يقرأ تاريخ الرافعي- أنه كان محايدا في عرضه لأعمال جميع الوزارات، سواء أيدها أو عارضها، فنجده يعد منجزاتها الطيبة ثم يعدد مآخذه عليها.

إسراف في التفاؤل

أما الخطوة التالية فكانت حرص الأستاذ البنا رحمه الله على لقاء الملك فاروق. فقد " كان الأستاذ المرشد يرى أن أقصر طريق لتحقيق أهداف الدعوة، والأخذ بالأسلوب الإسلامي في إصلاح البلاد إنما يكون بالاتصال بهذا الملك الشاب وإقناعه بالدعوة. ومعنى هذا الاقتناع أن يوقن بأن انتماءه لهذه الدعوة سيصلح البلاد ويحفظ له عرشه. " وقد تم للمرشد ما أراد بوساطة على ماهر، وجرى الترتيب على أن يكون اللقاء عند مسجد سيدي جابر، إذ كان الإخوان آنذاك يقيمون معسكرا صيفيا ضخما بجانب الإسكندرية.

وحين ذهب الإخوان إلى المسجد اصطفوا أمامه بلباس الجوالة، أكثر من مائة جوال يتقدمهم المرشد بلباس الجوالة أيضا". وحضر الركب الملكي فيما أذكر- فحييناه هاتفين له وللإسلام، فأخذ على ماهر بيد الأستاذ المرشد وقدمه للملك، فسلم عليه الأستاذ مصافحا باحترام، دون تقبيل يده كما العرف في ذلك الوقت- ودون انحناء.

رجعنا إلى معسكرنا ، وكان الأستاذ المرشد يشعر بالرضا النفسي، لأنه أحس أنه خطا الخطوة الأولى التي كان على الداعية المصلح أن يبدأ بها..".

ولست أجد تعليقا على هذه الخطوة أنسب من العبارة التي ختم بها الأستاذ محمود عبد الحليم نفسه روايته عنها:

" وكنا نعتقد في ذلك الوقت بسذاجتنا وحسن ظننا أن الله تعالى قد اختصر لنا الطريق، واختار لنا ذات الشوكة، وأن هذا الشاب الذي يبدو وادعا في مظهره، وبجانبه الرجل العاقل على ماهر، لابد أنه سيتجه اتجاها إسلاميا فيسعد ويسعد الناس. ولم نكن نعلم ما خبأه القدر لنا كدعوة، ولهذا الشاب كملك طائش مغامر، وكأنه قد غاب عنا أن حاشية هذا الشاب وإن كان فيها على ماهر فإن فيها ألف شيطان".

وهنا نجد نقطة لا يجوز لنا إغفالها، بل يلزمنا تسليط الضوء عليها ، وهي مضمون ومعنى قول الأستاذ محمود عبد الحليم: "... ظننا أن الله تعالى قد اختصر لنا الطريق، واختار لنا غير ذات الشوكة.." فهذا التعبير يدل على أن الإخوان كان في وعيهم وفكرهم أن تحقيق أهدافهم سيتم عن طريق استخدام القوة الحربية القتالية. فلما حدث اللقاء القصير والمصافحة بين البنا والملك، ظنوا أن الله سهل لهم الأمر، وأراحهم من المواجهة والمعارك القتالية، غذ تحقق الهدف- كما توهموا- بأمر يسير، وهو المقابلة والمصافحة الملكية والاقتباس الذي كتبناه بخط مائل هنا اقتبسه محمود عبد الحليم أصلا من سورة الأنفال ، هو الذي استكنت فيه النقطة المهمة: " .. غير ذات الشوكة.." .

وأثناء المؤتمر السادس للإخوان، الذي انعقد في الأسبوع الثاني من بداية سنة 1942م تناول حسن البنا في خطابه العام الذي أعده خصيصا لتلك المناسبة علاقة الإخوان بالملك. وقد دل حديثه على أن جهات معينة حاولت إثارة حفيظة فاروق ضد الإخوان لتحريضه على البطش بهم. وقد رد حسن البنا على ذلك بقوله: " إن ما يشاع عنا من أننا أعداء الملك ليس صحيحا، بل إننا نلتزم بقول الإمام مالك رضي الله عنه: لو كانت لي دعوة واحدة مستجابة لجعلتها للسلطان، فإن صلاحه يصلح به خلق كثير" وهذا الذي ذكره المرشد في خطابه في المؤتمر السادس يدل على أن الموقف بين الإخوان والملك لك يكن كما توقع الإخوان، حين توهموا أن الملك قبل دعوتهم نتيجة لذلك اللقاء القصير الذي أظن أنه لم يزد عن خمس دقائق على الأكثر.

ولم ينتج عنه أكثر من تلك المصافحة العبرة. لقد كان هناك توتر في العلاقة، كما كانت عناك شكوك، من جانب الملك على الأقل، فحواها أن الإخوان معادون للقصر. وقد عزا المرشد ذلك التوتر إلى محرضين مفسدين ينقلون الإشاعات الكاذبة، وأكد أن تلك الإشاعات غير صحيحة. ويبدو أن الإمام المرشد وتلامذته لم يخطر ببالهم أن البرنامج الجديد الذي أعلنه الأستاذ البنا سنة 1938م ، وما تضمنه من تهديدات، يمكن أن يكون قد ترك مخاوف لدى الملك، كما ترك لدى السياسيين والأحزاب، وبعث القلق في نفوس كل هذه الجهات.

إن ذلك الإنذار والتهديد لم يكن سرا قيل في غرفة مغلقة، بل كان مقالا ناريا في جريدة الإخوان ، النذير، كما ورد تأكيد له في خطاب المرشد الذي سجلته رسالة المؤتمر الخامس. فهل وصلت إلى الملك تقارير عن هذا البيان الإخواني، وهل نقلت أجهزة الأمن إلى القصر أخبار تأسيس النظام الخاص سنة 1940؟ وهل نقلت الأحزاب المعادية للإخوان الصورة للقصر، وهل اقتنع الملك بمقولة أن هذه الأخبار مجرد إشاعات؟ وهل صدق النفي الذي أطلقه؟

استغلال الوفد الإخواني

على أثر دخول إيطاليا الحرب العالمية الثانية في حزيران ( يونيو) 1940م إلى جانب ألمانيا، أخذ القلق يساور الحكومة البريطانية على أمن مركزها ووجودها في مصر، إذ كانت إيطاليا تستعمر ليبيا، الملاصقة لحدود مصر الغربية. وحمل هذا القلق الإنجليز على التدخل في الشؤون الداخلية لمصر بحجة أن رئيس الوزراء – على ماهر- والملك نفسه متعاطفان مع دول المحور. وهكذا وجهت بريطانيا إنذارا إلى فاروق تطلب منه إبعاد على ماهر عن الحكم، وتم لها ذلك .

وحاول الملك إقناع الزعماء السياسيين بتشكيل حكومة اتحاد وطني ولكن المحاولة فشلت بسبب معارضة مصطفى النحاس، فكلف الملك حسن صبري- وهو شخصية مستقلة- بتشكيل الوزارة. وتوفي حسن صبري وهو في الحكم فكلف الملك مستقلا آخر هو حسين سري باشا بتشكيل وزارة جديدة في 15 تشرين الثاني ( نوفمبر) 1940م. وفي شهر كانون الثاني( يناير) 1942م انفجرت أزمة حادة بين الملك ورئيس وزرائه ما لبث أن تحولت إلى أزمة خطيرة ومواجهة حاسمة بين الملك والحكومة البريطانية.

وقد انبثقت الأزمة من قرار لمجلس الوزراء بقطع العلاقات بين مصر والحكومة الفرنسية، حكومة فيشي، الموالية لألمانيا، وذلك دون استشارة الملك. وهكذا أصر الملك على ضرورة إقالة وزير الخارجية صليب سامي، بينما وقف رئيس الوزراء ضد هذه الرغبة باعتبار أن القرار صدر عن مجلس الوزراء. وهنا تدخلت السفارة البريطانية تؤيد رئيس الوزراء وجعلت القضية نقطة مواجهة حاسمة مع القصر، فطالبت بإبعاد المتعاطفين مع المحور من القصر، وعلى رأس هؤلاء عبد الوهاب طلعت وكيل الديوان الملكي، كما طلبت أن يتولى زعيم حزب الوفد – مصطفى النحاس- رئاسة الوزارة.

وكانت وزارة الخارجية في لندن تعطي اهتماما بالغا للوضع السياسي في مصر نظرا لاندلاع المعارك الضخمة على حدود مصر الغربية، بل وفي داخل الأراضي المصرية. وكان تبادل الرسائل البرقية المطولة يتم بين السفير لامبسون ووزارة خارجيته في لندن ساعة بساعة.

وانقسم السياسيون المصريون وزعماء الأحزاب بشأن الموقف الذي كان على مصر أن تتخذه، فرأت الأغلبية من رجال السياسة أن تظل مصر على الحياد، وأن تفي بالتزاماتها بموجب معاهدة 1936م وفي أضيق الحدود، ورأت أقلية أن تدخل مصر الحرب بكل ثقلها إلى جانب بريطانيا. وكانت عواطف أغلبية الشعب المصري والعناصر الوطنية في قيادات قطاعاته المختلفة معبأة ضد بريطانيا.

وجاءت هذه النقمة- ابتداء- منذ غزو بريطانيا واحتلالها لمصر سنة 1882م واستمرارها في تحدي الأماني الوطنية. وقد زاد العداء تفجرا بسبب الأزمة التموينية الخانقة التي عانت منها الجماهير المصرية غذ ندر وجود الخبز في أواخر يناير 1942م واستعاض عنه الموسورون ( بالبطاطس والمكرونة) بينما عانت الكثرة المتوسطة والفقيرة معاناة شديدة، وعزت الجماهير هذا لنقص إلى استئثار الجيوش البريطانية في مصر بالمواد التموينية. ولم تلبث المظاهرات أن انفجرت منطلقة من حرم الجامعة.

وهتف المتظاهرون بسقوط بريطانيا، وارتفعت أصواتهم تنادي: ط تقدم يا روميل ، إلى الأمام يا روميل" وكانت القوات الألمانية بقيادة الجنرال رومل آنذاك زاحفة من ليبيا صوب مصر.وقد سبقت هذا الانفجار الشعبي محاولة قام بها الضباط الوطنيون في الجيش المصري لتهريب الفريق عزيز المصري غلى ليبيا للالتقاء بالجنرال روميل للتعاون معه لطرد بريطانيا من مصر، وتمت المحاولة وفشلت ليلة 15- 16 أيار( مايو) 1942م، وشارك فيها الضابط الطيار عبد المنعم عبد الرءوف الذي كان عضوا نشطا في جماعة الإخوان المسلمين وفي تنظيم الضباط الأحرار.

وكانت بريطانيا تخشى من أن يتحول الاضطراب إلى ثورة شاملة وأن يشارك فيها الجيش المصري مشاركة فعلية وكان الإنجليز ومعهم حسين سري يعتقدون بأن على ماهر والشيخ المراغي والشربجي ، وحزب مصر الفتاة وراء هذه الأحداث . وأمام إصرار الملك على إقالة وزير الخارجية واندلاع المظاهرات على النحو الذي أوجزنا رأي رئيس الوزراء حسين سري أن يقدم استقالته حتى لا يتحمل نتائج الصدام بين القصر والإنجليز ومسئولية الوقوف علنا ضد شعبه ومع الأجنبي المحتل. وقد طلب السفير البريطاني من حسين سري أن يؤجل استقالته بضعة أيام ريثما تتخذ بريطانيا الترتيبات اللازمة.

بريطانيا تختار النحاس باشا وحزب الوفد

وفور انتهاء اجتماع السفير البريطاني مع سري باشا أبرق السفير إلى وزارة الخارجية البريطانية بمضمون ما دار في الاجتماع وطلب توجيهات فيما ينبغي عليه عمله. وجاء الرد يفوض السفير البريطاني في إطار السياسة المتفق عليها سابقا لأن الأحداث المتسارعة لا تحتمل انتظار تبادل البرقيات للحصول على ا لتعليمات في كل خطوة، ومع ذلك فقد نبه الوزير السفير إلى عدة نقاط أهمها ضرورة إقامة اتصالات مباشرة مع مصطفى النحاس- رئيس الوزراء المقبل- قبل أن يقدم سري باشا استقالته.

وكان على السفير أن يخبر النحاس برغبة بريطانيا في أن لا تحصر مصر تعاونها معها أثناء الحرب في حدود النصوص الحرفية لمعاهد 1936م ، كما كان عليه أن يبين للنحاس أن بريطانيا لا تقبل من مصر موقف الحياد. وفي هذه الأثناء قدم سري استقالته بالفعل يوم 2 فبراير إذ لم يستطع تأجيلها كما وعد السفير. وقابل السفير الملك بعد ظهر يوم 2 فبراير وطلب منه تكليف النحاس باشا بتشكيل الوزارة الجديدة، فوعد الملك بذلك وقال إنه كان سيستدعي النحاس بالفعل.

وأبرق السفير إلى وزارة الخارجية في لندن مبديا اعتراضه على أن يقابل النحاس قبيل ذهابه لمقابلة الملك، لأن ذلك سيحرج الزعيم الوفدي، وقد يحمله على عدم قبول الاضطلاع بتشكيل الوزارة سيما إن علم أن بريطانيا طلبت من الملك تكليفه وضغطت عليه لحمله على ذلك. بيد أن السفير كان مسرفا في افتراضه لحساسية النحاس، فقد جاءت المبادرة من النحاس نفسه، فقبل أن يذهب النحاس لمقابلة الملك أرسل أحد معاونيه، وهو أمين عثمان باسا إلى السفير البريطاني السير مايلز لامبسون لاستطلاع رغباته.

وقد طلب السفير من النحاس أن يرفض – عند مقابلته للملك- فكرة الحكومة الانتقالية، وأن يقبل تشكيل حكومة ائتلافية، كما أبلغه بعدم رغبة بريطانيا في إجراء انتخابات نيابية في مصر في تلك الظروف الحرجة. وذهب أمين عثمان بالرسالة غلى النحاس، وعاد بالجواب إلى السفير في نفس اليوم ( 3 فبراير) وقد بين النحاس أنه يريد أن يرأس حكومة وفدية صرفة، ولم ينس أن يذكر السفير بأنه تعاون مع بريطانيا بإخلاص سواء في ظل المعاهدة أو بغير معاهدة. وقال : إنه إذا كان قد تعاون معهم بإخلاص في وقت السلم فإن إخلاصه في وقت الحرب سيكون أكثر من عشرة أمثال إخلاصه السابق.

وأضاف أنه يريد ديمقراطية حقيقية وتعاونا حقيقيا مع بريطانيا، بينما الملك فاروق يقف ضد هاتين الرغبتين، ومن أجل ذلك فإنه (أي النحاس) يطلب أن تطلق بريطانيا يده في التصرف لمواجهة القصر، كما يطلب دعم السفارة له في هذه المواجهة مع الملك. وأكد السفير لأمين عثمان دعمه لمصطفى النحاس . وقابل النحاس الملك بعد ظهر اليوم نفسه، أي 43 فبراير، ولم يكد يخرج من اجتماعه به حتى أبلغ السفير البريطاني بالنص الحرفي لمناقشته مع ملك بلاده ورئيس دولته. وفي الساعة العاشرة واثنتين وعشرين دقيقة مساء نقلت برقية من السفير نص محادثة ملك مصر مع النحاس إلى وزارة الخارجية في لندن فتسلمتها الوزارة في الساعة العاشرة والنصف من مساء اليوم نفسه ، الثالث من فبراير 1942م.

الإنذار البريطاني

وفي المقابلة عرض الملك على النحاس أن يتولى رئاسة وزارة اتحاد وطني ( ائتلافية) فرفض النحاس فكرة الحكومة الائتلافية وأبدى موافقته على تشكيل حكومة وفدية صرفة. ولما أصر الملك على ضرورة تشكيل حكومة اتحاد وطني اعتذر النحاس عن قبول التكليف، وهنا وجه السفير إنذارا إلى الملك بأن عليه أن يكلف النحاس بتشكيل وزارة وفدية قبل الساعة السادسة من مساء يوم 4 فبراير 1942م، وإلا .. فإن عليه أن يتحمل النتائج. وقد جرت مشاورات بريطانية حول عزل الملك، بل وجرت اتصالات لتحديد المكان المناسب ووسيلة نقله إلى المنفى.

ودعا الملك فور ذلك الزعماء السياسيين جميعا – بما فيهم النحاس- للاجتماع في قصر عابدين، فاجتمعوا في نفس اليوم ( 4 فبراير) وعرض عليهم الملك قصة الإنذار البريطاني، وطلب منهم أن يبحثوا الأمر، وغادر القاعة. وقرر الزعماء رفض الإنذار، وتقديم احتجاج على ذلك التدخل المهين في شئون بلادهم، وصيغ الاحتجاج ووقعوه جميعا- بما فيهم النحاس- وهذا نصه:

" إن في توجيه التبليغ البريطاني اعتداء على استقلال البلاد ومساسا بمعاهدة الصداقة، ولا يسع الملك أن يقبل ما يمس استقلال البلاد ويخل بأحكام المعاهدة".

ووقع الملك الاحتجاج وحمله أحمد حسنين ، رئيس الديوان الملكي، إلى السفير، لكن هذا رفض تسلمه، وقال أنه سيحضر لمقابلة الملك في الساعة التاسعة من مساء ذلك اليوم. وقبل أن يحين الموعد زحفت الدبابات البريطانية نحو قصر عابدين- في قلب القاهرة- ورابطت أمامه مصوبة إليه مدافعها، وإذ ذاك حضر السفير السير مايلز لامبسون وبصحبته قائد القوات البريطانية في مصر، وعدد من الضباط الإنجليز المسلحين بالمسدسات" ودخل السفير والجنرال غرفة الملك واجتمعا به بحضور أحمد محمد حسنين ، وكان السفير يحمل ورقة بالتنازل عن العرش، فاختلى حسنين بالملك ونصحه بقبول الإنذار- حفاظا على عرشه- فقبله".

ودعا الملك الزعماء ثانية للاجتماع به، وقال لهم:" اعتبروا ما دار بينكم من حديث وما قررتموه اليوم كأن لم يكن، وأكلفك يا نحاس باشا بتشكيل الوزارة. فاعتذر النحاس لجلالة الملك وطلب إعفاءه من هذه المهمة. ولكن الملك أصر على أمره بتأليف الوزارة.

عندئذ قال أحمد ماهر: كنت أظن أن النحاس باشا – وهو كما يقول عن نفسه زعيم البلاد وصاحب معاهدة الشرف والاستقلال- يرفض تشكيل الوزارة. أما وقد قبلها فإني أعلن في حضرة مليك البلاد أن النحاس يتولى الحكم الليلة مستندا إلى أسنة رماح الإنجليز .

فقال النحاس: لسن أنا الذي يستند إلى أسنة الرماح، فقال إسماعيل صدقي: أظن أن رفعتكم وصلتم إلى هنا بعد انصراف الدبابات فتدخل الملك في النقاش ، وأشار على المتحدثين بالسكوت، وكرر أمره إلى النحاس بتأليف الوزارة، وطلب إليه أن يذهب إلى السفير ويبلغه نبأ تكليفه.. وانتهى الاجتماع على ذلك" وتولى النحاس تشكيل وزارة وفدية صرفة صدر مرسوم تأليفها يوم 6 فبراير 1942م.

أين موقف الإخوان من هذه التطورات؟

وقد كتب أحد قيادي الإخوان المسلمين عن يوم 4 فبراير فقال:

" إنه من التواريخ المشهورة في السياسة المصرية.. وتعتبره الأحزاب المصرية ، بل ويعتبره غيرهم من الأيام السوداء، حيث لجأ الإنجليز إلى التدخل السافر في شئون مصر الداخلية، ويصمون النحاس بالخزي والعار لأنه جاء إلى الحكم على أسنة رماح الإنجليز".

إننا نلمح في ثنايا عبارات الكاتب الإخواني تحفظا شديدا في الألفاظ، بحيث يبدو وكأنه غير مؤمن للتهرب من الاعتراف بالخطأ الذي ارتكبه الإخوان عندما ربطوا أنفسهم بركاب بطل " 4 فبراير " وكأن الأستاذ محمود عبد الحليم حاول أن يقنع نفسه – قبل قرائه- أنه : ما دامت المسألة مسألة مهاترات حزبية في جوهرها فليس على الإخوان من تثريب فيما فعلوا. غير أن صدق الأستاذ محمود عبد الحليم وأمانته واستقامته الفطرية لا تلبث أن تنتصر على موقف التحفظ السياسي وتجتاحه، وهكذا انطلق لسانه وقلمه يعبر عن اقتناعه، فيقول بلسانه- لا بلسان الأحزاب والسياسيين:

" إن مجيء النحاس إلى الحكم على أسنة رماح الإنجليز- مهما قيل في تعليله- كان غصة في حلق كل مصري، وكان النحاس يعرف ذلك، وكان الإنجليز أيضا يعرفون ذلك.. ولقد كانت دهشة الناس في مصر على أشدها حتى رأوا الإنجليز يطلبون الوفد للحكم، ويجدون الوفد يسارع بالإجابة كأنما كانا على ميعاد.. وكان الذين يحسنون الظن بالوفد يتمنون أن يرفض الوفد أن يتولى الحكم بأمر الإنجليز الذين هم بغير شك أعداء البلاد. ولكن هؤلاء حين رأوا الوفد مسارعا إلى إجابة الإنجليز علموا أنهم كانوا مسرفين في حسن الظن. وقد عبر الكثيرون عن هذا الشعور بطرق مختلفة كان أروعها خمسة أبيات ن الشعر نشرها الأهرام يوم 6/ 4/ 1942م، للشاعر الكبير الأستاذ محمود غنيم تحت عنوان: الذئب والكبش..

الكبش قام خطيبا فوق رابية

ينعي على الذئب فتك الذئب بالغنم

فتمتم الذئب في أذنيه أنت على

رأس القطيع أميرا نافذ الكلم

فقبل الكبش ناب الذئب معتذرا

عما رماه به من سالف التهم

وقال للشاء خوضوا وارتعوا معه

من لاذ بالذئب منك لاذ بالحرم

فإن تصب أحدا منك مخالبه

فإنها بلسم يشفي من السقم

وكم لهذه الأبيات من صدى في نفوس المثقفين في أنحاء مصر.. إذ اعتمد الشاعر أسلوب الثورية لتعرية موقف النحاس والإنجليز. لقد عرف الإخوان أن " الوفد- منذ عقد معاهدة سنة 1936م – أصبح يعتبر الإنجليز أصدقاء حلفاء وأن الوفد أصبح يسعى إلى الحكم لإشباع شهوات أعضائه وأنصاره من مغانم الحكم، ولا يبالي من الذي يدعوه إلى الحكم" وقد تأكد الإخوان – بعد تنصيب النحاس في الوزارة- من " تسلط أتباع الوفد من كبار الموظفين والتجار على البقية الباقية من هذه المواد، ( مواد معيشة الشعب المصري التي استأثر بمعظمها الإنجليز) بالسلب والنهب والاستغلال.. ولا يخفى أن الطريقة السافرة التي اختارها الإنجليز في 4 فبراير لتمكين الوفد من الحكم هي في حد ذاتها قد زلزلت ثقة الكثيرين في الوفد- لكن ما ارتكبه الوفد من أخطاء أثناء حكمه قد أتت على البقية الباقية له في النفوس.." ( انتهى تعليق الأستاذ محمود عبد الحليم).

قصر نظر وتناقض مذهل

كان الإخوان – حتى ذلك الوقت- يشاركون في حركة وطنية أو جبهة وطنية عرفت باسم " جبهة الإنقاذ" ويحدثنا محمود عبد الحليم عن هذه الجبهة بقوله: " كان أحرار المصريين يمقتون الإنجليز، ويتربصون بهم الدوائر، ويتمنون أن لو أصابتهم كارثة تأتي عليهم فلا تبقى ولا تذر . فلما قامت ألمانيا بهجومها لمكتسح على أوربا هب هؤلاء الأحرار ينتهزون ههذ الفرصة لتخليص البلاد من يد الإنجليز.

كون الأحرار على اختلاف نزعاتهم جبهة لإنقاذ البلاد، وكان تكوين هذه الجبهة يجري تحت ستار السرية التامة ". ويتحدث الأستاذ محمود عبد الحليم عن دوره فيقول:" وأنا شخصيا مع أني كنت أقوم ببعض ما كان يوكل إلي من أعمال لهذه الجبهة- لا أعرف من الجهات المشتركة فيها ولا الأشخاص المشتركين فيها إلا الأستاذ المرشد وعلى ماهر، والسيد أمين الحسيني مفتي فلسطين.

كانت خطة الجبهة تتلخص في محاولة الاتصال بالحكومة الألمانية والاتفاق معها على أن تحمل مصر عبء الدفاع عن نفسها ضد الإنجليز في مقابل أن تستقل وتظل صديقة لألمانيا. وقد حدث الاتصال فعلا، وكانت تصلنا خطب هتلر بنصها، وكنا ننسخ منها نسخا لتوزيعها على المشتركين في الجبهة.

وأعدت الجبهة العدة لتهريب عزيز المصري إلى ألمانيا في طائرة من طائرات الجيش. لكن الظروف حالت دون ذلك حيث اصطدمت الطائرة بأسلاك اضطرتها إلى الهبوط، وقبض على عزيز المصري وعلى قائدي الطائرة حسين ذو الفقار صبري وعبد المنعم عبد الرءوف ، وعلى غير ما كان منتظرا أصدرت المحكمة العسكرية التي حاكمتهم حكما برأهم، مما أثلج صدور الأحرار في كل مكان. كما استطاع السيد أمين الحسيني أن يهرب إلى ألمانيا، والتقى بهتلر وتفاوض معه فيما هدفت إليه الجبهة من استقلال مصر واستقلال فلسطين والبلاد العربية. وكان السيد أمين موضع احترام الحكومة الألمانية طيلة الفترة التي مكثها في ألمانيا".

كان الإنجليز يشعرون بعداء على ماهر لهم، ولذا وجهوا إنذارهم إلى فاروق بإبعاده عن رئاسة الوزارة سنة 1949م، كما أشرنا فيما سبق. ومع ذلك ظل اسم على ماهر يتردد في البرقيات المتبادلة بين السفارة البريطانية ووزارة الخارجية في لندن. وكان الإنجليز وأصدقاؤهم من الزعماء المصريين يعتبرون على ماهر المحرض على عدائهم ولذا أصروا على إبعاد عبد الوهاب طلعت وكيل الديوان الملكي، باعتباره أداة في يد على ماهر، وعندما تولى وزارة الوفد برئاسة مصطفى النحاس الحكم بعد حادثة 4 فبراير سنة 1942م لم تتردد في القيام بحركة اعتقالات ضد الجبهة، بل إن النحاس لم يتردد في اعتقال " على ماهر في حرم مجلس الشيوخ سنة 1942م" ، دون رعاية لحرمة المجلس.

استدراج فانزلاق إلى المستنقع

وبمجرد أن تولى الوفد الحكم محمولا على مدافع الدبابات البريطانية أراد أن يطهر نفسه مما عيره به خصومه فأراد أن يجري انتخابات عامة ليثبت أنه يحكم بإرادة الشعب لا بإرادة الإنجليز، ولذا قرر إجراء الانتخابات فور توليه الحكم، بالرغم مما أشار به السفير البريطاني من أن الوقت غير ملائم لإجراء الانتخابات. وجت الاستعدادات بسرعة محمومة وقد طلبت الأحزاب المعارضة رفع الأحكام العرفية وإلغاء الرقابة على الصحف أثناء الحملة الانتخابية، لكن النحاس رفض طلبهم، وأصر على إجراء الانتخابات في ظل الأحكام العرفية، وفي ظل الرقابة على الصحف. وهنا أعلنت المعارضة مقاطعة الانتخابات، فصال فيها الوفد وجال وحده.

وهنا أيضا برز الإخوان على المسرح بشكل مفاجئ ومخالف لكل منطق سليم، فقد رشح حسن البنا نفسه للانتخابات عن دائرة الإسماعيلية، وبدا وكأن نجاحه أمر محقق لا يعتريه الشك، وهذا ما أزعج رئيس الوزراء مصطفى النحاس ، فدعاه لمقابلته بواسطة عبد الواحد الوكيل ( صهر النحاس) ، وحاول إقناعه بسحب ترشيحه ، مبطنا دعوته بالتهديد مظهرا النصح، " إيثارا للمصلحة العامة ولمصلحته ( أي مصلحة الأستاذ حسن البنا) إن كان يريد الإبقاء على جماعات الإخوان المسلمين في مختلف البلدان، فرفض البنا ذلك وقال إنه يستعمل حقا من حقوقه الدستورين، ولا يرى ما يمنعه من الترشيح، وإن كان هناك موانع فإنه يطلب بيانها لكي يتبين مبلغها من الصحة، وأضاف البنا، فضلا عن ذلك، أن قرار الترشيح صدر من هيئة مكتب الإرشاد العام لجماعة الإخوان، وأنه شخصيا لا يملك الرجوع في ذلك.

" فرجاه رفعة النحاس باشا أن يعمل على إقناع الأعضاء بالعدول عن ذلك، وأن رفعته رأى أن يدعوه لينصح له بالتناول وإلا اضطر إلى اتخاذ إجراءات أخرى يراها رفعته قاسية ولا يرتاح إليها ضميره، ولكنه حرصا منه على مصلحة البلد مضطر غلى تنفيذها. " ولما استوضحه البنا تلك الإجراءات " قال رفعته: إنها حل جماعات الإخوان المسلمين ونفي زعمائها خارج القطر، وتلك هي رغبة هؤلاء الناس ( يقصد الإنجليز) الذين بيدهم الأمر يصرفونه كما يرون، ونحن مضطرون إلى مجاملتهم، خصوصا في هذه المسائل الفرعية، وفي هذه الظروف العصيبة، لأنهم يقدرون على كل شئ، وفي استطاعتهم إن شاءوا أن يدمروا البلد في ساعتين.

وانتهت الأزمة بنجاح المرشد العام في إقناع الإخوان بالموافقة على التنازل عن الترشيح، وذلك بعد معارضة شديدة من جانبهم. وبدلا من أن ينأى المرشد بنفسه وبجماعته عن النحاس وحكومته وحزبه، في تلك الفترة بكل ما ذكرناه، على الأقل، فقد طلب من النحاس " ضمانات بقيام الجمعية وفروعها بأنشطتها، وعدم الوقوف في سبيلها، وعدم مراقبتها والتضييق على أعضائها للحد من نشاطهم. فوعده رفعته بما طلب".

وبعد هذا اللقاء وما تم فيه من تفاهم بين الزعيمين عاد عبد الواحد الوكيل باش، فقابل " الأستاذ المرشد واقترح عليه أن يصدر بيانا يسجل فيه أن التنازل قد تم احتراما لقرار الوفد بترشيح شخص آخر، ويعلن فيه تأييده لسياسة الوفد في التعاون مع بريطانيا لتنفيذ معاهدة التحالف، فرفض المرشد ذلك، واكتفى بذكر فقرات من خطاب النحاس باشا معلنا أن الإخوان عون له في سياسة الإصلاح الديني والاجتماعي . ونثبت هنا نص الخطاب الذي وجهه الأستاذ المرشد إلى النحاس باشا كما نشر بجريدة المصري يوم 23 مارس 1942م، وكما أورده الأستاذ محمود عبد الحليم ، تحت عنوان:

" الإخوان المسلمون يستجيبون لنداء الزعيم- ويعلنون أنهم عون للحكومة في تحقيق برنامجها الإصلاحي:

كتاب قيم من المرشد العام للرئيس الجليل

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا رئيس الحكومة المصرية.

أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وأحييكم فالسلام عليكم ورحمه الله وبركاته، وبعد:

فقد تحدثتم رفعتكم إلى الأمة المصرية حديثا رائها جميلا ضمنتموه كثيرا من المبادئ القويمة والأماني الطيبة التي يسر كل مصري أن يحققها الله على يديكم. وقد أشدتم بالصراحة والتعاون الإخلاص، ودعوتم الأمة إلى مصارحتكم والتقدم إليكم بالنصح ووددتم أن تمتلئ صدورنا جميعا بهذه المعاني السامية( فنحن أبناء أسرة واحدة هي الأمة المصرية الكريمة).

وقررتم رفعتكم أنه من دواعي سروركم أن تتعاون الأمة والحكومة في هذه الظروف الدقيقة في تنفيذ سياسة خارجية حكيمة، وتصميم سياسة داخلية بصيرة. فالواجب يقتضينا والمصلحة تدعونا إلى أن ننفذ بإخلاص وحسن نية أحكام المعاهدة التي وقنعاها بمحض اختيارنا وملء حريتنا وقصدنا من ورائها سلامة استقلالنا القومي والاحتياط لمثل هذه الظروف العصيبة، كما أن الحكومة والبرلمان أن يضعا في رأس برنامجها درس المسائل الاجتماعية والسعي غلى حلها حلا سريعا حاسما.

وقد أشرتم إلى ا لتطور الجديد في حياة العالم كله تطورا " هو مقدمة لتطور أعمق غورا وأبعد أثرا يجعل مظهر العالم في غير مظهره اليوم." ثم ختمتم هذا الحديث" بأن علينا أن نعبر الطريق المحفوف بالمخاطر، المحوط بالمكاره، متعاونين متحدين مع الشعوب الشرقية وإخواننا أبناء العروبة الكريمة كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، مترقبين بزوغ فجر الحرية والإخاء بين الشعوب، فيقوم عدل الحكام على أنقاض الظلم والاستبداد، وتتفيأ الأمم ظلال الطمأنينة والسكينة والسلام".

أصغينا إلى هذا الحديث القيم ثم طالعتنا الصحف بنصائحكم إلى حضرات المديرين والمحافظين ودعوتكم إياهم غلى أن " يكونوا أداة سلام ودعاة صلح وتفاهم بين العائلات، وأن يديموا التجوال في البلاد ليتبينوا مطالب الأهلين، وينظروا فيها بالعين المجردة عن كل ميل وهوى، وأن يستمعوا إلى شكاوي المظلومين ويعملوا على رفع المظالم عنهم" وقرأنا في الصحف أن معالي وزير الصحة أخذ يدرس باهتمام مشكلة البغاء تمهيدا لتخليص مصر من وصمته الشائنة، وأنه قرر فعلا البدء بإلغاء دور البغاء في القرى والبنادر من أول مايو المقبل.

والإخوان المسلمون أمام هذه الآمال الصالحة، والأعمال الطيبة النافعة يرون من واجبهم أن يستجيبوا لندائكم وأن يعلنوا أنهم حريصون كل الحرص على أن يكونوا عونا لكم وللحكومة المصرية في تحقيق برنامجكم الإصلاحي الذي أعلنتموه، مستمسكين دائما بآداب الإسلام العالية وتعاليمه القويمة وأخلاقه الفاضلة.

والله نسأل أن يعيننا جميعا لخير هذا الوطن العزيز والسلام عليكم ورحمه الله.

لقد حرصنا على نقل هذه النصوص كاملة في سبيل إعطاء الأفكار والاستنتاجات وأدلتها حقها من الوضوح الكامل، وعدم التدخل، وذلك نظرا لخطورة القضية التي تحدث عنها.

مدى خطورة تصرف الإخوان

في هذا الجو الخانق- إذن- وصدى هدير الدبابات الإنجليزية الزاحفة صوب المقر الرسمي لرئيس الدولة المصرية ما زال يطن في آذني كل مصري، في هذا الجو تقدم حسن البنا – بموافقة إخوانه- بترشيح نفسه لانتخابات تجري في ظل الأحكام العرفية، والرقابة على الصحف، وفي ظل احتلال عسكري لأرض مصر كلها، من سيناء إلى الحدود الليبية، ومن شاطئ البحر المتوسط إلى ما وراء حدود السودان.

في هذا الجو، وقلوب المصريين تنزف من جراء هتك الإنجليز لعرض مصر السياسي بالفظاظة التي تمت بها حادثة 4 فبراير يوجه مشد الإخوان المسلمين باسمهم خطابا رسميا علنيا ينشر في الصحف يعلن فيه تأييد الإخوان لسياسة النحاس- بما في ذلك سياسته في التعاون مع بريطانيا- ويعلن استعداد الإخوان لمعاونة الحكومة والوقوف إلى جانبها.

لقد غفل حسن البنا وإخوانه عما انطوى عليه تصرفهم من خطأ فادح، ونسوا أنهم كانوا مشاركين في جبهة إنقاذ وطني تزعمها على ماهر ومفتي فلسطين من أجل تحرير مصر من دنس الاحتلال البريطاني، ونسوا أن الجبهة كانت تخوض نضالا يشاركون فيه أنسهم – بما فيهم محمود عبد الحليم نفسه- وأن بريطانيا كانت تضع على ماهر والمتعاونين معه، أمثال الشيخ مصطفى المراغي، وعبد الوهاب طلعت على رأس أعدائها، وأنها تدخلت لإبعاد على ماهر عن رئاسة الوزارة ورئاسة الديوان الملكي تحت طائلة التهديد منذ سنة 1940م، ثم واصلت مطاردة المتعاونين معه. ونسي البنا وإخوانه أن النحاس وحزبه إنما جاءوا إلى الحكم تحت شعار التعاون مع بريطانيا ضد أهداف الجبهة، وأن ذلك التعاون كان ضد أماني شعب مصر.

بل لقد نسي حسن البنا وإخوانه معنى إجبار النحاس له على سحب ترشيحه لمجلس النواب، وبدلا من أن ينسحب وينأى بنفسه وبحركته عن تلك الحكومة الملوثة- بعد أن فاته وإخوانه شرف مقاطعة الانتخابات كما فعلت أحزاب المعارضة التي يحتقرونها- إذا به يعلن تأييده لبطل حادث 4 فبراير ويسعى لتحقيق مكاسب إسلامية على يدي حكومة النحاس باشا، من مثل إعلان ذكرى المولد النبوي الشريف عيدا رسميا للدولة، وإغلاق محلات البغاء.

ومع ذلك يأتي قيادي إخواني هو الأستاذ محمود عبد الحليم ليقول لنا- بعد مرور أربعين سنة على الحادثة- وبكل براءة وعفوية، إن ذلك المسلك الإخواني تجاه تلك الأزمة كان مظهرا من مظاهر الحنكة التي حققت للدعوة مكاسب كبيرة.

لقد كان مصطفى النحاس وحزبه وحكومته بحاجة ماسة إلى من يساعدهم في مسح اللوثة التي تركتها على جباههم حادثة 4 فبراير خاصة مع إصراره على انفراده وحبه بالحكم، ولم يكن في مقدور أية جماعة مصرية أخرى غير الإخوان المسلمين أن تقدم للوفد المساعدة الفعالة التي كان يبحث عنها، وذلك باعتبار الإخوان أكثر الهيئات الشعبية تمازجا مع كل قطاعات الشعب المصري، فضلا عن أنهم يخاطبون الشعب باسم الدين، وهو المؤثر الأقوى على الأغلبية الساحقة من أبناء مصر.

ومع كل هذه الحاجة فإن النحاس لم يقبل أن يكون ثمن التأييد الإخواني المرجو السماح لحسن البنا بالفوز بعضوية مجلس النواب التي تؤهله لها شعبيته . ويبدو أن الباشا كان واثقا من تحقيق غرضه بثمن أقل، وقد ظهر أنه كان مصيبا، فحماية النحاس الوهمية للإخوان من خطر التهديد الإنجليزي واعتراف الدولة بالمولد النبوي الشريف عيدا رسميا، ومنع تقديم الخمر في بعض المناسبات الدينية – أو مجرد الوعد به- دفع الإخوان للاستجابة، فسحب مرشدهم ترشيحه، ووجه النحاس خطابه الذي أوردنا نصه قبل قليل والذي ختمه بقوله:" والإخوان المسلمون أمام هذه الآمال الصالحة، والأعمال الطيبة النافعة، يرون من واجبهم أن يستجيبوا لندائكم، وأن يعلنوا أنهم حريصون كل الحرص على أن يكونوا عونا لكم وللحكومة المصرية في تحقيق برنامجكم الإصلاحي الذي أعلنتموه..".

وهكذا تحول الإخوان من مشاركين في " جبهة الإنقاذ الوطني" التي كانت تعمل ضد الإنجليز ممثلة لآمال وعواطف أغلبية أبناء مصر، فأصبحوا بهذا التحول حلفاء، أو مطايا، للنحاس وحزبه الذي جاء مفروضا بالقوة من الإنجليز، متفاهما معهم مسبقا على البطش بخصومهم.

وبهذا التأييد منح الإخوان المسلمون للوفد شهادة تزكية، وأتبعوا ذلك بتأييدهم له في الانتخابات التي أجبر مرشدهم على الانسحاب منها تحت التهديد، وهي الانتخابات التي كانت قد قاطعتها جميع القوى السياسية الأخرى. ثم إنهم مدوا أيديهم إلى النحاس وحزبه بالمساعدة أثناء أزمة انشقاق سكرتير الوفد، مكرم عبيد باشا، ومهاجمته للنحاس وفضحه لسياسة المحسوبية والفساد التي درج عليها.

لم تطلب الزعامة الوفدية من الإخوان إصدار بيان تأييد عند نشوب الأزمة التي أثارها فصل مكرم عبيد من الوفد، كما فعلوا في المرة السابقة، بل وضعوا الطلب في إطار إخراج مختلف، فقد أبدى رغبة " أعضاء الوزارة في زيارة المركز العام للإخوان ، فوجه الإخوان إليهم الدعوة" وتمت الزيارة ، ونشرت جريدة المصري، لسان حزب الوفد، وصفا شاملا لها في عددها الصادر بتاريخ 17 مايو 1943م، وكان مما كتبته: " أقام المركز العام لجماعة الإخوان المسلمين حفلة كبرى بداره بالحلمية الجديدة في الساعة السابعة من مساء أمس دعا إليها أصحاب المعالي الوزراء، فلبى الدعوة فؤاد سراج الدين، وزير الزراعة.. وعدد آخر من الوزراء ( ذكرت الجريدة أسماءهم) " وكان في استقبالهم فضيلة المرشد العام الأستاذ حسن البنا والأستاذ أحمد السكري وكيل الجماعة وبقية الإخوان وفرقة الجوالة الخاصة بهم.

وكان الإخوان يستقبلون كل وزير عند حضوره بالهتاف والتكبير( الله أكبر ولله الحمد) وعلى أثر وصول الوزراء حان وقت صلاة المغرب فأذن المؤذن وأم المصلين فضيلة المرشد العام. ولما كانت المصلى لا تتسع لجميع الذين حضروا فقد أدى العديدون الصلاة في الحجرات وفي حديقة الدار وخارجها، وقد فرشت بالبسط والحصير.

وتصادف أن حضر في هذه الأثناء وزير التموين الأستاذ أحمد حمزة فأدى الصلاة مع المصلين خارج الدار، فكان منظرا إسلاميا ديمقراطيا رائعا رؤية أصحاب المعالي الوزراء وهم بين الإخوان يؤدون صلاة المغرب في خشوع المؤمنين الصالحين وتابعت الجريدة وصفها للحفل وموائد الشاي والحلوى والمرطبات والخطب التي تبودلت بين الفريقين.

تهويل النحاس وتهديده لحسن البنا

لقد شكك المؤرخ المصري الدكتور عبد العظيم رمضان في أن يكون النحاس باشا قد ذكر لحسن البنا شيئا عن تهديد بريطاني بحل الإخوان ونفى زعمائهم، مع أن مصدر الرواية لم يكن حسن البنا وأنصاره حتى يقال أنها سيقت لتبرير موقف الإخوان، بل إن مصدر الرواية هو نص تقرير رسمي لرجال الأمن العام المصري الذين تجسسوا على رئيس الوزراء وزائره وقد نقله الدكتور رمضان بنفسه من ملفات الوثائق الحكومية القديمة المحفوظة في دار الوثائق القومية..

إذن .. لماذا يتشكك الدكتور رمضان أن يشكك في صحة تقرير رجال الأمن العام المصري، وماذا عساها كانت دوافع أجهزة الأمن المصري في تزوير التقرير؟ إنني لا أشك في صحة ما ورد في التقرير أو في أن النحاس قد قال ما نسب إليه بالفعل، إذ لا مصلحة لضباط الأمن في تزوير وقائع ذلك اللقاء. ويبدو أن الدكتور رمضان أراد من وراء تشكيكه أن ينفي معاداة الإنجليز للإخوان انسجاما مع حرصه على إثبات التهمة القائلة بأن الإخوان عملاء لبريطانيا، وهي تهمة لا شك في بطلانها.

ومع يقيننا بأن النحاس هدد حسن البنا فعلا وزعم له أن التهديد صادر في لأصل عن الإنجليز، إلا أننا نرجح- في الوقت نفسه- أن القصة كلها، أعنى قصة التهديد، كانت من اختراع الزعيم الوفدي، فقد أراد مصطفى النحاس تخويف حسن البنا لحمله على سحب ترشيحه، وذلك بعد رفض المرشد العام الاستجابة لطلبه وأصر على ممارسة حقه الدستوري، رغم إلحاح رئيس الوزراء. وهنا أسعف النحاس دهاؤه وخبرته في المناورات السياسية، فرأى أن التهديد باسم الإنجليز أبلغ في التخويف من ناحية، ولا يثير مشاعر الغضب والتحدي في نفوس الإخوان ضده وضد حزبه من ناحية أخرى ، سيما وأن بطل يوم 4 فبراير حرص على أن يبدو للإخوان في ثوب الصديق الذي يكن لهم ودا، ويحرص على حمايتهم، وعلى مصلحتهم، شفقة عليهم، وبدافع من ضميره.

إن مجرد دخول نائب من الإخوان بين ثلاثمائة نائب معظمهم من الوفديين الذين يؤيدون الحكومة على بياض، وبالتلقين، دون أي تفكير، لم يكن يحمل في طياته خطورة بالنسبة لسيطرة الوفد الكاملة على المجلس، بل إن الحوادث اللاحقة تؤكد أن الإنجليز لم يلجئوا غلى اعتقال حسن البنا أو حل حركته عندما عاد إلى ترشيح نفسه للانتخابات سنة 1944م، بل اعتمدوا على تزوير الانتخابات، وتزوير نتائجها بأيد مصرية، وهي عملية درجت عليها كثير من الحكومات الحزبية منذ عرفت مصر الأحزاب في عشرينيات هذا القرن الماضي. وبالإضافة إلى ذلك فإن لدينا مثالا واضحا على دهاء الإنجليز وحذرهم في مثل هذه المواقف، ألا وهو تصرف السفير البريطاني عندما أرادت النيابة ووزارة الداخلية المصرية تقديم حسن البنا للمحاكمة بتهمة طبع وتوزيع كتاب يهاجم بريطانيا بسبب سياستها وتصرفاتها في فلسطين.

ولقد اعترف حسن البنا بأنه فعل ما نسب إليه، وأنه مؤمن بما فعل، ومصر عليه، ووقع على نص اعترافه لدى وكيل النيابة" ورفع التحقيق إلى النائب العام، كما قدمت صورة منه غلى وزارة الداخلية.. وقامت وزارة الداخلية بتقديم صورة التحقيق غلى السفير البريطاني في انتظار كلمة ثناء منه.. وقرأ السفير التحقيق.ز وقال لصنيعتهم: إنك بهذا التحقيق قدمت لحسن البنا خدمة دون أن تدري.. أن أمنية هذا الرجل أن يقدم غلى القضاء ليتخذ من منصة الدفاع عن نفسه.. وسيلة غلى نشر أفكاره، وإلى التشهير بنا.. هذا التحقيق يجب أن يحفظ وأن يفرج عنه.. البنا في الحال. " وقد أفرج عن حسن البنا بالفعل قبل أن يمضي في الحجز أربعا وعشرين ساعة. وهذا الأسلوب الإنجليزي في حد ذاته ينفي قصة التهديد البريطاني الذي خوف به النحاس البنا وحمله على سحب ترشيحه للانتخابات.

  • وبجانب هذا فإن الباحث لابد وأن يتساءل: ماذا كانت حصيلة الأزمة بين حسن البنا والنحاس، وماذا كان هدف الوفد وهدف الإنجليز؟ وهل كان هدفهما واحدا؟

لقد كان هدف الوفد واضحا: أن تظل هيبته من حيث قوته الشعبية دون اهتزاز ، فقد أراد لقائمة مرشحيه أن تنجح كلها من غير أن يخترقها أي عنصر غير وفدي، حتى ولو كان نائبا واحدا. ولذا كن لابد من انسحاب حسن البنا. ولو افترضنا أن الإنجليز هم الذين تدخلوا فعلا وحملوا النحاس على ممارسته الضغط على الإخوان لكي يسحب مرشدهم ترشيحه، لو أن الإنجليز تدخلوا بهذه الكيفية فماذا كان هدفهم ؟ هل كان همهم أن يحافظوا على قائمة الوفد دون أن يخترقها أحد ؟ أم أنهم أرادوا إضعاف الإخوان وسد الطريق أمامهم حتى لا تقوى حركتهم وتنتشر؟

إن المنطق السليم يحملنا على القول بأن الإنجليز لو تدخلوا بالفعل، على النحو الذي ذكره النحاس، لكان تدخلهم من أجل إضعاف الإخوان، ومن أجل الحيلولة بينهم وبين العوامل التي تزيد من قوتهم ومن سعة انتشارهم. فأين هذه الفروض مما تحقق بالفعل، على أرض الواقع، نتيجة لاتفاق حسن البنا ومصطفى النحاس؟ والذي أعتقده أن دخول حسن البنا في عضوية مجلس النواب في تلك الفترة، مع ارتباط وتحالف الإخوان مع حزب الوفد الحاكم، مثل هذا التطور لو حدث- سيكون أكثر انسجاما مع أهداف السياسة البريطانية ، بحيث تتصرف هذه القوة الشعبية عن التحالف مع القوى المعادية ويقوي تحالفها مع القوة المصرية الحليفة، أي حزب الوفد وزعيمه.

ويخبرنا عن ذلك الأستاذ محمود عبد الحليم القيادي الإخواني، فيقول: إن حكومة النحاس كافأت الإخوان على انسحاب المرشد وما تلاه، بل أتاحت لهم حرية العمل الجماهيري ورفعت العراقيل من طريقهم، فتوسع نشاط الدعوة وحققت انتشارا واسعا ومكاسب كبيرة على الصعيد الشعبي ما كان لها أن تحققها لولا ذلك الاتفاق. فهل كان هذا هو ما أراده الإنجليز من تهديدهم بحل الإخوان ونفي زعمائهم خارج القطر، لو صدقنا صدور التهديد عن الإنجليز؟ هل أرادوا إضعاف الإخوان أم أرادوا تقويتهم؟ أم أن علينا أن نصدق بأن الإنجليز هم الذين فرضوا هذه السياسة لمجرد المحافظة على الفكرة السائدة بأن قائمة مرشحي الوفد لا يمكن أن يخترقها أحد.

لكل هذا فإنني أرى أن الحديث الذي ألقاه النحاس على مسامع حسن البنا كان تهديدا وتهويلا من عنده هو، وقد نسبه للسفير البريطاني للسباب التي ذكرنا آنفا. أما ما دفع به الدكتور عبد العظيم رمضان من استبعاده أن يظهر النحاس ضعفه أمام حسن البنا لإقناعه بسحب ترشيحه، واستشهاده بإنكار النحاس خضوعه لتوجيهات الإنجليز في اعتقال على ماهر، هذا الدفاع الذي ساقه الدكتور رمضان لا يعدو كونه مجرد تعليل سطحي،

  • وتفسير ذلك من وجهة نظري يكمن في النقاط التالية:

1- كان على ماهر زعيما بارزا، لكنه كان فردا ، لم يكن له حزب يدعمه، ولذا كان من السهل على النحاس أن يتبجح ويدعي بأنه اعتقله من تلقاء نفسه.

2- كان النقاش حول فكرة أن اعتقال على ماهر تم بأوامر إنجليزية ونفي النحاس للتهمة نقاشا جرى في العلن، وأمام السلطة التشريعية أعلى سلطة في البلاد أما في حالة حسن البنا فإن الأمر كان مختلفا:

أ‌- لقد كان حسن البنا زعيما لحركة شعبية ، تنافس في سعة انتشارها حزب الوفد،

ب‌- إن تهديد النحاس للبنا لو وضع في صيغة نحاسية وفدية فحسب، أي لو أنه نسب غلى النحاس وحده لما أخاف حسن البنا،

ت‌- إننا نرى في نسبة التهديد إلى الإنجليز إظهارا لعظم القوة الضاغطة على حسن البنا لإجباره على الانسحاب وليست إظهارا للضعف كما جادل الدكتور عبد العظيم رمضان. فقوة الوفد وحده لا تخيف حسن البنا لدرجة تحمله على الانسحاب، وقد تأكد هذا عمليا عندما رفض مرشد الإخوان أن يتنازل عن الترشيح استجابة لطلب النحاس، وأصر على ممارسة حقه الدستوري، وزاد التأكيد بأن الترشيح لا رجعة عنه أمام أي ضغط وفدي لأنه صادر عن الهيئة العامة للإخوان. ولكن قوة الوفد مضافا إليها قوة الإنجليز تعني شيئا آخر، جعل حسن البنا يحسب ألف حساب، ويقنع إخوانه بالموافقة على التنازل عن الترشيح.

ث‌- إن ادعاء النحاس الملفق بأن التهديد جاء من الإنجليز جرى بينه وبين حسن البنا في غرفة مغلقة وليس أمام البرلمان أو مجلس الشيوخ. والحديث في غرفة مغلقة أعفى الزعيم الوفدي من الشعور بأي حرج من نسبة التهديد غلى الإنجليز. ونستطيع أن نستنتج أن النحاس قد فكر في أنه إذا نجحت الخطة ورضخ حسن البنا فقد تحقق غرض الوفد بثمن بخس، وسيكون البنا حريصا على عدم إحراج رئيس الوزراء بحديث علني عن موضوع التهديد.

أما إذا رفض المرشد سحب ترشيحه ثم حاول التشهير برئيس الوزراء لائتماره بأمر الإنجليز في موضوع التهديد المزعوم فلن يكون لدى البنا دليل لإثبات ادعائه، وعلى العكس من ذلك سوف تكون لدى رئيس الوزراء القدرة والوسائل الضخمة التي تمكنه من نفي التهمة والتشهير بحسن البنا، خاصة وأن حالة الطوارئ معلنة وسارية .

الاستمرار في الدفاع عن الخطأ يعني التمسك بالأساليب الساذجة

يحدثنا الأستاذ محمود عبد الحليم عن اقتناعه- وهو القيادي الإخواني- بأن من بين الأهداف التي توخاها الإنجليز من تسليم الحكم إلى الوفد في 4 فبراير 1942" تحطيم الوفد نفسه والقضاء على سمعته.." ذلك أنهم كانوا يعلمون مدى تكالب الوفد على الحكم وتشوقه إليه، ويعلمون- في نفس الوقت- أن الذي يتولى الحكم في ظروف الحرب التي تلازمها دائما قسوة الحياة، وصعوبة وسائل التموين، مع تعرض البلاد للغارات.. كل ذلك سيخلق الكراهية في نفوس الشعب للجالس على قمة الحكم. وقد استطاع الإنجليز تحقيق هذه الأغراض جميعا حين أتوا بالنحاس إلى دست الحكم".

ولقد نقلنا من قبل قول الأستاذ عبد الحليم: " ولقد كانت دهشة الناس في مصر على أشدها حين رأوا الإنجليز يطلبون الوفد للحكم، ويجدون الوفد يسارع بالإجابة كأنما كانا على ميعاد.ز" فإذا كان الإخوان قد أدركوا هذا الشعور الشعبي أفلم يخطر ببال قادتهم أن مسلكهم- حين قبلوا ربط أنفسهم بالوفد في ظل الظروف التي عرفوا- يثير دهشة وأسى كل من كانوا يحسنون الظن بهم بل ودهشة وأسى كل باحث أو دارس يتصدى لدراسة تاريخ حركة الإخوان في قادمات السنين؟ إنه لمن المؤلم والمؤسف حقا أن يستمر قادة الإخوان في الدفاع عن أخطائهم، وأن يحاولوا إخفاءها عن منتسبي الدعوة وأنصارها. ولعلهم يتوهمون أنهم بهذا يحجبونها عن خصومهم، لكن الحقيقة المرة هي أنهم ينجحون فقط في توجيه عقول أبناء الدعوة بعيدا عن الواقع الموضوعي معتمدين على الثقة المفرطة التي تسود بين أفراد الإخوان وقياداتهم في العادة، أما الخصوم فلا تضلهم محاولات التعتيم الساذجة عن معرفة السقطات.

الإخوان يؤيدون إسماعيل صدقي باشا

إسماعيل صدقي سياسي عتيق، اشتهر بالشدة واللجوء إلى وسائل القمع، والاستهتار بالقواعد الدستورية. وكان قد تولى وزارة الداخلية أول مرة سنة 1924م أثناء تفاقم الأزمة بين الشعب المصري والاحتلال البريطاني بعد اغتيال السير لي ستاك باشا. ولقد بلغت سمعة إسماعيل صدقي درجة من السوء حملت حسن البنا على رفض القيام بإلقاء خطبة في حفل أقيم لاستقبال رئيس الوزراء، أي إسماعيل صدقي، عند مروره بالإسماعيلية أيام كانت حركة الإخوان ما زالت في طفولتها سنة 1248هـ / 1930م، وعندما كان حسن البنا شابا في مقتبل العمر، في الرابعة والعشرين ، غير معروف لجماهير المصريين. وقد هدد حسن البنا بالاستقالة من وظيفته الحكومية إن حاول ناظر المدرسة إجباره على أن يخطب أمام رئيس الوزراء المكروه.

إسماعيل صدقي هذا تولى رئاسة الوزارة مرة ثانية في شهر شباط ( فبراير) 1946م. ولكنه كان يفتقر إلى التغطية الشعبية، لأنه كان من السياسيين المستقلين منذ ترك حزب الأحرار الدستوريين، وكذلك لسوء سمعته السياسية. ولذا فقد جاء يسعى – بعد ترشيحه لمنصب رئاسة الوزراء- للحصول على دعم الإخوان لحكومته باعتبارهم هم القوة الشعبية الوحيدة التي تستطيع الوقوف في وجه الوفدـ وبجانب ذلك فقد كان صدقي- فيما أرجح- يعرف سذاجة الإخوان وسهولة خداعهم وإقناعهم.

ويخبرنا الأستاذ محمود عبد الحليم بلغته:" اتصل صدقي بالأستاذ المرشد وكاشفه باتجاه النية غلى اختياره لرئاسة وزارة غير حزبية لمفاوضة الإنجليز، وأنه أرجأ رده بالقبول أو الرفض حتى يعرض الأمر على الإخوان المسلمين وينتهي معهم على وضع معين. فصارحه الأستاذ المرشد: إن ما شاع بين الناس عن تاريخك السياسي قد يبعث على النفور منك، ولكننا نحن الإخوان المسلمين مقيدون بقول الله تعالى:" ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ) فنستمع إليك ونزن ما تقول بميزان دعوتنا.. " فرد صدقي بمهاجمة خصومه السياسيين، وأشار إلى أن سلوكه كان مرتبطا بالمرحلة السياسية السابقة، " أما وقد تطورت هذه الحياة السياسية، ونشأت فيها هذه الهيئة ( الإخوان) التي تقوم على الدين والخلق، فلا يسعني حين أتقدم إليها إلا أن أخلع الثوب الذي لبسته طول حياتي وأعلن لها توبتي وافتتاح صفحة جديدة..".

" طلب الأستاذ المرشد من صدقي باشا أن يمهله حتى يجمع الهيئة التأسيسية للإخوان ويعرض عليهم الأمر. والأمر في هذه الحالة يقتصر على أخذ رأي الهيئة فيما إذا كانت تقبل التفاهم مع رجل مثل صدقي باشا له ماض قريب، وقد جاء مقرا بأخطائه، معلنا التوبة، عازما على افتتاح صفحة جديدة" وقبلت الهيئة. وبين المرشد لصدقي الحد الأدنى من المطالب المصرية في أية مفاوضات مع الإنجليز الجلاء عن وادي النيل ووحدة مصر والسودان، وأعلن صدقي القبول ، وشكل الوزارة . ثم ماذا؟

ثم سير الإخوان مظاهرات ضخمة يوم 21 شباط (فبراير) 1946 م تأييدا لحكومة صدقي تطالب بالجلاء. وقد تصدى الإنجليز للمظاهرات بالعنف فسقط عدد من القتلى والجرحى ، وقد حمى الإخوان الحكومة من ضغوط الوفد وأفشلوا محاولاته لتنظيم إضراب في الجامعة، ولإثارة الشعب ضد الحكومة في أوائل شهر آذار ( مارس) 1946م.

لكن إسماعيل صدقي ما لبث أن نكل عن تعهده وأبدى استعداده للتنازل عن حقوق البلاد بعد أن رفض الإنجليز المطالب الوطنية، ولهث وراء الإنجليز في موقف ذليل. وعندما قاوم الإخوان هذا الانحراف استعمل أساليب القمع ضدهم، وحاول الإصرار على المضي في سبيله للتوقيع على اتفاقية مع الإنجليز مفرطا في حقوق البلاد، ولم يثنه عن ذلك إلا موجة من إلقاء القنابل على مراكز الشرطة حملته على تقديم استقالته.

لا مراء في أن اتفاق الإخوان مع إسماعيل صدقي باشا وتأييدهم لحكومته لا يقارن باتفاق حسن البنا مع النحاس سنة 1942م . بيد أن المسلك الإخواني في الحالتين كان يفتقر إلى الوعي السياسي ويستند إلى مبررات أسئ فهمها، وعلى التلهف والاستعداد لدفع أي ثمن سياسي في سبيل تحقيق أهداف وهمية. فلم يكن من الحكمة في شئ أن ينساق الإخوان في تأييد إسماعيل صدقي لمجرد إعلانه توبة كاذبة، ووعودا ما كان ينبغي أن تقبل ممن عرف عنه عدم الصدق.

لقد كان بوسع الإخوان أن يعدوا صدقي بعدم معارضته إلا أن ينحرف، وأن يعدوه بالتأييد العملي والتغطية الشعبية حين يرون منه الخطوات العملية القويمة في سبيل تحقيق الأهداف الوطنية، لا بمجرد وعد كلامي. أما الآية الكريمة التي سيقت لتبرير موقف الإخوان: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا " ليس هذا موضعها الصحيح، إن موضعها في ميدان معكرة حربية حسين يستسلم أحد جنود العدو ويعلن إسلامه. ذلك هو المعنى الذي يوضحه سبب نزول الآية الكريمة في موقف لأسامة بن زيد رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما إسماعيل صدقي فجاء ليتولى رئاسة الوزارة والسلطة على كل أجهزة الحكومة وجيشها وشرطتها وإدارتها وليحكم البلد. لم يجئ مستسلما وإن كان قد لبس جلد حمل. وعندما قرر السير في طريق الانحراف- بعد الاستسلام والتوبة المزيفة- كشر عن أنيابه المعروفة قديما، واستعمل أسلوب العنف والقمع ضد من استغفلهم وأظهر لهم استسلامه وتوبته المزعومة. لقد كان الإخوان في غنى عن الظهور بمظهر المطايا والأدوات في يد إسماعيل صدقي وحكومته.

الإخوان يفاوضون الإنجليز؟

وبينما كنت منغمسا وغارقا في إعداد هذه الدراسة التي بين يدي القارئ – بعد ما يقرب من ستين سنة من الأحداث التي نتناولها- وجدتني أمر بما كتبه الدكتور فريد عبد الخالق، من بين ما مررت به من مصادر ومؤلفات، حيث كتب . من ضمن ما رواه:

" .. وكان الإخوان قد تمكنوا من الوصول مع المستشار الشرقي للسفارة البريطانية إلى الجلاء غير المشروط.. ولكن الإنذار والتهديد البريطاني أوجد عنده( عند جمال عبد الناصر) استعدادا لقبول بعض الشروط.. "

إذن ، الأخ فريد عبد الخالق يعلم أن الإخوان فاوضوا الإنجليز بشأن موضوع جلاء قواتهم عن مصر، ونجحوا وتمكنوا من الوصول إلى موافقة بريطانية على الجلاء غير المشروط، إلا أن جمال عبد الناصر صار عنده استعداد لقبول الشروط من جراء خوفه من التهديدات البريطانية.

وحيث أن هذا الكلام قد صدر من جهة واحدة من طرفي الخلاف ( وهي الطرف الإخواني) ، فإن الباحث ملزم بالتدقيق التزاما أقوى ليصل إلى حكم صحيح يطمئن إليه، إما بقبول الرواية تماما، أو بتعديل المضمون حسب ما توصل إليه، أو بإبقائها موضع الشك والحاجة إلى مزيد من الفحص والتدقيق. وأول خطوات الفحص والتدقيق أن ننظر في النص متكاملا، بمقدماته وتوابعه، قبل أن نتجه إلى مصادر أخرى.

لقد بدأ الحديث عن الموضوع من أول صفحة 103 في كتابه تحت عنوان:

" اتهامات للتمهيد لضرب الجماعة"

" .. الضربة الأولى سددها جمال عبد الناصر لجماعة الإخوان المسلمين في أول يناير 1954م .. جاءت على أثر توقف المباحثات بين حكومة جمال عبد الناصر والإنجليز بخصوص الاتفاق حول الجلاء عن قاعدة قناة السويس، وتوجيه الإنجليز إنذارا إلى مصر يهددها باتخاذ إجراءات عنيفة عندما اختفى أحد أفراد السلاح الجوي البريطاني. وكان الإخوان قد تمكنوا من الوصول مع المستشار الشرقي للسفارة البريطانية إلى الجلاء غير المشروط، حيث تم الاتصال به استجابة لطلب مباشر من السفير البريطاني في القاهرة للتعرف على رأي جماعة الإخوان المسلمين فيما يرتضونه لنجاح مفاوضات الجلاء التي ستبدأ مع الحكومة، وسبق هذا الاتصال إخطار جمال عبد الناصر وموافقته عليه، والتفاهم المباشر بينه وبين المرشد في الموضوع، كما لحقه إخطاره بالنتائج أولا بأول، وإعرابه هو وبعض زملائه في زيارتهم للمرشد في منزله عن سرورهم بها.

ولكن الإنذار والتهديد البريطاني أوجد عنده استعدادا لقبول بعض الشروط، كما زكاه عنده تدخل زيارة وزير خارجية أمريكا لمصر ( كذا في الأصل ) وتأكيده موقف أمريكا السابق حينما استجابت لدعوة بريطانيا بحظر تقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية لمصر ورفضها للاتفاق معها، فافتعل حادثة للإخوان في جامعة القاهرة أثناء احتفالهم بذكرى أحد شهداء الإخوان، بأن أرسل مجموعة من الجنود، وبعض شباب هيئة التحرير ليفسدوا على الطلبة هذا الاحتفال، وتطور الأمر إلى صدام مسلح ضد الإخوان الذين تمكنوا- رغم ذلك- من إرغامهم على الفرار.

وفي هذه الليلة وقعت الواقعة، إذ هاجمت قوات الشرطة بيوت الإخوان، كما فتشوها، وأرهبوا النساء والأطفال بقسوة.. واقتادوا الإخوان مكبلين بالحديد إلى السجن الحربي ومعتقل العامرية..الخ..

هنا نجد الأستاذ فريد عبد الخالق - رحمه الله- يؤكد أن الإخوان تفاوضوا مع الإنجليز، لكنه لا يقف عند ذلك، بل يضيف أن الإخوان حققوا من خلال تفاوضهم أفضل مما ارتضاه جمال عبد الناصر فيما بعد، حيث أجبره الخوف على تقديم تنازلات وقبول شروط، على عكس مفاوضي الإخوان الذين" .. تمكنوا من الوصول .. إلى الجلاء غير المشروط.."

ونتيجة لذلك قرر جمال توجيه ضربة إلى الإخوان.. لماذا ؟

هل لأنهم حصلوا على نتيجة أفضل مما حصل عيه فضربهم بفعل الغيرة؟

أو خوفا من أن يأخذوا تقدير الشعب المصري وولاءه ويمنعوا ذلك عنه؟

أم لتطمين الإنجليز وإقناعهم بأن الإخوان تحت السيطرة؟

لم يبين لنا الدكتور فريد السبب، من هذه الثلاثة أو غيرها.

غير أن في هذه الرواية وهذا النص الذي نقلناه حرفيا ما لا يمكن غض الطرف عنه أو تجاهله أو المجاملة فيه.

إنه لما يثير العجب أن يقول لنا الدكتور فريد أن الإخوان فاوضوا الإنجليز بناء على طلب السفير – حسب النص المقتبس- الذي أراد أن يتعرف على رأي الإخوان قبل أن تبدأ المفاوضات المصرية البريطانية مع الحكومة المصرية، وليس مع الإخوان، بل للتعرف على " ما يرتضونه لنجاح مفاوضات الجلاء التي ستبدأ مع الحكومة.."

السفير إذن ، لم يرسل المستشار الشرقي للتفاوض مع الإخوان، بل أرسله للتعرف على رأي الإخوان. ولسنا نعرف إن كان الإخوان قد خطر ببالهم أن يفكروا في الهدف من سعي الإنجليز للتعرف على رأي الإخوان بيد أن من البديهي أنهم كانوا يبحثون عن نقاط الضعف في الجانب المصري ليستغلوها عند تفاوضهم معه.

فكيف فهم الإخوان أن المستشار جاء ليفاوضهم؟ وهل يعقل أنهم فهموا ذلك، وهل كان فهمهم ثقيلا لهذه الدرجة .

أم أن الإخوان سعوا للانخراط في المفاوضات من تلقاء أنفسهم وأخذوا دور الحكومة، ربما لأنهم لا يعترفون بأن تلك الحكومة تمثل الشعب المصري، ودون أن يدركوا أن الاتصال البريطاني كان بغرض التمهيد للتفاوض مع الحكومة المصرية، ليكون لدى المفاوض البريطاني فهم أفضل لوضع الجانب المصري، بما في ذلك موقف هذه القوة الشعبية المصرية الممثلة في الإخوان المسلمين؟

ومع ذلك قالوا: إنهم أخبروا الحكومة قبل القيام بذلك الدور، وكانوا يبلغونها بالنتائج.

وإذا كان الإخوان قد فهموا هذا الفهم، أو تجاهلوا هدف- أو أهداف- السفير من إرسال المستشار، وهو التعرف على رأي الإخوان، وحرصوا على أن يدخلوا هم في المفاوضات بدلا عن الحكومة، فهل نسي المستشار الشرقي حدود مهمته، أو تجاهل التعليمات التي أصدرها له السفير البريطاني، وانهمك في مفاوضات مع الإخوان من تلقاء نفسه كما فعلوا هم من تلقاء أنفسهم؟

أم أن السفير الذي جاء ليتعرف على رأي الإخوان موقفهم كان يستمع ويهز رأسه مظهرا الأدب، فاعتبروا ذلك إيماء بالموافقة أو قال لهم: هذا طيب this good أو مثل ذلك.

ألم تكن العلاقات متوترة بين الإخوان والحكومة منذ فصل جمال عبد الناصر المقدم عبد المنعم عبد الرءوف من الضباط الأحرار قبل الثورة بستة أشهر أو ثلاثة أشهر؟

ألم يكن التوتر موجودا عندما قال جمال للمرشد الهضيبي يوم 30 يوليو 52 أي بعد أسبوع واحد من حدوث الانقلاب، أو الثورة : " أنا لا أقبل وصاية أحد على الثورة"؟ ثم استمر التوتر يتصاعد بعد ذلك؟

أو لم يفكر الإخوان أن جمال الذي يخاصمونه – بغض النظر عما إذا كان الحق معهم أم معه- يمكن أن يناورهم ليورطهم مستغلا سذاجتهم وغفلتهم، كي يضعهم في موضع الاتهام، ثم يضربهم بقسوة؟

أم أن الإخوان أرادوا الدفاع عن أنفسهم ونفي تهمة التفاوض من وراء ظهر الحكومة، فجاء دفاعهم بهذه السذاجة، وبهذه الدرجة من الضعف والتناقض؟ لقد أعلنوا أنهم فاوضوا الإنجليز بينما الإنجليز أنفسهم لم يأتوا لمفاوضتهم، ولم يدخلوا معهم في مفاوضات ، ولكن الإخوان أنفسهم توهموا أنهم فاوضوا الإنجليز فأعلنوا ذلك، وتفاخروا بأنهم حققوا نتائج أحسن من تلك التي حققها جمال عبد الناصر ورجاله.

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الفصل الخامس

ممارسة العنف في العمل السياسي الداخلي

اتسمت الحياة السياسية في مصر- من بين ما ميزها من سمات- بصراع سياسي حاد لم يتقيد بحدود التنافس الواعي وإنما تعدى الحزبيون هذه الحدود وانغمسوا في صراع أضر بهم وبوطنهم وبجهادهم ضد الاستعمار. وعندما بلغ الإخوان نهاية المرحلة الأولى من سيرتهم الطويلة حوالي سنة 1938م كانت العناصر المستغربة أو العلمانية التي قادت نضال الشعب المصري منذ سنة 1919م ما زالت توجه دفة مسيرة الحياة الاستقلالية بالرغم من أنها " انتهت إلى التهادن مع الاستعمار الأجنبي بدل أن تتصدي لمقاومته.

لقد أغرتها مواقع السلطة والنفوذ التي احتلتها، كما وجهتها الامتيازات الطبقية التي حصلت عليها.." في هذه الأجزاء دخل الإخوان معترك الحياة السياسية في مصر حوالي سنة 1938م بكثير من الحماسة، وكثير من الإخلاص، وقليل من الخبرة ، وقليل من الوعي والإدراك، فانغمسوا في العنف إلى الأذقان. والعنف الذي نقصده هما هو الموجه ضد القوة السياسية المصرية المنافسة، ولا يدخل ضمنه جهاد الإخوان في فلسطين أو جهادهم في معارك منطقة القنال ضد القاعدة البريطانية سنة 1951- 1952م ، لأن ما قام به الإخوان في فلسطين والقنال ينبغي أن يكون محل تقدير وإعجاب. وبالرغم من أن هذه الأعمال قد تكون خالطتها بعض الأخطاء فإنه لا مجال لمناقشتها هنا. وعندي أن وضوح الهدف ووضوح الطريق هما اللذان أعطيا روح الإخوان الجهادية المتوثبة مجال انطلاقها الفسيح فأمكنهم إتمام إنجازاتهم المجلية في ميدان القتال.

أما تحركات الإخوان في الأحداث الداخلية لمصر فلها شأن آخر. ففي سنة 1946م شهدت القاهرة عددا من الهجمات التي تعرضت فيها مراكز الشرطة لإلقاء القنابل بهدف إسقاط حكومة رئيس الوزراء المكروه إسماعيل صدقي باشا ، وقد اضطر صدقي إلى الاستقالة. وبعد سنتين كانت القاهرة مسرحا لاشتباكات دامية ومتكررة بين الإخوان ورجال الشرطة، وذلك خلال سنة 1948 وامتدادا إلى الأشهر الأولى من عام 1949، حيث قام أفراد النظام الخاص باغتيالات ونسف وإلقاء قنابل.

وبينما كان بعض هذه الأعمال موجها ضد الوجود العسكري البريطاني، وبعضها الآخر ضد اليهود المصريين ، فقد استهدف منتسبوا " النظام الخاص" عددا من الشخصيات الحكومية المصرية. وقد وجهت التهم في أكثر هذه الحوادث للإخوان المسلمين، وللنظام الخاص بالذات، واعترفت المصادر الإخوانية بصحة الاتهام في عدد من هذه الأعمال، فكان من ذلك ما كتبه صلاح شادي إذ قال إن " السبب في كشف كل الأحداث التي قام بها النظام الخاص يعود إلى سوء التخطيط " بالإضافة غلى المغالاة في الطاعة.

وأضاف أن " حادث الخازندار، وحادث النقراشي، وحادث المحكمة، وحادث حامد جوده، وقبلها حادث النادي البريطاني- بغض النظر عن علم المسئولين بها أو عدم علمهم- لم تحظ بقدر كاف من التخطيط السليم ، وهذه الأحداث كانت أظهر من قام به النظام الخاص سنة 1948م، وما قبلها.. وكلها ضبط فاعلوها." ومن الواضح أن صلاح شادي – في تعليقه هذا- لم يقصد أن يعلن استنكاره لهذه الأعمال، بل إنه أراد انتقاد عبد الرحمن السندي- قائد النظام الخاص- والإزراء به والتهوين من قدراته القيادية. وفيما يلي نلقي نظرة سريعة على كل واحد من الأحداث التي شهدتها فترة 1948- 1949م.

أولا: اغتيال القاضي أحمد الخازندار

كان القاضي أحمد الخازندار رئيس دائرة الجنايات بمحكمة الاستئناف وكان يقيم في حلوان. وبينما كان خارجا من منزله صبيحة يوم 22 آذار 1948م متجها إلى المحطة ليركب القطار الذاهب إلى القاهرة اعترضه شابان وأطلقا عليه النار فصرعاه فورا. وكان هذان الشابان ، محمود زينهم وحسن عبد الحافظ، من الإخوان المسلمين، وقد " حكم عليهما بالسجن المؤبد في 22 نوفمبر سنة 1948م" وقد تبين أن إقدامهما على ارتكاب هذه الجريمة قد تم بغير علم المرشد، الأمر الذي ترك في نفسه أسوأ الأثر.

وأراد المرشد بادئ الأمر أن يتحقق مما إذا كان هذا الحادث نفذ بأمر السندي، ظنا باحتمال ارتكابه من قبل بعض الطلبة غير لمسئولين. " واستفسر الأستاذ البنا من مسئول قسم الطلاب فأكد له المسئول بأنه " لا يمكن أن يصدر لأحد من الطلاب أمرا بهذا الخصوص. وأخذ الغضب والأسف من المرشد كل مأخذ وهو يقول: إن هذا يعني تدمير الجماعة الذي قضى عمره في بنائها، وأن الرصاصات التي أطلقت على الخازندار إنما أطلقت على صدره هو، أي المرشد.

ولم يخفف من هول الحادث ما تذرع به السندي عندما ووجه برد الفعل هذا لدى المرشد، فادعى أن المرشد قال في مجلس عام: " إن القاضي يستاهل القتل .. جزاء على أحكامه القاسية ضد شباب ( من الإخوان) كانوا يحملون قنابل وضبطوا بها أمام نادي الجيش الإنجليزي قبل أن تنفجر ـ في حين حكما هو نفسه، أي القاضي على سفاح الإسكندرية الذي ارتكب الكثير من جرائم القتل وهتك الأعراض، ونشر الرعب في الإسكندرية بالسجن سبع سنوات فقط" قد ذهب السندي إلى أنه فهم من عبارة المرشد أنها إذن ضمني بقتل القاضي.

ثانيا: قتل اللواء سليم زكي ، حكمدار القاهرة

وفى الرابع من كانون الأول( ديسمبر) 1948م نظم الإخوان مظاهرة صاخبة في حرم جامعة القاهرة، وجاءت قوة من رجال الشرطة يقودها اللواء سليم زكي حكمدار القاهرة، وحدثت اشتباكات بين الطلبة والشرطة، فاعتصم عدد من الطلبة فوق أسطح المباني، وألقى أحدهم قنبلة أصاب بها اللواء سليم زكي فأردته قتيلا على الفور. ولم تتمكن سلطات التحقيق من توجيه التهمة لأي طالب بعينه، لكنها وجهتها إلى الإخوان بصفة عامة، لأنهم نظموا المظاهرة وقادوها .

وقد برر الإخوان قتل اللواء سليم زكي بدوره في قمع مظاهرة وطنية قام بها الطلبة يوم التاسع من شباط ( فبراير) 1946م. وكانت تلك المظاهرة المشار إليها قد انطلقت من جامعة القاهرة واتجهت إلى قصر عابدين احتجاجا على ما ظهر من نية بريطانيا على الاستمرار في احتلال مصر والتسويف في تحقيق المطالب الوطنية المصرية بالجلاء، ووحدة وادي النيل.

وقد ذكرت بعض المصادر الإخوانية أن مائة وستين طالبا أصيبوا بجراح بينما فقد ثمانية وعشرون طالبا كانوا يلقون بأنفسهم في النيل من شدة إطلاق الرصاص من قبل الجنود الذين قادهم اللواء سليم زكي. ويبدو أن اتهامات الإخوان لسليم زكي كانت مبالغا فيها لدرجة كبيرة، فقد تناول المؤرخ عبد الرحمن الرافعي- وهو محام مشهور ومن زعماء الحزب الوطني- حادثة كوبري عباس بالوصف والبحث دون أن يشير إلى الإخوان بالذات، فذكر أن عدد الإصابات بلغ أربعا وثمانين إصابة وأضاف أن إشاعات انطلقت مفادها" أن بعض الطلبة قتلوا فيها. وبعضهم غرقوا في النيل من أعلى الكوبري، وقد تحققنا أنه لم يقتل أحد ولا غرق أحد في هذه الواقعة بالذات، ولو قتل أو غرق أحد لذكر اسمه ولو بعد حين" . ولم تكن هذه المظاهرة إخوانية فقط، بل شاركت فيها كل القوى السياسية المعارضة.

كذلك أخبرني الدكتور محمد عبد الحي شعبان أنه كان من المشاركين في تلك المظاهرة ومن بين الذين أنيط بهم الإشراف على النظام. وأكد أنه كان عند فتحة الجسر، ولم ير أحدا من الطلبة يسقط في النيل. وقال إن عددا من الطلاب أصيبوا من جراء الضرب فأخذ بعضهم إلى عيادة الدكتور برادة- وكانت قريبة من المكان- فأسعفوا وذهبوا إلى بيوتهم. وقد سمع أن ثمانية من زملائه الطلاب أدخلوا مستشفي القصر العيني للعلاج، فذهب لزيارتهم فلم يجد أحدا. وقال إنه سمع إشاعات بعد ذلك عندما ذهب إلى قريته عن سقوط بعض الطلاب في النيل، ولكنه لا يعتقد بصحتها باعتباره كان مشاركا، وكان في موقف يسمح له برؤيته ما يحدث ومعرفته.

بل إن عبارة الأستاذ محمود عبد الحليم عن هذه النقطة توحي بالظن لا باليقين ، فهو يقول: " وقد أصيب 160 طالبا إصابات شديدة وفقد 28 طالبا كانوا يلقون بأنفسهم من فوق الكوبري في النيل من شدة الضرب بالرصاص " فهو لم يقل غرقوا ولا ماتوا بل قال فقدوا الكارثة." وهي كلمة قد تعني أنهم فروا ، وربما اختفوا عن الأنظار خشية الملاحقة.

وثمة شاهد إسلامي آخر، هو القيادي في النظام الخاص أحمد عادل كمال، قال إنه شهد المظاهرة، وكانت سليمة قادها الأخ مصطفى مؤمن، وحدث فيها ضرب وإصابات وقفز في النيل، " وقد شهدتها وأصابتني بعض هراوات الشرطة، لكن الذي أؤكده أن أحدا لم يقتل يومها، رغم أن كثيرين ألقوا بأنفسهم من فوق الكبري إلى النيل.. وفضت المظاهرة بعنف بالغ.." وأسفرت عن مئات الجرحى.

ثالثا: اغتيال رئيس الوزراء

ونتيجة لهذه الأعمال أصدر رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي، أمرا بحل جماعة الإخوان المسلمين في الثامن من كانون الأول ( ديسمبر) 1948م، ورد الإخوان على ذلك باغتياله في الثامن والعشرين من الشهر نفسه على يد الطالب عبد المجيد أحمد حسن، عضو الإخوان المسلمين الذي اعترف بأن الحادث كان انتقاما لما أنزله رئيس الوزراء بجماعة الإخوان وقد بذل المرشد العام حسن البنا " محاولات متعددة ومريرة .. في تجنب هذه الكارثة.." ولكن دون جدوى.

رابعا: محاولة نسف محكمة الاستئناف

وفي الثالث عشر من كانون الثاني( يناير) 1949م جرت محاولة قام بها أحد إخوان النظام الخاص لنسف مقر محكمة الاستئناف بميدان باب الخلق بمدينة القاهرة، وقد جرت المحاولة بأمر من عبد الرحمن السندي الذي كان معتقلا آنذاك على ذمة قضية أخرى عرفت بـ " سيارة الجيب" . وقد فشلت المحاولة لأن واحدا من الحراس تنبه لوجود الحقيبة المليئة بالمتفجرات، فسارع بنقلها إلى خارج المبنى، وما لبثت أن انفجرت بعد قليل محدثة فجوة عميقة في الميدان، وتلفا كبيرا في دار المحكمة وتكسير زجاج نوافذها. وأصيب من جراء الانفجار خمسة عشر شخصا أغلبهم من المارة. وقد دلت ملابسات هذا الحادث على أن المحاولة كانت تستهدف نسف مكتب النائب العام وما فيه من أوراق ووثائق تدين بعض.. أعضاء الجماعة.. وقد ضبط الجاني وحكم عليه في مارس سنة 1949م بالأشغال الشاقة المؤبدة".

خامسا: محاولة اغتيال إبراهيم عبد الهادي، رئيس الوزراء

وما لبثت حكومة إبراهيم عبد الهادي أن أعدت عملية اغتيال الإمام حسن البنا، فتم الاغتيال يوم 12 شباط ( فبراير) 1949م بأيدي رجال الأمن المتنكرين بثياب مدنية، وبموافقة القصر وتأييده بطبيعة الحال. وعلى أثر ذلك حاول الإخوان اغتيال رئيس الوزراء، فاستأجروا بيتا يقع على طريق انتقاله بين القاهرة وحلوان، وهيئوا فيه كمينا لتنفيذ العملية، غير أن خطتهم لم تكن بالدقة المطلوبة، فأثناء تربصهم بإبراهيم عبد الهادي مرت سيارة رئيس مجلس النواب، حامد جودة، فظنوها سيارة رئيس الوزراء، فأمطروها بالقنابل، وبصليات مدفع رشاش، لكنهم أخطئوا الهدف، واستطاع السائق أن يفر بمن معه دون أن يصاب أي منهما. بيد أن الحادث لم يمر دون ضحايا فقد قتل شخص عابر جره أجله إلى موقع العملية.

سادسا: إلقاء القنابل على الشرطة من المدرسة الخديوية

في السادس من كانون الأول( ديسمبر) 1948م تجمع طلبة المدرسة الخديوية( وهي مدرية ثانوية) في تظاهرة داخل المدرسة، وألقى أشخاص من بينهم قنبلتين على رجال الشرطة الذين كانوا يقفون خارج سور المدرسة، فأصيب ثمانية جنود بينهم ضابط، وقد اتهم أعضاء من الإخوان بالقيام بهذه العملية.

سابعا: ويدخل في إطار هذه الحوادث انسياق الإخوان لاشتباك مسلح في حرم جامعة القاهرة

في الثاني عشر من كانون الثاني ( يناير) 1954م، مع طلاب آخرين يتظاهرون تأييدا لحكومة الثورة، ومعهم أعضاء منظمات الشباب الحكومية، من خارج الجامعة. وذهبت الرايات الإخوانية إلى أن طلاب الإخوان انتصروا وقلبوا السيارة التي كانت تحمل مكبرات الصوت التي استخدمها الطرف الآخر وأحرقوها. وأجبروا خصومهم على الفرار. وقد اتخذت تلك الحادثة – مع غيرها- ذريعة لحل الجماعة.

هجمات ضد اليهود المصريين

وبجانب ذلك فإن الفترة ذاتها شهدت عددا من الهجمات ضد مؤسسات وأحياء يهودية وأجنبية في القاهرة والإسكندرية. ويبدو أن عددا من هذه الهجمات قد تم بأيدي الإخوان، وإن كانت السلطات الحكومية لم تثر هذا الاتهام. ونحن نستدل على نسبة هذه الحوادث إلى الإخوان مما كتبه الأستاذ صلاح شادي في معرض تعليقه على الاتهامات التي وجهتها الحكومة للإخوان في القضايا الأخرى باعتبارها مسوغات قرار حلهم. وقد بدا الأسف على صلاح شادي لأن بيان الحكومة لم ينسب هذه الهجمات الموجهة ضد اليهود إلى الإخوان كما فعل بالنسبة للهجمات الأخرى السابقة التي عددناها.

وظاهر أن الرائد شادي اعتبر تلك الهجمات التي أغفلت الحكومة نسبتها إلى الإخوان مدعاة فخر، وأن الحكومة أرادت أن تحرمهم منه، وفي ذلك قال: " وأخيرا من العجيب أن قرار الحل لم يشر إلى شئ من حوادث نسف حارة ( اليهود القرائين) أو حادث حارة ( اليهود الربانيين ) أو حوادث شركة الإعلانات الشرقية أو حوادث جاتينيو .. لأن السبب في هذه الأحداث كان كامنا في قبول النقراشي توقيع الهدنة الثانية مع اليهود في الوقت الذي كانت فيه كتائب الإخوان المسلمين تقذف فلذات أكبادها في فلسطين لحرب اليهود، فأراد النقراشي أن يسدل ستارا من التعتيم على قرار الهدنة الذي كان يمهد له".

هذا النشاط الحركي الذي مارس الإخوان خلاله العنف الذي ذكرنا لم يخضع حتى الآن لدراسة علمية من جانب كتابهم للاستفادة مما فيه من عبر ودروس. لقد اكتفى الإخوان حتى الآن بالنظرات العاطفية السريعة وأطلقوا الاتهامات والتفسيرات التي تعينهم على استبعاد أي إدراك لأخطائهم. وما دام الاستعمار هو الذي يسعى لتدمير الإسلام ممثلا في حركة الإخوان المسلمين فإن أعداء الإسلام لا يحتاجون إلى دوافع غير رغبتهم الجامحة وعدائهم الحاقد على الإسلام. ذلك هو جل ما توصل له الإخوان المسلمون أفرادا وجماعة لتفسير الأحداث.

ولقد برر الإخوان لأنفسهم هذه الأعمال ضد السلطة باعتبار أنها سلطة فاسدة تعمل مع العدو الأجنبي ضد مصلحة البلد وهي سلطة غير إسلامية، بل معادية للإسلام الحقيقي. ومن هنا وجدوا المبررات الدينية والوطنية لهذا اللون من النشاط. أما الهجمات التي استهدفت اليهود ومؤسساتهم فلم يكن لدى الإخوان ما يدفعهم لمساءلة أنفسهم عن شرعيتها من الناحية الإسلامية أو الوطنية، فاليهود يرتكبون المذابح ضد المسلمين في فلسطين، والشركات اليهودية تسيطر على قطاعات هامة من الاقتصاد المصري. ومن الحق أن نقول أن عملية مهاجمة اليهود كانت تلقى التأييد الشامل من الجماهير في البلاد العربية كرد فعل لما قامت به العصابات الصهيونية وما كانت تقوم به ضد الشعب الفلسطيني. غير أن موقف حركة الإخوان بشعاراتها وأهدافها وما يفترض فيها من وعي، وأهلية مفترضة لقيادة الشعوب الإسلامية، لا يجيز أن تكون نظرتها ومواقفها وتحركاتها محكومة بالانفعالات التي تحكم سلوك عامة الناس.

لا مراء في أن الشعوب تمارس الاحتجاج على تصرفات الحكام، وتمارس الضغط عليهم أحيانا، بل قد تنفجر عمليات عنف على نطاق ضيق من النوع الذي مارسه الإخوان في مصر، وفي بلدان أخرى غير مصر في بعض الأوقات أيضا. إن الشعوب تلجأ إلى الاحتجاج عن طريق تقديم العرائض، والشكاوي، عن طريق التظاهر، عن طريق الإضراب. وقد عرف تاريخ المسلمين في القرون الماضية أمثلة من هذه المقاومة كما عرفها تاريخ البشرية منذ العصور القديمة.

ولقد مارسها الإخوان أيضا، قبل ومع ممارستهم لأعمال العنف التي عددنا. ولو أن الإخوان اكتفوا بأساليب الاحتجاج التي لا تصل إلى استعمال الأسلحة والقنابل والحرائق في ممارستهم داخل بلدهم ومجتمعهم، لو أنهم التزموا هذا الحد إذن لجنبوا أنفسهم ومجتمعهم ما أوقعوه فيه من كوارث، ولحفظوا سمعة حركتهم مما شانها. أما حين يقررون أن النظام فاسد فسادا لا رجاء في إصلاحه.

وأن الأبواب كلها مسدودة في طريق أي إصلاح سلمي فعال بقوة السلطة الغاشمة المستبدة، فقد كان عليهم ألا يقدموا على أي عمل عنفي إلا من خلال قرار مدروس، وخطة شاملة ومعركة فاصلة تشاركهم فيها الأمة أو – على الأقل- تؤيدهم أغلبيتها وتتعاطف معهم. وأي خروج عن هذه الدرجة من الانضباط يعني تبديد الطاقات والإمكانات وإعطاء الخصم الفرصة والمبرر للانقضاض على الدعوة وتحطيمها قبل أن تبلغ مستوى يمكنها من المواجهة الشاملة التي تتوافر لها عناصر النجاح، وبذلك يضيعون على أنفسهم فرصة التغيير الشامل، فحادثة اغتيال القاضي أحمد الخازندار، رئيس دائرة الجنايات بمحكمة الاستئناف لا تزيد عن عملية انتقام من هذا القاضي الفرد عقابا له على حكم أصده ضد الإخوان، وهو مقيد بنصوص القانون، فضلا عن ضغط الظروف السياسية القائمة في مصر.

وقد كان رد الفعل الإخواني بعيدا عن التروي والتفكير وقد استنكره الإمام حسن البنا واعتبره عملا يفتح الطريق لتدمير الجماعة التي " قضى عمره في بنائها وأن الرصاصات التي أطلقت على الخازندار إنما أطلقت على صدره هو أي صدر حسن البنا".وقد أكد لي بنسبة هذا الكلام وهذا الموقف إلى حسن البنا عدد من الإخوان غير محمود عبد الحليم.

أما إلقاء القنابل على رجال الشرطة في حرم الجامعة وقتل مدير شرطة القاهرة اللواء سليم زكي فلا يقل سوءا وطيشا عن حادث القاضي الخازندار. اللواء سليم زكي ومن معه من ضباط وأفراد الشرطة، كان يؤدي واجبه الرسمي المكلف به، حفظ الأمن، ولم يكن يستطيع التخلف عن ذلك. ولو كان هناك أي ضابط آخر غيره في منصبه فلن يستطيع أن يتخلف عن ذلك أيضا، وقد صرع وهو يؤدي واجبه الرسمي.

فإذا أصدر رئيس الوزراء بعد ذلك بأربعة أيام قرارا بحل جماعة الإخوان المسلمين فإن مثل هذا القرار كان يمكن أن تتخذه أية حكومة وجدت في السلطة ضد أية جماعة أو حركة مارست مثل هذه الأعمال ، حتى لو كانت الحكومة من الإسلاميين. ثم تواصلت حلقات ردود الفعل، فبعد عشرين يوما أقدم أحد الإخوان على اغتيال رئيس الوزراء انتقاما منه لإقدامه على حل الجماعة.

وقد برر بعض الإخوان عملية اغتيال النقراشي بأن حل الجماعة ترك أفرادها دون قيادة تضبط تصرفاتهم، فضلا عن استهدافهم للاضطهاد والمطاردة المثيرة، فإذا أقدم أحدهم على قتل رئيس الوزراء الذي أصدر قرار الحل فإن المسئولية الأولى تقع على رئيس الوزراء نفسه، حسب تصورهم. ولقد نسي أصحاب هذا المنطق أن يسألوا أنفسهم عن سبب عدم ضبط قيادة الجماعة لسلوك أفرادها وعدم منعهم من اغتيال القاضي الخازندار، واغتيال مدير شرطة العاصمة.

لقد وضع الإخوان بهذه العمليات أنفسهم في مركز الخصم والحكم والمنفذ للحكم في آن واحد، ومن عجب أن الأستاذ محمود عبد الحليم اعتبر قرار النقراشي بحل جماعة الإخوان المسلمين مؤامرة عالمية، خطط لها الاستعمار، واختار لها التوقيت كما اختار لها المنفذ، وهو رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي، ولم ير رابطا بين القرار المذكور واغتيال القاضي الخازندار، والحكمدار اللواء سليم زكي، وامتلاك الإخوان لأسلحة وقنابل وقوة عسكرية استعملوها ضد السلطة، وأن الحكومة رجحت احتمال أن يكرر الإخوان تلك الأعمال في أي وقت، على غرار حادث الخازندار وسليم زكي وحدث التكرار بالفعل.

واستمرت ردود الفعل من الجانبين فأقدم الإخوان على محاولة نسف محكمو الاستئناف لإتلاف وثائقها كما ذكرنا، وأقدمت السلطة على اغتيال حسن البنا، وبعد ذلك دبر الإخوان عملية لاغتيال رئيس الوزراء إبراهيم عبد الهادي، الذي خلف النقراشي، والذي اعتبروه مسئولا عن اغتيال الإمام الشهيد، كما ذكرنا قبل قليل. ولا مراء في أن اغتيال حسن البنا كان جريمة بكل المقاييس، إذ كان يفترض أن يقدم للقضاء، وأن تحدد العقوبة ضده محكمة مختصة إن وضعته سلطات التحقيق القضائي في وضع الاتهام.

لم يحدث في التاريخ الحديث أو القديم، كما لم يحدث في عصور التاريخ الإسلامي أن قبل نظام حكم ما وجود قوة لها أداة عسكرية تستخدمها في داخل الدولة ولا تخضع لحكم وأوامر النظام القائم أو الهيئة الحاكمة المتمتعة بصفة الشرعية من وجهة نظر جمهور الأمة، أو حتى من وجهة نظر الحاكم المستبد نفسه. وإذا وجدت هذه القوة فجأة فإن الهم الأول للهيئة الحاكمة كان يتركز عندئذ في محاولة إخضاعها أو القضاء عليها بأسرع ما يمكن.

ولعمري لقد شكل الإخوان في مصر قوة كبيرة بقياسات ذلك الزمن، وكان لهذه القوة نظامها الخاص، أي الجهاز السري الذي حرصت على تدريبه وتسليحه، كما كان لها نظام الجوالة، الذي أنشئ باعتباره فرقة كشفية- من الناحية الرسمية- ولكنه كان يدرب تدريبات أقرب إلى العسكرية، والأهم من ذلك أنه كان يربي على الروح القتالية والجهادية البالغة الحماسة، ابتداء من سنة 1357هـ/ 1938م، وكان له نشيد حربي حماسي يردده الإخوان مصحوبا بقرع الطبول والموسيقى العسكرية المثيرة لمزيد من التحمس ، مطلعه:

هو الحق يحشد أجناده

ويعتد للموقف الفاصل

فصفوا الكتائب آساده

ودكوا به دولة الباطل

وقد ذكر أن هذا النشيد من إنشاء الأستاذ عبد الحكيم عابدين رحمه الله، الذي كان من أبرز القيادات الإخوانية، وشغل موقع الرجل الثاني في الجماعة فترة من الزمن، وهو صهر الإمام البنا. كل هذه الأدوات كانت من ضمن ما أعدته الجماعة لتحركاتها الحربية الداخلية، من غير أن يمتلك الإخوان، وتمتلك قيادة النظام الخاص أية درجات مناسبة من الوعي تمكنها من تلافي سوء الاستخدام والممارسة.

لقد كانت الفكرة الأساسية أن الجهاد سيكون موجها ضد الاحتلال الأجنبي، بيد أن الممارسات الفعلية انزلقت وتحولت فصارت ضد السلطات المصرية وضد موظفي الدولة. ولا ينبغي أن ننسى أو ينسى القراء أن الإخوان أعلنوا تغييرا في مواقفهم السياسية، أو إستراتجيتهم ، حسب التعبير الشائع، وبينوا أنهم تركوا سياسة عدم الاصطدام والمجابهة، واختاروا سياسة المجابهة بكل ما تعنيه من استعداد للاضطهاد والتشريد والسجن والقتل والتضحية وبذل النفوس رخيصة في سبيل الله، وذلك في بداية المرحلة الثنية من مسيرتهم، سنة 1938م. وقد اعتبر الإخوان أن مجابهتهم ستكون ضد جميع الأحزاب وجميع الحكومات التي ترفض الانصياع لهم.

وعلى الرغم من ذلك فقد ظلت حركة الإخوان تمارس أنشطتها في حرية نسبية، حتى داخل الجيش والشرطة، وبصورة علنية، إلى أن بدأت في استعمال قوتها العسكرية ضد الحكومة ومؤسساتها. واستعمال القوة العسكرية من جانب الإخوان لإجبار السلطة القائمة على اتباع الخط الذي يريدونه أو لمنعها من اتباع الخط الذي لا يريدونه يعني سلبها اختصاصها الأول والأهم، وإلغاء وجودها. ولذا فإن السلطة تحارب حرب حياة أو موت، وتدخل في معركة فاصلة تجند لها كل إمكاناتها المادية والمعنوية، من شرطة وجيش وأسلحة وأجهزة إعلام، وسلطات وعلاقات وشرعية رسمية وإغراءات مادية وغير ذلك من الأساليب.

فإذا تذكرنا أن الإخوان أعلنوا الحرب على جميع الأحزاب والسياسيين، حربا لا هوادة فيها، قبل تلك الأحداث بسنين تبين لنا السبب الذي جعل أعمال الحكومة تلقى كثيرا من التأييد. وحتى عامة الشعب التي اعتبر الإخوان أنفسهم ممثلين لها ومعبرين عن مصلحتها وقفت تساند إجراءات الحكومة وتؤيدها، ليس في عهد عبد الناصر فحسب، بل وفي عهد النقراشي وإبراهيم عبد الهادي. لقد دفع الإخوان السلطة إلى القيام بتعبئة كل قواها والدخول معهم في معركة فاصلة، بينما كانوا هم أنفسهم يقومون بعمليات جزئية صغيرة بدافع ردود الفعل.

ولا مراء في أن حل الإخوان والقضاء عليهم كان يرضي الإنجليز وكثيرين غيرهم، بيد أن الاتكاء على ادعاء وجوده مؤامرة، ومحاولة تغطية مسئولية الإخوان وتمويه أخطائهم يمثل محاولة ساذجة للخروج من النور إلى الظلام، من الوضع الذي يمكنهم فيه دراسة أفعالهم السابقة بدقة وموضوعية من أجل اكتشاف أسباب التعثر، إلى الوضع الذي يقفزون فيه على الحقائق أو يضعونها خلف ظهورهم أو يغمضون عيونهم عنها. أما بعد قيام الثورة ومجيء عبد الناصر إلى السلطة فقد كانت تصرفات الإخوان أوغل في الخطأ ، كما سنرى في الصفحات القادمة، في فصل تال من هذا الكتاب.

عودة إلى الهجمات ضد اليهود المصريين

بقيت نقطة واحدة لم نتعرض لها بالتعليق وهي مسألة الهجمات التي تعرضت لها الأحياء والمحلات اليهودية في مصر، وقد أشرنا إليها باقتضاب قبل قليل. لقد قلنا أن تلك الهجمات كانت تلقى تأييدا جماهيريا واسعا في مصر والدول العربية المستقلة، وكل ذلك كان رد فعل للمذابح التي ارتكبها الصهاينة في فلسطين، وأشرنا إلى أن الحركة الإسلامية كان ينبغي عليها أن تتصرف بوعي وبمسئولية أكبر، ونعود الآن إلى جلاء هذه النقطة بوضوح:

اليهود المصريون في المفهوم الإسلامي التاريخي القديم أهل ذمة، يجب على السلطة القائمة أن توفر لهم الحماية وتردع كل من ينالهم باعتداء، وإذا أجرم بعضهم أو أكثرهم أو كلهم فإن السلطة القائمة أيضا هي وحدها المخولة بمعاقبة المسيء بالصورة التي تحقق العدل ومصلحة المجتمع الإسلامي.

أما في المفهوم الوطني المصري في إطار النظام الملكي الدستوري الليبرالي الذي كان قائما في منتصف القرن العشرين، فقد كان اليهود هناك مواطنين مصريين، يحميهم الدستور المصري والقوانين المصرية وتضطلع السلطة الوطنية القائمة المكونة من الملك والوزارة والهيئات التشريعية والسلطات القضائية وأجهزة الأمن بالحماية. فإذا أجرم أحد من اليهود المصريين أو أقلية أو أكثرية منهم كان على تلك السلطة الوطنية نفسها أن تعاقب المجرمين، وتبرئ غير المجرمين وتحميهم.

وليس ثمة شك في أن بعض اليهود المصريين أو كثرة منهم قد تعاطفت مع اليهود الصهاينة في فلسطين وعاونتهم في تنفيذ جرائمهم ولكن حتى تنزل العقاب بالمجرم- سواء حسب المفهوم الإسلامي أو حسب المفهوم الوطني- فلابد أن تحدد المجرم، وتثبت ارتكابه للجريمة، ثم تتولى السلطة صاحبة الاختصاص تحديد نوع العقوبة ومقدارها ومدى شمولها، ثم تقوم أجهزة التنفيذ بتطبيقها. ذلك هو المنطق الإسلامي والإنساني على السواء، وأي خروج عليه يعتبر خروجا على مبادئ الإسلام والوطنية والإنسانية.

وهنا يجمل بنا أن نذكر مثلا حيا على سبيل المقارنة، بين موقف متحمس ولكنه يتسم بالوعي وبين مواقف الحماسة العفوية الساذجة، ففي الفترة بين 17/ 12/ 2008 و 18/ 1/ 2009 انطلقت موجة إسرائيلية من ممارسة العنف المسرف في قمع الشعب الفلسطيني المحاصر في قطاع غزة، وقد تعاطفت الشعوب العربية والإسلامية، وشعوب أخرى حول العالم، مع الضحية وكانت تركيا، الشعب والدولة، من بين الدول والشعوب التي ظهر فيها هذا التعاطف.

وفي أثناء ذلك ظهرت من بعض العناصر نقمة عامة وإدانة ليس لإسرائيل وحكامها الصهاينة، ولكن لليهود بصفة عامة، وهنا تدخل رجال الدولة المعروفون بمرجعيتهم المزدوجة ( الإسلامية والعلمانية) ، تدخلوا لتصويب هذا الخطأ وترشيد الوعي الشعبي، فسارع رئيس الوزراء كما سارع رئيس الجمهورية بتخطئة التعبيرات والمشاعر التي تجاوزت الحدود، وكان مما قاله الرئيس التركي عبد الله قل في مؤتمر صحفي عقده لهذا الغرض: إن إسرائيل والمواطنون اليهود الأتراك شيء آخر، وأضاف : " إن مواطنينا اليهود يتساوون معي ومعكم، إن أيا منهم له الحق أن يصبح نائبا في البرلمان التركي، وأن يصبح رئيسا للجمهورية. إن كل مواطن من مواطني الجمهورية له حقوق متساوية مع حقوق المواطنين الآخرين، وأي تمييز ضد اليهود الأتراك غير مسموح به، إن إسرائيل شيء والمواطنون اليهود في تركيا شئ آخر، ولا ينبغي الخلط بينهما". ومن ناحيته أدان رئيس الوزراء التركي رد الفعل العاطفي غير الواعي، بينما كان يحذر إسرائيل من جرائر عدوانها على الشعب الفلسطيني في غزة.

ولو أننا درسنا النتائج العملية التي ترتبت على الهجمات التي انطلقت ضد يهود بعض البلاد العربية المستقلة آنذاك- ردا على المذابح التي ارتكبها الصهاينة في فلسطين- لتبين لنا مدى الخطأ في ذلك، فلقد أدى ذلك الضغط غلى هجرة أكثرهم غلى فلسطين، وهناك زادوا القوة البشرية للدولة الصهيونية وأصبح أفرادهم يشكلون نسبة كبيرة من أفراد الجيش الإسرائيلي.

وهناك تقارير ومعلومات مؤكدة تفيد أن الحركة الصهيونية بذلت جهودا كبيرة لحمل يهود البلاد العربية على الهجرة إلى فلسطين واستعملت لتحقيق هذا الغرض وسائل الضغط والإرهاب والتوريط، ولم يستثنوا أية وسيلة، وفعلوا الشيء نفسه لتسريع هجرة اليهود من كثير من البلاد غير العربية، وغير الإسلامية، بما في ذلك الاتحاد السوفيتي السبق الذي كان دولة عظمى. ومعنى ذلك أن ضغط بعض العرب على مواطنيهم اليهود خارج فلسطين خدم الهدف الصهيوني الإسرائيلي من غير قصد واستهداف، وكان ضد المصلحة الفلسطينية والعربية بشكل عام. ومنذ سنوات الخمسينات في القرن الماضي صار المتحدثون الإسرائيليون في الأمم المتحدة وغيرها من المنابر يستخدمون موضوع هجرة يهود البلاد العربية في تصريحاتهم الدعائية ضد المطالبة العربية بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بلادهم ، ويعلنون أن ما تم من الهجرة بالنسبة للجانبين كان نوعا من تبادل السكان، كما حدث في بلاد أخرى كثيرة.

وقد استمر استخدام الإسرائيليين لهذا الادعاء بعد ذلك وما زال، وممن استخدمه بشكل خاص شيمون بيرز في كتابه الشرق الأوسط الجديد، الذي أصدره في تسعينات القرن الماضي بعد أوسلو. لقد نفى شيمون بيرز أن يكون الجيش الإسرائيلي قد رحل الفلسطينيين من أرضهم ، وزعم " أن ما حدث كان نتيجة لم يخطط لها تمخضت عنها الظروف المأساوية للحرب وسط دعوات من قادة الدول العربية للفلسطينيين بأن يفروا. وقد هرب ما يقرب من ستمائة ألف فلسطيني من إسرائيل خلال حرب 1948م، خلال حرب الاستقلال، في حين أننا استوعبنا عددا مساويا من المهاجرين اليهود الذين هربوا إلى هنا ( أي إسرائيل) من البلاد العربية، وكانوا حوالي ستمائة يهودي من أصل مجموع السكان الذين بلغ عددهم حوالي تسعمائة وأربعين ألفا.

وقد تم استيعاب اليهود اللاجئين من البلاد العربية في إسرائيل فورا ، وأعطيت لهم كامل الحقوق المتساوية، بينما احتفظ باللاجئين الفلسطينيين في مخيمات اللاجئين.. " غير أن السيد شيمون بيرز لم يقل الحقيقة، بل حاول تغييبها في إطار من المغالطات التي توقع أن تقنع قراءه من الغربيين. ذلك أننا إذا رجعنا إلى ما كتبه المؤرخ الإسرائيلي بيني مورس Benny Morris نجده يخبرنا" أنه لم يجد أي دليل معاصر ( للأحداث) يظهر أن قادة الدول العربية، أو المفتي ( الزعيم الفلسطيني محمد أمين الحسيني) أمروا أو شجعوا بصورة مباشرة الهجرة الجماعية للفلسطينيين في شهر نيسان ( أبريل 1948م) .

ومما تجدر ملاحظته ( وهذا قول بينى مورس) أن سياسات القادة الفلسطينيين العرب ظلت طوال عقود تدعو إلى الثبات والتمسك بتراب فلسطين، وإلى مقاومة محاولات إخلاء وتهجير السكان العرب" ومن المعروف أن بينى مورس اعتمد اعتمادا كليا على دراسة وثائق أرشيفات منظمة الهاجانا، ووثائق الجيش الإسرائيلي، ووثائق سلطة الحكم الذاتي الصهيونية قبل إعلان الاستقلال وقيام الدولة في منتصف أيار 1948م.

والظاهر أن بيرز وقع في خطأ يتعلق بالأرقام، فعندما قال لنا إن ستمائة ألف من يهود البلاد العربية هربوا إلى فلسطين في النصف الأول من عام 1948م وصاروا ضمن تسعمائة وأربعين ألفا هم جملة عدد اليهود في فلسطين في شهر نيسان ( أبريل) من سنة 1948م عند إعلانهم الاستقلال فإن هذه الأرقام تكشف لنا أنه كذب متعمدا، لأن عدد المهاجرين الذين وصلوا عند إعلانهم الاستقلال فإن هذه الأرقام تكشف لنا أنه كذب متعمدا، لأن عدد المهاجرين الذين وصلوا من البلاد العربية لم يكن ستمائة ألف، بل كان اقل من ذلك بكثير، في حدود بضعة آلاف. ففي سنة 1922 كان عدد اليهود في فلسطين – حسب الإحصاء البريطاني الرسمي في السنة الأولى من عهد الانتداب- 83,790 بينما قدر عددهم بين سنتي 1916- 1918 بـ 56,000 والفرق هو عدد الذين دخلوا فلسطين بمجرد سيطرة القوات البريطانية عليها وطوال الأربع سنوات التي سبقت إعلان نظام الانتداب وبداية تطبيقه.

وفى آخر سنة 1944 كان عدد اليهود قد ارتفع إلى 554,000 حسب الإحصاء البريطاني. فإذا أضفنا موجات الهجرة اليهودية التي تدفقت على فلسطين بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بين سنتي 1945 و 1948 وطرحنا ذلك من الرقم الذي ذكره بيرز ( 940 ألفا مجموع عدد اليهود منتصف عام 1948) فإننا ندرك أن عدد المهاجرين اليهود من البلاد العربية في الفترة التي ذكرها لا يزيد عن بضعة آلاف.

وقد اكتشف العرب خطأهم متأخرين بالنسبة للضغط على مواطنيهم اليهود في موجة رد الفعل على ما تعرض له أهل فلسطين على أيدي العصابات الصهيونية. وحين اتضحت النتائج للقيادات الفلسطينيين وتوصلت إلى هذا الاقتناع " قدمت حركة المقاومة الفلسطينية، في منتصف العام 1975م مذكرة إلى الملوك والرؤساء العرب اقترحت عليهم فيها، تبني خطة متكاملة لتنظيم الهجرة اليهودية المعاكسة من إسرائيل.. وإعادتهم إلى الدول العربية التي نزحوا منها.

وحينئذ أصبحت المسألة مطروحة عمليا وواقعيا، إذ بادرت بعض الحكومات العربية إلى تبني اقتراح حركة المقاومة ودعوة اليهود العرب إلى العدة، في حين كفت حكومات أخرى عن دراسة الموضوع جديا " وقد عاد عدد قليل من اليهود المغاربة والعراقيين إلى بلادهم، وهذا يقطع بأن الضغط الذي مارسه بعض العرب ضد مواطنيهم اليهود وساهم في حملهم على الهجرة كان خطأ. ولست أعني أن الإخوان كانوا مسئولين عن كل ذلك، لقد كانوا مشاركين فقط. لقد كان جزءا من هذا الموقف العاطفي وتعبيرا عنه. وقد جرى مثله في بلاد عربية أخرى على أيدي غير الإخوان المسلمين كذلك. وكل ما نريد قوله هنا إنه كان على الإخوان المسلمين – باعتبارهم أنفسهم حركة إنقاذ إسلامي- أن لا ينساقوا مع العواطف وأن يكونوا أبعد نظرا من عامة الجماهير.

ولا يفوتنا أن نشير إلى أن كثيرين من اليهود لهم دوافع أخرى قوية للهجرة، منها الدعاية الصهيونية أو التعصب الديني أو الضغط الصهيوني. ومع ذلك فكثيرون من اليهود كان يمكن أن يظلوا حيث هم لم يتعرضوا للضغط، والدليل أن معظم مواطني غرب أوربا وأمريكا الشمالية من اليهود لم يهاجروا إلى فلسطين المحتلة على الرغم من كل الدعاية الصهيونية، وكذلك الأمر بالنسبة للمواطنين اليهود في بعض الدول العربية.

ولقد كانت الهجرة كبيرة وشاملة كلما عانى اليهود ضغطا أو حياة قاسية، سواء في الأقطار العربية أو غيرها، بل إن نشأة الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر كانت نتيجة لما تعرض له اليهود من اضطهاد في روسيا القيصرية ، ومن روسيا جاءت معظم القيادات الصهونية. فضلا عن أعداد كبيرة من المهاجرين الروس بعد انهيار الاتحاد السوفييتي . ومع ذلك فإن من اللازم التنبيه إلى أن مجموع اليهود الذين هاجروا من البلاد العربية لا يشكل إلا نسبة قليلة مع الملايين الذين جاءوا من دول أخرى كثيرة، غير عربية، خاصة من الاتحاد السوفييتي السابق.

إن دور الإخوان المسلمين في الدفاع عن فلسطين من أبرز النقاط المضيئة في سجل تاريخهم، ومثل هذا يقال أيضا عن دورهم في معركة القناة سنة 1951م. ولقد كان هذا الدور موضع تقدير الشعب المصري وإكباره، وموضع تقدير الشعوب العربية والإسلامية. وكل ما استطاعت السلطة المعادية للإخوان فعله حيال هذه الأمجاد الكبيرة لم يتعد محاولة إخفائها أو طمسها عن طريق إغفالها وعدم ذكرها، أو نسبة دورهم في فلسطين إلى " المتطوعين المصريين" كل ذلك للتعتيم على ما قاموا به.

لقد انصرف الشارع المصري عن تأييد الإخوان عندما انغمسوا في أعمال القتل والنسف ضد السلطة القائمة حيث تبع ذلك دعاية ضخمة من جانب السلطة وصمت الإخوان بالإرهاب والتخريب والتعطش لسفك الدماء. وإذا كان حسن البنا قد قال أن تلك الأعمال تهدم ما بناه طوال عمره، وأن الرصاصات التي أطلقت على الخازندار إنما أطلقت على صدره هو ( صدر البنا) ، فلماذا يغمض الإخوان أعينهم عن كل هذا ليربطوا قرار الحل وغيره من الكوارث التي حلت بهم بأسباب أخرى.

والتحرك الرئيسي الذي أبرزه سياق هذا الفصل يظهر أن الإخوان المسلمين دخلوا معترك السياسة الوطني بعد سنتين من إبرام معاهدة سنة 1936م بين مصر وبريطانيا، وقد افتتح المرشد العام حسن البنا هذا الدخول بمقال أبرز فيه التغيير الذي أشرنا إليه في مسار الحركة، وأعلن عن رؤية جديدة، و( إستراتيجية) جديدة كذلك.

الفصل السادس

الإخوان وثورة 23 يوليو ( تموز ) 1952