محمد عادل فارس

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
المهندس الداعية محمد عادل فارس وإخوان سوريا


المهندس الداعية محمد عادل فارس

عمر العبسو

مقدمة

هو الأستاذ الكاتب المهندس الداعية المربي محمد عادل فارس الذي يعدّ من أبرز أعضاء الحركة الإسلامية في فترة من فترات تاريخها المعاصر، وهو عضو رابطة كتاب الثورة السورية، امتاز بالحماس والحيوية والنشاط، وهو ما يزال يعطي، ويكتب، وينشر، وفي هذه الصفحات نكشف عن تاريخ حافل بالعطاء للأخ الحبيب أبي عبيدة، ...فمن هو ؟ وما هي سيرة حياته ؟ وما هي مسيرته العلمية والعملية والجهادية ...؟ هذه الصفحات القليلة تجيب على بعض هذه الأسئلة.

مولده، ونشأته

ولد الأخ المهندس الداعية محمد عادل بن عبد القادر فارس في مدينة حلب الشهباء في العاشر من محرّم عام 1363هـ/ الموافق لـِ 5 / 1 / 1944م، في حي شعبي عريق، هو حي المشارقة. ويُعرف أهل حي المشارقة بالمروءة والشجاعة والشهامة. ويغلب عليهم آنذاك الأميّة والفقر، إلى جانب قليل من المتعلمين، وقليل من الموسرين. ونشأ محمد عادل فارس في كنف أسرة مسلمة محافظة، فوالده (عبد القادر فارس) كان رجلاً أمياً صالحاً عابداً ومستقيماً، يعمل في دكان سمانة صغير في حي المشارقة، وقد توفي – رحمه الله تعالى - سنة 1970م.

ولقد كان أبوه من متوسطي الحال في ذلك الحي! وكان على جانب كبير من التديّن، ويحظى باحترام أهل الحي، واحترام التجار الذين يتعامل معهم... بسبب استقامته وسماحته. وأما الوالدة الفاضلة (أمينة بنت أحمد عويجة – رحمها الله- فقد كانت أكثر تديّناً، وتتابع أولادها الصغار في أداء الصلاة كما أنها كانت ربة بيت ناجحة، تهتم بتربية أولادها، وتحرضهم على طلب العلم..، وقد توفيت سنة 2003م).

وترعرع محمد عادل فارس في كنف تلك الأسرة المتدينة مع إخوته الخمسة (2 بنتاً، و3 ذكور)، وهم:

  1. أخت شقيقة تركت الدراسة قبل المرحلة الثانوية، توفيت سنة 2002م .
  2. الأخت فدوى فارس: درست الثانوية الشرعية في حلب، وهي متزوجة، وتعيش مع زوجها في بريطانيا.
  3. الشهيد سعد فارس: وهو أصغر الإخوة، كان لا يزال يدرس في المرحلة الثانوية استشهد عام 1980م.
  4. محمد فارس: درس المرحلة الابتدائية والإعدادية في مدارس حلب، ثم ترك الدراسة قبل المرحلة الثانوية.
  5. مطيع فارس: وقد ترك المدرسة قبل المرحلة الثانوية.

دراسته، ومراحل تعليمه

ومنذ نعومة أظفاره بدأ التعلم في الكتاتيب، عند المشايخ و"الخوجات"، وقد أنجز تعلم القرآن الكريم كاملاً، وهو ابن ست سنين. وأكثر من أفاده في ذلك " الخوجة بديعة أبو صالح" – رحمها الله- فقد كانت ذات هيبة ووقار، وحزم وعلم. بدأ الدراسة الابتدائية عام 1950-1951م. وقد كان في مستوى دراسي يتراوح بين الجيد والجيد جداً، ونال شهادة الدراسة الابتدائية صيف 1955، وكانت المرحلة الابتدائية آنذاك خمس سنوات.

ومع أن مجموع علاماته في الشهادة الابتدائية كان عالياً، فإن قبوله في ثانوية المأمون، التي تبعد عن بيته مسيرة بضع دقائق، كان متعذّراً أو متعسراً! كانت الثانويات تضم الصفوف من السادس حتى الثاني عشر! وكانت ثانوية المأمون، مخصصة لأبناء الأحياء الراقية، فلم يتمكن من تحصيل قبول فيها إلا بوساطة بعض الأقرباء والجيران، لا سيما أستاذ اللغة العربية الشهير علي رضا!.

وفي الحقيقة، كان يرغب بالدراسة في الثانوية الشرعية، انسجاماً مع توجهه الديني العفوي، لكن الأستاذ علي رضا نفسه، أقنع أهله بالعدول عن تلك الفكرة، وقال لهم: تلك الدراسة لا تؤهله إلا لأن يكون مؤذناً أو إمام مسجد!. لم يندم على دخوله الدراسة العامة، بل تجاوب معها، ونال الشهادة الثانوية في صيف 1962، بمعدل عال! وكان طوال دراسته يحب مواد اللغة العربية، والتربية الإسلامية، والرياضيات، والعلوم.

وهنا أيضاً كانت رغبته الحقيقية أن يدرس الشريعة، أو الأدب العربي، لكن اعتباراً آخر صرفه عن ذلك. فالدراسة في أي من الاختصاصين المذكورين ستكون في جامعة دمشق، وهذا يرتّب عليه نفقات السفر والسكن، فضلاً عن الأقساط الجامعية والكتب... مما يعجز والده عن دفعه. وكان بالإمكان أن يدرس من غير دوام في الجامعة، ويكتفي بالسفر لأجل التسجيل والامتحانات فحسب... لكنه، في هذه الحال، لن يتمكن من التلقي على الأساتذة الكبار، ولن يتمثل المعارف المطلوبة بعمق، إنما سيحصل على شهادة لا تسمن ولا تغني من جوع. وكان يرى – ولا يزال- أن من اختار الدراسة في فرع من فروع العلم فعليه أن يتقنه.هكذا كانت قناعته.

وكان عليه أن يختار بين كليات جامعة حلب آنذاك: كلية الهندسة، وكلية الزراعة، وكلية الحقوق. فاختار دراسة الهندسة المدنية. وقد تجاوب كذلك مع الدراسة وأحبها، وأفاد منها تنمية التفكير العلمي، ولا سيما الجانب الرياضي منه. وتخرج في صيف 1967، بدرجة "جيد". ولا زال يذكر أنه خرج من امتحان إحدى المواد، يوم الاثنين، الخامس من حزيران، فرأى الطلاب متجمعين في ساحات الكلية يتحدثون عن حرب اعتدت فيها إسرائيل على مصر...

وتوقف الامتحان نحو شهر أو يزيد، ليستأنف من جديد. وبعد تخرجه في كلية الهندسة انتسب إلى كلية الشريعة، ودرس فيها سنة واحدة، وترك الدراسة على إثر قبوله موظفاً في مؤسسة المشاريع الكبرى.

أعماله، ومسؤولياته

وفي الحقيقة فإن السنة التي أعقبت تخرجه في كلية الهندسة، كانت سنة غنية في حياته. ففضلاً عن نشاطه الدعوي في صفوف جماعة الإخوان المسلمين، وفي المساجد، فقد عمل مهندساً متدرباً، وفق النظام المعمول به في نقابة المهندسين، وفي الوقت نفسه درس ودرّس. درسُ في كلية الشريعة، ودرّس مادة الرياضيات في إعدادية الحسن بن الهيثم، وأنهى العام الدراسي والامتحانات، وقدّم نتائجها إلى إدارة المدرسة، ثم ذهب إلى دمشق لامتحانات كلية الشريعة، وكانت قد انقضت امتحانات ثلاث مواد، فتقدم إلى امتحان المواد السبع الباقية، ونجح فيها جميعاً بفضل الله.

كان توجهه الإسلامي – في طفولته ومراهقته- يتراوح بين العاطفة والالتزام السلوكي، صعوداً وهبوطاً، لكنه لم يتوجه مطلقاً وجهة بعيدة عن الدين، ولم ينخرط فيما ينخرط فيه بعض أبناء جيله من انحرافات سلوكية. وبدءاً من عام 1960 بدأ التزامه يتبلور أكثر، ويتعمق أكثر، وقراءته تتوجه نحو الكتب الدينية، إلى جانب الكتب الأدبية. وراح يحضر دروس المشايخ: عبد الفتاح أبو غدة، وعبد القادر عيسى، وعبد الله سراج الدين، ومحمد السلقيني، وعبد الوهاب سكر، ثم محمد الحامد، رحمهم الله جميعاً، فضلاً عن علماء أفاضل حضر لهم مجالس علم أو خطباً، قليلة العدد، لكنها غزيرة الفائدة

كالشيوخ الفضلاء:

إبراهيم السلقيني، ومحمد علي الصابوني، ومحمد عوّامة، وعبد الحميد طهماز، ومحمود الحامد، ومحمد بشير الشقفة... وغيرهم.. وغيرهم...

وقد أدرج أسماء شيوخ حمويين، لأنه سكن حماة في أثناء وظيفته مهندساً في المشاريع الكبرى.

لكن الشيخين اللذين كان لهما أكبر الأثر في ثقافته وتوجهه هما:

الأول: الشيخ عبد الفتاح أبو غدة – رحمه الله- الذي أفاد منه الكثير الكثير في الفقه والأخلاق والوعظ الراقي والذوق والأدب... وفي الولاء للإسلام وقضاياه، وفي حب العلم والقراءة... في إحدى المرات، بعد أن صدر كتابه في تحقيق "رسالة المسترشدين" للحارث المحاسبي، رآه يقدّم نسخة منه هدية للشيخ محمد نجيب خياطة، ويقبّل يده، فقد كان الشيخ الخياطة أكبر سناً، ولعله كان أستاذاً للشيخ عبد الفتاح في التجويد أو في المواريث، وهما المادتان اللتان يختص بهما الشيخ الخياطة رحمه الله.
وكان للشيخ خطبة على منبر الجمعة في مسجد الثانوية الشرعية (الخسروية)، فكانت خطبة في الأدب والسلوك والتوعية العامة، وفي بعض المناسبات تكون خطبة سياسية نارية يفضح فيها جرائم السلطة البعثية. وبعد الخطبة والصلاة يعطي درساً يسمّيه "جلسة التفقه في الدين" يتلقى فيه أسئلة من الحاضرين مكتوبة على أوراق، فيتخيّر منها الأسئلة التي يراها أولى بالإجابة، فيبدأ بها، وكانت إجابته مزيجاً رائعاً من العلم والفكر والتوجيه والأدب والشعر... مما يشدّ نفوس المستمعين، ويمنحهم قدراً كبيراً من الفائدة والمتعة.
وبدءاً من عام 1964، وتلبيةً لطلبه وطلب بعض أصدقائه صار يلقي كذلك درساً أسبوعياً مساء كل خميس في مسجد سيف الدولة، وكان يختار لكل درس موضوعاً في التفسير أو في الأخلاق والآداب... وبعد سنة أخرى زاد على ذلك درساً في مسجد زكي باشا في حي الإسماعيلية يقرأ فيه من الكتاب الذي كان يحققه "فتح باب العناية لشرح كتاب النقاية" وهو في الفقه الحنفي. ولم يكن يفوّتُ للشيخ خطبة أو درساً مهما كانت الظروف، وهذا ما أكسبه ثروة من العلم لا يزال ينهل منها.
وقد حبّب الشيخ إليهّ وإلى تلامذته العلم والقراءة واقتناء الكتب، ما جعله يقرأ مذ كان في المرحلة الثانوية تفسير ابن كثير، ويقرأ فيما بعد إعلام الموقّعين لابن قيم الجوزية، واقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم للإمام ابن تيمية، وكتباً أخرى كثيرة. وجعله كذلك أن أتفق مع مجموعة من رفاقه لدراسة الفقه فيما بينهم بضعة أيام شعروا خلالها بضرورة قراءة هذه المادة على يد عالم متخصص، وقد هداهم الله إلى الشيخ محمد السلقيني فقرأوا عليه كتاب مراقي الفلاح، وجزءاً من كتاب الاختيار.. وغيرهما، بل حضروا كذلك سلسلة من دروس التفسير عند الشيخ محمد علي الصابوني، ودروس السيرة النبوية عند الشيخ عبد الوهاب سكّر.ولقد كان للشيخ عبد الفتاح أثر عميق في نفسه وفي توجيهه الفكري والعلمي والخُلقي.
والثاني: هو الشيخ محمد السلقيني - رحمه الله- الذي أفاد منه شيئين عظيمين، إلى جانب أشياء مفيدة كثيرة، الشيء العظيم الأول هو فهم العبارة الفقهية، أي القدرة على حل عبارات كتب الفقه القديمة، والشيء العظيم الثاني هو الإخلاص والتجرد والتربية بالحال، فقد تعلم من تواضعه الحقيقي العفوي ومن تضحيته بالمال والجهد والجاه... ما لا يمكن أن يتعلمه لو قرأ كل مجلّدات المكتبات!.
وفي مطلع 1964 تقريباً انتسب فعلياً إلى جماعة الإخوان المسلمين، وكانت السنوات الأولى من هذا الانتساب تمثل ذروة نشاطه الدعوي.

السجن، والاعتقال

وفي نيسان 1973 دخل المعتقل لمدة أربع سنوات، وكان معه في المعتقل د. خالص جلبي، ود. فاروق بطل، وكان زملاؤه في السجن يتحدثون عن جلده وحماسه وقوة إيمانه . وفي نيسان 1979 دخل المعتقل مرة ثانية لمدة عشرة شهور! وفي كانون الأول 1980 غادر سورية فراراً بدينه!

من أهم الشخصيات التي تأثر بها الشهيد سيد قطب، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة. وبطبيعة الحال فقد تأثر بعشرات الشخصيات الأخرى، بل بمئاتها، من علماء وأدباء وخطباء ومدرّسين وزملاء... من إسلاميين وعلمانيين. وكانت قراءاته متنوعة، في علوم الشريعة (التفسير والفقه وأصول الفقه وعلوم الحديث...)، واللغة العربية وآدابها، وفي علوم النفس والتربية، وفي الثقافة العلمية، لا سيما الطبية.

مؤلفاته

وله كتابات في بحوث إسلامية وتربوية، كثيرة، لم يطبع منها سوى كتاب واحد هو:

  1. لأنهم قالوا: لا – وهو مذكراته في فترة الاعتقال الأول الذي امتد من نيسان 1973م إلى نيسان 1977م.
  2. مذكرة في علوم القرآن - مخطوط .
  3. مذكرة في علوم الحديث – مخطوط.
  4. العقيدة الإسلامية – مذكرة مخطوطة .
  5. المذاهب الفقهية وأصولها - مخطوط .

وقد ألقى تلك المذكرات دروساً في دورات إيمانية . ولديه مئات المقالات المنشورة في رابطة أدباء الشام، ورابطة كتاب الثورة السورية، وأكثرها في التراجم.

أحواله الاجتماعية، والأسرية

تزوج محمد عادل فارس في أواخر عام 1971، من امرأة تقية، صبرتْ معي على البأساء والضراء، وعلى الانهماك في أعمال الدعوة... وما يرافق ذلك من متاعب وحرمان... فكانت زوجاً صالحة... نسأل الله تعالى أن يثيبها على صبرها وبذلها، ويجزيها خير جزاء. وقد رزق منها ثمانية أولاد: اثنان من الذكور، وست من الإناث...

أخلاقه، وصفاته

يتحلى الأخ أبو عبيدة بالصبر والثبات فقد اعتقل وسجن فكان راسخ الإيمان لا يتزعزع، وقد وصفه الشاعر د. خالد حماش بأنه مهندس العقول، الذي يعد رمزاً للعطاء والاستقامة، وقد أثنى عليه د. حسان سيد عيسى، فقال عنه: رجل ممتلئ بالعلم والحيوية والنشاط والخدمة العامة عرفته منذ قرابة أربعة عقود محباً لدينه ودعوته وإخوانه دائم البسمة عصامي في عمله لا يعرف الهزل حريص على وقته ومواعيده، وهو داعية ومربي، نسأل الله لنا وله ولهم الثبات على الإيمان، والوفاة على الإسلام، وأن يلحقهم بالصالحين.

وفي حوار له يحكي ذكرياته وسط جماعة الإخوان المسلمين فيقول:

طالب ضابط تعرّفتُ إليه حين كنتُ مدرّساً في بعض المدارس الإعدادية في حلب. كان غلاماً يافعاً، معتدل القامة، أبيض البشرة، مشرباً بحمرة، أشقر الشعر… يبدو من ملامحه ومن لباسه أنه من بيئة ريفية، أو من حي شعبي فقير… وليس هناك فرق كبير بين البيئة الريفية والأحياء الشعبية الفقيرة.

كانت عيناه الزرقاوان تشعّان ذكاء وصفاء، وكانت ابتسامته التي لا تكاد تفارق محيّاه، تنمّ عن طيب ومودة. وكان مجِدّاً في دروسه، متفوقاً بعض التفوق بين أقرانه. وكنا نلحظ أن معظم الطلاب المتفوقين أقرب إلى التدين والجدية والاستقامة السلوكية والخُلُقية… ولا غرابة إذاً أن يلقَوا منا اهتماماً خاصاً. إنهم أسرع استجابة، وأكثر عطاءً وفعالية. ألم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم أعزّ الإسلام بأحد العُمرين" ؟. يريد عمر بن الخطاب وعمرو بن هشام (أبا جهل)، وما ذلك إلا لخصائص في شخصية الرجلين. وكان أن استجاب الله تعالى دعاء نبيّه صلى الله عليه وسلم، فهدى عمر بن الخطاب حتى صار فاروق الأمة، وبقي الآخر يحارب الإسلام حتى لفظ أنفاسه يوم الفرقان.

وهذا هو المعنى الذي أراده صلى الله عليه وسلم حين قال: "تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقُهوا". رواه البخاري ومسلم. والأمر ينسحب على أبناء الإسلام، فأذكاهم فؤاداً، وأزكاهم نفساً، وأصفاهم سريرة، وأوسعهم علماً… يكون أعظم تأثيراً في المجتمع. اخترتُ مجموعة من التلاميذ، من بينهم عبد الله هذا، وكلهم على شاكلته ديناً وخُلقاً وذكاءً…

وكنتُ أجتمع بهم مرةً أو أكثر كل أسبوع، أُعينهم في دروسهم، وأعلّمهم تلاوة القرآن الكريم، وأوضّح لهم معاني في الإسلام يغفُل عنها عامة الناس، نتيجة الجهل الموروث، أو التجهيل المتعمّد الذي تمارسه أنظمة التعليم، وقنوات الثقافة التغريبية التي تعمل على نشر قيم ومفاهيم مناهضة للدين الحق، وتشكيل عقول أبناء الجيل ونفوسهم بعيداً عن الإيمان بالله واليوم الآخر، وعن المرجعية الدينية في معيار الخير والشر، والفضيلة والرذيلة.

وكانت اجتماعاتنا تتناول تفسيراً لآيات من القرآن الكريم، وشرحاً لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وعرضاً لمواقف من سيرته الشريفة، وبياناً لأحكام فقهية تهم المسلم في صلاته وصيامه، وتعامله مع نفسه وأهله ومجتمعه.وما كادت تمضي شهور العام الدراسي حتى بدا على هؤلاء التلاميذ أثر النمو التربوي، والتفتّح الذهني، والنضج العام. وشاء الله أن ينتقل عملي إلى مكان بعيد، وأن يُوكل أمر هؤلاء التلاميذ إلى أخ آخر ليتابع الطريق… وبقيتْ بيني وبينهم صلات مودة وأخوة في الله، فكانوا يزورونني في بعض المناسبات، أو يرسلون إلي بطاقات المعايدة… ومضت نحو ثلاث سنوات لم أجتمع فيها بعبد الله ولم أسمع أخباره.

وبينما كنتُ أسير في إحدى الأمسيات، في شارع القوتلي بحلب، قريباً من نقطة تقاطعه مع شارع بارون، شدت انتباهي كوكبة من طلاب الضباط بلباس الخروج الأنيق، والقفازات البيضاء، ونظرتُ نحوهم، والتقت عيناي بعينَي عبد الله، لكنه أشاح بوجهه متعمداً، وكأنه يريد أن يقطع عليّ الطريق أمام أي تحية أو حديث!. تفهّمت موقفه. لا شك أنه اختار أن يخدم دينه عبر دخول الجيش بعد حصوله على الشهادة الثانوية، وإذاً لقد تمكّن أن يعبر إحدى العقبات الكأداء، وهي أن يستر انتماءَه الإسلامي ويتمكّن من الانخراط في الجيش "العقائدي". وإنّ أهم مؤهل لهذا الانخراط أن يبدو طالب الانتساب متحللاً من الدين والأخلاق!.

قلت في نفسي:

الحمد لله الذي مكّنه من عبور هذه البوابة الضيقة. ولكن كيف يستطيع أن يستر نفسه داخل الكلية العسكرية من غير أن يتحلل فعلاً من الدين والخلق؟!. أعانه الله.

ومضت على ذلك نحو ثلاث سنوات أخرى. كنت أسير كذلك في أحد الشوارع في وسط المدينة وإذ بعبد الله صاحبي، يناديني: أستاذ، أستاذ. ثم يصافحني ويعانقني، وقد تهلّل وجهه فرحاً، ثم ما لبث أن انفجرت دمعتان من عينيه: يا أستاذ أتذكرُ حين رأيتني قبل ثلاث سنوات؟! لقد أشحتُ بنظري عنك حتى لا ينكشف أمري أمام زملائي. إننا نتعامل فيما بيننا وكل منا يفترض أن زميله جاسوس عليه. وقد كنتُ طوال الفترة أداري تديّني، وأتخفّى بصلاتي، وأجامل رفاقي، وقد أقع في بعض الحرام، وأستغفر الله… كل ذلك من أجل استمراري في الجيش… لكن ذلك كله لم ينفعني، فالجو الذي نعيش فيه جو فاسد كل الفساد: التلفّظ بألفاظ الكفر، وشتم الله ورسوله ودينه، ثم معاقرة الخمر، وممارسة الزنا… ومن نجا من الوقوع في واحدة من هذه الموبقات وقع في غيرها…

فإذا احترز كثيراً حتى لا يقع فيها فهذه إدانة قوية له أمام أصحاب الأقلام السوداء:

إنه إذاً من الإخوان المسلمين، وإلا فلماذا لا يسكر معنا؟ ولماذا يرفض مشاركتنا في ليالي الأُنس والترفيه؟ ولماذا يكفُّ لسانَه عن الكفر والبذاءة؟!… هذه التحفظات لا تكون إلا من الإخوان المسلمين.

وهكذا يا أستاذي حين حلّ موعد ترفيع الدورة إلى رتبة ملازم أول، صدرت قائمتان. الأولى تضم نحو ستين بالمئة من ضباط الدورة مع قرار بترفيعهم، والثانية تضم الباقين، مع قرار بتسريحهم… وكنتُ في هذه القائمة الثانية. لستُ نادماً بل أحتسب عند الله ما عانيتُ خلال هذه المدة وصبرت ابتغاء وجهه وخدمةً لدينه… وأستغفره سبحاته مما ترخّصت فيه، وكنتُ أقصد سترَ نفسي.

بعد شهور قليلة كانت قوات الفرقة الثالثة مع مئات الدبابات والمدرعات وما يتبعها من مجموعات المشاة وأسلحتها وتجهيزاتها… تطوق مدينة حلب وتقوم بعملية التمشيط. كان في يدي مذياع صغير. وسبحان الله، استوقفني صوت منه وأنا أدير إبرته على موجات الـFM. سمعتُ خطاباً من بعض الضباط الذين تمكنوا من احتلال حلب! يخاطب قائده: "سيدي. لقد تصدّينا لمقاومة عنيفة. قُتِل منا أربعة، وجُرح سبعة. لكننا في النهاية استطعنا أن نقتل المجرم، إنه شاب أبيض أشقر ممتلئ الجسم… في جيبه هوية تحمل اسم عبد الله… ".

رحمك الله يا عبد الله، وتقبّلك شهيداً.

ألبوم الصور

1-محمد-عادل-فارس.jpg
2-محمد-عادل-فارس.jpg
3-محمد-عادل-فارس.jpg
4-محمد-عادل-فارس.jpg
5-محمد-عادل-فارس.jpg
6-محمد-عادل-فارس.jpg
7-محمد-عادل-فارس.jpg

مصادر الترجمة

  1. رسالة من الأخ الفاضل أبي عبيدة محمد عادل فارس بتاريخ 10 تشرين 1 عام 2019م.
  2. معلومات من أصدقائه: الشيخ مجد مكي، ود. حسان سيد عيسى، ود. عثمان مكانسي، ود. خالد حماش...وغيرهم.
  3. محمد عادل فارس: مذكرات إخوانية، موقع الإخوان المسلمين بسوريا، 13 أغسطس 2020م

للمزيد عن الإخوان في سوريا

مراقبو الإخوان في سوريا

1- الشيخ الدكتور مصطفي السباعي (1945-1964م) أول مراقباً عاماً للإخوان المسلمين بسوريا ولبنان.

2- الأستاذ عصام العطار (1964- 1973م).

3- الشيخ عبدالفتاح أبو غدة (1973-1975م).

4- الأستاذ عدنان سعد الدين (1975-1981م).

5- الدكتور حسن هويدي (1981- 1985م).

6- الدكتور منير الغضبان (لمدة ستة أشهر عام 1985م)

7- الأستاذ محمد ديب الجاجي (1985م لمدة ستة أشهر).

8- الشيخ عبدالفتاح أبو غدة (1986- 1991م)

9- د. حسن هويدي (1991- 1996م).

10- الأستاذ علي صدر الدين البيانوني (1996- أغسطس 2010م)

11- المهندس محمد رياض شقفة (أغسطس 2010)

.

من أعلام الإخوان في سوريا
أقرأ-أيضًا.png

كتب متعلقة

ملفات متعلقة

مقالات متعلقة

تابع مقالات متعلقة

أخبار متعلقة

وثائق ومتعلقات أخرى

وصلات خارجية

الموقع الرسمي لإخوان سوريا

وصلات فيديو

.